|
الفصل الثالث
الرسول الأعظم وبشائر الأنبياء به اسم النبي في التوراة والإنجيل: قال تعالى: (الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ) هذه الآية تدل على أن اسم النبي(صلى الله عليه و آله) وصفته والبشارة بنبوته ورسالته من الله عز وجل مكتوبة في توراة موسى وإنجيل عيسى(عليهما السلام)، وأن أهل الكتاب من اليهود والنصارى يجدون ذلك فيما عندهم من التوراة والإنجيل. وهذا من أعظم الدلائل على ثبوت نبوة الرسول الأعظم وأحقية رسالته، لأنه لو لم يكن مكتوباً باسمه وصفته في الكتابين المذكورين لكان ذكر هذا الكلام من المنفرات لليهود والنصارى عنه وعن تصديق ما جاء به، وحاشا لله أن ينفر الناس عن نبيه وتصديقه، فإذن لا بد وأن يكون مكتوباً ذلك في الكتابين التوراة والإنجيل بصورة بينة جلية تتم بها إقامة الحجة عليهم. ومن هنا جاءت البشارات به(صلى الله عليه و آله) متواترة من الرسل والأنبياء والأوصياء والأحبار والرهبان والحكماء والعلماء من زمن موسى إلى أن ولد(صلى الله عليه و آله) وبعد مولده الشريف(1). يروي شيخنا الكليني في (الكافي)(2) عن الإمام الباقر(عليه السلام) أنه قال: لما أنزلت التوراة على موسى بشر بمحمد(صلى الله عليه و آله) … ثم نزل الأنبياء تبشر به حتى بعث الله المسيح عيسى بن مريم، فبشر بمحمد(صلى الله عليه و آله)، وذلك قوله تعالى (الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ) أي أن اليهود والنصارى يجدونه مكتوباً عندهم باسمه وصفته في التوراة والإنجيل، وهو قوله تعالى يخبر عن عيسى(وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ) [الصف/ 7] انتهى. ولنأخذ دروساً مما تفيده هذه الآية الكريمة من سورة الصف أنبأنا الله تعالى بها من أن عيسى أخبر بني إسرائيل مؤكداً لهم أنه رسول إليهم. ولم يقل أنه الله ولا أنه ابن الله ولا أنه ثالث ثلاثة(3) – تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً – بل إنه يوحد الله وأنه رسول منه إليهم. هذا أولاً، وثانياً إنه مصدق لما بين يديه من التوراة، أي أنه يصدق بنبوة موسى ورسالته السابقة عليه وإنزال الكتاب المقدس إليه من الله عز وجل، وهو التوراة. وثالثاً: إنه مبشر برسول يأتي من بعده اسمه أحمد، وهو نبينا محمد(صلى الله عليه و آله)، كما صح عنه أنه قال: إن لي أسماء أنا أحمد وأنا محمد، وأنا الماحي يمحو الله فيَّ الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب الذي ليس بعدي نبي(4). فأحمد من أسمائه المباركة، وسمي به لأنه أكثر حمداً لله تعالى من غيره، ويحمد أيضاً لما فيه من الأخلاق والمحاسن أكثر مما يحمد غيره(5). قال الشاعر: صلى الإله ومن يحف بعرشه*** والطيبون على المبارك أحمدا هذا، ويمكننا أن نتصور من مفاد هذه الآية الكريمة أن الأنبياء والمرسلين كحلقات مترابطة يسلم بعضهم إلى بعض ويؤيد بعضهم بعضاً يصدق اللاحق منهم بالسابق ويبشر السابق منهم باللاحق، فهم حلقات متماسكة في حقيقتها واحدة في اتجاهها ممتدة من السماء إلى الأرض حلقة بعد حلقة في السلسلة الطويلة. وهذه هي الصورة اللائقة بحكمة الله عز وجل ومنهجه في عباده في أن لا يخلي الأرض من عامل فيها بخير يكون حجة على أهلها ودليلاً لهم، وهو منهج واحد في أصله ولكنه متعدد في صوره وفق استعداد البشرية وحاجاتها وطاقاتها، حتى تبلغ مرحلة الرشد العقلي والشعوري وحتى تجيء الحلقة الأخيرة في الصورة الأخيرة كاملة شاملة تخاطب العقل الراشد على ضوء تلك التجارب السابقة. ولكن البشرية غالباً دأبها التكذيب والعصيان لرسل الله وأنبيائه وحججه الهداة، اتباعاً منها للهوى واستكباراً على الحق، قال تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنفُسُكُمْ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (87) وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمْ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ (88) وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ) [سورة البقرة/ 89 – 91]. نعم لما جاءهم ما عرفوا من رسالة نبينا المبشر بها لديهم كفروا به ولم يصدقه إلا قليل منهم. هذا مع أن البشارة بنبينا(صلى الله عليه و آله) لم ينفرد بتبليغها عيسى(عليه السلام) فحسب، بل صدع بها الأنبياء والمرسلون الذين سبقوا عيسى بأجيال، وأثبتت بكتب الوحي المنزلة من قبله بقرون، كما علمنا هذا من الآية المبحوث عنها(الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ)، كما نعلم ذلك أيضاً من الآية السابقة (وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ)(6). وعلى كل فتكذيب اليهود والنصارى نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم تكذيب لموسى ومن جاء بعده من الأنبياء والمرسلين، وتصديقه تصديق لهم عليهم السلام. هذا وقد صدق به صلى الله عليه وآله وآمن برسالته كثير من علماء اليهود والنصارى ورؤسائهم قبل بعثته وبعدها، لما وجدوا وقرءوا من صفاته المثبتة في التوراة والإنجيل، كما ينقل لنا التاريخ ذلك، والروايات مستفيضة به من طرق علماء المسلمين بل وغيرهم أيضاً. ونكتفي هنا بذكر رواية واحدة – من روايات كثيرة – وردت عن أهل البيت عليهم السلام، يرويها شيخنا الصدوق بسنده عن الإمام موسى بن جعفر عن آبائه عن أمير المؤمنين عليهم السلام(7) ورواها الحاكم البيهقي في الدلائل، ونقلها عنهما السيوطي في الدر المنثور 3/ 132، عن علي(عليه السلام) أيضاً أنه قال: إن يهودياً كان له على سول الله(صلى الله عليه و آله) دنانير، فتقاضاه فقال له: يا يهودي ما عندي ما اعطيك قال: فإني لا افارقك يا محمد حتى تقضيني، فقال: إذاً أجلس معك فجلس معه حتى صلى في ذلك الموضع الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة والغداة، وكان أصحاب رسول الله يتهددونه ويتوعدونه، فنظر رسول الله(صلى الله عليه و آله) إليهم فقال: ما الذي تصنعون به؟ فقالوا: يا رسول الله يهودي يحبسك. فقال: لم يبعثني ربي عز وجل بأن أظلم معاهداً ولا غيره. فلما علا النهار قال اليهودي: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وشطر مالي في سبيل الله، أما والله ما فعلت بك الذي فعلت إلا لأنظر إلى نعتك في التوراة، فأني قرأت نعتك في التوراة: محمد بن عبد الله مولده بمكة ومهاجره بطيبة وليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب(8) ولا متزين (مترين) بالفحش ولا قول الخنا، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، وهذا مالي فأحكم فيه بما أنزل الله. وكان اليهودي كثير مال – إلى أخر الخبر.
بشائر النبي(صلى الله عليه و آله) بخلفائه الإثني عشر من أهل بيته(عليهم السلام) وحيث إن الأنبياء والمرسلين وجميع حجج الله على العالمين – كما مر علينا – هم كحلقات مترابطة في السلسلة الطويلة الممتدة من السماء إلى الأرض ما دامت الأرض باقية، يبشر السابق منهم باللاحق ويصدق اللاحق منهم بالسابق. وقد شاء الله تعالى أن يكون نبينا محمد صلى الله عليه وآله هو خاتم النبيين، ولا نبي بعده كما أخبر أمته بذلك كتاباً وسنة(مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) [الأحزاب/ 41]. وقوله(صلى الله عليه و آله) فيما تواتر عنه: "علي مني بمنزلة هارون من موسى لا أنه لا نبي بعدي"(9). وقوله(صلى الله عليه و آله): "وأنا العاقب الذي ليس بعدي نبي". ولكنه(صلى الله عليه و آله) عملاً بسنة الله في خلقه ومنهجه الحكيم في عباده من أن لا يخلي الأرض من عامل عليها بخير، ودليل إلى سبيل نجاة، (سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا) (10)، لذا بشر(صلى الله عليه و آله) الأمة الإسلامية بخلفائه من بعده الأئمة الهداة الاثني عشر من أهل بيته، فذكرهم بأسمائهم وألقابهم وخصائصهم(11) ومميزاتهم، ونص على خلافتهم، وأعلن فضلهم الذي فاقوا به غيرهم وأن لا تخلو الأرض من أحدهم حتى تقوم الساعة(12). ذكر(صلى الله عليه و آله) تلك البشارة الكبرى للأمة تدريجاً حسب اقتضاء الحكمة في التبليغ، من مبدأ أمره إلى منتهى عمره، تلويحاً وتصريحاً مرة بعد أخرى. في المجتمعات الخاصة والعامة، لتتم بذلك الحجة على الجميع. كما أوجب على الجميع أطاعتهم واتباعهم والاقتداء بهديهم. هذا ما اعتقدناه جازمين، وصدقنا به مؤمنين، بالأدلة القطعية ونحيا ونموت ونبعث عليه أن شاء الله تعالى. وقد سّرنا ذلك وأحببناه وأردناه أخذاً بقوله(صلى الله عليه و آله) واستجابة لدعوته التي أمر الله سبحانه بها عباده المؤمنين(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ)(13). قال(صلى الله عليه و آله): "من سره إن يحيا حياتي ويموت مماتي ويسكن جنة عدن غرسها ربي فليوال علياً من بعدي وليوال وليه، وليقتد بأهل بيتي من بعدي، فأنهم عترتي خلقوا من طينتي ورزقوا فهمي وعلمي، فويل للمكذبين بفضلهم من أمتي، القاطعين فيهم صلتي، لا أنالهم الله شفاعتي(14). وقال(صلى الله عليه و آله): »من أحب أن يحيا حياتي، ويموت ميتتي، ويدخل الجنة التي وعدني ربي وهي جنة الخلد، فليتول علياً وذريته من بعده، فأنهم لن يخرجوكم باب هدىً ولن يدخلوكم باب ضلالة«(15). وقال(صلى الله عليه و آله): »من أراد أن يحيا حياتي ويموت مماتي ويسكن جنة الخلد التي وعدني ربي فليتول علي بن أبي طالب، فأنه لن يخرجكم من هدى ولن يدخلكم في ضلالة«(16). وقال(صلى الله عليه و آله) حين أخذ البيعة الأولى على الأنصار بنصرته: »أنا آخذ عليكم بما أخذ الله على النبيين من قبلي أن تحفظوني وتمنعوني عما تمنعون أنفسكم عنه، وتمنعوا عن علي بن أبي طالب عما تمنعون أنفسكم عنه، وتحفظوه فأنه الصديق الأكبر، يزيد الله دينكم، وأن الله أعطى موسى العصا، وإبراهيم برد النار وعيسى الكلمات يحيى بها الموتى، وأعطاني هذا علياً، ولكل نبي آية وهذا آية ربي، والأئمة الطاهرون من ولده آيات ربي، لن تخلو الأرض من أهل الإيمان ما أبقى الله أحداً من ذريته«(17). (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ(19)ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ(20)مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ) [التكوير 20-22].
بشائر الله لأنبيائه بنبينا(صلى الله عليه و آله) وأهل بيته(عليهم السلام) تشير بعض الآيات القرآنية الكريمة مع ما ورد في تفسيرها وتأويلها عن النبي وأهل بيته عليهم السلام من طرق عديدة أن الله جل وعلا– كما بشر أنبياءه ورسله بخاتمهم محمد(صلى الله عليه و آله) كذلك بشرهم الله بأهل بيته وأعلن لهم فضلهم وأنهم خيرة خلقه(18) وأخذ عليهم العهد من بعده. وفي كثير من الأخبار تصريح بأن الأنبياء والمرسلين كانوا إذا ابتلاهم الله عز وجل بما ابتلاهم به في الدنيا – والدنيا دار بلاء وامتحان – كانوا يتوسلون بهم إلى الله تعالى أن يكشف عنهم ذلك البلاء فيستجيب الله لهم دعاءهم. وقد استفاض النقل بذلك من طرق الفريقين ولا سيما من طريق أهل البيت وشيعتهم، وإليك بعض النماذج مما ورد من طرق أهل السنة: قال تعالى: (وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَانِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ) [الزخرف/ 46]. روى كثير من المفسرين والمحدثين من أهل السنة بأسانيدهم عن عبد الله بن عباس وعبد الله بن مسعود وأبي هريرة أن النبي(صلى الله عليه و آله) لما أسري به إلى السماء جمع الله بينه وبين الأنبياء وأوحى إليه على لسان ملك من ملائكته أن سلهم يا محمد على ماذا بعثتم؟ فسألهم فقالوا: بعثنا على شهادة لا إله إلا الله، وعلى الإقرار بنبوتك والولاية لعلي بن أبي طالب(19). روى ذلك الثعلبي في تفسيره ونقله عنه: العلامة النيسابوري في غرائب القرآن 25/58، وهذا نصه قال: وعن أبن مسعود أن النبي(صلى الله عليه و آله) قال: أتاني ملك فقال: يا محمد سل من أرسلنا من قبلك من رسلنا علام بعثوا؟ قال: قلت علام بعثوا؟ قال: على ولايتك وولاية علي بن أبي طالب رضى الله عنه (قال): رواه الثعلبي. ونقله آية الله العلامة الحلي عن ابن عبد البر المالكي. وخرجه العز المحدث الحنبلي عن عبد الله بن مسعود (كشف الغمة 1/312). ورواه جلال الدين السيوطي الشافعي بسنده في ذيل اللالي ص60، بعين ما تقدم عن الثعلبي. ورواه العلامة الكنجي الشافعي المتوفى سنة 658 في كفاية الطالب الباب الخامس ص23 بسنده عن عبد الله (يريد عبد الله بن مسعود) قال: قال النبي صلى الله عليه واله: يا عبد الله آتاني ملك فقال: يا محمد وأسال من أرسلنا من قبلك على ما بعثوا. قال: قلت على ما بعثوا؟ قال: على ولايتك وولاية علي بن أبي طالب. ورواه الحاكم النيسابوري في النوع الرابع والعشرين من معرفة علوم الحديث (المصدر السابق). ورواه صاحب كتاب المناقب السبعين في الحديث 49 قال ما نصه: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله(صلى الله عليه و آله): لما أسرى بي في ليلة المعراج فاجتمع على الأنبياء في السماء، فأوحى الله تعالى إلي: سلهم يا محمد بماذا بعثتم فقالوا: بعثنا على شهادة أن لا إله إلا الله وحده، وعلى الإقرار بنبوتك، والولاية لعلي بن أبي طالب. قال رواه الحافظ أبو نعيم (ينابيع المودة الباب 56 ص238) . ورواه أبو نعيم الاصبهاني في حلية الأولياء عن ابن مسعود وأبي هريرة (كما نقلته المصادر المثبتة). ورواه العلامة الحمويني الشافعي في فرائد السمطين ص68 الباب 15 بسنده عن ابن عبد الله بن مسعود. ورواه موفق بن احمد اخطب خوارزم الحنفي المتوفى سنة 568 في كتابه المناقب في الفصل 19 ص221 بسنده عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله(صلى الله عليه و آله): يا عبد الله آتاني ملك فقال: يا محمد سل من أرسلنا من قبلك من رسلنا على ما بعثوا ؟ قال: قلت على ما بعثوا ؟ قال: على ولايتك وولاية علي بن أبي طالب. ورواه الشيخ سليمان الحنفي في ينابيع المودة ص 82 الباب15، وهذا نصه قال: موفق بن احمد والحمويني وأبو نعيم الحافظ بأسانيدهم عن ابن مسعود قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): لما عرج بي إلى السماء انتهى بي السير مع جبرئيل إلى السماء الرابعة، فرأيت بيتا من ياقوتا احمر ، فقال جبرئيل: هذا البيت المعمور ، قم يا محمد فصل إليه، قال النبي: جمع الله النبيين فصفوا ورائي صفا فصليت بهم ، فلما سلمت آتاني آت من عند ربي فقال يا محمد ربك يقرئك السلام ويقول لك: سل الرسل على ما أرسلتهم قبلك. فقلت: معاشر الرسل على ماذا بعثكم ربي من قبلي ؟ فقالت الرسل: على نبوتك وولاية علي بن أبي طالب، وهو قوله تعالى (وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا) – الآية. ثم قال صاحب الينابيع أيضا: رواه الديلمي عن ابن عباس. ثم روى عن طلحة بن زيد عن جعفر الصادق عن آبائه عن أمير المؤمنين(عليهم السلام) قال: قال رسول الله(صلى الله عليه و آله): ما قبض الله نبيا حتى أمره الله أن يوصي إلى افضل عشيرته من عصبته، وامرني أن أوص إلى ابن عمك علي أثبته في الكتب السالفة ، وكتبت فيها انه وصيك، وعلى ذلك أخذت ميثاق الخلائق وميثاق أنبيائي ورسلي ، وأخذت مواثيقهم لي بالربوبية ولك يا محمد بالنبوة ولعلي بن ابي طالب بالولاية والوصية.
إيضاح وتعليق حول الآية والرواية الآية في ظاهرها تدل على ان الله سبحانه أمر رسوله محمد(صلى الله عليه و آله) أن يسأل الرسل الذين قبله ويقررهم هل جعل الله – الذي على كل شئ قدير – آلهة يعبدون من دون الرحمن، الرحمن الذي وسعت رحمته كل شئ ؟ الجواب قطعا: لا . ونبينا(صلى الله عليه و آله) يعلم علم اليقين – قبل أن يؤمر بهذا السؤال من المرسلين وقبل أن يسألهم - إن الله لم يجعل آلهة يعبدون من دونه تعالى لاستحالة ذلك عقلا ، وهو(صلى الله عليه و آله) سيد العقلاء وسيد الموحدين ، فهو يعلم أن العبادة له سبحانه وحده لا شريك له. وهذا لا ريب فيه لكل مؤمن صادق الإيمان فضلا عن نبينا(صلى الله عليه و آله) المفضل على الأولين والآخرين. فإذا لا بد من أن السؤال فيه ما قد خفي على النبي(صلى الله عليه و آله)، لذا أمر أن يسأل عنه . فالروايات التي مرت علينا من طرق الفريقين أبانت لنا أن الشيء الذي كان قد خفي على النبي(صلى الله عليه و آله) وأمره الله أن يسأل عنه المرسلين وأجاب به المرسلون بالفعل، هو انهم بعثوا على الإقرار بتوحيد الله تعالى المعلوم عند النبي قبل أن يسال عنه، والإقرار بنبوته ورسالته وولاية وصيه وخليفته من بعده علي أمير المؤمنين. وهذان الأخيران هما اللذان ما كان يعلمهما النبي واعلمه بهما المرسلون قبله انهم بعثوا على ولايته وولاية علي بن أبي طالب. ومن هنا نرى إن اكثر الروايات المذكورة اكتفت بذكر نبوة نبينا وولاية ولينا، لأنهما الداعي إلى السؤال والتقرير من الرسل. والآية الكريمة بذاتها فيها أيضاً الدلالة على الشهادات الثلاث تصريحا وتلويحا، أما الشهادة لله بالوحدانية فصريحة وظاهرة بالآية وأما الشهادة بنبوة النبي وولاية الوصي فملوح إليهما في الآية وبيان ذلك: أولاً - يجب أن نعلم إن المراد من العبادة إنما هي الطاعة لله في امتثال أوامره والانتهاء عن نواهيه والإخلاص له تعالى في ذلك بعد معرفته، دون غيره من أنواع الآلهة الموهومة(20) ، وهذا هو التوحيد الخالص لله سبحانه وتعالى، وهو يقتضي أن ينصب الله – الرحمن الرحيم-لعباده رسلا وحججا معصومين منزهين يدعون العباد إلى عبادته لا شريك له في كل جيل ودور وفي كل أمة من الأمم لئلا يهلكوا، قال تعالى:(وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ)، أي اجتنبوا عبادة الطاغوت، والطاغوت مفرد يراد به الجمع، وهم رؤساء الضلال وأئمة الجور الذين تسلطوا بالقوة على الأمم – بعضا أو كلا – فطاعة هؤلاء الرؤساء الذين لم ينصبهم الله ولم يأمر بإطاعتهم ومتابعتهم – في مقابلة إطاعة رسول الله وحججه - نوع من الشرك بالله والعبادة لغيره تعالى. فقوله عز من قائل في الآية الكريمة:(وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَانِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ) يمكن أن يراد بالآلهة هنا رؤساء الضلال وأئمة الجور الذين لم يجعل الله لهم الإمامة والولاية. ولم يأمر بإطاعتهم ومتابعتهم، بل نصب رسلا وحججا على كل أمة، وجعل لهذه الأمة – التي هي خير الأمم – نبيا هو افضل الأنبياء ووصيا له هو خير الأوصياء وحججا من ذريتهما هم افضل الحجج من بعدهما وهم جميعا الذين اذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ، وهم الذين بعث الأنبياء والرسل على الإقرار بولايتهم العامة وفضلهم وتفضيلهم ،كما قال الإمام الصادق(عليه السلام): »ما تنبأ نبي قط إلا بمعرفة حقنا وتفضيلنا على من سوانا«. وأمر النبي(صلى الله عليه و آله) أن يسألهم عن هذه الحقيقة الواقعة، وأجابوه بها. (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)(21).
تحقيق شيخنا المظفر حول الموضوع وإليك ما أفادنا به شيخنا الحجة الشيخ محمد حسن المظفر(22) موضحاً ومستدلاً بالآية والروايات المصرحة ببعثة الأنبياء على ولاية النبي وعلي عليهما الصلاة والسلام بما يلي: ودلالتها على إمامة أمير المؤمنين(عليه السلام) واضحة، فإن بعث الرسل وأخذ الميثاق عليهم في القديم بولاية علي عليه السلام وجعلها محل الاهتمام العظيم في قرن أصلي الدين الربوبية والنبوة لا يمكن أن يراد بها إلا إمامة من له الفضل عليهم كفضل محمد صلى الله عليه وآله، ولا سيما مع عطف الوصية عليها في رواية طلحة(23)، فلا يضر حينئذ اطلاق الولاية على معان كثيرة بعد هذه القرينة الصريحة في إرادة الإمامة. فإن قلت: لم تذكر الآية الكريمة النبوة والإمامة، بل ولا الإرسال بشهادة أن لا إله إلا الله، فإنها قالت: (اجعلنا) ولم تقل أرسلناهم بالشهادة. قلت: السؤال والاستفهام في الآية للتقرير، بمعنى تقرير الرسل عن أمر أستقر عندهم نفيه، وهو جعل الآلهة من دون الرحمن يعبدون، لكن لما كان المناسب لتقرير الرسل بما هم رسل هو تقريرهم عما أرسلوا به كان الظاهر إرادة تقريرهم عن ذلك بما هم رسل بنفيه، وهو راجع إلى الإرسال بالشهادة بالوحدانية. فصح ما أفادته الروايات من أن المراد بالآية السؤال عما بعث به الرسل من الشهادة بالوحدانية، ولما كان بعثهم بهذا معلوماً للنبي صلى الله عليه وآله البتة لم يحسن أن يراد أن يقررهم به خاصة، بل ينبغي أن يراد تقريرهم به بضميمة مالا يعلم النبي إقرارهم به لعدم علمه بإرسالهم عليه، وهو الذي ذكرته الروايات – أعني إرسالهم على نبوته وإمامة أمير المؤمنين (عليه السلام). وإنما لم تذكره الآية الشريفة للاكتفاء بذكر الأصل، وهو بعث على الشهادة بالوحدانية، كما أن بعض الروايات المذكورة اكتفت بذكر نبوة نبينا وإمامة ولينا، لأنهما الداعي إلى السؤال والتقرير مع وضوح بعثهم على الشهادة بالوحدانية لكونه الأصل ولذكر الآية له، فما أعظم قدر نبينا الأطيب وأخيه الأطهر عند الله تبارك وتعالى حتى ميزهما على جميع عباده وأكرمهما ببعث الرسل الأكرمين على الإقرار بفضلها ورسالة محمد وإمامة علي، وأخذ الميثاق عليهم بهما مع الشهادة بالوحدانية فحق لذريتهما أن يفتخروا بما افتخر الشريف الرضي به، وهو قول الفرزدق: أولئك آبائي فجئني بمثلهم*** إذا جمعتنا يا جرير المجامع
بشائر الله لآدم بنبينا وأهل بيته وتوسله إلى الله بهم قال الله تعالى: (فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) [البقرة/ 37]. مما جاء في تفسير الكلمات التي تلقاها آدم من ربه فتاب عليه هي دعاؤه وتوسله إلى الله تعالى بالخمسة أهل الكساء محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين إلا ما تاب عليه فاستجاب الله دعاءه وتاب عليه. جاء هذا مروياً بوضوح في روايات كثيرة ومستفيضة من طرق الفريقين الشيعة(24) وأهل السنة، وإليك بعض روايات أهل السنة في ذلك: روى العلامة البيهقي في دلائل النبوة عن عمر بن الخطاب قال آدم: أسألك بحق محمد وآله إلا غفرت لي. إلى قوله: ولولا هو ما خلقتك (تفسير اللوامع 1/215). وروى العلامة ابن عساكر في كلا مسنديه عن عمر بن الخطاب بعين ما تقدم (المصدر السابق) نقلنا هذين الحديثين عن كتاب إحقاق الحق 3/77. وروى العلامة ابن المغازلي في (المناقب – مخطوط) بسنده عن سعيد بن جبير، عن عبد الله بن عباس قال: سأل رسول الله(صلى الله عليه و آله) عن الكلمات التي تلقاها آدم(عليه السلام)، فقال(صلى الله عليه و آله): »سأله بحق محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين، فتاب عليه وغفر له«(25). وروى أبو الفتح محمد بن علي النطنزي المولود سنة 480هـ في كتابه (الخصائص) عن ابن عباس أنه قال: لما خلق الله آدم ونفخ فيه من روحه عطس فقال: الحمد لله، فقال له ربه: يرحمك ربك، فلما أسجد له الملائكة، قال: يا رب خلقت خلقاً هو أحب إليك مني؟ قال: نعم ولولاهم ما خلقتك. قال: يا رب فأرنيهم، فأوحى الله إلى ملائكة الحجب: أن رفعوا الحجب، فلما رفعت إذا آدم، هذا محمد نبيّي، وهذان الحسن والحسين ابنا علي وولدا نبيّي. ثم قال: يا آدم هم ولدك ففرح بذلك، فلما اقترف الخطيئة قال:يا رب أسألك بمحمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين لما غفرت لي، فغفر الله له. فهذا الذي قال الله تعالى: (فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ) أن الكلمات التي تلقاها آدم من ربه: اللهم بحق محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين إلا تُبت علّي، فتاب الله عليه(26). وروى عبد الرحمن الصفوري الشافعي المتوفى سن 884 عن جعفر الصادق(عليه السلام) في قوله تعالى:(فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ) جاء فيه: »أن آدم لما كان في الجنة رفع رأسه إلى القبة فوجد خمسة أسماء مكتوبة من نور: أنا المحمود وهذا محمد، وأنا الأعلى وهذا علي، وأنا الفاطر وهذه فاطمة، وأنا المحسن وهذا الحسن، ومني الإحسان وهذا الحسين، فقال جبرئيل: يا آدم احفظ هذه الأسماء فإنك تحتاج إليها فلما هبط آدم (أي من الجنة بعد اقترافه الخطيئة) بكى… ثم دعا بهذه الأسماء، وقال: يا رب بحق محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين، يا محمود يا أعلى يا فاطر يا محسن أغفر لي وتقّبل توبتي…«(27) الحديث. ورواه العلامة المولى معين الكاشفي عن الصادق أيضاً في (معارج النبوة) ص9(28). وروى العلامة جلال الدين السيوطي الشافعي في تفسيره، عن ابن عباس عين ما تقدم عن ابن المغازلي رقم –3 (29). ثم روى السيوطي في تفسيره أيضاً، عن علي(عليه السلام): »سألت النبي(صلى الله عليه و آله) عن قول الله (فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ) فقال: إن الله أهبط آدم بالهند… إلى أن قال: ومكث آدم باكياً على خطيئته حتى بعث إليه جبرئيل، وقال: يا آدم ألم أخلقك بيدي؟ ألم أنفخ فيك من روحي؟ ألم أسجد لك ملائكتي؟ ألم أزوجك حواء أمتي؟ قال: بلى، قال: فما هذا البكاء؟ قال: وما يمنعني من البكاء وقد أخرجت من جوار الرحمن؟ قال: فعليك بهذه الكلمات فإن الله قابل توبتك وغافر ذنبك قل: اللهم إني أسألك بحق محمد وآل محمد، سبحانك لا إله إلا أنت، عملت سوء وظلمت نفسي فأغفر لي إنك أنت الغفور الرحيم، اللهم إني أسألك بحق محمد وآل محمد، سبحانك لا إله إلا أنت عملت سوء وظلمت نفسي فتب علي إنك أنت التواب الرحيم فهؤلاء الكلمات التي تلقى آدم«(30) المراد من لفظة – هؤلاء – أي محمد وآله. وروى العلامة السيوطي أيضاً في (جمع الجوامع) في باب جامع الدعاء، قال: "روي أن الكلمات التي تلقاها آدم: اللهم أسألك بحق محمد وآل محمد، تب علي إنك أنت التواب الرحيم(31). وروى العلامة ابن النجار عن ابن عباس بعين ما تقدم عن ابن المغازلي(32). وروى العلامة الديلمي في (مسند الفردوس) بسنده عن علي. وقد تقدم الحديث برقم (8) (33). وروى الشيخ علي الهندي الحنفي في (كنز العمال) عن علي، الحديث الذي تقدم برقم (8) نقله عن (مسند الفردوس) للديلمي، وذلك في تفسير سورة البقرة(34). وروى الشيخ سليمان الحنفي عن ابن المغازلي بسنده عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس الحديث المتقدم برقم (3)(35). وروى العلامة البدخشي في (مفتاح النجا) ص16 عن الدار قطني، وابن النجار، عن ابن عباس. كما تقدم برقم (3)(36). والعلامة عبد الله الشافعي في (المناقب) المخطوط ص 33(37). العلامة محمد بن أحمد الحنفي في (در بحر المناقب) ص46 مخطوط(38). العلامة جلال الدين السيوطي في (ذيل اللئالي) ص57 وقد أخرجه عن ابن النجار بسنده كما تقدم(39). وروى الشيخ سليمان الحنفي في (ينابيع المودة) نقلاً عن (المناقب) عن المفضل، قال: "سألت جعفر الصادق عن قوله تعالى (وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنّ…َ) [البقرة/ 125]، قال: هي الكلمات التي تلقاها آدم من ربه فتاب عليه، وهو أنه قال: يا رب أسألك بحق محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين إلا تُبت عليّ، فتاب الله عليه إنه هو التواب الرحيم. فقلت له: يا بن رسول، فما يعني بقوله: (فَأَتَمَّهُنّ)، قال: يعني أتمهن إلى القائم المهدي أثنا عشر إماماً تسعة من ولد الحسين(عليهم السلام)(40). وروى صاحب كتاب (المناقب السبعين) عن ابن عباس الحديث المتقدم رقم (3) نقله عن ابن المغازلي(41). وروى العلامة الشيخ جمال الدين محمد بن احمد الحنفي الموصلي الشهير بابن حسنويه المتوفى سنة 680 في كتابه (در بحر المناقب) ص265 مخطوط، روى الغفاري وحذيفة بن اليمان وأبي هيثم بن التيهان وخزيمة بن ثابت ذي الشهادتين وأبي الطفيل وعمرو بن وائلة(42) بعد أن دخلوا عليه وحدثهم النبي(صلى الله عليه و آله) عن فضل علي(عليه السلام) إلى أن قال: "فإني افضل النبيين، ووصي أفضل الوصيين، وأن آدم لما رأى أسمي وأسم أخي علي وأسم فاطمة والحسن والحسين مكتوباً على ساق العرش بالنور، قال: إلهي خلقت خلقاً وهو أكرم عليك مني؟ قال: يا آدم لولا هذه الأسماء لما خلقت سماء مبنية ولا أرضاً مدحية ولا ملكاً مقرباً ولا نبياً مرسلاً، ولا خلقتك يا آدم. فقال: إلهي وسيدي فبحقهم عليك إلا غفرت لي خطيئتي، فكنا نحن الكلمات التي قال الله تعالى:(فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ)، ثم قال تعالى: أبشر يا آدم فإن هذه الأسماء من ذريتك، فحمد الله وأثنى عليه وسبحه وهلله، وافتخر على الملائكة بنا، فهذا من فضلنا عند الله تعالى، ومن فضل الله تعالى علينا…"(43).
دلالة البشائر على أفضلية أهل البيت وأنهم علة الوجود تدل الآية المتقدمة مع ما ورد في تفسيرها بهذه الأخبار دلالة واضحة على ما يلي: أولاً – أفضليتهم على جميع العالمين، لأن توسل آدم – وهو أول خليفة لله في الأرض، وأول النبيين والمرسلين – بمحمد وآله بتعليم الله سبحانه وهم في آخر الزمان، والأعراض عن التوسل بأعاظم المرسلين وهم أقرب إليه زماناً، لأدل دليل على فضلهم على جميع العالمين. ثانياً – عصمتهم من كل زلل، وإن كان من قبيل المكروهات. فإن آدم إنما عصى بارتكاب المكروه، فلا يصح التوسل بهم في التوبة عما ارتكب من المكروه إلا لأنهم لم يرتكبوا معصية ومكروهاً قط. إذ ليس بين الله وبين أحد قرابة، إنما أحب العباد إليه وأقربهم زلفة لديه، أطوعهم له، كما قال تعالى:(إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) [الحجرات/ 14]، فلو لم يكن محمد(صلى الله عليه و آله) وأهل بيته أطوع خلق الله لله، وقد علم الله تعالى منهم تمام الطاعة والانقياد بحيث لم يصدر منهم حتى المكروه، لما أمر تعالى آدم وغيره من الأنبياء والمرسلين بعده بالتوسل بهم إليه. ثالثاً – انحصار خلافة الرسول(صلى الله عليه و آله) في آله، لفضلهم على الأنبياء دون سائر أمة محمد(صلى الله عليه و آله) إذ لا يمكن أن يكون المعصوم من كل زلة والمفضل حتى على أعاظم الأنبياء والمرسلين رعية ومأموماً لسائر الناس ولا سيما لمن أفنى أكثر عمره بالشرك وعبادة الأوثان وقضى باقيه بالفرار من الزحف والعصيان. وإذا ثبت تفضيلهم على العالمين، وكانوا معصومين من كل معصية ومكروه، وكانوا خلفاء الرسول من بعده، تعين وجوب أطاعتهم واتباعهم والاهتداء بهديهم دون غيرهم ممن خالفهم. هذا ما دلت عليه الآية الكريمة مع الأخبار المروية في تفسيرها من الطريقين. على أنه قد وردت أخبار كثيرة خاصة في باب بشارة الله لآدم بنبيه(صلى الله عليه و آله) وأهل بيته – وهو إذ ذاك في الجنة قبل هبوطه منها وقبل اقترافه المعصية – صريحة في تفضيلهم على العالم كله، وأن العالم مخلوق لأجلهم، وقائم بهم، وأنهم علة الكائنات(44). وإليك جملة من هذه الروايات: ما رواه شيخ الإسلام الحمويني الشافعي في (فرائد السمطين) وأبو القاسم عبد الكريم بن محمد الرافعي في كتابه، ونقله عنهما العلامة الشيخ عبيد الله الحنفي في كتابه (أرجح المطالب) بسنديهما عن أبي هريرة، عن النبي(صلى الله عليه و آله) أنه قال: "لما خلق الله تعالى آدم أبا البشر ونفخ فيه من روحه، ألتفت آدم يمنة العرش، فإذا في النور خمس أشباح سجداً ركعاً، قال آدم هل خلقت أحداً من طين قبلي؟ قال: لا يا آدم، قال: فمن هؤلاء الخمسة الأشباح الذين أراهم في هيئتي وصورتي؟ قال: هؤلاء خمسة من ولدك، لولاهم ما خلقتك، هؤلاء خمسة شققت لهم أسماء من أسمائي، لولاهم ما خلقت الجنة ولا النار ولا العرش ولا الكرسي ولا السماء ولا الأرض ولا الملائكة ولا الإنس ولا الجن، فأنا المحمود وهذا محمد، وأنا العالي وهذا علي، وأنا الفاطر وهذه فاطمة، وأنا ولي الإحسان وهذا الحسن، وأنا المحسن وهذا الحسين، آليت بعزتي أنه لا يأتي أحد بمثقال ذرة من خردل من بغض أحدهم إلا أدخلته ناري ولا أبالي. يا آدم هؤلاء صفوتي بهم أنجي وبهم أهلك، قال: إذا كانت لك إليّ حاجة فبهؤلاء توسل. فقال النبي(صلى الله عليه و آله): نحن سفينة النجاة، من تعلق بها نجا ومن حاد عنها هلك. فمن كان له إلى الله حاجة، فيسأل بنا أهل البيت"(45). ما رواه صاحب كتاب (المناقب الفاخرة في العترة الطاهرة) - من طريق أهل السنة – بسنده عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله(صلى الله عليه و آله): "لما خلق الله عز وجل آدم نظر إلى سرادق العرش فرأى مكتوباً: لا إلى إلا الله، محمد رسول الله، وأسماء أربعة. فقال آدم: يا إلهي خلقت خلقاً من إنسٍ قبلي؟ فقال: لا، فقال: وما هذه الأسماء التي أراها؟ فقال: يا آدم هؤلاء خيرتي من خلقي وصفوتي، يا آدم لولا هؤلاء ما خلقت الجنة والنار، وإياك أن تنظر إليهم بعيد الحسد… ثم قال(صلى الله عليه و آله): فلما أكل آدم من الشجرة، وأخرج من الجنة ونال الخطيئة، وأراد التوبة قال في توبته وتضرعه إلى ربه: إلهي بحق الخمسة الذين على سرادق العرش إلا غفرت لي فأوحى الله تعالى: يا آدم قد غفرت لك، فكان ذلك في سابق علمي فيك فقال آدم: بحق هؤلاء الخمسة إلا عرفتني من هؤلاء؟ قال تعالى: يا آدم هؤلاء الخمسة من ولدك شققت لهم خمسة أسماء من أسمائي العظام، فأنا المحمود وهذا محمد، وأنا العالي وهذا علي، وأنا الفاطر وهذه فاطمة، وأنا المحسن وهذا الحسن، وأنا قديم الإحسان وهذا الحسين"(46). ما رواه القاضي أبو عمر عثمان بن احمد أحد شيوخ أهل السنة، يرفعه إلى ابن عباس، عن النبي ص): "إن آدم نظر إلى أشباح تضيء حول العرش، فقال: يا رب إني أرى أشباحاً تشبه خلقي، فما هي؟ قال: هذه الأنوار أشباح اثنين من ولدك، أسم أحدهما محمد أبدأ النبوة بك وأختمها به، والآخر أخوه وابن أخي أبيه، أسمه علي أؤيد محمداً به وأنصره على يده، والأنوار التي حولهما أنوار ذرية هذا النبي من أخيه هذا، يزوجه أبنته، أجعلها سيدة النسوان، وأفطمها وذريتها من النيران، تنقطع الأسباب والأنساب يوم القيامة إلا سببه ونسبه. فسجد آدم شكراً لله أن جعل ذلك من ذريته فعوضه الله عن ذلك السجود أن أسجد له ملائكته"(47). ما رواه العلامة ابن حجر العسقلاني في (لسان الميزان) بسند عن جعفر بن محمد (أي الصادق) عن أبيه عن جابر رضي الله عنه مرفوعاً: "لما خلق الله آدم وحواء تبخترا في الجنة، وقالا: من أحسن منا؟ فبينما هما كذلك إذ هما بصورة جارية لم يُر مثلها، لها نور شعشعاني يكاد يطفئ الأبصار. قالا: يا رب ما هذه؟ قال: صورة فاطمة سيدة نساء ولدك. قال: ما هذا التاج على رأسها؟ قال: علي بعلها، قال: فما القرطان؟ قال: أبناها، وجد ذلك في غامض علمي قبل أن أخلقك بألفي عام"(48). ما رواه الشيخ سليمان الحنفي في (ينابيع المودة) عند عبد الله بن عباس رفعه: "لما خلق الله آدم وحواء يفتخران في الجنة، فقالا: ما خلق الله خلقاً أحسن منا؟ فبينما هما كذلك إذ رأيا صورة جارية لها نور شعشعاني يكاد يطفئ الأبصار. على رأسها تاج وفي أذنيها قرطان، قالا: وما هذه الجارية؟ قال الله: هذه صورة فاطمة بنت محمد سيد الأولين والآخرين. قالا: ما هذا التاج؟ قال: هذا بعلها علي بن أبي طالب، قالا: وما هذان القرطان؟ قال: الحسن والحسين أبناها، أوجدت ذلك قبل أن أخلقك بألفي عام"(49). ورواه بهذا النص السيد علي بن شهاب الهمداني في كتابه (مودة القربى) في المودة الحادية عشرة (50). ما رواه العلامة عبد الرحمن الصفوري الشافعي في (نزهة المجالس) قال: "قال الكسائي وغيره: لما خلق الله آدم… إلى أن قال: وعيه جارية لها نور وشعاع وعلى رأسها تاج من الذهب مرصع بالجواهر لم ير آدم أحسن منها، فقال: يا رب من هذه؟ قال: فاطمة بنت محمد، فقال: يا رب من يكون بعلها؟ قال: يا جبرئيل افتح له باب قصر من الياقوت، فرأى فيه قبة من الكافور فيها سرير من ذهب، عليه شاب حسنه كحسن يوسف، فقال: هذا بعلها علي بن أبي طالب، فقال آدم: ي رب هل لها أولاد؟ فأمر الله جبرئيل أن يفتح باب قصر من اللؤلؤ ففتح وفيه قبة من الزبرجد فيها سرير من العنبر عليه صورة الحسن والحسين…"(51) الحديث. ما رواه الحافظ أخطب خوارزم الحنفي بسنده عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله(صلى الله عليه و آله): "لما خلق الله آدم ونفخ فيه من روحه عطس آدم فقال: الحمد لله، فأوحى الله إليه: حمدتني عبدي، وعزتي وجلالي لولا عبدان أريد أن أخلقهما في دار الدنيا ما خلقتك، قال: إلهي فيكونان مني؟ قال: نعم يا آدم أرفع رأسك وأنظر، فرفع رأسه فإذا هو مكتوب على العرش: لا إله إلا الله محمد رسول الله نبي الرحمة، غلي مقيم الحجة، من عرف حق علي زكا وطاب، ومن أنكر حقه لعن وخاب، وأقسمت بعزتي أن أدخل الجنة من أطاعه وإن عصاني، وأقسمت بعزتي أن أدخل النار من عصاه وأن أطاعني"(52). ونقله الشيخ سليمان الحنفي عن الخوارزمي في (ينابيع المودة)، حتى قوله: "علي مقيم الحجة" وأسقط بقية الحديث. ولقد أجاد العلامة الشاعر المعاصر، صديقنا السيد محمد الحيدري بقوله من قصيدة علوية غراء: بــشــرت باسمه النبيون طراً*** فــأســأل الأنــبــيــاء والأوصياءا بـــشـــرت باسمه وباسم نبي*** هــاشــمـــي ســيـخــتــم الأنبياءا فـــهـما عـلـة الخليقة إذ لولا*** هـمـا لــم يـــــكّـــون الأشــيـــاءا وهـمـا لـلـوجــود مصدر نور*** بــهــمــا الله يـكـشـف الـظـلـماءا لـهــمـا طـأطـأ المــلائــك لما*** عــــــــلـــم الله آدم الأســـمــــاءا خـلـق الله نــورهــم فــاستقر*** الـنـور فـي آدم يـــشــع ســنــاءا فــلـذا أوجـب الســجــود إليه*** حـيـث قـد كــان عـيـبـة ووعــاءا هكذا نــــصــت الأحاديث والأ*** نباء إن كـنت تسمع الأنباءا(53)
توسل الأنبياء إلى الله بنبينا وأهل بيته نعم، هكذا كانت بشارة الله جل وعلا لآدم بأهل البيت، وهكذا كان توسل آدم بهم إلى الله في قبول نبوته، وهكذا بشر الله أيضاً بأهل البيت عليهم السلام أنبياءه المرسلين من أولي العزم نوحاً وإبراهيم وموسى وعيسى، وغيرهم كإسماعيل ويعقوب ويوسف وأيوب وداود وسليمان… وتوسلوا بهم إلى الله في كشف ما ابتلوا به من أنواع البلاء، واستجاب الله لهم، كما صرحت بذلك الأخبار الأحاديث الواردة عن الصادق الأمين وأهل بيته الأطهار من طرق الفريقين ولا سيما من طرق أهل البيت وشيعتهم. راجع (عيون أخبرا الرضا) لشيخنا الصدوق(54) ترى فيه بشارة الله لآدم، وأنه نظر إلى ساق العرش، ورأى أسماء الخمسة الأطهار، وأن الله أوحى إليه أن هؤلاء من ذريتك، وهم خير منك… الخ. والذي رواه أيضاً في كتابه (معاني الأخبار)(55) كما نقله عنه المجلسي(56). وراجع (الأمالي) للصدوق أيضاً (57)، تجد فيه عند ذكر قصة يوسف، حيث يرويها عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ما يأتي: "فهبط جبرئيل على يعقوب، فقال: يا يعقوب ألا أعلمك دعاءً يرّد الله عليك به بصرك ويرد عليك ابنيك؟ قال: بلى، قال: قل ما قاله أبوك آدم فتاب الله عليه، وما قاله نوح فاستوت به سفينته على الجودي ونجي من الغرق، وما قاله أبوك إبراهيم خليل الرحمن حين ألقي في النار فجعلها الله عليه برداً وسلاماً، فقال يعقوب: وما ذاك يا جبرئيل؟ فقال: قل: يا رب أسألك بحق محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين أن تأتيني بيوسف وبنيامين جميعاً، وترد علي عيني، فما استتم يعقوب هذا الدعاء حتى جاء البشير فألقى قميص يوسف عليه فأرتد بصيراً، فقال لهم: ألم قل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون….". وروى الصدوق في (الأمالي) (58) أيضاً، بسنده عن الصادق(عليه السلام) أنه قال: "أتى يهودي النبي(صلى الله عليه و آله) فقام بين يديه يحد النظر إليه، فقال: يا يهودي ما حاجتك؟ قال: أنت أفضل أم موسى بن عمران النبي الذي كلمه الله، وأنزل عليه التوراة والعصا، وفلق له البحر وأظله بالغمام؟ فقال له النبي(صلى الله عليه و آله): إنه يكره للعبد أن يزكي نفسه ولكني أقول: إن آدم لما أصاب الخطيئة كانت توبته أن قال: اللهم إني أسألك بحق محمد وآل محمد لما غفرت لي فغفرها الله له، وأن نوحاً لما ركب في السفينة وخاف الغرق قال: اللهم إني أسألك بحق محمد وآل محمد لما نجيتني من الغرق فنجاه الله، وأن إبراهيم لما ألقي في النار قال: اللهم إني أسألك بحق محمد وآل محمد لما أنجيتني منها فجعلها الله برداً وسلاماً، وأن موسى لما ألقى عصاه، وأوجس من نفسه خيفة قال: اللهم إني أسألك بحق محمد وآل محمد لما آمنتني، فقال الله جل جلاله: (لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى) [طه/ 69]. يا يهودي إن موسى لو أدركني ثم لم يؤمن بي وبنبوتي ما نفعه إيمانه شيئاً، ولا نفعته نبوته. يا يهودي ومن ذريتي المهدي إذا خرج نزل عيسى بن مريم لنصرته فقدمه وصلى خلفه"(59). وروى الثقة الجليل علي بن إبراهيم القمي – المعاصر للإمام الحسن العسكري – في تفسيره حديثاً عن الإمام الصادق(عليه السلام) في قصة إبراهيم وإلقائه في النار جاء فيه: "فدعا إبراهيم ربه بسورة الإخلاص: يا الله يا واحد يا أحد يا صمد، يا من لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، نجني من النار برحمتك. فالتقى معه جبرئيل في الهواء وقد وضع في المنجنيق، فقال: يا إبراهيم هل لك إلي من حاجة؟ فقال إبراهيم: أما إليك فلا، وأما إلى ب العالمين فنعم، فدفع إيه خاتماً عليه مكتوب… لا إله إلا الله، محمد رسول الله، الجأت ظهري إلى الله، اسندت أمري إلى الله، وفوضت أمري إلى الله(60)، فأوحى الله إلى النار: كوني برداً، فاضطربت أسنان إبراهيم من البرد حتى قال: وسلاماً على إبراهيم، وانحط جبرئيل معه في يحدثه في النار، ونظر إليه نمرود. فقال: من اتخذ إلهاً فليتخذ مثل إله إبراهيم… الحديث"(61): وروى القمي أيضاً في تفسيره حديثاً بسنده عن أبي عبد الله الصادق(عليه السلام) جاء فيه. "وكان مما ناجى الله موسى(عليه السلام) يا موسى، لا أقبل الصلاة إلا لمن تواضع لعظمتي، وألزم قلبه خوفي، وقطع نهاره بذكري(62)، ولم يبت مصراً على الخطيئة، وعرف حق أوليائي وأحبائي، فقال موسى: يا رب تعني بأوليائك إبراهيم وإسحاق ويعقوب؟ قال: هو كذلك، إلا أني أردت بذلك مّن من أجله خلقت الجنة والنار، فقال: ومن هو يا رب؟ فقال: محمد أحمد، شققت أسمه من أسمي، لأني أنا المحمود، فقال موسى: يا رب اجعلني من أمته. فقال: يا موسى أنت من أمته إذا عرفته وعرفت منزلته، ومنزلة أهل بيته…(63) فيمن خلقت كمثل الفردوس في الجنان لا ينتثر ورقها ولا يتغير طعمها، فمن عرفهم وعرف حقهم جعلت له عند الجهل علماً، وعند الظلمة نوراً، اجيبنه قبل أن يدعوني، واعطينه قبل أن يسألني"(64). وروى القمي أيضاً في (تفسيره) قال: "وحدثني أبي عن الحسن ابن محبوب، عن الحسين بن عمارة، عن ابن سيارة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لما طرح أخوة يوسف، يوف في الجب دخل عليه جبرئيل وهو في الجب فقال: يا غلام من طرحك في هذا الجب؟ فقال له يوسف: أخوتي، لمنزلتي من أبي حسدوني، لذلك في الجب طرحوني، قال: فتحب أن تخرج منها؟ فقال له يوسف: ذلك إلى إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب، قال: فإن إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب يقول لك: قل: اللهم إني أسألك فأن لك الحمد كله لا إله إلا أنت الحنان المنان، بديع السماوات والأرض، ذو الجلال والإكرام، صل على محمد وآل محمد وأجعل لي من أمري فرجاً ومخرجاً وارزقني من حيث احتسب ومن حيث لا احتسب. فدعا ربه فجعل الله له من الجب فرجاً، ومن كيد المرأة مخرجاً، وآتاه ملك مصر من حيث لا يحتسب"(65). وهذا الحديث الشريف رواه كثير من علمائنا الأعلام. فمنهم القمي كما قرأت حديثه، ومنهم المحدث الجليل محمد بن مسعود العياشي الذي عاش في أواخر القرن الثالث الهجري، رواه في (تفسيره ج2/ 170) وشيخنا الصدوق في كتاب (دلائل النبوة)، كما رواه عنه شيخنا الطبرسي في (مجمع البيان) ج3/ 217، ونقله المجلسي عنهم في (البحار) ج12/ 247. ورواه شيخنا الكليني في (الكافي)، كما نقله عنه المولى محمد محسن الفيض في (تفسيره الصافي) ج4/ 825، كما نقله عن كل من القمي والعياشي والطبرسي، ورواه العلامة السيد هاشم البحراني في تفسيره (البرهان) ج1/ 497. وكذلك السيد نعمة الله الجزائري في (النور المبين في قصص الأنبياء والمرسلين) ص133(66). ومن أهل السنة حكاه الثعلبي في قصص الأنبياء المسمى بـ (عرائس التيجان) قال ما نصه: "فلما كان في اليوم الرابع أتاه جبرئيل(عليه السلام) قال: يا غلام من طرحك هاهنا في هذا الجب؟ قال: أخوتي لأبي، قال: ولم؟ قال: حسدوني على منزلتي من أبي. قال: أتحب أن تخرج من هذا الجب؟ قال: نعم، قال: قل: يا صانع كل مصنوع، ويا جابر كل مكسور، ويا حاضر كل ملأ، ويا شاهد كل نجوى، ويا قريباً غير بعيد، ويا مؤنس كل وحيد، ويا غالباً غير مغلوب، ويا عالم الغيوب، ويا حياً لا يموت، ويا محيي الموتى، لا إله إلا أنت سبحانك، أسألك يا من له الحمد، يا بديع السماوات والأرض، يا مالك الملك، ويا ذا الجلال والإكرام، أسألك أن تصلي على محمد وعلى آل محمد، وأن تجعل لي من أمري ومن ضيقي فرجاً ومخرجاً، ترزقني من حيث أحتسب ومن حيث لا أحتسب. فقالها يوسف، فجعل الله له من الجب مخرجاً، ومن كيد أخوته فرجاً، وآتاه ملك مصر من حيث لا يحتسب"(67).
مما نظمه الشعراء في توسل الأنبياء بأهل البيت نظم الشعراء قديماً وحديثاً بشائر الله لأنبيائه ورسله بنبينا محمد(صلى الله عليه و آله) وأهل بيته، وتوسلهم إليه تعالى بعظيم شأنهم عنده لرفع البلاء عنهم، واستجابة الله تعالى لهم دعاءهم بكشف البلاء عنهم بسببهم صلوات الله عليهم. فمن ذلك قول علاء الدين الحلي (المعروف بالشفهيني) من علماء وشعراء القرن الثامن الهجري، في بعض علوياته السبعة من قصائده العامرة. منها: وأســأل عـــن الـكـلـمـات لـما أنها*** حــقــاً تــــلــقـــى آدم فــَـتـــقـــبـــتــلا ثــم اجــتــبـــاه فــأودعــا في صلبه*** شـــرفـــاً لــه وتــكـــرمــــاً وتــبــجّلا وتــقــلــبّــــا في الساجدين وأودعا*** في أطــهــــر الأرحــام ثـم تــنـــقــــلا
حــتــى اسـتــقر النور نوراً واحداً*** في شيبة الحمد بن هاشم يجتلى(68) فـعــــلي نفس مــحـمـد ووصــيـــه*** وامــيــنــه وســواه مــأمـــون فـــــلا وشقيق نــبــعــته وخير من اقتفى*** مـــنـــهــاجــه وبــه اقــتــدى وله تلا مــولــىً بــــــه قبل المهيمنُ آدماً*** لـــمــــا دعـــا وبـــه تـــوســّــــل أولا وبه استقر الفلك فــي طــوفــانـه*** لــمــا دعــا نـــــوح بـــه وتــوســـــلا وبه خبت نـــار الـخليل وأصبحت*** بــرداً وقـــد أذكـــت حــريــقــاً مشعلاً وبــه
دعــــا يعقوب حين أصابه*** من فقد يوسف ما شـجــاه وأثــقـــلا ألــقاه دامــغـــة فــأردى شــلوه*** مــلـــقــــى وولــــى جــمـعـــه متجفلا وبـه دعــا لما عليه تسور الـــــ*** ـخصمان محراب الـصــلاة وأدخــــلا وقضى على أحديهما بالظلم في*** حكم النــعــــاج وكــــان حكماً فيصلا فتجاوز الرحمن عنه تـــكــرمــاً*** وبــه ألان لـــه الــحــديـــد وســــهّلا وبه سليمان دعا فتســــخــــرت*** ريــح الــرخــاء لأجــلــه ولـــــه علا وله استقر الملك حين دعــا به*** عــمــر الـحــيـــــاة فعاش فيه مخولا وبه توسـّــل آصــف لـــــما دعا*** بسرير بــلـــقـــيـــس فــجــاء معجلا وبه دعا عيسى فأحيا مـــيــتـــاً*** مــن قــبــره وأهــال عــنـــه الجندلا العالم العلم الرضي المرتـضى*** نور الــهــدى ســيف العلا، أخ العلا من عنده علم الكتاب وحكـــمه*** ولـه تــأول مــتــقــنــاً ومـحــصـــــلا وإذا علت شرفاً ومجداً هـاشـم*** كان الوصي بها المعم المخولا(69) وقال الشيخ صالح العرندسي الحلي من علماء وشعراء القرن التاسع: ولــولاهــم لــم يخــلـــق الله آدمـــاً*** ولا كان زيد في الأنام ولا عمرو ولا سطحت أرض ولا رفعت ســماً*** ولا طلعت شمس ولا أشرق البدر ونــوح بهم في الفلك لما دعا نــجا*** وغيض به طوفانه وقضـى الأمر ولــولاهــم نـــار الخليل لما غــدت*** سلاماً وبرداً وانطفى ذلـك الجمر ولــولاهــــم يعقوب ما زال حــزنه*** ولا كان عن أيوب ينكـشف الضر ولآن لداود الـــحـــديـــد بـــــسرهم*** فقدر في سرد يــحــيـــر به الفكر ولما سليمان البـسـاط بـــه ســرى*** أسليت له عين يفــيض له القطر وســخــرت الـريح الـــرخاء بأمره*** فغدوتها شهر وروحــتــهــا شـهر ولولاهم ما كان عيـــسى بن مريم*** لعازر من طي الـلـحود له نــشــر سرى سرهم في الكائنات وفضلهم*** وكل نبي فيه من سرهم سر(70) وقال الشيخ مغمس بن داغر الحلي من أعلام الشعراء في القرن التاسع في بعض قصائده: عرج على المصطفى يا سائق النجب*** عــرج علــى خــير مبعوث وخير نبي عرج على الـسيد المبعوث من مضر*** عــــــــــرج على الــصــادق الـمنـــــعوت في الكتب عرج عــلـــى رحـمة الـباري ونعمته*** عــــرج علـى الأبطحي الطاهر النسب رآه آدم نـــــــوراً بــــيـــن أربــــعــــة*** لألاؤها فوق ســاق العـرش من كثب فــقــال: يـا رب مـــن هذا؟ فقـــيل له*** قول الــمحـب وما في القول من ريب هـــم أولـــيــائــي وهــم ذرية لــكــما*** فــقــرَّ عــيــنــاً ونــفــســاً فـيهم وطب أمــا وحــقــهــم لــولا مــكـــانـــــهــم*** مــنـــي لــمــا دارت الأفــلاك بـالقطب كــلا ولا كــان من شـمس ولا قــمـر*** ولا شــهــاب ولا أفـــق ولا حـــجــــب ولا ســمــاء ولا أرض ولا شــجــــر*** للناس يهمي عليه وأكف السحب(71) ولا جــــنــان ولا نــار مــؤجـــــجـــة*** جــعــلــت أعــدائــهـم فيها من الحطب وقــال لــلــمــلأ الأعــلـــى ألا أحــــد*** ينبي بأســمـــائــهـــم صــدقــاً بلا كذب فــلــم يــجــيـــبــوا فــأنـــبــا آدم بهم*** لهــا بــعــلـــم من الجبار مكتسب(72) فـقــال لـلملأ الأعلى أسجــدوا كـملاً*** لآدم وأطــيــعــوا واتـقـــــوا غـــضـبي وصــيــر الله ذاك الــنــور ملــتــمعـاً*** فــي الوجــه مــنه بــوعـد منه مرتقب وخـاف نــوح فــنــاجــى ربــه فــنجا*** بهم على دُسر الألــواح والــخـــشـــب وفي الجحيم دعا الله الـخـــليل بـهـم*** فأخــمــدت بـعــد ذاك الحـــر والــلـهب وقد دعا الله موسى إذ هوى صعقــاً*** بــحــقــهــم فــنــجــا مــن شـدة الكرب فـــظــل منـتـقــلاً والله حــافــظـــــه ً*** عــلــى تــنــقــلــه مــن حـــادث النوب حــتى تقسم في عبد الإله مــعــــــاً ً*** وفي أبي طالب مـــن عــبــد مــطــلــب فــــأودع الله ذاك القـســـــم آمـنـة ً*** يــومــاً إلـــى أجل بالحمل مقترب(73) إلى أن قال: يـا مـن بـه أنــبــيــاء الله قد ختموا*** فـــــليس من بعده في العالمين نبي إن كنت في درجات الوحي خاتمهم*** فــأنـــت أولـهـــم فــي أول الــرتـب قــد بـشــرت بــك رسل الله في أمم*** خلت فما كنت فيما بينهم بغبي(74) وقال الحجة التقي الشيخ حسين نجف من أعاظم العلماء في القرن الثالث عشر، في بعض قصائده: كــل قـوم تــوسـلــت بـنـبــي*** وبه قــد تــوســلــت أنـبـيـــاها وبه الرسل كلما اشتد أمــر*** دعــوا الله فـاســتـجاب دعاها عنه سل آدماً بمن تاب عنه*** ربــه فــي خـطـيـئـة قــد أتاها وبه قد نجت سفـيــنــة نـوحٍ*** حينما الموج قد طغى وطماها وبه الله قال للـنــار كــونـي*** فـإذا بــرد زمـهــريــر لـظــاها ولـقــد كـان بــردها بــسلام*** لم يمــس الـخـلـيــل قط لظاها وعلي به تــوسّـــل عيـسـى*** عــنــد آيـاتــه الـتــي أبــداهـا أخرت بعثة الـنــبــي زمـانـاً*** ذاك عن حكمة إلى أن أتاهـا عــلـمـت أنهــا بدون عــلي*** لا تـرى قـــط من يجيب نداها فـعـلي بـه الـــنـبـوة قـامـت*** واســتــقـامت وقام فيه بناها أول الـســابـقـين عند نداها*** للهــدى بــل هــو الذي نادها وقال أعلى الله درجته في قصيدة أخرى: سفينة نوح فيك كانت نجاتها*** بيوم به الطوفان قد جاءه الأمر(75) * * *
اكتشاف الحكومة السوفيتية لآثار سفينة نوح وتوسّله إلى الله بمحمد وأهل بيته وقد شاء الله بقدرته وحكمته أن يظهر هذه البشائر ويحققها لعباده باكتشاف جديد في قرننا هذا، اكتشفته الحكومة السوفيتية، وأعلنته بعض مجلاتهم ومجلات وصحف بعض الدول الأخرى، من توسل نوح شيخ المرسلين –أثناء غرق قومه المكذبين ونجاة سفينته – بأهل البيت وأن يساعده لأجلهم ولأجل اسمائهم المباركة فيوجهه تعالى نحو الطريق المستقيم. ننقله بالنص عن مجلة (البذرة) النجفية، العددان: الثاني والثالث، شوال وذي العقدة سنة 1385، السنة الأولى ص78-81 تحت عنوان: (أسماء مباركة توسل بها نوح) مترجم عن الأوردية. "في تموز عام 1951 حينما كان جماعة من العلماء السوفيت المختصين بالآثار القديمة ينقبون في منطقة بوادي قاف، عثروا على قطع متناثرة من أخشاب قديمة متسوسة وبالية مما دعاهم إلى التنقيب والحفر أكثر وأعمق، فوقفوا على أخشاب أخرى متحجرة وكثيرة كانت بعيدة في أعماق الأرض. ومن بين تلك الأخشاب التي توصلوا إليها نتيجة تنقيب خشبة على شكل مستطيل طولها (14) عقداً وعرضها (10) عقود سببت دهشتهم واستغرابهم، حيث لم تتغير ولم تتسّوس، ولم تتناثر كغيرها من الأخشاب الأخرى. وفي أواخر سنة 1952 أكمل التحقيق حول هذه الآثار، فظهر أن اللوحة المشار إليها كانت ضمن سفينة نوح(عليه السلام) وأن الأخشاب الأخرى هي أخشاب جسم سفينة نوح(عليه السلام). ومما يذكره المؤرخون أن سفينة نوح(عليه السلام) استوت على قمة جبل قاف. وشهد أن هذه اللوحة قد نقشت عليها بعض الحروف التي تعود إلى أقدم لغة. وهنا ألفت الحكومة السوفيتية لجنة بعد الانتهاء من الحفر عام 1953 قوامها سبعة من علماء اللغات القديمة ومن أهم علماء الآثار، وهم: سولى نوف: استاذ الألسن القديمة في جامعة موسكو. ايفاهان خنيو: عالم الألسن القديمة في كلية لولوهان بالصين. ميشانن لوفارنك: مدير الآثار القديمة. تانمول كورف: استاذ اللغات في كلية كيفزو. دي راكن: استاذ الآثار القديمة في معهد لينين. ايم أحمد مولاد: مدير التنقيب والاكتشافات العام. ميجر كولتوف: رئيس كلية ستالين. وبعد ثمانية أشهر من دراسة تلك اللوحة والحروف المنقوشة عليها، اتفقوا على أن هذه اللوحة كانت مصنوعة من نفس الخشب الذي صنعت منه سفينة نوح(عليه السلام) وأن النبي نوحاً(عليه السلام) كان قد وضع هذه اللوحة في السفينة للحفظ والتبرك. وكانت حروف هذه اللوحة باللغة السامانية أو السامية، وهي أم اللغات على ما حقق ذلك صاحب كتاب (إيليا) عن كثير من المحققين وهي لغة نوح وأبنائه، ونسبت إلى أبنه (سام). وقد ترجمها العلماء الروس المختصون باللغات القديمة إلى اللغة الروسية، ثم ترجمها إلى الإنكليزية العالم البريطاني (اين ايف ماكس) أستاذ الألسن القديمة في جامعة (مانجستر). وهذا نصها مع تعريبها: يا إلهي ويا معيني Omy God. My helper برحمتك وكرمك ساعدني Keep my hands with merey ولأجل هذه النفوس المقدسة(عليه السلام)nd with your holy bodies محمد Mohamed إيليا alia شبر Shabba شبير(76) Shabbir فاطمة fatma الذين جمعيهم عظماء ومكرمونThey are all biggest and honourales العالم قائم لأجلهمThe world established for them ساعدني لأجل أسمائهم Help me by their names أنت فقط تستطيع أن توجهني نحو الطريق المستقيم(77) You can reform to Right وأخيراً بقي هؤلاء العلماء في دهشة كبرى أمام عظمة هذه الأسماء الخمسة ومنزلة أصحابها عند الله تعالى حيث توسل بها نوح(عليه السلام). واللغز الأهم الذي لم يستطع تفسيره أي واحد منهم هو عدم تفسخ هذه اللوحة رغم مرور آلاف السنين عليها. وهذه اللوحة موجودة الآن في متحف الآثار القديمة في موسكو. [ترجم عن كتاب إيليا] من منشورات دار المعارف الإسلامية بلاهور باكستان، برقم 42. محمد حسين النقوي (ترجمة الدعاء من الروسية إلى الإنكليزية ومنها إلى الاوردية)
مصادر هذا الاكتشاف لقد راجعت (محمد حسين النقوي) مترجم هذا المقال عن كتاب (إيليا) وطلبت منه رؤية الكتاب، فأبرزه لي، وإذا هو كتاب صغير الحجم، عدد صفحاته 45، وأسمه: إيليا مركز نجاة أديان العالم، واسم مؤلفه حكيم سيد محمود كيلاني، كان سابقاً من أهل الحديث من أهل السنة والجماعة، له تآليف عديدة، وقد عمل لفترة رئيساً لتحرير جريدة (أهل الحديث) ثم تشيع عن علم وبصيرة. أما تاريخ صدور الكتاب فهو 21 رمضان سنة 1381هـ. يستند المؤلف المذكور في نقل هذا الاكتشاف العظيم إلى المصادر التالية(78): مجلة روسية شهرية تصدر في موسكو، تجد أسمها في الكليشة الثالثة: ص120 (تفادينزوب) عددها تشرين الثاني سنة 1953. مجلة (ويكلي ميرر) الأسبوعية Weekly Mirror اللندنية بعددها الصادر في 28 كانون الأول 1953. مجلة (أستار) اللندنية Britania Star في عددها/ كانون الثاني 1954. جريدة (سن لايت) Sunlight الصادرة في مانجستر 23 كانون الثاني 1954. جريدة (ويكلي ميرر) اللندنية Weekly Mirror في 1/ شباط/ 1945. جريدة (الهدى) القاهرية في 3 مارس 1954. ملاحظة: المصادر الأربعة الأخيرة نقلت ترجمة العالم البريطاني (إن أف ماكس) أستاذ الألسن القديمة في جامعة مانجستر. ويصور في كتاب (إيليا) صورة كف كانت موضوعة على وسط اللوحة والكتابة مثبتة على نفس الكف وفوقها وتحتها(79).
تعليقنا على هذا الاكتشاف هذا الاكتشاف العظيم جاء مؤيداً لما تقدم من الأخبار والأحاديث عن الصادق الأمين(صلى الله عليه و آله)، والتي كانت صريحة في بشارة الله لأنبيائه بنبيه وأهل بيته(عليه السلام) وتوسل الأنبياء بهم وأنهم خيرة خلق الله، وأن الله ما خلق الخلق إلا لأجلهم. ذلك أن بقاء هذه اللوحة سالمة من التفسخ رغم مرور آلاف السنين عليها، شيء خارق للعادة قطعاً، فبقاؤها (إذن) آية إلهية كبرى، أبقاها الله الذي هو على كل شيء قدير، وهو بكل شيء محيط، سالمة وأظهرها على أيدي أناسٍ لا يؤمنون إلا بالماديات والطبيعيات، لتكون تلك الآية حجة لله عليهم أولاً، وعلى كل من بلغته ثانياً، ولم يؤمن إيماناً قطعياً بالله ورسوله وأهل بيته وبفضلهم عند الله وتفضيله لهم على سائر خلقه، ورجحان التوسل والتقرب بهم إلى الله تعالى، وما أكثر آياته التي لا تحصى وما أتمها حجة على خلقه. فوا عجباً كيف يُعصى الإله*** أم كيف يجحده الجاحد ولله فــي كــل تــحــريـــكــة*** وفي كل تسكينة شاهد وفـــي كـــل شـــيء لـه آية*** تــدل عــلــى أنه واحد "سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ(53)أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ" [فصلت/ 54-55]. أقرأ بتدبر وإمعان كلام أمير المؤمنين(عليه السلام) في بعض خطبه: "فأين تذهبون وأنى تؤفكون، والأعلام قائمة والآيات واضحة، والمنار منصوبة فأين يتاه بكم، بل كيف تعمهون وبينكم عترة نبيكم وهم أزمة الحق، وأعلام الدين وألسنة الصدق فأنزلوهم بأحسن منازل القرآن وردوهم ورود الهيم العطاش. أيها الناس خذوها(80) من خاتم النبيين صلى الله عليه وآله وسلم أنه يموت من مات منا وليس بميت ويبلى من بلى منا وليس ببال، فلا تقولوا بما لا تعرفون فإن أكثر الحق فيما تنكرون، واعذروا من لا حجة لكم عليه وأنا هو، ألم أعمل فيكم بالثقل الأكبر(81) وأترك فيكم الثقل الأصغر، وركزت فيكم راية الإيمان…الخ"(82).
دراسة تمهيدية لبشائر كتب العهدين بنبينا وأهل بيته إن قيل: هل توجد البشائر بنبينا محمد(صلى الله عليه و آله) وأهل بيته في كتب اليهود والنصارى المقدسة عندهم، الموجودة الآن بأيدهم أم لا؟ قبل أن نجيب على هذا السؤال، نذكر لك أيها القارئ الكريم عدد كتبهم وأسماءها، وصورة موجزة عن بعض ما حوته هذه الكتب، وعن موضوع سندها، ثم نذكر لك نماذج من البشائر الموجودة فيها فنقول: إن ما بأيدي اليهود والنصارى من الكتب المقدسة بزعمهم كثيرة، وكلها عندهم منسوبة إلى الوحي الإلهي والإلهام أما المنسوبة إلى موسى ومن بعده من كتبهم فتسمى بـ (العهد القديم)، والمنسوبة إلى عيسى ومن بعده تسمى بـ (العهد الجديد)، والمجموع يسمى بالعهدين، أو بـ (الكتاب المقدس).
عدد كتب العهدين بأسمائها فالعهد القديم – وهو ما عند اليهود – عدد كتبه تسعة وثلاثون كتاباً، منها التوراة المنسوبة لموسى وهي مشتملة على خمسة أسفار: سفر التكوين (ويسمى سفر الخليقة أيضاً) ومنها: ما هو منسوب إلى الوحي والإلهام إلى من بعد موسى من الأنبياء، وإلى ما قبل زمان المسيح، وهي كتب المؤرخين، اثنى عشر كتاباً، وهذه أسماؤها عندهم: كتاب يوشع، وكتاب قضاة بني إسرائيل، وكتاب راعوث، وكتاب صموئيل الأول، وصموئيل الثاني، وسفر الملوك الأول، والثاني، وسفر أخبار الأيام الأول، والثاني، والسفر الأول لعزرا، والثاني له، وسفر استيرنحيا. ومنها: كتاب أيوب، وأحد لا غير. ومنها: زبور داود المسمى عندهم بـ (مزامير داود)، واحد أيضاً. ومنها: ثلاثة كتب لسليمان، وهي: الأمثال، والجامعة، وتسبيح التسابيح (ويقال له: نشيد الإنشاد). ومنها: كتب النبوات، وهي سبعة عشر كتاباً: كتاب نبوة اشعيا، ونبوة أرميا، ومراثي أرميا، ونبوة حزقيال، ونبوة دانيال، ونبوة هوشع، ونبوة يوئيل، ونبوة عاموس، ورؤيا عوبديا، ونبوة يونان (وهو يونس بن متي)، ونبوة ميخا، ونبوة ناحوم، ونبوة حبقوق، ونبوة صفينا، ونبوة حجي، ونبوة زكريا، ونبوة ملاخي. فهذه 39 كتاباً يزعمون أنها كتب إلهية مقدسة. والحال إن القرآن لم يذكر منها سوى توراة موسى وزبور داود. وأما الذي عند النصارى من مقدسات الكتب من (العهد الجديد) فهي سبعة وعشرين كتاباً. منها: الأناجيل الأربعة، (إنجيل متي، ومرقس، ولوقا، ويوحنا) جمعوا فيها بزعمهم هدي المسيح وبشائره. ومنها: عدة رسائل، وهي 14 رسالة لبولس، كل رسالة لها أسم خاص باسم من أرسلها بولس إليهم، ويقال للمجموع: عدة رسائل. ومنها: رسالة يعقوب، ورسالتان لبطرس، وثلاث رسائل ليوحنا ورسالة ليهوذا، ورؤيا يوحنا المسماة بـ (المكاشفات والمشاهدات). فهذه 27 كتاباً ولم يذكر القرآن شيئاً من هذه الكتب المقدسة عند النصارى أصلاً. نعم، ذكر القرآن كتاباً سماوياً واحداً أنزله الله على عيسى بن مريم، سماه (الإنجيل) وهو مفقود قطعاً(83). والنصارى وإن كانوا لا يعرفونه ولا يعترفون به ظاهراً، إلا أن في بعض كتبهم المقدسة التي مّر ذكرها لقطات تتضمن الاعتراف بأنه كان للمسيح كتاب أسمه الإنجيل، وأن جماعة يحاولون تغييره وتبديله جاء هذا مذكوراً بصراحة في (عدة رسائل) لبولس(84) كما أجمع مؤرخو النصارى على أنه كان في القرون الأولى للمسيح أناجيل كثيرة أخرى كتبت في القرنين الأولين من الميلاد أنهاها بعضهم إلى مائة ونيف من الأناجيل، ومن ضمنها الأناجيل الأربعة، ولكن رجال الكنيسة قد اختاروا منها الأناجيل الأربعة فقط ورفضوا الأخرى وتركوها.
ترجيح إنجيل برنابا على سائر الأناجيل ومن جملة الأناجيل المتروكة عندهم (إنجيل برنابا). وبرنابا هو أحد حواري المسيح وتلاميذه المقربين كما تذكر هذا كتب النصارى نفسها، وأنه كان رجلاً صالحاً ممتلئاً إيماناً ومن الدعاة إلى دين المسيح(85) وإنجيله الذي جمع فيه هدي المسيح وبشائره سليم من الكفر والتناقض والخرافات الموجودة في كتب العهدين، وهو أرقى من الأناجيل الأربعة في العلم الإلهي والثناء على الخالق وفي علوم الأخلاق والآداب والفضائل، وهو يوافق في غالب قصصه في المسيح عيسى بن مريم ما قصه القرآن به، كما أنه يوافق القرآن في ما تضمنه من التوحيد لله، وأن عيسى عبد مخلوق لله، وعدم صلب المسيح وأنه قد شبه لهم، وما تضمنه من البشائر بنبينا محمد(صلى الله عليه و آله)، الصريحة باسمه الشريف. وسننقل لك عنه بعض تلك البشائر. وهذا الإنجيل كان سراً مكتوماً عند ذوي السلطة الدينية من النصارى، وكان خروجه من زوايا الخمول والتحجب إلى عالم الظهور والتبرز على نهج يشبه الاعجاز. وقد فصل بيانه مترجمه عن الإنكليزية إلى اللغة العربية، الدكتور خليل سعادة في مقدمة له على الإنجيل المزبور(86). وكان ظهوره قبل قرنين ونصف تقريباً. والنسخة الوحيدة المعروفة الآن في العالم إنما هي نسخة إيطالية بالخط الإيطالي في مكتبة (بلاط فينا). وهي تعد من أنفس الذخائر والآثار التاريخية القديمة، ويقول خليل سعادة:- أول من عثر على النسخة الإيطالية ممن لم يعف التاريخ أثرهم ولم تدرس الأيام ذكرهم هو (كريمرطولند) أحد مستشاري ملك بروسيا، وكان مقيماً وقتئذ في (امستردام) فأخذها سنة 1709م من مكتبة أحد مشاهير ووجهاء المدينة المذكورة، وأن الوجيه المذكور كان يحسب النسخة المنوه عنها ثمينة جداً فأقترضها (كريمرطولند) ثم أهداها بعد ذلك بأربع سنين إلى (البرنس أيوجين سافوي) الذي كان على كثرة حروبه ومعاركه ووفرة مشاغله السياسية شديد الولع بالعلوم والآثار التاريخية، ثم انتقلت النسخة المذكورة سنة 1738م مع سائر مكتبة البرنس المنوه عنه إلى مكتبة البلاط الملكي في فينا حيث لا تزال هناك حتى الآن. وقد ترجم هذه النسخة من اللغة الإيطالية إلى الإنكليزية العالم المحقق (لونسدال راغ) نائب مطران الكنيسة الإنكليزية في (فنيس) وعقيلته (لورا راغ)، وإصدارها مع الأصل الإيطالي. وقد أذنا للدكتور خليل سعادة بمصر في ترجمة هذا الإنجيل إلى اللغة العربية عن ترجمتهما الإنكليزية(87) وترجمه إلى الفارسية أيضاً الحبر الفاضل سردار حيدر قلي بن نور محمد خان كابلى بإيران وطبعته شركة سعادت في كرمانشاه سنة 1311هـ شمسية.
بعض ما حوته كتب العهدين والآن نعود إلى ذكر بعض ما حوته كتب اليهود والنصارى الموجودة الآن بأيديهم والتي يعتبرونها كتباً إلهية مستمدة من الوحي والإلهام، فنقول: هذه الكتب التي ذكرت لك أسماءها، وخصوصاً منها ما يسمونه بـ (توراة موسى) و(الأناجيل الأربعة) وإن اعتبروها كتباً مقدسة ولكن الحقيقة انه لا يصح الاستناد إليها في أي موضوع من المواضيع الدينية والتاريخية وغيرها، ولا سيما ما تفردت بنقله مما يخالف الحق المتفق عليه، وما يخالف الأدلة الإسلامية، والتاريخ الثابت الصحيح. ذلك انه قد ثبت بالأدلة القطعية تحريف الكتب المتقدمة وتبديلها وعدم بقائها كما أنزلت من عند الله على موسى وعيسى… فقد تلاعبت بها أيدي العابثين فغيرت وبدلت وقلبت الكثير من عبائرها قلب المجن ظهراً لبطن، وأسقطت الكثير مما أنزله الله على موسى وعيسى خصوصاً ما أنزل فيها من البشائر بنبينا(صلى الله عليه و آله)، كما أضافت إليها أشياء كثيرة مما ينافي قداسة الأنبياء، بل مما ينافي كونهم مؤمنين (والعياذ بالله). ….بل تجد فيها أكثر من ذلك، تجد نسبة عدم الإيمان إلى موسى وهارون. وأن هارون صنع لبني إسرائيل عجلاً يعبدونه من دون الله، وأن الله غضب عليهم لذلك، وأراد ان ينتقم منهم، ولكن موسى قال للرب: أن غفرت خطيئتهم وإلا فامحني من كتابك الذي كتبت (أي امحني من ديوان النبوة) وأن الرب ندم على الشر الذي قال انه يفعله بشعبه(88). وتجد فيها نسبة الزنا والقتل والاحتيال إلى داود(عليه السلام) (89)، ونسبة الميل لعباده الأوثان إلى سليمان واتخاذه بيوتاً لها وإعراضه وميل قلبه عن الله(90)، ونسبة المعاصي وشرب الخمر الكثير إلى عيسى وغيره من الأنبياء(91)، مع أن الخمر محرم في كتبهم… هذا إلى غير ذلك مما تقشعر منه الأبدان وتشمئز منه النفوس، بل تجد في كتبهم نسبة التجسيم والجهل والكذب والغش والاحتيال إلى الله تعالى عن ذلك علواً كبيراً(92). … ومضافاً إلى ما فيها من التناقض الصريح في نفسها، ومناقضة بعضها مع البعض الآخر، وغير ذلك مما تنادي بصراحة من أنها مفتراة على الله ورسله لاشتمالها على أنواع الخرافات والكفر والتناقض، التي لا يعقل أن تكون صادرة من إنسان عاقل مفكر، فكيف بالله واهب العقول والألباب والتفكير: "فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ" [البقرة/ 80]. وما أشرنا إليه مما اشتملت عليه هذه الكتب ظاهر لكل من تصفحها، وأمعن النظر في غضونها، وهي موجودة في اغلب المكتبات العامة، فراجعها لتعلم صدقنا في ما أشرنا إليه. هذا وقد ألف علماء المسلمين في هذا الموضوع مؤلفات كثيرة مطبوعة ومنتشرة. منها كتاب (الفارق بين المخلوق والخالق) لمؤلفه عبد الرحمن الباﭼـه ﭼـي، وبهامشه (الأجوبة الفاخرة عن الأسئلة الفاجرة) و(هداية الحيارى من اليهود والنصارى) ط، مطبعة التقدم بمصر سنة 1322. وكذلك (إظهار الحق) لمّلا رحمة الله الهندي العثماني (جزءان)، المطبعة العامرة، سنة 1305. و(الرحلة المدرسية) للعلامة المحقق شيخنا الشيخ محمد جواد البلاغي في ثلاثة أجزاء، المطبعة الحيدرية في النجف الأشرف. و(الهدى إلى دين المصطفى) للعلامة البلاغي أيضاً، جزءان. و(ماذا في كتب النصارى) للسيد محمد مهدي الحسيني الشيرازي مطبعة الآداب في النجف. وأخيراً صدر في الأسواق، الجزء الأول من كتاب (البشارات والمقارنات بين القرآن والعهدين)، لمؤلفه العلامة البارع الأستاذ محمد الصادقي الطهراني. وهو كتاب قيم جليل، يحتوي على دروس مقارنة بين الكتب السماوية الثلاثة: القرآن، والتوراة، والإنجيل، وفي أصول الدين وفروعه، والنبوات والأنبياء، والبشارات الموجودة في كتب الأنبياء، بحق الرسول الأعظم محمد(صلى الله عليه و آله) بصورة التساؤل والمناظرة. ومجموع هذه الكتب الإسلامية قد ذكرت ما في كتب العهدين من أنواع الخرافات والكفر والتناقض بضبط أسمائها وأسماء المنتسبة إليهم وبتعيين أرقام إصحاحاتها وآياتها عندهم، واثبات بطلان ما فيها من أنواع الأباطيل بالأدلة القطعية المجمع عليها عند عقلاء العالم، "أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ" [البقرة/ 76].
سند التوراة والإنجيل في الميزان على أنه ليس لليهود ولا للنصارى سند متصل الإسناد، يثبت أنها نفس الكتب المنزلة على موسى وعيسى، وقد اعترفوا هم أنفسهم بذلك واعتذروا بأعذار واهية. وجاء في كتاب (القاموس المقدس) تأليف: مستر هاكس الأمريكي، ومدارك أخر، كما في (تفسير الميزان) للعلامة الطباطبائي ج3/ 340 بالنسبة إلى توراة موسى: ان بخت نصر (نبوخذ نصر) ملك بابل استأصل جميع بني إسرائيل سنة خمسمائة وست وثمانين قبل المسيح فقتلهم وخرب ديارهم وخرب بيت الله المقدس، وأزال كل علامة دينية وجعل الهيكل تلاً من تراب وفقدت عند ذلك التوراة والتابوت الذي كانت تجعل فيه، وأخرج البقية الباقية من بني إسرائيل أسرى إلى بابل، وبعد خمسين سنة أخرجوا من الأسر. وبعد سنة أربعمائة وسبعة وخمسين قبل المسيح جمع لهم شخص يسمى بـ (عزرا) العهد العتيق بزعمه، وما جمعه هو التوراة الدائرة اليوم المقطوعة الإسناد بموسى، إلا بواحد هو عزرا المجهول الهوية عندنا من كل الجهات، إذ لا نعرفه أولاً، ولا نعرف كيفية إطلاعه وتعمقه ثانياً، ولا نعرف مقدار أمانته ثالثاً، ولا من أين أخذ ما جمعه من أسفار التوراة رابعاً، ولا ندري بالإسناد إلى أي مستند صحح الأغلاط الواقعة أو الدائرة عندهم خامساً، وإذا كان الأمر كذلك فلا يمكن الاعتماد عليه بتاتاً، ولا على ما جمعه من التوراة. وأما الأناجيل، فمع قطع النظر عن عدم اتصال السند(93) لو فرض كونها نفس الأناجيل التي ألفها مؤلفها فليست هي الإنجيل الواحد المذكور في القرآن، الذي انزل على عيسى، لأنها كتب ألفت وجمعت بعد عيسى، بل بعض مؤلفي تلك الكتب لم يدرك زمان عسى فكيف يمكن الاعتماد عليها؟ نعم يمكن ان يكن فيها بعض ما في الإنجيل المنزل على عيسى، وكذلك الحال في التوراة أيضاً ففيها بعض ما انزل على موسى. إذا عرفت ذلك كله فاعلم أن من المواضيع المهمة التي لعبت فيها أيدي العابثين هي موضوع بشائر موسى وعيسى في التوراة والإنجيل بنبينا محمد(صلى الله عليه و آله)، لعبت بها الأيدي الخائنة والعابثة بعد موسى، ومن بعد عيسى. ولعبت بها الأيدي أيضاً عند ترجمتها من لغة إلى أخرى من العبرية والسريانية مثلاً إلى اللغة اليونانية، ومنها إلى الكلدانية، ومنها إلى العربية، حيث إن عادة أهل الكتاب سلفاً وخلفاً أنهم يترجمون غالباً أسماء الأعلام فيوردون بدلها معانيها حسب أهوائهم وآرائهم، وهذا خبط عظيم ومنشأ للفساد. ولكن مع ذلك كله، وغير ذلك من الخبط والخلط والتحريف والتبديل، حيث ان بشائر موسى وعيسى بنبينا محمد(صلى الله عليه و آله) حقيقة ثابتة قد أكداها على الناس في وقتهما وصدعا بها في كل مناسبة مع تلاميذهما وحواريهما، لذا ما استطاعت يد التحريف إزالتها بالمرة، بل بقي من تلك البشائر حتى الآن الشيء الكثير الذي يصلح أن يكون حجة عليهم بعد حجة القرآن المجيد على كافة العباد. وإليك بعد هذه الدراسة التمهيدية نماذج من بشائر كتب العهدين (القديم والجديد) نذكرها مقرونة بإيضاح موجز إتماماً للفائدة وإقامة للحجة. ثم نذكر نماذج من بشائر إنجيل برنابا ليتضح لنا الفرق بين الحق والباطل، وبين المستقيم والمعوج. كما نختم تلك البشائر ببشارة إدريس النبي(عليه السلام) في كتابه، بالخمسة الطيبة الطاهرة باسمائهم، وكونهم علة الإيجاد، إن شاء الله تعالى.
نماذج من بشائر العهد القديم بنبينا محمد(صلى الله عليه و آله) وأهل بيته البشارة الأولى جاء في سفر التكوين، الإصحاح السابع عشر، ص20 من الترجمة المطبوعة في اولنمشدر شركة طرفندن معارف عمومية(94) من خطاب الله لإبراهيم(عليه السلام) ما نصه في العدد.. 19. فقال الله: بل سارة امرأتك تلد لك ابناً، وتدعو أسمه إسحاق، وأقيم عهدي معه عهداً أبدياً لنسله من بعده. 20. أما إسماعيل فقد سمعت لك فيه، ها أنا أباركه واثمره وأكثره كثيراً جداً، اثنا عشر رئيساً يلد، وأجعله أمة كبيرة. (أو أجعله لشعب كبير، كما في النسخ القديمة). إيضاح وتعليق الخطاب هنا من الله لإبراهيم(عليه السلام) ، وقوله: وأجعله أمة كبيرة أو لشعب كبير يشير إلى نبينا محمد(صلى الله عليه و آله) لأنه لم يكن في نسل إسماعيل من كان أمة كبيرة ولشعب كبير غيره(صلى الله عليه و آله)، إذ بعد إبراهيم ما كان نبياً لشعب كبير وأمة كبيرة غير موسى وعيسى وهما من نسل إسحاق بالاتفاق، ونبينا محمد(صلى الله عليه و آله) من نسل إسماعيل بالاتفاق أيضاً، فتكون هذه البشارة به دون غيره، وهي واضحة القرينة، وجاءت هذه البشارة من الله لإبراهيم صريحة في (إنجيل برنابا) في الفصل 43 من عدد 13-19، وفي الفصل 96 من عدد 8-9 أيضاً. وسنذكرها في (البشائر الصريحة). ويؤيدها قول الله تعالى في القرآن المجيد حاكياً دعاء إبراهيم وإسماعيل في حقه(صلى الله عليه و آله) وحق ذريته الطاهرة: "وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنْ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128) رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ" [البقرة/ 128-130] (95). والمراد من الرسول في قوله تعالى: "رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ" هو نبينا محمد(صلى الله عليه و آله) بإجماع المفسرين بلا خلاف. ومن هنا كان(صلى الله عليه و آله) يقول: أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى(96)، وقد أشار بقوله(صلى الله عليه و آله): "أنا دعوة أبي إبراهيم إلى قوله: "وأبعث فيهم رسولاً منهم" وبقوله: وبشارة عيسى، إلى قوله: "ومبشراً برسول يأتي من بعدي أسمه أحمد" وإبراهيم دعا بهذا الدعاء بمكة لذريته الذين يكونون بها وبما حولها ولم يبعث الله من ذريته – الذين هم بمكة – رسولاً إلا نبينا محمداً(صلى الله عليه و آله). وقوله – في سفر التكوين -: (اثنا عشر رئيساً يلد) بشارة واضحة بالأئمة الاثنى عشر من أهل بيت نبينا(صلى الله عليه و آله) وهم من نسل إسماعيل، ولم يكن من نسله اثنى عشر رئيساً معروفين عند عامة الناس غير أئمتنا عليهم السلام. إذ أن الأنبياء كما بشروا بنبينا، بشروا أيضاً بأهل بيته كما مر عليك. البشارة الثانية: وجاء في سفر التثنية، الإصحاح الثالث والثلاثين، ص280، العدد الأول وما بعده: وهذه هي البركة التي بارك فيها موسى رجل الله بني إسرائيل قبل موته. فقال: جاء الرب من سيناء، وأشرق لهم من سعير، وتلألأ من جبل فاران، وأتى من ربوات القدس، وعن يمينه شريعة لهم. إيضاح وتعليق المراد من مجيئه من سيناء: إعطاؤه التوراة لموسى من طور سيناء، وهو جبل معروف بسيناء –وعليه كلم الله موسى -. واشراقه لهم من سعير (أو ساعير على ما في أكثر النسخ): إعطاؤه الإنجيل لعيسى. وساعير هو الجبل الذي بالشام، كان فيه عيسى. وتلألؤه من جبل فاران: إنزاله القرآن على نبينا، لأن (فاران) جبل من جبال مكة، كما جاء هذا في بيان حال إسماعيل من سفر التكوين، الإصحاح الحادي والعشرون، ص25 عدد (20) و(21) من أن: إسماعيل نما وسكن برية فاران. ومن المتفق عليه بين المسلمين والكتابين أن نشأة إسماعيل وترعرعه كان بمكة، فتكون هذه قرينة واضحة على أن المراد من تلألؤه من جبل فاران هو إنزاله القرآن على نبينا محمد(صلى الله عليه و آله)، إذ لم يبعث نبي ولم ينزل كتاب مقدس في مكة على غيره. وقوله: (وعن يمينه شريعة لهم) هي شريعة الإسلام الخالدة. والجدير بالذكر أن هذه البشارة جاءت من موسى قبل موته، كما في النص المذكور فتكون بشارة منه عند حضور أجله بعيسى وبنبينا من بعده، وعبروا عن هذه البشارة بالبركة التي بارك فيها موسى لبني إسرائيل، وما أدري ما بالهم يحيدون عنها. البشارة الثالثة وجاء في (مزامير داود)، المزمور الخامس والأربعون، ص73، ما نصه في العدد الأول وما بعده: افاض قلبي بكلام صالح، متكلم أنا بإنشائي للملك(97)، لساني قلم كاتب ماهر. أنت أبرع جمالاً من بني البشر، انسكبت النعمة على شفتيك، لذلك بارك الله (أي فيك) إلى الأبد. تقلد سيفك على فخذك، أيها الجبار جلالك وبهاؤك. وبجلالك اقتحم اركب، من أجل الحق والدعة والبر، فتريك يمينك مخاوف(98). نبلك المسنونة في أعداء الملك، شعوب تحتك يسقطون. كرسيك يا الله إلى دهر الدهور، قضيب(99) استقامة قضيب ملكك. أحببت البر وأبغضت الآثم، من أجل ذلك مسحك الله إلهك بدهن الابتهاج أكثر من رفاقك… إلى أن قال في الآية. 16. عوضاً عن آبائك يكون بنوك تقيمهم رؤساء في كل الأرض. 17. أذكر أسمك في كل دور فدور، ومن أجل ذلك تحمدك الشعوب إلى الدهر والأبد. إيضاح وتعليق من المسلم به عند الكتابيين (يهود ونصارى) أن داود(عليه السلام) يبشر في هذا المزمور بنبي يكون ظهوره بعد زمانه، والحال انه لم يظهر (حتى الآن) نبي عند اليهود موصوف بالصفات المذكورة. ويدعي علماء النصارى أن هذا النبي هو عيسى، ولا برهان لهم على هذه الدعوى، كما أن الصفات المذكورة في هذا المزمور غير منطبقة عليه تماماً ولا مجتمعة فيه. ويدعي المسلمون سلفاً وخلفاً أن هذا النبي المبشر به هو محمد(صلى الله عليه و آله)، إذ أن هذه الصفات كلها وجدت مجتمعة فيه(صلى الله عليه و آله) على أكمل وجه، وهي كونه: أبرع جمالاً من بني البشر. وهذا ثابت في التاريخ لنبينا فقد كان أجمل أهل زمانه خلقاً، كما أنه أحسنهم خُلقاً. وفيه يقول حسان بن ثابت: وأحسن منك لم تر قط عيني*** وأجمل منك لم تلد النساء خُـلـقــت مـبـرئاً من كل عيب*** كأنــك قد خُلقت كما تشاء كون النعمة منسكبة على شفتيه، ذلك بما آتاه الله من الفصاحة والبلاغة وبما جاء به من القرآن المجيد الذي أعجز فصحاء الأمم وبلغاءها. كونه مباركاً إلى آخر الأبد. كونه متقلداً بالسيف. كونه قوياً يركب ويقتحم. كونه ذا حق ودعة وبّر كون هداية يمينه بالعجب. كون نبله مسنونة في أعداء الله. سقوط الشعوب تحته، أي خضوع الشعوب له. استقامة حكمه. كونه محباً للبر، مبغضاً للإثم. كونه أفضل من رفقائه من الأنبياء السابقين عليه. إقامة أبنائه رؤساء في كل الأرض بدل آبائهم، وهو صريح في نصوصه على إمامة أهل بيته الأثني عشر، كما أن عيسى لم يكن له أبناء بالإجماع ليقيمهم رؤساء وينص على خلافتهم. كون اسمه يذكر في كل دور فدور، وهو صريح في الإعلان باسمه ورسالته على المآذن والمنابر في كل جيل كما هو الحال. وكون الشعوب تحمده إلى آخر الأبد. وهو كناية عن أنه خاتم النبيين وصريح في أن الشعوب تحمده دائماً وأبداً. صلى الإله ومن يحّف بعرشه*** والطيبون على المبارك أحمدا البشارة الرابعة وجاء في كتاب دانيال، الإصحاح الثاني، ص1081، عدد 44 ما نصه: (يقيم إله السماوات مملكة لن تنقرض أبداً، وملكها لا يترك لشعب آخر، وتسحق وتفنى كل هذه الممالك وهي تثبت إلى الأبد). إيضاح وتعليق يبشر النبي دانيال بالمملكة التي يقيمها إله السماوات وانها لن تنقرض أبداً، وهي مملكة الإسلام وشريعته الخالدة، وهي التي لن تنقرض حتى تقوم القيامة "فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ" [الرعد/ 18]. وقوله: (وملكها لا يترك لشعب آخر) إشارة إلى نبينا الذي لا نبي بعده ولا أمة بعد أمته، وفي هذا القول إشارة إلى بقاء حكم الإسلام وظهوره على الدين كله، كما صرحت بذلك الآية(100)، لذا أخبر بفناء الممالك وثبوت هذه المملكة الحقة إلى الأبد، وإلى قيام المصلح العام الذي يفني كل الممالك ويقيم تلك المملكة الإلهية الحقة وهو الحجة المهدي الثاني عشر من خلفائه صلوات الله عليهم. البشارة الخامسة وجاء في كتاب دانيال أيضاً، في الإصحاح السابع منه، بعد ذكر خراب ممالك الأرض، في العدد 13، ص1091، ما نصه: (كنت أرى في رؤيا الليل، وإذا مع سحب السماء مثل ابن الإنسان أتى وجاء إلى القديم الأيام فقربوه قدامه فأعطي سلطاناً ومجداً وملكوتاً لتتعبد له كل الشعوب والأمم والألسنة، سلطانه سلطان أبدي ما لن يزول وملكوته ما لا ينقرض). وجاء في آخر الكتاب، الإصحاح الثاني عشر منه، ما لفظه: (طوبى لمن ينتظر). إيضاح وتعليق نرى في هذه التعابير ذكر المملكة الأبدية، وأنها تكون لابن الإنسان، والبشارة لمن ينتظرها. والمقصود من ابن الإنسان إما نبينا محمد(صلى الله عليه و آله) وإما سمّيه ولده المهدي الذي يعيد مملكة الإسلام الحقة، ويملأ كل الأرض قسطاً وعدلاً بعد ما ملئت ظلماً وجوراً، فتتعبد له كل الشعوب والأمم والألسنة بعد أن يعطى سلطاناً ومجداً وملكوتاً أبدياً لن يزول ولن ينقرض إلى يوم القيامة. وهذا نظير ما جاء في الكتاب والسنة من قيام المصلح العظيم ومن معه من المؤمنين بعد نبي الإسلام لإقامة دولة الحق. قال تعالى في القرآن المجيد: "وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِي الصَّالِحُونَ" [الأنبياء/ 106]. وجاء مضمون الآية القرآنية في مزامير داود، المزمور السابع والثلاثون، حيث يبشر بهلاك الأشرار ونجاة الأبرار وأنهم يرثون الأرض إلى الأبد، وهذا نّص عبارته في ص728: (الصديقون يرثون الأرض ويسكنونها إلى الأبد)- 28. وفي نص 729: (أما الأشرار فيبادون جميعاً عقب الأشرار ينقطع) – 38. (أما خلاص الصـديقين فمن قبل الرب حصـنهم في زمان الضيق)–39. (ويعينهم الرب وينجيهم وينقذهم من الأشرار ويخلصهم لأنهم احتموا به) – 40. البشارة السادسة ونظير هذه البشائر ما جاء في كتاب (نبوة حجي) الإصحاح الثاني، ص1148: (لأنه هكذا قال رب الجنود، هي مرة بعد قليل فأزلزل السماوات والأرض والبحر واليابسة –6. وأزلزل كل الأمم، ويأتي مشتهى كل الأمم فأملأ هذا البيت مجداً قال رب الجنود –7. لي الفضة ولي الذهب يقول رب الجنود –8. مجد هذا البيت الأخير أعظم من مجد الأول قال رب الجنود، وفي هذا المكان أعطي السلام يقول رب الجنود –9). إيضاح وتعليق المراد من عبارة: هذا البيت، وهذا المكان… هو الكرة الأرضية بمجموعها. واسم أو لقب (مشتهى الأمم) مترجم عن الأصل العبري الذي هو (حمدوت) (101) ومعناه: الذي تحمده الأمم كثيراً وهو معنى محمد وأحمد. فتكون هذه البشارة صريحة بنبينا محمد(صلى الله عليه و آله) وان الأرض تكون بشريعته مليئة بالمجد. وإنما تشتهيه كل الأمم وتحمده، لأن الأنبياء السابقين عليه بعثةً، بشروا أممهم به، وبأنه أفضلهم، وأن شريعته الخاتمة أكمل من شرائعهم. وعبارة (مجد هذا البيت الأخير أعظم من مجد الأول) تكون بشارة ثانية بظهور سمّيه المهدي الذي تشتهيه وتنتظره كل الأمم ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً، وعندها يعم السلام والأمان الأرض بأسرها كما تواترت بذلك الأخبار.
نماذج من بشائر العهد الجديد بنبينا محمد(صلى الله عليه و آله) وأهل بيته البشارة الأولى جاء في إنجيل متي، الإصحاح الرابع والعشرون، ص39: 11- ويقوم أنبياء كذبة كثيرون ويضلون كثيرين. 12- ولكثرة الإثم تبرد محبة الكثيرين. 13-ولكن الذي يصير إلى المنتهى فهذا يخلص. 14-ويكرز(102) ببشارة الملكوت هذه في كل المسكونة شهادة لجميع الأمم ثم يأتي المنتهى. إيضاح وتعليق ينبئ هذا الإنجيل لمتي على لسان عيسى - في هذه العبارات الصريحة – عن قيام دجالين كذابين كثيرين يّدعون النبوة والوحي والإلهام كذبا" وزوراً، وأنهم يضلّون بدعواهم هذه كثيراً من الناس وهذا ما وقع بالفعل، ودليله ما جاء به الكذابون من بعد عيسى – باسم الوحي والإلهام – من كتب العهد الجديد وكل كتاب منها أدخل فيه منتحله ما أدخل من الكفر والتضليل والخرافات والمتناقضات ونسبه إلى من نسبه من أنبياء الله حسب ما دعاه إليه شيطانه، وما دلّه عليه هواه ، كما قال الله سبحانه وتعالى في كتابه المجيد: "وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ" [الأنعام/ 113-114]. نعم، هكذا قد أضلوا (بما اقترفوا وافتعلوا) كثيراً من الناس، ولكثرة صدور الآثم من قبلهم باسم الدين بردت محبة الكثيرين من عامة الناس للدين والتدين وأصبحوا في جاهلية عمياء، مرتدين ومترددين. ولكن هذا الإنجيل يبشر أخيراً بمجيء من يخلص العالم من ذلك الضلال وأنه يصير إلى المنتهى. ونرى أن هذه البشارة هي بشارة بالمنقذ الأعظم نبينا محمد(صلى الله عليه و آله) الذي هو خاتم الأنبياء والمرسلين من الله لعباده، وهو الذي صار بنبوته إلى المنتهى إذ لا نبي بعده. وقوله: (ويكرز ببشارة الملكوت) أي أن هذا المخلص يبشر بإقامة دولة الحق في جميع الأرض. وفي هذا إشارة واضحة إلى بشائر نبينا بقيام سمّيه وكنّيه وخليفته المهدي من أهل بيته في آخر الزمان، وأنه هو الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد ما ملئت ظلماً وجوراً، بتجديد شريعة جده واقامة أحكامها في كل المسكونة كما تواتر هذا عنه(صلى الله عليه و آله). ولعل المهدي هو المقصود من عبارة هذا الإنجيل: (ثم يأتي المنتهى). ومما تجدر الإشارة إليه أن نظير ما أنبأ به إنجيل متي من قيام أنبياء كذبة – على حد تعبيره – وما بشر به من إتيان المخلص، الذي هو نبينا محمد(صلى الله عليه و آله)، قد جاء في إنجيل برنابا أيضاً على لسان عيسى في الفصل 72، ص110 حيث قال: (أما من خصوصي فإني قد أتيت لأهيئ الطريق لرسول الله الذي سيأتي بخلاص للعالم – 10. ولكن احذروا أن تغشوا لأنه سيأتي أنبياء كذبة كثيرون يأخذون كلامي وينجسون إنجيلي-11)…الخ ما سيأتي في البشائر الصريحة بنبينا من إنجيل برنابا. البشارة الثانية وجاء في إنجيل يوحنا، الإصحاح الرابع عشر، ص160، من الطبعة المذكورة: (15- ان كنتم تحبونني فاحفظوا وصاياي. 16- وأنا أطلب من الأب(103) فيعطيكم (معزياً) آخراً ليمكث معكم إلى الأبد. 17- روح الحق الذي لا يستطيع العالم أن يقبله لأنه لا يراه ولا يعرفه وأما أنتم فتعرفونه لأنه ماكث معكم ويكون فيكم… 26- وأما المعزي الروح القدس الذي سيرسله الأب باسمي فهو يعلمكم كل شيء ويذكركم بكل ما قلته لكم….. 29- وقلت لكم الآن قبل أن يكون حتى متى كان تؤمنون). البشارة الثالثة وجاء في آخر الإصحاح الخامس عشر من (يوحنا) أيضاً ص161: (26- ومتى جاء المعزي الذي سأرسله أنا إليكم من الأب، روح الحق الذي من عند الأب ينبثق فهو يشهد لي. 27- وتشهدون أنتم أيضاً لأنكم معي من الأبتداء). البشارة الرابعة وجاء في (يوحنا) أيضاً، الإصحاح السادس عشر، ص162: (7- لكني أقول لكم: انه خير لكم أن أنطلق لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزي، ولكن ان ذهبت ارسله إليكم. 8- ومتى جاء ذاك يبكت العالم على خطيئته….. 12- ان لي أموراً كثيرة أيضاً لأقول لكم ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن. 13- وأما متى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق لأنه لا يتكلم من نفسه، بل كل ما يسمع يتكلم به ويخبركم بأمور آتية. 14- وذاك يمجدني). إيضاح وتعليق يبشر هذا الإنجيل على لسان عيسى في هذه الفقرات – على ما فيها من التحريف والاضطراب وسوء الترجمة – برسول آخر يرسله الله إليهم من بعده، ويصفه بصفات نراها منطبقة تمام الانطباق على نبينا محمد(صلى الله عليه و آله) وأنه لم يأت بعد عيسى حتى الآن رسول انطبقت عليه كل هذه الصفات سواه. وهذه الصفات هي:- انه (يمكث معهم إلى الأبد) أي تبقى شريعته قائمة في العالم إلى قيام الساعة فلا يأتي بعده نبي ولا رسول. فكانت دعوى نبينا انه خاتم النبيين ولا نبي بعده صادقة كما أخبر عيسى، حيث تم على مبعثه الشريف حتى الآن أربعة عشر قرناً تاماً ولم يبعث رسول من الله سواه، والحال ان أنبياء بني إسرائيل كانت تترى قبل عيسى. وحيث ان الأرض لا يمكن أن تخلوا من حجة لله أقام نبينا(صلى الله عليه و آله) على أمته وحفظ شريعته من بعده خلفاء وأئمة هم مثال له، وهم أهل بيته وأخبر أن الأرض لا تخلوا من أحدهم، فهو(صلى الله عليه و آله) إذاً ماكث مع الناس إلى الأبد ببقاء شريعته ووجود حفظتها من بعده، أئمة الهدى من أهل بيته واحداً بعد واحد (كلما غاب نجم طلع نجم إلى يوم القيامة) على حد تعبيره(104). انه (روح القدس، وروح الحق، والذي يرشدهم إلى جميع الحق): وهذا ظاهر الانطباق على نبينا. لأن ما جاء به عن الله عز وجل من العقائد والعبادات والأخلاق وسائر الآداب يتفق تمام الاتفاق مع الحق الصريح والعقل السليم والفطرة السليمة. كما شهد بذلك عقلاء العالم. وكان(صلى الله عليه و آله) أول المتحلين بالحق، الممثلين له، العاملين به. كما تشهد بذلك سيرته الثابتة، وبذلك حضى بروح التقديس من الخالق المتعال، وأستحق أن يطلق عليه أنه (روح القدس) و(روح الحق). أما قول الإنجيل –على حد تعبيره -: (الذي لا يستطيع العالم أن يتقبله) فالمراد من ذلك غالب الناس الذين هم عن الحق أبعد وإلى الباطل أقرب وأميل، ولا سيما اليهود والنصارى، حيث وجدوا أن لغة خاتم الأنبياء عربية ليست عبرانية ولا سريانية، وهو من نسل إسماعيل، ولم يكن من بني إسرائيل بل كان غريباً عنهم شعباً وقبيلة ولغة وبلاداً، وقد جاء بدين يخالف ما هم عليه من تحريف دينهم السابق على أيدي أسلافهم. وقد جرت العادة باتّباع طريقة الآباء والأسلاف خصوصاً في أمر الدين، فيشق على النفوس ترك المألوف وان كان باطلاً ويعسر عليها الانخراط في دين جديد وان كان حقاً، ولا سيما إذا كان الدين الجديد خلاف الشهوات الحيوانية. فلذا قال على حد تعبيره: (لا يستطيع العالم أن يقبله) والمراد من عدم الاستطاعة هو ما يلاقونه من الصعوبة على أنفسهم الأمارة بالسوء إذا قبلوه وصدقوا به. وقوله في الإنجيل: (وأما أنتم فتعرفونه) المراد من المخاطبين بكلمة (أنتم): تلاميذه وخواصه من الحواريين الذين آمنوا برسالة عيسى وصدقوا بنبوته، فهم طبعاً يؤمنون بالرسول الذي يأتي بعده ويعرفونه من تأكيداته عليهم ووصـفه شـفاهاً لهم، وهم القليل: "وَقَلِيـلٌ مِنْ عِبَادِي الشَّكُورُ" [سبأ/ 14]. انه يعلمهم كل شيء ويذكرهم بكل ما قاله عيسى لهم. وهذا أيضاً ينطبق على نبينا وعلى ما جاء به من القرآن الذي فيه تبيان كل شيء، والشريعة الشاملة لكل ما يحتاجه الإنسان مما فيه سعادته وخيره في الدارين، وذكرهم بكل ما قاله عيسى لهم من أنه عبد الله ورسوله، وما دعا إليه من عبادة الله وحده لا شريك له. |