|
الباب الثانى المواجهه بعد الهجره
الوصول الى يثرب واقامه الدولة
الوصول الى يثرب: نجا النبى من موامره القتل التى خططت لها زعامه بطون قريش، ونجا ايضا من مطارده خيل البطون ورجلها بعد فشل موامره القتل، وتابع رحلته المباركه الى يثرب، وسبقت وصوله اليها انباء هجرته، ونجاته من القتل والمطارده. لقد سمع سكان يثرب ومن حولها الكثير الكثير عن رسولاللّه واختلفوا بشانه اختلافا كبيرا حتى قبل ان يهاجر اليهم، فمنهم من آمن به واحبه حبا شديدا، وترقب بشوق بالغ قدومه، واعتبر هذا القدوم فاتحه خير وبركه على الجميع. ومنهم من فوجىء بدخول الاسلام الى يثرب، ومن سرعه انتشاره، فكره النبى كرها شديدا دون ان يراه، وحكم عليه مزاجيا قبل ان يستمع اليه، وتمنى من كل قلبه لو ان بطون قريش قد تمكنت منه فقتلته شر قتله، ووضعت له ولدينه حدا وبالتالى فقد كره قدومه، واعتبر هذا القدوم شرا مستطيرا. وبالرغم من اختلاف يثرب ومن حولها بشان النبى وبشان دينه، الا ان الجميع اعتبروه شخصا مميزا، وبطلا صمد امام ضغوط بطون قريش ال23 طوال 13 سنه، ونجا من محاوله قتله، ومن عمليه مطارده البطون له، ويبدو ان الذين بايعوه فى العقبه الكبرى قد نجحوا نجاحا باهرا بالاعداد لقدومه، فتولدت حاله من الانبهار العام، جعلت الجميع يتلهفون على مشاهده الرجل النبى، واخفى الكارهون له ولدينه ولقدومه مشاعرهم بالكره، واظهروا له غير ما ابطنوا، وابدوا كياسه بالغه، وحسن ضيافه، بعد ان اخذوا بحاله الانبهار العام. وهكذا خرجت يثرب ومن حولها عن بكره ابيها، ولاول مره فى تاريخها، لتستقبل النبى مظهره له كل مشاعر الاعجاب والاحترام، والفرح بقدومه، وعرض عليه العديد من وجهاء يثرب ان يحل ضيفا عليهم، ومن جمله الذين عرضوا عليه ذلك عبداللّهبن ابى (زعيم المنافقين)، وتنافسوا لينالوا شرف ضيافته، وخرج النبى بحل ادهش المتنافسين على استضافته، وقطع تنافسهم، حيث قرر ان يحل بالمكان الذى تبرك فيه ناقته الماموره.
القوى الفاعله فى يثرب عند قدوم النبى اليها: 1- الاوس والخزرج: كانت تسكن يثرب وما حولها قبائل عربيه، اكثرها واهمها على الاطلاق الاوس، والخزرج، وكل قبيله من هاتين القبيلتين ترى ان السياده اذا آلت للقبيله الاخرى منهما فانه حط من قدرها، وانتقاص من كبريائها، ولم تتوصلا مع الزمن الى قاسم مشترك، مما جر عليهما المتاعب والويلات، وغرس فى نفوس المنتسبين اليهما بذور الحسد والتنافس والكراهيه والحقد، فاذا تبنى الاوس موقفا، فالخزرج يتبنون بالضروره الموقف المناقض له، واذا اندفعت الخزرج نحو خير، اندفع الاوس لينالوا اوفره، وانقسمت كل قبيله من هاتين القبيلتين الى بطون متعدده، وجرى تنافس صامت بين هذه البطون لا يقل حده واثرا عن التنافس الذى كان يجرى بين القبيلتين الام. كل هذا اوجد حاله من التاكل الداخلى فى المجتمع اليثربى الذى تشكل القبيلتان اسسه وقوامه، وشعورا عميقا بالحاجه الى حل ياتى من خارج يثرب، وسعت كل قبيله منهما لتتبنى هذا الحل، ولتكون لها اليد الطولى بايجاده، وهذا يفسر السرعه الهائله التى انتشر بها الاسلام فى يثرب ومن حولها. والخلاصه ان اهم القوى الفاعله فى يثرب يكمن فى الاوس والخزرج. 2- القبائل اليهوديه: ويسكن المدينه وما حولها مع الاوس والخزرج قبائل يهوديه ارتبطت مع هاتين القبيلتين باحلاف عشائريه، وتعاطت التجاره، واحتكرتها، وتمركزت بها رووس الاموال، وتعاملت بالربا، ومارست اذكاء نار الفتنه بين بطون هاتين القبيلتين، وكونت لنفسها نفوذا هائلا، ولكنها لم تفكر بالسياده على يثرب لاحساسها العميق بانها عنصر اجنبى لا يقبل اليثاربه حكمه، ومن اهم القبائل اليهوديه فى يثرب بنو قينقاع، وبنو النضير، وبنو قريظه. وعلى الرغم من ان الاوس والخزرج جميعا عرب، اصلهم واحد الا ان احساسهم بهذا الرباط لا يكاد يذكر بسبب ضراوه التاكل الداخلى، وعنف التنافس واثرهما المدمر. ومع ان القبائل اليهوديه كانت تدين بالديانه اليهوديه، وتشعر جميعا بوطاه الغربه، الا ان الرابطه العامه بين هذه القبائل تكاد ان تكون معدومه عمليا بسبب عمق التنافس المادى بين هذه القبائل، بدليل ان رسولاللّه(ص) قد هرسها فيما بعد قبيله بعد قبيله وهى تتفرج على بعضها دون ان تحرك ساكنا او تحتج احتجاجا يذكر. 3- المسلمون الانصار: وهم الذين اسلموا من بطون الاوس والخزرج او تظاهروا بالاسلام، وقد عرفوا جميعا بالانصار، وطبيعه العلاقه بين القبيلتين القائمه على التنافس الحاد والسعى الحثيث الى السبق والفوز والتقدم عجلت بدخول منتسبى القبيلتين معا فى دين الاسلام، حتى لا تسبق قبيله قبيله، او تختص قبيله بالفضل دون الاخرى، ففى فتره يسيره دخل افراد القبيلتين، او تظاهروا بالدخول فلم يعد بامكان اى فرد من افراد هاتين القبيلتين ان يعلن اعتناقه لغير دين الاسلام، وهكذا عم الاسلام اسميا المدينه وما حولها، ولم يبق من هولاء السكان على دينه القديم غير اليهود، ومع هذا اسلمت مجموعه منهم، بمعنى ان سكان يثرب وما حولها دخلوا فى الاسلام او تظاهروا بدخوله طوعا وبدون اكراه. وكان للصادقين منهم دور بارز فى نشر الاسلام فى يثرب وفى تهيئه المجتمع اليثربى نفسيا لقبول قياده النبى، وفى خلق حاله الانبهار العام التى دفعت الجميع لاستقباله، وعجلت بانتشار الاسلام، وتكون من هولاء الصادقين فى ما بعد مع من هاجر جيش النبى الذى دانت له العرب، والصادقون موزعون على مختلف بطون قبيلتى الاوس والخزرج. والخلاصه ان مسلمى الانصار شكلوا قوه كبرى فاعله وموثره ومتميزه عن غيرها من القوى الفاعله فى يثرب. 4- المسلمون المهاجرون: وهم الذين اسلموا من سكان مكه، وهاجروا قبل النبى او بعده واستمر تدفقهم على يثرب حتى فتح مكه، وبعد الفتح ادرك الاذكياء من اهل مكه ان الاسلام هو طريق الدنيا وطريق الاخره معا، وان مفتاح ذلك هو موالاه محمد او التظاهر بموالاته وتصديقه، والخلاصه لقد تجمعت فى يثرب قوه فاعله ومتميزه عن غيرها عرفت (بالمهاجرين) وكانت اكثريتها من بطون قريش وبعضهم من الموالى الذين امتحن اللّه قلوبهم للايمان. 5- المنافقون: فوجئت الاغلبيه الساحقه من رجالات يثرب بانتشار الاسلام، وسرعه توغله فى النفوس، مثلما فوجئت بحاله الانبهار العام بشخصيه الرسول، وبقدره الدين الجديد، وقدره نبيه على استقطاب الناس وخلق آليه الاستقطاب. واكتشفت ان معارضه النبى او معارضه دينه مجابهه هى بمثابه انتحار سياسى يجر على صاحبه سخط العامه، والعزل التام عن اى دور فى القياده او التوجيه ويخرجه من دائره الضوء. وتفتقت ذهنيتهم المريضه عن مبدا خطير قدروا انه الحل الوحيد وهو مبدا: (الاسلام التام فى الظاهر والكفر التام فى الباطن). فالمنافق ينطق بالشهادتين، ويعلن بلسانه ان القرآن كلام اللّه، ويسبح، ويصلى، ويصوم ويزكى، وينفق ويتصدق، ويعتمر، ويحج، ويخرج للجهاد مع الرسول، او يعتذر عن الخروج، ويبالغ بالاعتذار اذا تخلف حتى يقبل الرسول عذره، فمن حيث الظاهر هو مسلم من جميع الوجوه. لكنه فى قراره نفسه كافر بكل ما جاء به محمد، يكره النبى، ويكره قيادته للمجتمع، يحقد على النبى وعلى اهل بيته، وعلى من يحبهم ويواليهم، ويحب الذين عادوا النبى واهل بيته فيتخذه وليجه له ووليا، ويتربص الفرص لنقض كلمه الاسلام من اصولها. لقد ترسخت فكره النفاق، وصارت مشكله النفاق من اعظم المشكلات التى واجهت النبى ومن والاه، حيث عمت هذه الظاهره، المدينه وما حولها، فعبداللّهبن ابى يسكن مع ابنه فى بيت واحد، ومع هذا فالوالد زعيم المنافقين، والابن عبد صالح يوالى اللّه ورسوله، ولقد عبر القرآن عن ذلك خير تعبير قال تعالى: (وممن حولكم من الاعراب منافقون، ومن اهل المدينه مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم)(406).. لقد تحول المنافقون الى قوه رهيبه، فقد كثر عددهم حيث شكلوا الاكثريه الساحقه من مجتمع المدينه، ولكن فاعليتهم كانت ملجومه بقياده النبى الحكيمه، وبوجوده المبارك. وقبول المسلمين لهذه القياده وكم حاول النبى ان يصلحهم، وان يهديهم سواء السبيل، ولكنهم اختاروا العمى على الهدايه، وذهبت كل المحاولات ادراج الرياح.
عندما انتقل النبى الى جوار ربه، رقص المنافقون طربا وفرحوا بموته، وفرحوا عندما دب الخلاف بين اتباعه، وكانت سعادتهم لا توصف عندما خرج اهل بيت النبوه من دائره الحدث والتاثير واقصوا عن قياده الامه. هنالك اختفت كلمه النفاق وتبخر المنافقون تماما، وكانهم كانوا ينتظرون موته ليصلحوا انفسهم قبل ان يرتد اليك طرفك، وليعلنوا ولاءهم المطلق للسلطه التى خلفت النبى!! ان هذا لشىء عجاب. وبعد ان استعرضنا القوى الفاعله فى يثرب عند قدوم النبى، سنبين بما امكن من الايجاز كيف تعامل النبى مع هذه القوى؟
الاعلان عن قيام الدوله الاسلاميه: بعد نجاه النبى من موامره قتله التى خططت لها زعامه بطون قريش، وافلاته من مطارده خيل البطون ورجلها له، تابع رحلته المباركه الى يثرب، ووصلها ووجد سكان يثرب ومن حولها من الاعراب قد خرجوا عن بكره ابيهم ليستقبلوه، وليظهروا او يتظاهروا باظهار فرحتهم بقدومه، بغض النظر عن حقيقه نواياهم، ودوافعهم لهذا الاستقبال والخروج، وبغض النظر عن اختلافهم الكبير بشان النبى كما اسلفنا. ومن الموكد ان سكان يثرب ومن حولها، كانوا بواقع الحال احد ثلاثه: 1- فاما مومن صادق يعتبر موالاه النبى وطاعته جزءا من دينه وهذا حال الذين امتحن اللّه قلوبهم للايمان من المهاجرين والانصار، كسعدبن عباده، وسعدبن معاذ، والمقداد، وعماربن ياسر. 2- واما منافق يتظاهر بالاسلام وبموالاه النبى رغبه او رهبه، ويبطن الكفر بالاسلام والحقد على النبى وآله واوليائه، ويقيم اوثق العلاقات مع اعدائهم كحال عبداللّه بن ابى، واصحاب مسجد الضرار، والذين تامروا على قتل النبى. 3- واما من اليهود الذين انبهروا بالسرعه التى التف بها اهل المدينه من العرب حول محمد، وادركوا ان محمدا صار سيد المدينه وما حولها، وان لاتباعه الكلمه العليا، وان مصالحهم ونفوذهم تحت رحمه الرجل واتباعه، ومن الحكمه ان يتظاهروا بموالاه محمد الى حين، حرصا على مصالحهم، وتجنبا للسباحه بمعاكسه التيار العام.
تقييم الموقف والبروز العملى لاركان دوله المواجهه: انتهت فتره مراسم الاستقبال، واستقر النبى فى وطنه الجديد (المدينه المنوره وما حولها) وبرزت عمليا اركان دوله المواجهه، وتولى النبى زمام المبادره لتوجيه هذا البروز، وقاد عمليا وبدون ضجه اعلاميه بلوره اركان دوله المواجهه المستقبليه. الركن الاول: السلطه او القياده السياسيه: محمد (صلى اللّه عليه وآله وسلم) بالضروره هو اس السلطه، وهو القائد وهو المرجع، فهو الرسول الذى اختاره اللّه تعالى لتبليغ رسالات ربه وعينه وليا واماما وجعل طاعته والقبول بشرعيه قيادته ومرجعيته جزءا لا يتجزا من دين الاسلام، وبالتالى فهو المكلف ببيان القرآن وهو الاعلم، والافهم، والاتقى، والافضل بشهاده اللّه تعالى فمن الطبيعى جدا ان يكون هو القائد وهو الامام، وهو المرجع. وقد احيط سكان يثرب علما بالخطوط العريضه للمواجهه التى جرت بين محمد، وبين زعامه بطون قريش خلال مده ال13 عاما التى قضاها النبى فى مكه قبل هجرته، وفهموا بان النبى قد اعلن علىبن ابى طالب وليا لعهده واماما من بعده كما وثقنا. فالامام او رئيس السلطه معروف، ونائبه معروف. ومن الطبيعى ان يتولى الامام او القائد توزيع الادوار وان يستعين بمن يراه مناسبا لتحقيق الغايه الشرعيه من ظاهره السلطه. وقد بينا ان كل سكان المدينه المنوره وما حولها قبلوا بقياده محمد قلبيا او تظاهروا بالقبول، ومحمد ليس مخولا ان يطلع على نوايا شعبه، بل تعامل مع الظاهر، وترك امر البواطن للّه. بمعنى ان سكان المدينه وما حولها قد قبلوا وبدون ضغط ولا اكراه بقياده محمد، ومرجعيته. الركن الثانى: الشعب: تكون شعب الدوله الجديده من سكان يثرب وما حولها وهم بالضروره احد اربعه اصناف: 1- المسلمون الصادقون الذين هاجروا من مكه الى المدينه (المهاجرون). 2- المسلمون الصادقون الذين آمنوا من اهل يثرب ومهدوا لقدوم النبى، واعدوا المجتمع اليثربى لتقبل النبى. 3- المسلمون الذين تظاهروا بالاسلام وموالاه النبى -رغبه او رهبه- وابطنوا الكفر والكراهيه لمحمد ولال محمد ولمن والاهم وهم (المنافقون). 4- اصحاب المصالح الذين كرهوا قياده محمد، وكرهوا دينه، ولكن حرصا على مصالحهم وحتى لا يسبحوا بمواجهه التيار العام تظاهروا بقبولهم لقياده محمد للمجتمع الجديد وهم اليهود. الصنفان الاوليان (المهاجرون والانصار) ظاهرهما كباطنهما مع النبى، ومع القرآن، ومع الدين بلا تردد ظاهرا وباطنا. واما الصنفان الثالث والرابع: فظاهرهما مع النبى ومع قيادته للمجتمع وباطنهما كاره لذلك، حاقد عليه، يتربص الفرص لنقضه، ولكنهما لا يظهران الا ودا، بمعنى ان سكان يثرب وما حولها قابلون بقياده محمد، وراضون بها، وبمحض اختيارهم العلنى رضوا ان يكونوا شعب السلطه الجديده، وقبلوا او تظاهروا بالقبول بكافه ترتيبات هذه السلطه. وهذا عين ما تمنته كل دوله متحضره طوال التاريخ. الركن الثالث: المنظومه الحقوقيه (القانون النافذ): المهاجرون والانصار بالمفهوم الذى وضحناه آنفا، يومنون بان الحل لما ينجم بينهم، وبينهم وبين غيرهم يكمن فى كتاب اللّه وسنه نبيهم. فكتاب اللّه، وبيان النبى لهذا الكتاب هما بمثابه المنظومه الحقوقيه او القانون النافذ الذى ينظم العلاقه بين السلطه والامه، او بين افراد الامه وجماعاتها، او بين الكيان السياسى للامه وغيره من الكيانات، ويرسم المسالك لبلوغ الغايات العامه والخاصه. والمسلمون المنافقون يتظاهرون بذلك، واصحاب المصالح يعلنون انه لا مانع لديهم من ذلك، وانهم يقبلون بكل الترتيبات التى يضعها محمد. بمعنى ان كل افراد الشعب قبلوا او تظاهروا بقبول القياده السياسيه المتمثله بمحمد، وبقبول القانون النافذ المتمثل بالقرآن الكريم، وبفهم النبى له، وبتوجيهات هذا النبى، والتى تعتبر جزءا لا يتجزا من القانون ومن الاسلام معا. وهذا اقصى ما تطمح الدول بتحقيقه. الركن الرابع: الوطن او الاقليم: المدينه المنوره وما حولها هى اقليم الدوله من حيث المبدا، وهو غير محدد، لان الارض كلها للّه، ومحمد هو رسوله المكلف بتبليغ رسالات ربه الى نبى البشر، وكلما تبلغ فوج من البشريه الرساله، وصدق بها، ووالى نبى اللّه او الامام الشرعى من بعده فيصبح هذا الفوج آليا جزءا من رعايا الدوله، والارض التى يقيم عليه هذا الفوج تغدو جزءا لا يتجزا من اقليم الدوله الاسلاميه. فالعبره بالدخول فى دين اللّه، وبموالاه نبيه او القبول بقيادته او قياده الامام الشرعى القائم مقامه، والعبره ان يكون الدخول فى الاسلام والموالاه او التظاهر بهما بدون ضغط ولا اكراه، ومن هنا فان الدوله الاسلاميه معده اصولها لتكون دوله عالميه تسود العالم كله من حيث السلطه، وتضم جماعات الجنس البشرى كلها لتكون شعبا لهذه الدوله، وتنقص الارض من اطرافها لتكون الكره الارضيه اقليما لهذه الدوله.
ترتيب اوضاع الدوله وإعدادها للمواجهه: المواجهه مع بطون قريش قدر محتوم: النبى العظيم متيقن ان نجاته من موامره القتل، وافلاته من مطارده خيل البطون ورجلها لم يضع حدا لحاله المواجهه بينه وبين زعامه بطون قريش. وان هذه الزعامه الفاسده لن تقبل بالتطورات الاخيره والتى اسفرت عن ميلاد كيان سياسى جديد فى المدينه المنوره وما حولها برئاسه محمد الذى تعتبره عدوها اللدود. وبالتالى فان زعامه البطون لن تعترف بهذا الكيان الجديد باى وجه من الوجوه، ولن تخلى بين محمد وبين العرب، بل ستتابع استغلال نفوذها الادبى عند العرب لتصدهم عن محمد وعن دينه، ولتحرضهم عليه. وزياده على ذلك فان زعامه البطون ستتصدى بالذات لمقاومه محمد والصدام معه ومحاوله القضاء عليه وعلى دينه نيابه عن العرب الذين لم يوكلوها بذلك مما يعنى ان استمرار المواجهه وتصعيدها بين النبى ومن والاه، وبين زعامه بطون قريش ومن والاها قدر محتوم، وامر لا ريب فيه. فمن الطبيعى والحاله على هذه الشاكله ان يبدا النبى مبكرا باستعداداته لهذه المواجهه، ولمواجهات اخرى محتمله جدا مع فئات اخرى تتعارض مصالحها مع الاسلام ومع نبيه. وقد راى (صلى اللّه عليه وآله وسلم) ان اولى اولوياته هو ترتيب الاوضاع الداخليه فى الكيان السياسى الذى وجد نفسه رئيسا له. طبيعه شعب المدينه المنوره وما حولها: لكى نفهم التشريعات التى وضعها رسولاللّه لترتيب وتنظيم الاوضاع الداخليه لشعب المدينه المنوره وما حولها لا بد من فهم طبيعه تركيبه هذا الشعب الذى وجد النبى نفسه عمليا قائدا له، وهذه التركيبه فى غايه التعقيد والتشابك، بحيث يتعذر على اى رجل فى العالم ان ينجح فى قياده هكذا شعب، او ان يخلق بين افراده وجماعاته حاله من الانسجام والتوافق توهلهم لئن يكونوا طرفا موفقا فى ايه مواجهه جديه. فشعب المدينه وما حولها يتكون من مجموعه من البطون القبليه المتميزه تماما عن بعضها، الحريصه على وجودها واستقلالها القبلى بالرغم من ارتباطها برابطه الدم والقرابه باحدى القبيلتين الاعظم الاوس والخزرج، وهذه البطون مسكونه بهواجس التنافس والتحاسد والتكاره. اما بقيه شعب المدينه فهم بطون، او عائلات يهوديه استقرت فى المدينه بعد طول ترحال، ولم يفارقها الاحساس بالغربه، ولا الشعور بانها عنصر اجنبى رغم طول الاقامه، وكثره الثروه وتشابك المصالح. وقد نشات بين هذه التجمعات القبليه المتنافره تحالفات بين بعض البطون والبعض الاخر، او بين بعض هذه البطون وبعض العائلات اليهوديه فرضتها حاجات واقعيه. وجاء الاسلام الى المدينه: واعتنقت كل بطون قبيلتى الاوس والخزرج الاسلام او تظاهرت باعتناقه، ووالت كل بطون الاوس والخزرج رسولاللّه بعد هجرته، او تظاهرت بموالاته رغبه او رهبه. وهكذا وظاهريا جمعوا بين وحده الدين، ووحده الاصل، ووحده الوطن، ووحده القياده. لكن الامور واقعيا كانت مختلفه جدا، فاكثريه الاوس والخزرج لم يعتنقوا الاسلام انما تظاهروا باعتناقه، ولم يوالوا النبى حقا، انما تظاهروا بموالاته، وهذه الاكثريه هى التى عرفت شرعا (بالمنافقين) حيث تعذر عليها ان تبقى على حالها، او تسبح بمواجهه تيار قوى وجارف، فتظاهرت باعتناق الاسلام، وبموالاه النبى، واضمرت الكفر بالاسلام والحقد على النبى. واندست مظهره اسلامها وموالاتها للنبى ومبطنه كفرها وحقدها على النبى، تتربص الفرص لنقض كلمه الاسلام من اصولها، وللقضاء على محمد وآله ومن صدق به. وليس من المستبعد ان هذه الاكثريه بقيت عاكفه على اصنامها تقدم لها فروض الطاعه، وليس بعيدا ان تكون هذه الفئه بلا دين وبلا خلاق. اما بطون اليهود والعائلات اليهوديه فقد كانت اقل مكرا وابعد غورا، فبعضهم اعتنق الاسلام وصدقوا وهم قله، والاكثريه منهم بقيت على دينها، وبنفس الوقت اظهرت قبولها بقياده النبى، وتعاملت بحذر مع الاكثريه المنافقه، وتعاطفت معها. وتمنت الاكثريه اليهوديه ان ينجح مخطط المنافقين الرامى الى نقض كلمه الاسلام من اصولها، والقضاء على محمد وآله والمخلصين له، وطبع اللّه على قلوب الفريقين. اما الفريق الثالث فهم المومنون الذين امتحن اللّه قلوبهم للايمان من المهاجرين والانصار فقد آمنوا باللّه حقا، وصدقوا رسوله، وصدقوا بموالاتهم له. وكانت عقولهم وهواهم مع اللّه ورسوله. وبالرغم من قله الفئه المومنه، الا ان اللّه تعالى قد ساعدها بفرض هيبتها، وخلق جوا من الانبهار بوجودها. التشابك المذهل: وفوق هذا وذلك وجدت حاله من التشابك العجيب بين تشكيلات شعب المدينه وما حولها، فافراد وبطون الاوس قلبيا مع الذين ينتمون للاوس، وافراد وبطون الخزرج مع المنتسبين للخزرج. ومن الممكن تجاهل رابطه الدم، والتنافس بين القبيلتين حقيقه من حقائق الحياه ترسخت نهائيا، لقد خففها الاسلام، لكنه لم يقو على اقتلاعها نهائيا من النفوس. والتحالفات بقيت مصانه، وبقيت آثارها. ثم ان هنالك ظاهره عجيبه حقا، فقد يكون الاب منافقا ويكون الابن مومنا. ومهما تمكن الاسلام من قلب الولد فعسير جدا عليه ان يترك اباه، فعندما كثر الحديث عن ضروره قتل عبداللّهبن ابى عز ذلك على ابنه المومن واستاذن النبى بقتل اباه، حتى لا يقتله غيره ويكون مضطرا لمشاهده قاتل ابيه، فيطمئنه النبى ويوكد له بانه سيحسن صحبته ولن ياذن لاحد بقتله. تلك هى الخطوط العريضه: هذه هى الخطوط العريضه لطبيعه المجتمع الذى وجد النبى نفسه قائدا له، وهو مجتمع يتعذر على اى رجل فذ ان ينجح بقيادته وتوحيده لكن النبى موهل الهيا، وهو ذروه الوجود الانسانى. فقد كان، ببصيرته الثاقبه وبعون اللّه، على علم كامل بطبيعه التشكيلات البشريه التى يتكون منها شعبه، وهو لم يتوقع بان يحكم شعبا من الملائكه، لذلك عمم ان يتعامل مع الواقع كما هو، وان ينقله بحدود قدرته على الاحتمال، وتدريجيا مما هو كائن الى ما ينبغى ان يكون او لاقرب نقطه مما ينبغى ان يكون. على طريق التنظيم: الدستور المكتوب: لترتيب الاوضاع الداخليه لشعب المدينه وما حولها تمهيدا لاعداده للمواجهات، وضع النبى دستورا مكتوبا عرف بالصحيفه، وهو بمثابه عهد من الرسول، وتكون هذا الدستور النبوى من 48 ماده مصاغه صياغه دستوريه من جميع الوجوه. وعند الوقوف على المعانى اللغويه للكلمات والمصطلحات التى وردت فى هذا الدستور، وبعد الاطلاع على التشريعات الاسلاميه التى صدرت خلال حياه النبى فيما بعد، وبعد الاحاطه بتفاصيل النظام السياسى الاسلامى، يجد الباحث الموضوعى المتجرد ان هذه الصحيفه التى وضعها رسولاللّه لغايات تنظيم المجتمع المدينى واعداده للمواجهه، هى دستور دوله من جميع الوجوه. وهى افضل دستور يمكن ان يوضع لترشيد المجتمع المدينى فى هذه المرحله، فقد اختيرت الفاظه لتكون هينه على الاسماع، خفيفه الوقع، توقظ مجتمع المدينه، ولا تهيجه. المضمون العام للدستور: يتضمن الدستور ترتيب الاوضاع الداخليه فى مجتمع المدينه وما حولها فى حالتى السلم والحرب، وبيان مجمل لحقوق الجماعات التى تكون المجتمع وواجباتها، وحدد طبيعه العلاقات بين الجماعات المكونه لشعب المدينه، وبين السلطه المتمثله بشخصه الكريم. فحافظت كل جماعه على وجودها، واعطيت قدرا كافيا لاداره شوونها وحل اشكالاتها، وعندما يتعذر عليها الحل فالمرجع هو رسولاللّه. وتضمن الدستور اعلانا ضمنيا ومكتوبا ولاول مره بان رسولاللّه هو اعلى سلطه فى البلاد، وحكمه هو الفصل بحل الخلافات، ورسم الدستور افقا للعلاقات بين هذا الكيان السياسى وبين غيره من الكيانات السياسيه المنتشره فى الجزيره. وتضمن الدستور موادا تنص بوضوح بان زعامه بطون قريش هى عدوه الجميع ولا يجوز لاى فرد او جماعه من جماعات شعب المدينه وما حولها ان تعقد صلحا منفردا معها، او ان تتحالف مع اى بطن من البطون المنتميه لزعامه بطون قريش. واشتملت الصحيفه موادا تتيح للجماعات حريه الحركه فى عمومها والرجوع للنبى عند الاختلاف، وتضمنت مبادىء تبرز اهميه قيم معينه. ومع علم النبى بخطوره ظاهره النفاق، وبكثره المنافقين، الا انه لم يشر لهذه الظاهره، ولا لاتباعها، ولم يعترف بوجودها، انما تعمد تجاهلها واغفالها تماما، طمعا بالاصلاح او الاستطلاع وتعبيرا عن حسن نيه السلطه الجديده نحو شعبها وتفهما منها لنوازع النفس البشريه. نماذج من مواد هذا الدستور(407): الماده الاولى:(هذا كتاب من محمد النبى رسولاللّه بين المومنين والمسلمين من قريش واهل يثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم انهم امه واحده من دون الناس). فهذه الماده اعلنت عن ميلاد امه جديده تتكون من المومنين والمسلمين من قريش واهل يثرب وممن تبعهم ولحق بهم وجاهد معهم، وان الذى اعلن عن ميلاد هذه الامه الجديده، هو محمد النبى رسولاللّه. وهذه الامه الجديده تشمل جميع السكان الذين والوا النبى او تظاهروا بالموالاه والذين اعتنقوا الدين او تظاهروا باعتناقه والذين لم يعتنقوا الدين، ولكنهم تظاهروا بقبولهم لقياده النبى وهم اليهود. لاحظ الماده 25 والمواد 26-36 التى عالجت طبيعه انتماء اليهود للمجتمع الاسلامى بمعنى ان الدستور وجد ليحكم المسلمين واهل الكتاب وليعيش الفريقان فى ظله. المواد من 3-11 تقر بالوجود الشرعى للتشكيلات القبليه وملحقاتها وترتيباتها، وتدخل مفهومى المعروف والقسط، كذلك فالمواد 24-36 تقر بالوجود السياسى ليهود بطون معينه. الماده 39:(يثرب حرام جوفها لاهل هذه الصحيفه) والماده42: (وانه ما كان من اهل هذه الصحيفه من حدث او اشتجار يخاف فساده فان مرده الى اللّه والى محمد رسولاللّه.. ) والماده44 قد نصت: (وان بينهم النصر على من دهم يثرب) ونصت الماده38 على: (وان اليهود ينفقون مع المومنين ما داموا محاربين) ماده22: (وانكم مهما اختلفتم من شىء فان مرده الى اللّه والى محمد). بمعنى ان يثرب هى وطن الجميع، وان محمدا هو مرجع الجميع، وان النفقات مفروضه على الجميع. الماده43: وقد نصت هذه الماده على ما يلى: (وانه لا تجار قريش ولا من نصرها) الماده20ب: (وان لا يجير مشرك مالا لقريش ولا نفسا ولا يحول دونه مومن). وببساطه صارت بطون قريش هى عدوه المجتمع. الماده40: (وان الجار كالنفس غير مضار ولا آثم) والماده12: (وان المومنين لا يتركون مغرما (اى مثقلا بالديون) بينهم ان يعطوه بالمعروف فى نداء او عقل) والماده17: (وان سلم المومنين واحده لا يسالم مومن دون مومن). تلك نماذج من مواد الدستور النبوى. تدابير اخرى: وفى نطاق تنظيم الشعب وتهيئه المجتمع للمواجهه اوجد رسولاللّه نظام المواخاه حيث آخى بين المهاجرين فى مكه قبل الهجره، وآخى بينه وبين ولى عهده والامام من بعده علىبن ابى طالب. وبعد ان تمت الهجره آخى بين المهاجرين من مكه، وبين انصار المدينه، وآخى بينه وبين ولى عهده علىبن ابى طالب، واعمالا لمبدا المواخاه اوجد نظام المشاركه والمواساه، حيث قدم الاغنياء اجزاء من اموالهم الى اخوانهم الفقراء، وحض على الانفاق واعتبره اكبر مظاهر الايمان، وشجع الفقراء على اخذ نصيبهم من اموال الاغنياء وذوى الفضل باعتباره حق شرعى لهم، وحض الاغنياء والفقراء على التكافل والتضامن، معلنا انهم شركاء فى مالاللّه، ورسم صوره شرعيه لمجتمع الايمان حيث اعتبره بمثابه الجسد الواحد، اذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى. وتبع هذه التدابير مجموعه كبيره من التشريعات الاقتصاديه والاجتماعيه والسياسيه خلقت مجتمعه حاله فريده من التماسك والتعاضد بين الجماعه المومنه، وميزتها عن غيرها من الجماعات، وساعد على نجاحها ان رسولاللّه وهو قائد المجتمع كان مستوى معيشته لا يختلف عن مستوى افقر افراد الشعب.
المواجهة المسلحة
طوال فتره البعثه النبويه التى سبقت الهجره، والتى استمرت 13عاما، والنبى واهله بحاله مواجهه مع بطون قريش، فبطون قريش ال23 باختصار شديد ترفض رفضا مطلقا ان يكون النبى من بنى هاشم، وتبعا لذلك فانها ترفض الدين الاسلامى لانه قد جاء عن طريق هاشمى. وخلال تلك الفتره عارضت بطون قريش النبوه الهاشميه، والدين الذى جاء عن طريق هاشمى بكل اشكال المعارضه وقاومته بكل فنون المقاومه، وصدت عنه بكل انواع الصد مستعمله نفوذها الادبى عند العرب، ثم افلست زعامه البطون، وتامرت على قتل النبى قبل هجرته، واشتركت كل بطون قريش ال23 بهذه الموامره القذره، ولكن اللّه نجى نبيه، وفشلت الموامره، وتابع النبى مسيره هجرته الخالده، فجن جنون بطون قريش، فطاردت النبى بخيلها ورجلها، وخصصت جائزه كبرى لمن يقبض عليه حيا او ميتا قبل وصوله الى يثرب، وفشلت المطارده، ووصل النبى سالما الى عاصمه دولته، ورتب اوضاعها المعقده بمده لا تتجاوز السته اشهر.
ملاحقه البطون للنبى ومنطقها الاعوج: بطون قريش لا تقبل ان يكون النبى من بنى هاشم، ولا تقبل اى دين عن طريق هاشمى، ولا تسمح باى تميز للبطن الهاشمى لا فى مكه، ولا باى مكان فى العالم. فحسدها للبطن الهاشمى يفوق التصور والتصديق، وفى سبيل تحقيق ذلك، فان البطون: 1- لن تعترف مطلقا بنبوه محمد، ولا بالكيان السياسى الذى يراسه محمد. 2- ستستعمل نفوذها عند العرب وتتابع صدهم عن محمد وعن دينه، وتتابع دعاياتها الكاذبه، واختلافاتها الظالمه ضده وضد دينه. وكلمه زعامه بطون قريش مسموعه، فهم حماه البيت الحرام، وجيرانه، وسدنته ولا احد من العرب لا يعرفهم، ثم ان محمدا من قريش، ولو وجدت قريش بمحمد خيرا ما اخرجته، ولا تامرت على قتله، ولما استمرت بعداوته. وبطون قريش تتزعم عداوه محمد خدمه للعرب ودفاعا عنهم وعن معتقداتهم، تلك هى اسطوانه البطون التى تكررها امام الحجيج وامام العمار دائما. 3- ان محمدا مذنب، لانه لم يمكن زعامه البطون من قتله، ومذنب لانه قد نجا من مطارده خيل البطون ورجلها، لذلك فان البطون ستلاحقه نيابه عن العرب فتريح العرب منه وتستريح، وتفشل النبوه الهاشميه. هذا هو المنطق المعوج لزعامه بطون قريش.
اختلاف الامور وتغير موازين القوى: بالهجره اختلفت الامور تماما، فمحمد(ص) يتراس كيانا سياسيا اكثر تنظيما واستقرارا من الكيان السياسى الذى تتوزع زعامه البطون رئاسته، وليس الهاشميون وحدهم هم الذين يحمون محمدا ودينه بل يحمى محمدا ودينه شعب المدينه وما حولها، فالمومنون الصادقون يبطنون الحمايه ويعلنونها والكاذبون يتظاهرون بحمايه الدعوه والداعيه، ويحلفون اغلظ الايمان بانهم مع اللّه ومع رسوله، ولا يجرو احد منهم ان يظهر غير ذلك. ولم يعد الذين اتبعوا محمدا ضعفاء يخافون ان يتخطفهم الناس انما صارت لهم دوله تحميهم ويحمونها، وصار لهم وطن ياويهم ويدافعون عنه. وباختصار صارت للمسلمين دوله حقيقيه برئاسه محمد (صلى اللّه عليه وآله وسلم)، وتغيرت موازين القوى تماما.
للنبى مطلب واحد وهو ان تخلى بطون قريش بينه وبين العرب، وان تتوقف عن استغلال نفوذها الادبى عند العرب لصدهم عنه، وان تتوقف عن دعاياتها الكاذبه ضده وضد دينه، وان تعترف بوجوده وبحقه باستقطاب الناس حوله وحول دعوته،. ولقد عبر عن هذا المطلب عتبهبن ربيعه الاموى حيث خاطب زعامه البطون قبل نشوب القتال فى بدر قائلا: (... فارجعوا وخلوا بين محمد وبين سائر العرب، فان اصابوه فذاك الذى اردتم، وان كان غير ذلك الفاكم)(408). ومحمد لا يكره احدا على الدخول فى دينه، ودين محمد لا يبيح الاكراه وهو قائم على القناعه، فجزء كبير من شعب المدينه وما حولها، ما زال على دين اليهوديه، ومع هذا يعيشون بسلام مع المسلمين، وزعامه بطون قريش على علم بذلك، وعلى علم بما يطلبه النبى منها، وهى تعرف قلبه الكبير، ونفسه العاليه، فلا خوف من عقابه لها على عذابها له ولاله ولمن اتبعه، قبل هجرتهم الى يثرب، وبالتالى فليس كثيرا عليها ان تجيب مطلبه هذا. فاليهود يستقطبون الناس لدينهم ولا تعترضهم بطون قريش، والنصارى يفعلون ذلك، وعبده الاصنام يتمتعون بذات الحقوق، وبطون قريش لا تعترضهم، ولا تضع امامهم اى عائق، وتخلى بينهم جميعا وبين العرب، فلماذا لا تعامل ابنها محمدا كما تعامل غيره؟ ولماذا لا تخلى بينه وبين العرب، كما خلت بين اصحاب الديانات وبين العرب؟ ولكن قريشا رفضت مطلب محمد رفضا مطلقا، وتصر على ملاحقتها له وعلى اجهاض دينه، وابطال نبوته والقضاء عليه ان استطاعت، لانها مسكونه بالحسد لمحمد ولاهل بيت محمد!!!
اهون الطرق لتجنب المواجهه المسلحه: يتوجب على بطون قريش ان تخلى بين محمد وبين العرب، وان تتوقف عن استغلال نفوذها للحيلوله بينه وبين العرب، وان تمتنع عن دعاياتها الكاذبه واختلافاتها الظالمه ضده وضد دينه، مستغله قدوم العرب لحج البيت او لاداء العمره، فمحمد مشفق وناصح لخلق اللّه، ويكره سفك الدم وقتل النفس التى حرم اللّه، فما هى الطريقه المثلى التى تحقق مطلبه بدون سفك دم وبدون قتال؟ مكه التى تسكنها بطون قريش (واد غير ذى زرع)، وحياه سكانها تعتمد بالدرجه الاولى على التجاره، فهى عصب الحياه فى مكه، والتجاره تقوم على رحله الشتاء الى اليمن ورحله الصيف الى بلاد الشام، فاذا اقتنعت زعامه بطون قريش ان رحلتها الصيفيه الى بلاد الشام اصبحت فى خطر وتحت رحمه محمد، فالعقل والمنطق يفرضان عليها ان تتفاوض مع محمد، لرفع الخطر عن طرق تجارتها الى بلاد الشام، ومحمد لا يطمع بالكثير، فهو يريد ان تعترف به بطون قريش كما تعترف بغيره، وان تخلى بينه وبين العرب كما خلت بين غيره وبين العرب. ومحمد اولى بذلك للرحم والقربى، وبالمقابل فان محمدا لن يعترض طرق تجارتها الى بلاد الشام. هذا هو اسهل الحلول لتجنب استمرار حاله المواجهه بينها وبين محمد، ولكن الحسد اعمى بصائر زعامه بطون قريش، وحقدها على محمد وبنى هاشم عطل عقلها تماما، وسلبها القدره على التخطيط السليم، فبطون قريش لا تريد ان تعترف بان موازين القوى قد اختلت، وبوقت يطول او يقصر، وسواء اشاءت قريش ام ابت سيصبح محمد سيد العرب وزعيمهم بغير منازع.
اشارات من النبى الى بطون قريش: خلال سته اشهر استطاع النبى ان يرتب الاوضاع الداخليه فى يثرب، وان يحدد مسارب الامور ومسالكها الشرعيه، وان ينتزع وبالرضا اقرار سكان يثرب وما حولها بمسارب الشرعيه ومسالكها. فكل جماعه من الجماعات التى يتالف منها المجتمع اليثربى ترى ان موالاه محمد والقبول به حكما وحاكما ومرجعا هى الشرعيه، وان معاداته ورفض حكمه وتحكيمه ومرجعيته هى الخروج الصارخ على الشرعيه، وهذا قمه ما يطلبه الحاكم من رعيته، والمجتمع اليثربى قد وافق بالاجماع على ان بطون قريش هى عدوه الجميع، لا تجار، ولا يجوز الصلح المنفرد معها، ولا يحال بين مومن وبين مال او نفوس تلك البطون كما هو واضح من مواد الدستور النبوى الذى نوهنا عنه آنفا. ومحمد كقائد وكرسول مهمته ان يرشد المواجهه بين الكيان السياسى الذى يراسه، وبين زعامه بطون قريش، بحيث تكون هذه المواجهه بحدود الشرعيه الالهيه بلا بغى ولا عدوان. وبالفعل فما ان رتب النبى الاوضاع الداخليه لكيانه السياسى حتى بدا بارسال الاشارات المتلاحقه الى زعامه بطون قريش لاشعارها ان الامور قد تغيرت، وان طريق تجارتها الى بلاد الشام اصبحت تحت رحمته، فان شاء تركها تمر آمنه، وان شاء منعها، ومن الخير لها ان تفاوضه، فهو لا يطمع بالكثير، وغايه ما يتمناه بهذه المرحله هو ان تخلى بطون قريش بينه وبين العرب، وان تتوقف عن استغلال البيت الحرام لبث اكاذيبها ودعاياتها الظالمه ضده وضد دينه.
فى الشهر السابع من الهجره ارسل الرسول سريه عسكريه برئاسه عمه حمزهبن عبد المطلب لاعتراض عير قريش، وفى الشهر الثامن ارسل سريه اخرى برئاسه ابن عمه عبيدهبن الحارث(409). وفى الشهر التاسع ارسل سريه برئاسه سعدبن ابى وقاص، وفى الشهر الحادى عشر قاد بنفسه سريه لاعتراض عير قريش، واثناء عودته وادع بنى ضمره(410). وفى الشهر الثالث عشر تمت غزوه بواط لذات الغايه، وفى الشهر السادس عشر تمت غزوه ذى العشيره لذات الهدف(411). وفى الشهر السابع عشر تمت غزوه نخله لذات الغايه، حيث قتل عمرو الحضرمى، واسر صاحباه(412). واخيرا تم تجهيز قوه للاستيلاء على القافله التى عادت من بلاد الشام، والتى اسفرت عن معركه بدر وهى اول مواجهه مسلحه بين النبى، وبين زعامه البطون(413). كانت زعامه البطون تسمع بخروج كل سريه، وتعرف الغايه من خروجها، وقد تيقنت ان طريق تجارتها تحت رحمه محمد، ولكنها مضت بتجاهلها للرسول، وتجاهلها للواقع متغطرسه، تابى مفاوضته او التحدث معه باى شكل من الاشكال.
الرد بالقوه على اشارات النبى الوديه، ودعوته للتفاوض: فى المره الثامنه خرج النبى لاعتراض العير القادمه من الشام، وعلم ابو سفيان بخروج النبى، فغير خط سيره، وارسل الى بطون قريش يستنفرها لحمايه عيرها واموالها، فقررت بطون قريش ان تخرج كلها هذه المره، وان تشترك بالنفقات، فما تخلف احد من قريش الا بعث مكانه بعيثا(414). وتولى حنظلهبن ابى سفيان، وعمروبن ابى سفيان مهمه تحريض قريش على الخروج، مع ان مال العير لابى سفيان(415). وفى غياب ابى سفيان قاد ابو جهل جيش البطون. وجهزت قريش 950 مقاتلا، ومئه فرس، وسبعمئه بعير والبست كل فارس درعا(416). واستعدت لزحفها الاثم على رسولاللّه لغايه معلنه وهى حمايه الاموال والعير.
محاولات للحيلوله دون الزحف الاثم: رات عاتكه بنت عبد المطلب رويا مفادها ان راكبا اقبل على بعير حتى وقف بالابطح، ثم صرخ باعلى صوته يا آل غدر انفروا الى مصارعكم ثلاثا، ثم دخل الكعبه وعلاها وكرر صرخته ثلاثا، وصعد الى ابى قبيس وكررها ثلاثا، ثم اخذ صخره فرماها وهوت فما بقى بيت من بيوت مكه، ولا دارا من دورها الا دخلته منها فلذه، الا بنى هاشم وبنى زهره اذ لم يدخل بيوتهم من هذه الصخره شيئا. وانتشر خبر الرويا، وسمعت به زعامه البطون، فقال ابو جهل: (ان يكن ما قالته عاتكه حقا فسيكون خلال ثلاثه ايام، وان مضت الثلاثه ولم يكن نكتب ان الهاشميين اكذب بيت فى العرب. . . )(417). لما نجت القافله ارسل ابو سفيان لقريش رساله مفادها: (انما خرجتم لتمنعوا عيركم ورجالكم واموالكم فقد نجاها اللّه فارجعوا)(418). قبل ان يبدا القتال وقف عتبه بن ربيعه، واقترح على بطون قريش قائلا: (ارجعوا وخلوا بين محمد وسائر العرب، فان اصابوا فذاك الذى اردتم وان كان غير ذلك الفاكم)(419). ومما قاله عتبه: (لا آمن ان تكون الدائره عليكم، وانتم لا تطلبون الا دم الحضرمى والعير التى اصاب، وانا احمل ذلك وهو على، يا قوم ان يك محمد كاذبا يكفيكموه ذوبان العرب، وان يك ملكا اكلتم فى ملك ابن اخيكم، وان يك نبيا كنتم اسعد الناس به، يا قوم لا تردوا نصيحتى ولا تسفهوا رايى)(420).
لم يكن هدف بطون قريش من خروجها حمايه العير، فالعير قد نجت، ولا دم الحضرمى، لقد افصحت بطون قريش عن هدفها الحقيقى من الخروج، فها هو قائد البطون ابو جهل يعلن: (لا واللّه لا نرجع حتى يحكم اللّه بيننا وبين محمد)(421)، (واللّه لا نرجع بعد ان مكننا اللّه منهم، ولا نطلب اثرا بعد عين، ولا يعترض لعيرنا بعد هذه ابدا)(422). وفى لحظه من لحظات بطر قياده البطون وغطرستها قال ابو جهل: (وايم اللّه لا نرجع اليوم حتى نقرن محمدا واصحابه فى الحبال فلا الفين احدا منكم قاتلا احدا منهم، ولكن خذوهم اخذا، نعرفهم بالذى صنعوا لمفارقتهم دينكم، ورغبتهم عما كان يعبد آباوهم)(423)، وصرحت زعامه البطون بان من اسباب خروجهم، ان تسمع العرب بهذا الخروج، ويشربون الخمر فى بدر، وتعزف لهم القيان، والى هذا اشار اللّه سبحانه وتعالى بقوله (ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس)(424). وهكذا زحفت بطون قريش لتحقيق هذه الاهداف، والقت عصاها فى منطقه بدر، لترد عمليا على الاشارات المتلاحقه من محمد لمفاوضتها.
لقد نجت القافله، وسمع النبى واصحابه بخروج قريش بخيلها ورجلها، وتصميمها على الوصول الى بدر، فاتخذ النبى بمشوره اصحابه افضل المواقع، وسيطر على الماء، وعبا اصحابه، وكانت رايه المهاجرين مع علىبن ابى طالب، ورايه الانصار مع سعدبن عباده(425). وتترس بعضهم ببعض بصفوف متقاربه، واعطى الرسول امرا لاصحابه ان لا يسلوا السيوف حتى يغشاهم المشركون، وان لا يقاتلوا حتى يامرهم الرسول بالقتال، وبين لهم ان رجالا من بنى هاشم قد اخرجوا كرها، وقال لهم: (فمن لقى منكم احدا من بنى هاشم فلا يقتله)(426). وكانت زعامه البطون على علم بحقيقه مشاعر الهاشميين فى مكه عندما اكرهتهم على الخروج. انظر الى قولها: واللّه لقد عرفنا يا بنى هاشم وان خرجتم معنا ان هواكم مع محمد(427).
وقفت بطون قريش بخيلها ورجلها مصطفه للقتال، وبرز امام الصفوف قائدها ابو جهل، وبخشوع مصطنع، وبوقار كاذب رفع يديه الى السماء ودعا ربه قائلا: (اللهم اقطعنا للرحم، وآتانا بما لا يعرف فاحنه الغداه)(428). وفى الجانب الاخر اصطف اصحاب محمد، وسوى النبى الصفوف، ورتب امورهم بمساعده الحمزه وعلى، ثم رفع يديه الى السماء ودعى ربه قائلا: (اللهم انك انزلت على الكتاب وامرتنى بالقتال، ووعدتنى احدى الطائفتين وانت لا تخلف الميعاد، اللهم هذه قريش قد اقبلت بخيلائها وفخرها، تحادك وتكذب رسولك، اللهم نصرك الذى وعدتنى، اللهم احنهم الغداه)(429).
بعد ان هيا النبى اصحابه للقتال قال لهم بيقين: سيروا على بركه اللّه، واللّه لكانى انظر الى مصارع القوم. هذا مصرع فلان، وهذا مصرع فلان... فما عدا كل رجل مصرعه. وفى الجانب الاخر وبعد ان رتب ابو جهل بطون قريش قال لاحد معارضيه: (سترى غدا خلاف ما ترى يقتل اشراف اصحاب محمد ويوسرون)(430).
المبارزه وحكيم البطون اول جاهل: وقفت كل فئه بمواجهه الاخرى، وصارت المواجهه المسلحه بينهما اقرب من السواد الى البياض، وفجاه خرج عتبهبن ربيعه بين اخيه شيبه وابنه الوليد للمبارزه ونادى مناديهم: يا محمد اخرج لنا الاكفاء من قومنا. فقال النبى: (يا بنى هاشم قوموا فقاتلوا بحقكم الذى بعث اللّه به نبيكم، اذ جاءوا بباطلهم ليطفئوا نور اللّه. وكلف حمزهبن عبد المطلب عمه، وعلىبن ابى طالب ابن عمه، وعبيداللّهبن الحارث قريبه ان يخرجوا للمبارزه. وقتل المشركون الثلاثه، وقطعت ساق عبيداللّه وحمل لرسولاللّه. فقال عبيداللّه يا رسولاللّه الست شهيدا؟ قال: بلى، قال: اما واللّه لو كان ابو طالب حيا لعلم انى احق بما قال حين قال: فكذبتم وبيت اللّه نخلى محمدا ولما نطاعن دونه ونناضل فونسلمه حتى نصرع حوله ونذهل عن ابنائنا والحلائل(431) صعقت بطون قريش بهذه النتيجه، واهتزت، وادرك ابو جهل ذلك فخاطب جيشه قائلا: (الا لا يهولنكم مقتل عتبه، وشيبه، والوليد، فانهم عجلوا وبطروا حين قاتلوا، وايم اللّه لا نرجع اليوم حتى نقرن محمدا واصحابه فى الحبال، فلا الفين احدا منكم قتل منهم احدا ولكن خذوهم اخذا، نعرفهم بالذى صنعوا لمفارقتهم دينكم ورغبتهم عما كان يعبد آباوهم)(432) وشهر سيفه، وشهر المشركون سيوفهم ثم هجموا، والتحمت الفئتان التحاما رهيبا، قله مومنه، قليله العده والعدد، وكثره مشركه كثيره العده والعدد.
حمزه بن عبد المطلب اسد اللّه واسد رسوله، لا يخفى على احد، لكن الرجل الذى قاتل بقدره، وكفاءه تفوق الوصف والتصور هو علىبن ابى طالب، حتى لفت انظار اهل الارض واهل السماء، فنادى ملك من السماء: (لا سيف الا ذو الفقار ولا فتى الا على)(433). لقد تالق نجم ولى عهد النبى فى بدر، وادرك الكثير بان اللّه اعلم حيث يضع رسالته، لقد اثخن الامام على، وقتل هو وحمزه نصف ما قتل من المشركين، وصارت بطوله الامام فيما بعد مسبه له، ووسيله للتحريض عليه، ومبررا لابعاده عن حقه بالامامه من بعد النبى، فبعد عشرين سنه يقول عمربن الخطاب لسعيدبن العاص: (انى لاراك معرضا تظن انى قتلت اباك، واللّه ما قتلت اباك)(434)، يريد عمر ان يذكر سعيدا ان الذى قتل اباه فى بدر هو علىبن ابى طالب.
انجلت المعركه، وهزمت بطون قريش هزيمه منكره، ومنيت بخسائر فادحه، وصدقت رويا عاتكه، فما من بيت الا وسقطت فيه فلذه من تلك الصخره، وصرع كل رجل من القتلى فى المكان الذى حدده النبى سلفا وقتل من قتل، واسر من اسر، وصدق اللّه وعده، فاعطى نبيه ذات الشوكه بعد ان نجت العير، وسمع العرب بنتائج المعركه، وادركوا ان قوى خارقه تدعم محمدا، وان محمدا اصبح حقيقه من حقائق الحياه فى الجزيره، وان السير معه هو طريق النصر والمجد.
انتهت المعركه بهزيمه البطون الساحقه، وبانتهائها حملت نفوس البطون باسوء جنين عرفته الخليقه وهو الحقد، فامتلات نفوس البطون بالحقد الاسود على محمد وعلى آل محمد، وظل هذا الحقد فى نفوسها، ولم يفارقها لحظه قط. وهكذا جمعت بطون قريش مع الحسد لمحمد ولاله، الحقد الاسود عليهم، وانى لاى دين ان يقتلع هذا الثنائى القذر من النفس البشريه!! كيف يمكن لابى سفيان ان يحب عليا وقد قتل ابنه وعمه؟! كيف يمكن لمعاويه ان يحب عليا وقد قتل شقيقه وجده وخاله وابن خاله وعمومته؟! كيف يمكن لخالدبن الوليد وعثمانبن عفان، والوليدبن عقبهبن ابى معيط، ان يحبوا الحمزه وعلى وسيوفهما تقطر بدم الاباء والاعمام والاخوال!! يسهل التصور ان يحبوا النبى، ويصعب التصور بان يحبوا آله!! لقد لاحقهم الوتر، واورثوه لذرياتهم، وكتب على اهل بيت محمد طوال التاريخ ان يدفعوا ضريبه عاليه لانتمائهم الصادق لمحمد ولدين محمد سيقول بعضهم: (الاسلام يجب ما قبله)، انهم يحملون النص غير معناه. ان النفس البشريه ليست زرا كهربائيا تطفا وتضاء بحركه. انها عالم من الانفعالات يتعذر عمليا على الانسان ان يحب الذى قتل ابنه، او اباه، او جده، او اخاه او ابن اخيه، او عمه او ابن عمه، ان ذلك فوق طاقه النفس البشريه. صحيح ان الذى قتلهم قتلهم على الايمان وجهادا فى سبيل اللّه، بل ودفاعا مشروعا عن النفس، وصحيح ايضا ان عنوان الايمان موالاه اللّه ورسوله، ومعاداه اعدائهما حتى ولو كانوا الاباء والابناء والاخوه والذريه، لكن هذا كله لا يمنع انفعالات النفس البشريه، وثوره اشجانها من حين الى حين. فمحمد هو الامر، وعلى ابن ابى طالب، وحمزه بن عبد المطلب هما المنفذان اللذان نكلا بالبطون، فما من بطن الا وتعددت فيه النوائح على قتيل او مقتولين فى بدر، والهاشميون بمعيار بطون قريش يتحملون الجزء الاكبر من المسووليه، فلو سلموا محمدا للبطون، او خلوا بين البطون وبين محمد، لما قتل الذين قتلوا، ولما تطورت الامور الى هذا الحد.
من البطن الاموى: قتل من الامويين فى بدر احد عشر قتيلا، قتل اكثريتهم الساحقه على، وبعضهم قتله حمزه، والبعض الاخر اشترك الاثنان بقتله. ومن هولاء القتلى حنظلهبن ابى سفيان، الابن الكبير لابى سفيان وشقيق معاويه، وعتبه بن ابى ربيعه جد معاويه، والوليد بن عتبه خال معاويه، وشيبه بن عتبه شقيق جد معاويه وعم امه، والعاصبن سعيد، وابنه عبيدهبن سعيدبن العاص، وعقبهبن معيط وهم القرابه القريبه لعثمانبن عفانبن ابى العاصبن اميهبن عبدشمس(435). من بنى تيم بن مره: قتل اثنان منهم: عميربن عثمانبن عمروبن كعببن سعدبن تيم، قتله علىبن ابى طالب، وعثمانبن مالكبن عبيداللّهبن عثمان، وهما من القرابه القريبه لابى بكر عبداللّهبن عثمانبن عامربن عمروبن كعببن سعدبن تيم، ومن القرابه القريبه لطلحهبن عبيداللّه احد الذين عرفوا بانهم من المبشرين فى الجنه(436). من بنى مخزوم: قتل منهم عدد كبير، منهم ابو جهل، والعاص بن هشام بن المغيره خال عمربن الخطاب، والوليدبن المغيره والد خالدبن الوليد، وقتلهما علىبن ابى طالب(437). من بنى اسد: قتلت مجموعه من بنى اسد منهم ربيعهبن الاسود، والحارثبن ربيعه، قتله علىبن ابى طالب، وعقيلبن الاسودبن عبد المطلب، قتله حمزه وعلى، ونوفلبن خويلدبن سعد، قتله على. . . وهم من القرابه القريبه للزبيربن العوام احد الذين عرفوا بانهم من المبشرين فى الجنه(438). بنو عدى (لا فى العير ولا فى النفير): خرجت بنو عدى مع بطون قريش، (فلما كانوا فى السحر عدلوا فى الساحل منصرفين الى مكه، فصادفهم ابو سفيان فقال: يا بنى عدى، كيف رجعتم لا فى العير ولا فى النفير؟)، وباختصار فان بنى عدى رجعوا من الطريق ولم يشتركوا فى القتال، وحجه بنى عدى الظاهره انهم رجعوا امتثالا لامر ابى سفيان حيث قالوا له عندما سالهم عن سبب رجوعهم: (انت ارسلت الى قريش ان ترجع فرجع من رجع ومضى من مضى)(439). بنو زهره: قال الاخنس بن شريق وكان حليفا لبنى زهره: (يا بنى زهره قد نجى اللّه عيركم، وخلص اموالكم، ونجى صاحبكم مخرمهبن نوفل، وانما خرجتم لتمنعوه وماله، وانما محمد رجل منكم، ابن اختكم، فارجعوا واجعلوا جبنها بى، فلا حاجه لكم ان تخرجوا فى غير منفعه، لا ما يقول هذا الرجل، فانه مهلك قومه، سريع فى فسادهم) وبنو زهره هم قوم عبدالرحمنبن عوفبن عبدالحارثبن زهره وسعدبن ابى وقاصبن اهيببن عبد منافبن زهره، وهما من العشره الذين اشتهر بانهم من المبشرين فى الجنه، وهما من السته الذين اختارهم عمر ليكون احدهم خليفه(440). من بنى الحارث بن فهر: وهم قوم ابى عبيده عامربن عبداللّهبن الجراح، وهو احد الذين اشتهروا بانهم من المبشرين فى الجنه، وهو ثالث الثلاثه الذين دخلوا السقيفه فى ما بعد ووطدوا الامر لابى بكر وعمر، لم يقتلوا ولم يقتل منهم احد فى معركه بدر.
البطون الاكثر حقدا على محمد وآل محمد: اكثر بطون قريش بغضا للنبى وآله وحقدا عليهم هم: (بنو اميه، وبنو المغيره، وبنو مخزوم) هكذا رتبهم النبى(441). وهذا النص علاوه على انه صادر عمن لا ينطق عن الهوى، فهو قراءه متانيه وعميقه لوقائع الامور، فاكثر القتلى فى بدر كانوا من هذه البطون الثلاثه، والمتنافسون على زعامه بطون قريش هم سادات تلك البطون الثلاثه، وحسب حسابات هذه البطون الثلاثه فانها الاكثر تضررا من النبوه الهاشميه والتميز الهاشمى، وهذه البطون ايضا من اكثر بطون قريش حبا للوجاهه، وولعا بالتسلط. ومع ان هذه البطون الثلاثه لا تطيب نفوس بعضها لبعض، لانها تطلب ذات الغنيمه وتركض خلف نفس الطريده، الا ان كراهيتهم لمحمد ولال محمد اظهرتهم دائما بمظهر الفريق الواحد. فكم تهارش ابو جهل وعتبه، وكم قرع احدهما الاخر حيا وميتا لكنهما حاربا معا تحت نفس الرايه، لانهم بالضروره فريق واحد، ومع نشوب القتال وسقوط القتلى صارت بطون قريش تحقد على محمد وعلى آلمحمد الا ان هذه البطون الثلاثه كانت رمز حسد البطون وحقدها على محمد وعلى آل محمد.
الاكثريه الساحقه من بطون قريش ومواليها ناصبت محمدا وآلمحمد العداء، ورفضت النبوه الهاشميه والتميز الهاشمى رفضا قاطعا خلال المده التى قضاها النبى فى مكه قبل الهجره، وكل البطون اشتركت بموامره قتل النبى، وباثم مطاردته عندما نجا من القتل، وقد اسلم القليل من افراد البطون ومواليها، وعندما هاجر الرسول لحقوا به مهاجرين، وتجمع فى المدينه اكثر من مائه عنصر من عناصر البطون وشكلوا جماعه متميزه عن غيرها سميت بالمهاجرين. وقد حاول الرسول مشفقا وبكل قواه ان يتجنب الصدام المسلح مع بطون قريش خوفا من آثاره، لكن البطون ركبت راسها، وفرضت عليه هذا الصدام المسلح فرضا. فرتب اصحابه وكانوا يتالفون من: 1- المهاجرين وهم الذين اسلموا من بطون قريش ومواليها. 2- الانصار وهم الذين خرجوا معه من الاوس والخزرج ومواليهما. 3- آل محمد وابرزهم الحمزه وعلى وهم مع النبى بمثابه هيئه اركان، وفى الجانب الاخر وقفت بطون قريش بكل خيلائها وفخرها معلنه بان هدفها هو القضاء على محمد وربط من ينجو من اتباعه بالحباله، وسوقهم الى مكه نكالا لهم ولغيرهم. وبدات المعركه، واحتدم القتال، وفوجئت بطون قريش بعمود المسلمين، وبالعزم المميز لمحمد ولال محمد، وانتهت المعركه بهزيمه البطون، وبقتل 70-رجلا من خيره رجالات البطون وباسر مثلهم. اذهلت هذه النتيجه كل الذين سمعوا بانباء هذه المعركه، لقد كانت خروجا واضحا عن كل اطوار التوقعات المعتاده. والذين قتلوا من بطون قريش تركوا فراغا هائلا، وصاروا جراحا نازفه فى قلوب ذويهم من بطون قريش التى بقيت على الشرك وتحول القتلى الى غصات فى حلوق اقاربهم من الذين اتبعوا محمدا. فحذيفه او ابو حذيفه بن عتبه بن ربيعه كان من اصحاب محمد، وابوه واخوه وعمومته كانوا من اركان البطون، وقد شاهد بام عينيه اباه، واخاه، وعمه، وسادات بنى اميه يتجرعون كووس الموت امامه. صحيح انه على دين محمد، لكن من غير الممكن عقلا ان لا يكون موتهم غصه فى حلقه، قد يفارق الحياه قبل ان تفارقه تلك الغصه، وبحركه عفويه، وبتصرف لا-شعورى يعبر عن حقيقه مشاعره فيقول للنبى، الذى طلب من اصحابه ان لا يتعرضوا لاحد من بنى هاشم لانهم اكرهوا على الخروج: (انقتل آباءنا وابناءنا واخواننا وعشيرتنا ونترك العباس عم النبى، واللّه لئن لقيته لالحمنه السيف)(442). ومثل حذيفه (حذيفات) والفرق بين حذيفه وغيره ان حذيفه صادق وعفوى، ولا يخفى من مشاعره شيئا، وغيره يتمتع بقدر من الدهاء، وضبط الاعصاب فيخفى مشاعره رغبه او رهبه. فهل يعقل ان يقتل خال عمربن الخطاب، واولاد عمومه ابى بكر وعمومه عثمان. . . الخ. ولا يترك قتلهم غصات فى قلوب ذويهم!! يمكن للدين ان يرشد هذه الغصات، ولكنها لن تختفى ابدا ومن الممكن وبكل المعايير الانسانيه ان تتهيج هذه الغصات كلما راوا عليا وحمزه او النبى او احدا من بنى هاشم. ان فكره الثار ضاربه الجذور فى النفسيه العربيه، ولا ترتاح نفوس ذوى القتيل، الا اذا قتل القاتل، او ابعد تماما عن المسرح والاعين، وكيف يمكن ابعاد النبى، او الحمزه او على ولى المومنين من بعد النبى؟! ثم لنفترض بان القاتل قد مات فان ذريته مطلوبه، صحيح ان الذين قتلوا فى بدر من البطون قد قتلوا على الشرك، وقتلهم واجب دينى، ومن قبيل الدفاع عن النفس لكن تلك هى طبائع النفوس التى خرجتها مدارس الشرك عبر التاريخ، انظر الى قول ابى سفيان: (وانى لانا الموتور الثائر قتل ابنى حنظله وساده اهل الوادى. . . )(443). وانظر الى قول هندبن عتبه زوجه ابى سفيان: (لو اعلم ان الحزن يذهب من قلبى بكيت، ولكن لا يذهبه الا ان ارى ثارى من قتله الاحبه)(444) ومن هم الذين قتلوا احبه هند؟ هم النبى وحمزه وعلى؟!! وهند لا تكتفى ذات يوم بقتل حمزه ولو بالغدر، انما تمثل به وتقطع اذنيه، وتشق بطنه، وتحاول ان تاكل كبده. هذه ====== ىىىىنننننننننن$طبيعه حقد ذوى المقتولين على محمد وعلى آل محمد، ولا تهدا الجراح بموت النبى ولا بقتل حمزه ولا بموت على، ولا تزول الغصات من الحلوق، انها جراح دائمه، وغصات معترضه فى الحلوق يورثها الاباء للابناء والاجداد للاحفاد، ويهيجها اصحاب الارب، فبعد عشرين سنه من وقعه بدر يقول عمربن الخطاب لابن احد قتلى بدر (سعيدبن العاصبن سعيد) الذى قتله على: (انى لاراك معرضا تظن انى قتلت اباك، واللّه ما قتلته. . . )(445) فعمربن الخطاب يظن ان سبب اعراض سعيد هو ظنه بان عمر قتل اباه فى بدر، لذلك هو يذكر ابن المقتول بطريقه ذكيه انه لم يقتل اباه، انما الذى قتل اباه هو على. وهذا التعريض لا يصدر عن رجل من عامه الناس انما يصدر عن خليفه المسلمين بعد قرابه عشرين سنه على وقعه بدر!! وعندما جىء براس الحسين ورووس الطيبين من اهل بيت محمد بعد مذبحه كربلاء ووضعت الرووس بين يدى يزيدبن معاويه تمثل بقول ابن الزبعرى. فقد قتلنا القوم من ساداتهم وعدلنا ميل بدر فاعتدل فلست من خندف ان لم انتقم من بنى احمد ما كان فعل(446) فبعد 58 عاما يعرب حفيد ابى سفيان وهند وابن معاويه عن حقيقه مشاعره، لم تغيره الخلافه، ولم يغيره اسلامه، ولم تهن مشاعره الحاقده مع طول الامد، انما عبر عن حقيقه مشاعره فجاه بعفويه واظهر ما كان يتصنع باخفائه، وغمره الفرح والسرور الذى غمر اباه واجداده عندما قتل حمزه وعلى والحسن. ولم يقصر الحاقدون حقدهم على محمد وعلى آلمحمد، بل حقدوا على كل الموالين لهم، فبعد 58عاما على وقعه بدر، ارسل مسلمبن عقبه رووس المتمردين على يزيدبن معاويه من اهل المدينه، وعندما القيت الرووس بين يديه جعل يتمثل بشعر ابن الزبعرى. فليت اشياخى ببدر شهدوا جزع الخزرج من وقع الاسل فلاهلوا واستهلوا فرحا ثم قالوا يا يزيد لا تشل فلعبت هاشم بالملك فلا ملك جاء ولا وحى نزل(447) تلك هى طبيعه النفوس الكارهه لمحمد ولال محمد (ان تمسسكم حسنه تسوهم وان تصبكم سيئه يفرحوا بها)(448) كبر معاويه فى الخضراء فكبر اهل الخضراء، ثم كبر اهل المسجد بتكبير اهل الخضراء، فخرجت فاخته بنت قرظه من خوخه لها، فقالت لمعاويه: (سرك اللّه يا امير المومنين! ما هذا الذى بلغك فسررت به؟) قال: (معاويه موت الحسنبن على)(449). وبالاجمال فان نجاح النبوه الهاشميه، وتكرس التميز الهاشمى، والجراح التى نتجت عن قتلى معركه بدر، والغصات التى اعترضت حلوق الذين اتبعوا محمدا من بطون قريش تركت بصماتها على التاريخ الاسلامى كله، وظلت تعمل وتعتمل بالنفوس حتى كانت من ابرز الاسباب التى قوضت النظام السياسى الاسلامى الالهى، وفرغته من مضمونه ومحتواه، واخرجت المنظومه الحقوقيه عمليا من الخدمه.
كانت النتائج المذهله وغير المتوقعه لمعركه بدر صدمه هائله، لبطون قريش، وليهود المدينه، وللمنافقين، وهزه عنيفه لقناعات القبائل العربيه التى كانت تتربص لمعرفه نتيجه المواجهه بين محمد، وبين بطون قريش. لقد ذهلت قبائل اليهود بنتائج المعركه، وحسدت محمدا والمسلمين هذا النصر الباهر، وذهل منافقوا المدينه، وحقدوا على محمد واصحابه لانهم انتصروا، وحزن اليهود والمنافقون لان البطون قد هزمت، لا حبا بالبطون، ولكن كراهيه لمحمد ولال محمد ولمن اتبعهم. اما بطون قريش فكلها ثائره، وموتوره، ومنكوبه، وحاقده الا بنى عدى -لم يكونوا مع العير ولا مع النفير- كما وصفهم ابو سفيان، وبنى زهره الذين لم يشتركوا فى القتال، ومع هذا تاثر هذان البطنان بما اصاب بطون قريش، وانضما فى ما بعد الى قافله البطون المطالبه بالثار والقضاء على محمد، وقد صممت بطون قريش على الانتقام من محمد وآله واصحابه، والثار منهم، والقضاء عليهم ان استطاعوا. ولا نبالغ اذا قلنا ان ما حدث طوال التاريخ السياسى الاسلامى وثيق الصله بمعركه بدر ونتائجها وآثارها.
كان البيت الاموى عامه وابو سفيان واولاده خاصه من اعمق بطون قريش ثوره، واكثرها احساسا بالنكبه والفجيعه، فقد قتل منهم فى بدر احد عشر سيدا من سادات الوادى على حد تعبير ابى سفيان، منهم: ولده حنظلهبن ابى سفيان، اما زوجته هند، فان حقدها على النبى وآله يفوق التصور والتصديق، ولم لا، فهى تعتبرهم مسوولين عن قتل ابنها وابيها واخيها وابن اخيها وسادات عمومتها وابنها معاويه ويزيد كانا يغليان بالحقد والكراهيه على محمد وآلمحمد. لقد توفرت فى بيت ابى سفيان كل دواعى العجله فى الانتقام، وامام ضغط الاسره، وفيض مشاعر الحقد والاحباط، حرم ابو سفيان الدهن حتى يثار من محمد، فخرج فى اربعين فارسا او مائتى فارس، ووصلوا الى المدينه ليلا وحلوا ضيوفا على سلامبن مشكم اليهودى، واستقصوا اخبار النبى، ومع الفجر خرجوا فقتلوا رجلا من الانصار، واجيرا له، واهلكوا حرثه، وحرقوا بيتين واهلكوا حرثا فى العريض، ثم ولوا مدبرين، واعتقد ابو سفيان انه قد تحلل من يمينه، وانه قد اوصل بنفسه رساله ضمنيه لمحمد وآل محمد، بان الثار والانتقام لقتلى بدر قدر لا مفر. وسمع النبى بالخبر، وفهم مضمون الرساله، فندب اصحابه لتعقب الغزاه، وتعقبهم بالفعل، ولكن الغزاه قد نجوا بالفرار. ووصل ركب ابى سفيان سالما الى مكه واخذ يعد العده للثار والانتقام(450).
التجاره عصب الحياه فى مكه، وقوامها رحلتى الشتاء والصيف، واسهل طرق رحله الصيف الى بلاد الشام المرور من طريق المدينه المسلوكه والمختصره، والمرور من هذا الطريق مستحيل الا بموافقه محمد، ومحمد لن يوافق الا بالمفاوضه، وبطون قريش لن تفاوضه، لان مفاوضتها معه اعتراف ضمنى بوجوده، وهى لا تريد ان تعترف به. والغاء رحله الصيف كارثه، فالبديل الاوحد هو البحث عن طريق بديل، ودلهم فراتبن حيان العجلى على الطريق البديل، وهى طريق العراق، فجهزوا قافله وارسلوها عبر الطريق الجديد، وعلم النبى فارسل زيدبن حارثه ومعه مائه راكب فاصابوا القافله، وفر حراسها واسر الدليل فرات بن حيان. وهكذا ارسل الرسول رساله ضمنيه الى زعامه البطون مفادها، ان تجاره بطون قريش لن تمر الى بلاد الشام الا بموافقه محمد، وموافقه محمد لن تدرك الا بالمفاوضات، وغايه ما يطلبه محمد من هذه المفاوضات هو ان تخلى البطون بينه وبين العرب، وان تتوقف عن استغلال نفوذها ضده. وفهمت بطون قريش مضمون الرساله، فكلمات عتبه بن ربيعه ما زالت فى اذهان البطون: (خلوا بينه وبين العرب فان اصابوه فذلك الذى اردتم، وان كان غير ذلك الفاكم)، لكن انى لبطون قريش ان تدرك الرشد بعد ان جمعت بين الحسد والحقد، لقد تيقنت زعامه البطون انها قد خسرت رحله الصيف الى حين، وقررت ان تستبعد فكره المفاوضات مع محمد، وان تعتمد كليا على القوه للثار من محمد وآله ومن والوهم، والقضاء التام عليهم(451).
الاستعدادات الهائله للثار والقضاء على محمد: رجعت البطون من بدر مهزومه وموتوره، ووجدت العير التى عاد بها ابو سفيان من الشام موقوفه فى دار الندوه لم توزع لغيبه البطون فى بدر. هرعت زعامه البطون الى ابى سفيان، واجتمعوا فى دار الندوه، وتداولوا الامور وما جرى فى بدر، والسبل التى سيسلكونها للثار من محمد والقضاء عليه، واتفقوا على النقاط التاليه: 1 ـ تعيين ابى سفيان قائدا عاما لجيش البطون. 2 ـ تخصيص كامل العير التى نجت لتجهيز هذا الجيش. 3 ـ تشكيل اربعه وفود لتسير فى العرب طالبين النصر منهم، وفد برئاسه عمروبن العاص، ووفد برئاسه هبيره بن ابى وهب، ووفد برئاسه ابن الزبعرى، والوفد الرابع برئاسه ابى عزت الجمحى. وبالفعل تحركت الوفود الاربعه، ونجحت بتاليب العرب، وجمعهم ضد محمد. 4 ولتتذكر البطون قتلى بدر، فلا ترجع حتى تدرك ثارها او تموت دونه، قرروا اخراج الحريم معهم، ولقد عورض القرار لكن هند زوجه ابى سفيان تصدت للمعارضين واصرت على خروج الحريم ليشهدن القتال والثار للاحبه الذين قتلهم محمد وآله، وهكذا خرجت البطون ومن والاها مع ظعنهم(452).
الخروج من مكه والمسير الى احد: خرجت بطون قريش ومن معها من العرب والاحابيش الذين نجحت بحشدهم على شكل جيش منظم ومدرب قوامه ثلاثه آلاف مقاتل يركبون مائتى فرس، وثلاثه آلاف بعير، وفيهم سبعمائه دارع، وعده وسلاح كثير لقتال النبى والثار منه ومن آله واصحابه والقضاء عليهم ان امكن، وقادتهم المقادير ليقفوا وجها لوجه امام محمد وآله، ومن اتبعهم فى منطقه جبل احد قرب المدينه(453).
لما اجمعت قريش على الخروج كتب العباسبن عبد المطلب كتابا الى النبى اخبره فيه ان قريشا قد اجمعت على المسير اليه، بثلاثه آلاف مقاتل منهم سبعمائه دارع، وثلاثه آلاف جمل، وقادوا مائتى فرس، وختم الكتاب، واستاجر رجلا من بنى غفار، واشترط عليه ان يسير ثلاث ليال. وقدم الغفارى، وسلم رسولاللّه الكتاب(454). وانتشر الخبر واجتمع النبى باهله واصحابه.
قال النبى: ايها الناس انى قد رايت فى منامى رويا: رايت كانى فى درع حصينه، ورايت كان سيفى ذا الفقار انقصم من عند ظبته، ورايت بقرا يذبح، ورايت كانى مردف كبشا. قال الناس فما اولتها؟ قال اما الدرع الحصينه فالمدينه، فامكثوا فيها، واما انقصام سيفى فقتل رجل من اهل بيتى، واما البقر المذبح فقتلى فى اصحابى(455)..
واستشار النبى اصحابه، وكان راى عبداللّهبن ابى البقاء فى المدينه، وراى النبى مع راى ابن ابى، وكان ذلك راى كبراء المهاجرين والانصار فقال النبى: امكثوا فى المدينه، واجعلوا النساء والذرارى فى الاطام، فان دخلوا علينا قاتلناهم فى الازقه، فنحن اعلم بها منهم، وارموا من فوق الصياصى والاطام... ورات الاكثريه الخروج وملاقاه العدو، وخشى بان يفسر العدو البقاء فى المدينه جبنا، واستجاب النبى لراى الاكثريه، وامرهم بالاستعداد للخروج ولبس عده الحرب، وشعرت الاكثريه انها اكرهت الرسول على الخروج فندمت، وقالوا: (يا رسولاللّه ما كان لنا ان نخالفك فاصنع ما بدا لك؟) فقال: (دعوتكم فابيتم، ولا ينبغى لنبى ان لبس لامته ان يضعها حتى يحكم اللّه بينه وبين اعدائه). ودفع لواء المهاجرين الى علىبن ابى طالب، ولواء الخزرج الى سعدبن عباده، ولواء الاوس الى سعدبن معاذ، وارجع اليهود الذين خرجوا معه، وانصرف عبداللّهبن ابى ومن والاه، وسار النبى حتى وصل الى جبل احد، فجعل احدا خلف ظهره، واستقبل المدينه، ورتب خمسين من الرماه على جبل احد، وقال النبى للرماه: (احموا لنا ظهورنا، فانا نخاف ان نوتى من ورائنا، والزموا مكانكم لا تبرحوا منه، وان رايتمونا نهزمهم حتى ندخل معسكرهم فلا تفارقوا مكانكم، وان رايتمونا نقتل فلا تعينوننا ولا تدافعوا عنا، وارشقوا خيلهم بالنبل، اللهم انى اشهدك عليهم، ثم وقف امام اصحابه، ونهى ان يقاتل احد حتى يامره)(456).
اقبل المشركون وقد اتخذ جيش الاسلام مواقعه، فاستدبروا المدينه، واستقبلوا احدا، وصفوا صفوفهم، واقاموا النساء خلف الرجال يضربن بالاكبار والدفوف، اما نساء عليه بطون قريش بزعامه هند ام معاويه فكن يشجعن، ويحرضن الرجال على القتال، ولم يطل الانتظار، فبرز من صفوف المشركين طلحهبن ابى طلحه، وصاح: من يبارز، فبرز له على عليه السلام، واختلفا بضربتين، فضربه على على رجل فقطعها وقتل، فلما قتل طلحه، سر رسولاللّه واظهر التكبير وكبر المسلمون وشد اصحاب الرسول على المشركين(457). |