| فدك في التاريخ |
|
فنفترض أولاً: إنّ الوصاية بمعنى الخلافة ثم نتبين الصديق على هدى الحديث فإننا سوف نراه شخصاً سارقاً لأنفس المعنويات الإسلامية ومتصرّفاً في مقدرات الأمة بلا سلطان شرعي. ولا مجال لهذا الشخص حينئذٍ أن يحكم بين الناس ولا يسعنا أن نؤمن له بحديث، ولنترك هذا التفسير ما دام شديد القسوة على صاحبنا، ونقول: إن علياً وصي رسول الله (صلى الله عليه وآله) على علمه وشريعته فهل يسعنا مع الاعتراف بهذه الوصاية المقدّسة أن نؤمن بحديث ينكره الوصي. وما دام هو العين الساهرة على شريعة السماء فلابدّ أن يؤخذ رأيه في كل مسألة نصاً لا مناقشة فيه لأنه أدرى بما أوصاه به رسول الله (صلى الله عليه وآله) وائتمنه عليه، وخذ إليك بعد ذلك الأسلوب الثالث فإنه ينتهي إلى النتيجة السابقة عينها لأنّ علياً إذا كان وصياً لرسول الله (صلى الله عليه وآله) على تركته ومختصّاته فلا معنى لسطو الخليفة على التركة النبوية ووصي النبي (صلى الله عليه وآله) عليها موجود وهو أعرف بحكمها ومصيرها الشرعي.
كما أنّ إنكار الخليفة لملكية رسول الله (صلى الله عليه وآله) لفدك - كما تدلّ عليه بعض المحاورات السابقة - كان فيه من التسرّع شيء كثير لأنّ فدك ممّا لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب بل استسلم أهلها خوفاً ورعباً باتفاق أعلام المؤرّخين م السنة والشّيعة. وكل أرض يستسلم أهلها على هذا الأسلوب فهي للنبي (صلى الله عليه وآله) خالصة. وقد أشار الله تعالى في الكتاب الكريم إلى أنّ فدكاً للنبي (صلى الله عليه وآله) بقوله: (وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتهم عليه بخيل ولا ركاب)(16)، ولم يثبت تصدق النبي بها ووقفه لها.
2 - هذه هي الاعتراضات التي انتهينا إليها آنفاً. ونضيف إليها الآن اعتراضاً سادساً بعد أن نفترض أن جملة: (إنا معاشر الأنبياء لا نورث) أقرب إلى نفي الحكم بالميراث منها إلى نفي التركة الموروثة، ونقدر لجملة: (لا نورث ما تركناه صدقة). من المعنى ما ينفع الخليفة ونلغي تفسيرها بأنّ الصدقة المتروكة لا تورّث ثم ندرس المسألة على ضوء هذه التقارير. وهذا الاعتراض الجديد هو أنّ اللازم - في العرف العلمي - متى صحت هذه الفروض تأويل الخبر ولم يجز الركون إلى أوضح معانيه لأنه يقرر حينئذٍ عدم توريث سائر الأنبياء لتركاتهم لما جاء في بعضها من التصريح بالتعميم نحو: (إنا معاشر الأنبياء لا نورث...) ولما دلّ بالنون في قوله: (لا نورث ما تركناه صدقة)، من تعليق الحكم على جماعة وحيث يتضح أن الحكم في الحديث عدم توريث التركة يتجلّى أنّ المراد بالجماعة جماعة الأنبياء إذ لا توجد جماعة أخرى نحتمل عدم انتقال تركاتها إلى الورثة، وقد دلّ صريح القرآن الكريم على توريث بعض الأنبياء إذ قال تبارك وتعالى في كتابه الكريم مخبراً عن زكريا (عليه السلام): (وإنّي خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقراً فهب لي من لدنك ولياً يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله ربّي رضياً)(17)، والإرث في الآية بمعنى إرث المال لأنه هو الذي ينتقل حقيقة من الموروث إلى الوارث، وأما العلم والنبوة فلا ينتقلان انتقالاً حقيقياً، وامتناع انتقال العلم على نظرية اتحاد العاقل والمعقول(18)، واضح كلّ الوضوح، وأمّا إذا اعترفنا بالمغايرة الوجودية بينهما فلا ريب في تجرّد الصور العلمية(19) وإنها قائمة بالنفس قياماً صدورياً(20) بمعنى أنها معلولة للنفس والمعلول الواحد بحسب الذات - لا بمجرّد الاتصال فقط - متقوّم بعلّته ومرتبط الهوية به فيستحيل انتقاله إلى علة أخرى، ولو افترضنا أنّ الصورة المدركة أعراض وكيفيات قائمة بالمدرك قياماً حلولياً فيستحيل انتقالها لاستحالة انتقال العرض من موضوع إلى موضوع كما برهن عليه في الفلسفة سواء أقلنا بتجرّده أو بماديتها بأنّ اعترافنا باشتمال الصّور المدركة على الخصائص العامة للمادة من قابلية الانقسام ونحوها. وإذن فالعلم يستحيل انتقاله في حكم المذاهب الفلسفية الدائرة حول الصور العلمية جميعاً. وإذا لاحظنا النبوة وجدنا أنها هي الأخرى أيضاً ممّا لا يجوز في عرف العقل انتقالها سواء أذهبنا في تفسيرها مذهب بعض الفلاسفة وقلنا أنها مرتبة من مراتب الكمال النفسي ودرجة من درجات الوجود الإنساني الفاضل الذي ترتفع إليه الماهية الإنسانية في ارتقاءاتها الجوهرية وتصاعداتها نحو الكمال المطلق، أو أخذنا بالمعنى المفهوم للناس من الكلمة واعتبرنا النبوة منصباً إلهياً مجعولاً لا كمنصب الملك والوزير ويكون ذلك التكامل النفسي شرطاً له فالمفهوم الأول يمتنع انتقاله بالضرورة لأنه نفس وجود النبي (صلى الله عليه وآله) وكمالاته الذاتية، والنبوة بالمعنى يستحيل انتقالها أيضاً لأنها حينئذٍ أمر اعتباري متشخّص الأطراف ولا يعقل تبدّل طرف من أطرافه إلاّ بتبدّل نفسه وانقلابه إلى فرد آخر، فنبوّة زكريا (عليه السلام) مثلاً هي هذه التي اختصّ بها زكريا (عليه السلام) ولن يعقل ثبوتها لشخص آخر لأنها لا تكون حينئذٍ تلك النبوة الثابتة لزكريا (عليه السلام) بل منصباً جديداً أو مقام نبوياً حادثاً. والنظر الأولي في المسألة يقضي بامتناع انتقال العلم والنبوة من دون حاجة إلى هذا التعمّق والتوسّع، وإذن فالنتيجة التي يقرّرها العقل في شوطه الفكري القصير الذي لا يعسر على الخليفة مسايرته فيه هي أنّ المال وحده الذي ينتقل دون العلم والنبوة.
ويختلف تقدير العبارة صفة عن تقديرها جواباً من النواحي اللفظية في الإعراب لأنّ الفعل إذا كان صفة فهو مرفوع وإذا كان جواباً يتعيّن جزمه، وقد ورد في قراءته كلا الوجهين. وإذا لاحظنا قصّة زكريا (عليه السلام) في موضعها القرآني الآخر وجدنا أنّه لم يسأل ربه إلاّ ذرية طيبة فقد قال تبارك وتعالى في سورة آل عمران: هنالك دعا زكريا (عليه السلام) ربّه قال: (ربّ هب لي من لدنك ذرية طيبة). وأفضل الأساليب في فهم القرآن ما كان منه مركزاً على القرآن نفسه وعلى هذا فنفهم من هذه الآية أنّ زكريا (عليه السلام) كان مقتصداً في دعائه ولم يطلب من ربّه إلاّ ذرية طيبة، وقد جمع القرآن الكريم دعاء زكريا (عليه السلام) في جملة واحدة تارة وجعل لكل من الذرية ووصفها دعوة مستقلة في موضوع آخر فكانت جملة (هب لي من لدنك ولياً) طلباً للذرية وجملة (واجعله ربّي رضياً) دعوة بأن تكون الذرية طيبة. وإذا جمعنا هاتين الجملتين أدّت نفس المعنى الذي تفيده عبارة (هب لي من لدنك ذرية طيبة). وتخرج كلمة (يرثني) بعد عملية المطابقة بين الصيغتين القرآنيتين عن حدود الدعاء ولابدّ حينئذٍ أن تكون جواباً له.
6 - ولاحظ بعض الباحثين في الآية الكريمة نقطتين تفسّران الإرث فيها بإرث النبوة.
واعترض أصحابنا على النقطة الأولى بأنّ زكريا (عليه السلام) لم يسأل ربّه أن يرث ولده أموال آل يعقوب جميعاً وإنما أراد أن يرث منها فلا يكون دليلاً على التفسير المزعوم.وأما النقطة الثانية فهي من القرائن على التفسير الذي اخترناه لأن الخوف على الدين والعلم من أبناء العم لا معنى له لأنّ اللطف الإلهي لا يترك الناس سدىً بلا حجّة بالغة فمعالم الدين وكلمة السماء محفوظة بالرعاية الإلهية والنبوة مخصوصة أبداً بالأقلين من نوابغ البشر لا يخشى عليها من السطو والنهب، وإذن فماذا كان يحسب زكريا (عليه السلام) ربّه صانعاً لو لم يمنّ عليه بيحيى، أكان يحتمل أن يكلف برسالته مواليه أعني بني عمومته مع عدم كفاءتهم للقيام بواجب الرسالة الإلهية وعدم جدارتهم بهذا الشرف أو كان يرى أنّ الله (تعالى) يهمل أمر خلقه ليكون لهم الحجّة عليه ليس هذا ولا ذاك ممّا يجوزه نبي. وإنما خاف زكريا (عليه السلام) من بني أعمامه على أمواله فطلب من الله ولداً رضياً يرثها. ولا جناح عليه في ذلك إذ يحتمل أن تكون رغبته في صرف أمواله عن بني عمومته بسبب أنها لو آلت إليهم لوضعوها في غير مواضعها وأنفقوها في المعاصي وألوان الفساد لما كان يلوح عليهم من علامات الشر وأمارات السوء حتى قيل إنهم شرار بني إسرائيل. وقد حاول ابن أبي الحديد أن يصوّر وجهاً لخوف زكريا (عليه السلام) من الموالي على الدين من ناحيتين:
ولأسجل ملاحظتي على هذا الكلام ثم أنتقل بك إلى الناحية الثانية، فأقول: إنّ الخوف من انقطاع النبوة إنما يصحّ على أصول الشيعة إذا نشأ عن احتمال إفساد الناس لدينهم على نحو لا يستحقون معه ذلك كما هو الحال في زمن غيبة الإمام المنتظر (عج) لا فيما إذا كان سببه الإطلاع على عدم لياقة جماعة خاصّة للنبوة مع استحقاق الناس لها فإنّ إرسال الرسول أو نصب من يقوم مقامه واجب في هذه الصورة على الله (تعالى) لما أوجبه على نفسه من اللطف بعباده، وإذن فقصور أبناء العمومة عن نيل المنصب الإلهي لا يجوز أن ينتهي بزكريا (عليه السلام) إلى احتمال انقطاع النبوة وانطماس معالم الدين إذا كان الناس مستحقين للألطاف الإلهية. وإذا لم يكونوا جديرين بها فمن الممكن انقطاع الاتصال بين السماء والأرض سواء أكان بنو العمومة صالحين للنبوة أو لا، وسواء منَّ الله عليه بذرية أو بقي عقيماً. والآية الكريمة تدلّ على أنّ الباعث إلى الخوف في نفس زكريا (عليه السلام) إنما هو فساد الموالي لا فساد الناس.
ونتيجة هذا البحث أنّ الإرث في الآية هو إرث المال بلا ريب. وإذن فبعض الأنبياء يورثون وحديث الخليفة يقضي بأنّ الجميع لا يورّثون. فالآية والرواية متعاكستان، وكلّ ما عارض الكتاب الكريم فهو ساقط. ولا يجوز أن نستثني زكريا (عليه السلام) خاصة من سائر الأنبياء لأنّ حديث الخليفة لا يقبل هذا الاستثناء وهذا التفريق بين زكريا (عليه السلام) وغيره والنبوة إن اقتضت عدم التوريث فالأنبياء كلهم لا يورثون ولا نحتمل أن يكون لنبوة زكريا (عليه السلام) خاصية جعلته يورث دون سائر الأنبياء، وما هو ذنب زكريا (عليه السلام) أو ما هو فضله الذي يسجّل له هذا الامتياز. أضف إلى ذلك أن تخصيص كلمة الأنبياء الواردة في الحديث والخروج بها عمّا تستحقه من وضع لا ضرورة له بعد أن كان الحديث قابلاً للتفسير على أسلوب آخر إن لم يكن هو المفهوم الظاهر من الحديث كما أوضحناه سابقاً فهو تفسير على كل حال فلماذا نفسر الحديث بأنّ تركة النبي لا تورث لنضطر إلى أن نقول بأن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يعني بالأنبياء غير زكريا (عليه السلام) بل لنأخذ بالتفسير الآخر ونفهم من الحديث أنّ الأنبياء ليس لهم من نفائس الدنيا ما يورثونه ونحفظ للفظ العام حقيقته(21). ونعرف ممّا سبق أن صيغة الحديث لو كانت صريحة في ما أراده الخليفة لها من المعاني لناقضت القرآن الكريم ومصيرها الإهمال حينئذٍ وليس في المسألة سبيل إلى اعتبار الحديث مدركاً قانونياً في موضوع التوريث، ولذا لم يتفطن الصديق إلى جواب يدفع به اعتراض خصمه عليه بالآية الآنفة الذكر ولم يوفق واحد من أصحابه إلى الدفاع عن موقفه. وليس ذلك إلاّ لأنهم أحسّوا بوضوح أنّ الحديث يناقض الآية بمعناه الذي يبرّر موقف الحاكمين. ولا يمكن أن نعتذر عن الخليفة بأنه يجوز اختيار أحد النصّين المتناقضين وتنفيذه كما يرتئيه جماعة من علماء الإسلام، وقد اختار أن ينفذ مدلول الحديث وذلك لأنّ المعارض للقرآن باطل بلا ريب لأنه الحق وهل بعد الحق إلاّ الضلال.
المناقشة التي قامت بين الخليفة والصديقة حول نحلة رسول الله (صلى الله عليه وآله) إياها فدكاً فقد ادّعت الصديقة النحلة وشهد بذلك قرينها وأم أيمن فلم يقبل الخليفة دعواها ولم يكتف بشاهديها وطالبها ببينة كاملة وهي رجلان أو رجل وامرأتان.
ولكن ينبغي أن نلاحظ أنّ فدكاً كانت أرضاً مترامية الأطراف وليس شأنها شأن التوافه من الأملاك والمختصّات الصغيرة التي تتّضح حيازة مالكها لها بأدنى ملاحظة. فإذا افترضنا أن فدكاً كانت في يد فاطمة (عليها السلام) يتعّهدها وكيلها الذي يقوم بزراعتها فمن يجب أن يعرف ذلك من الناس غير الوكيل. ونحن نعلم أنّ فدكاً لم تكن قريبة من المدينة ليطّلع أهلها على شؤونها ويعرفوا من يتولاّها فقد كانت تبعد عنها بأيام ثمّ أنها قرية يهودية وليست في محيط إسلامي لتكون حيازة فاطمة (عليها السلام) لها معروفة بين جماعة المسلمين. فماذا كان يمنع الزهراء (عليها السلام) عن الاعتقاد بأنّ الخليفة سوف يطالبها بالبيّنة على أنّ فدكاً في يدها إذا ادّعت ذلك كما طالبها على النحلة مادام في نظرها مسيراً في الموقف بقوة طاغية من هواه لا تجعله يعترف بشيء. وكان من السهل في ذلك اليوم أن تبتلع الحوت وكيل فاطمة (عليه السلام) على فدك أو أي شخص لو اطلع على حقيقة الأمر كما ابتلعت أبا سعيد الخدري فلم يروا النحلة وقد حدث بها بعد ذلك كما ورد في طريق الفريقين أو أن تقتله الجن كما قتلت سعد بن عبادة وأراحت الفاروق(22) و أن يتّهم بالردّة لأنه امتنع عن تسليم صدقة المسلمين للخليفة كما اتهم مانعوا الزكاة والرافضون لتسليمها له.
ونحن لا نريد أن نتوسّع في الكلام على العصمة وإثباتها للصديقة (عليها السلام) بآية التطهير لأن موسوعات الإمامية في فضائل أهل البيت (عليهم السلام) تكفينا هذه المهمة ولانشكّ في أن الخليفة كان على علم بذلك لأن السيدة عائشة نفسها كانت تحدث بنزول آية التطهير في فاطمة (عليها السلام) وقرينها وولديها(23)، وقد صرحت بذلك صحاح الشيعة والسنة، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) كلما خرج إلى الفجر بعد نزول الآية يمر ببيت فاطمة (عليها السلام) ويقول: «الصلاة يا أهل البيت (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً)»، وقد استمر على هذا ستة أشهر(24). وإذن فلماذا طلب الخليفة بيّنة من فاطمة (عليها السلام) على دعواها؟! وهل تحتاج الدعوى المعلوم صدقها إلى بيّنة؟ قال المعترضون على أبي بكر: إن البينة إنما تراد ليغلب في الظنّ صدق المدّعي والعلم أقوى منها فإذا لزم الحكم للمدّعي الذي تقوم البينة على دعواه يجب الحكم للمدّعي الذي يعلم الحاكم بصدقه. وألاحظ أنّ في هذا الدليل ضعفاً مادياً لأنّ المقارنة لم تقم فيه بين البينة وعلم الحاكم بالإضافة إلى صلب الواقع، وإنما لوحظ مدى تأثير كلّ منهما في نفس الحاكم وكانت النتيجة حينئذٍ أن العلم أقوى من البينة لأنّ اليقين أشدّ من الظن، وكان من حقّ المقارنة أن يلاحظ الأقرب منهما إلى الحقيقة المطلوب مبدئياً الأخذ بها في كلّ مخاصمة. ولا يفضل علم الحاكم في هذا الطور من المقايسة على البينة لأن الحاكم قد يخطئ كما أن البينة قد تخطئ فهما في شرع الواقع سواء كلاهما مظّنة للزلل والاشتباه. ولكن في المسألة أمر غفل عنه الباحثون أيضاً وهو أن ما يعلمه الخليفة من صدق الزهراء (عليها السلام) يستحيل أن لا يكون حقيقة، لأنّ سبب علمه بصدقها ليس من الأسباب التي قد تنتج توهماً خاطئاً وجهلاً مركباً وإنما هو قرآن كريم يدلّ على عصمة المدّعية. وعلى ضوء هذه الخاصية التي يمتاز بها العلم بصدق الزهراء (عليها السلام) يمكننا أن نقرّر أنّ البينة التي قد تخطئ إذا كانت دليلاً شرعياً مقتضياً للحكم على طبقه فالعلم الذي لا يخطئ وهو ما كان بسبب شهادة الله (تعالى) بعصمة المدّعي وصدقه أولى بأن يكتسب تلك الصفة في المجالات القضائية. وعلى أسلوب آخر من البيان نقول: إن القرآن الكريم لو كان قد نصّ على ملكية الزهراء (عليها السلام) لفدك وصدقها في دعوى النحلة لم يكن في المسألة متّسع للتشكيك لمسلم أو مساغ للتردّد لمحكمة من محاكم القرآن، ومن الواضح أنّ نصّه على عصمة الزهراء (عليها السلام) في قوة النص على النحلة لأنّ المعصوم لا يكذب فإذا ادعى شيئاً فدعواه صائبة بلاشك ولا فرق بين النص على العصمة والنص على النحلة فيما يتّصل بمسألتنا سوى أنّ ملكية الزهراء (عليها السلام) لفدك هي المعنى الحرفي للنص الثاني والمعنى المفهوم من النص الأول عن طريق مفهومه الحرفي.
ولكن الحاكم يجوز له مع ذلك - أن يحكم على وفق علمه كما يجوز له أن يستند في الحكم إلى البيّنة بدليل ما جاء في الكتاب الكريم ممّا يقرّر ذلك، إذ قال الله (تعالى) في سورة النساء: (وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل)، وقال في سورة الأعراف: (ممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون) أي يحكمون. وللحقّ والعدل ملاحظتان: إحداهما: الحق والعدل في نفس الأمر والواقع. والأخرى: الحقّ والعدل بحسب الموازين القضائية، فالحكم على وفق البيّنة حق واعتدال في عرف هذه الملاحظة وإن أخطأت ويعاكسه الحكم على وفق شهادة الفاسق فإنه ليس حقاً ولا عدلاً وإن كان الفاسق صادقاً في خبره. والمعنى بالكلمتين في الآيتين الكريمتين إن كان هو المعنى الأول والعدل كانتا دالتين على صحة الحكم بالواقع من دون احتياج إلى البينة فإذا أحرز الحاكم ملكية شخص لمال صحّ له أن يحكم بذلك لأنه يرى أنه الحق الثابت في الواقع والحقيقة العادلة فحكمه بملكية ذلك الشخص للمال مصداق في عقيدته للحكم بالحق والعدل الذي أمر به الله (تعالى). وأما إذا فسّرنا الكلمتين في الآيتين بالمعنى الثاني أعني ما يكون حقاً وعدلاً بحسب مقاييس القضاء فلا يستقيم الاستدلال بالنصّين القرآنيين على شيء في الموضوع لأنهما لا يثبتان حينئذٍ أن أي قضاء يكون قضاء بالحق وعلى طبق النظام وأي قضاء لا يكون كذلك. ومن الواضح أن المفهوم المتبادر من الكلمتين هو المعنى الأول دون الثاني وخاصة كلمة الحق فإنها متى وصف بها شيء فهو أنّ ذلك الشيء أمر ثابت في الواقع فالحكم بالحق عبارة عن الحكم بالحقيقة الثابتة. ويدلّ على ذلك الأسلوب الذي صيغت عليه الآية الأولى فإنها تضمّنت أمراً بالحكم بالعدل وواضح جداً أن تطبيق التنظيمات الإسلامية في موارد الخصومة لا يحتاج إلى أمر شرعي لأن نفس وضعها قانوناً لقضاء معناه لزوم تطبيقها فلا يكون الأمر بالتزام القانون إلاّ تكراراً أو تنبيهاً وليس من حقيقة الأمر في شيء، وأما الأمر بالحكم على طبق الحقائق الواقعية سواء أكان عليها دليل من بيّنة وشهادة أو لا فهو من طبيعة الأمر بالصّميم لأنه تقرير جديد يوضح أن الواقع هو ملاك القضاء الإسلامي والمحور الذي ينبغي أن يدور عليه دون أن يتقيد بالشكليات والأدلة الخاصة(25). وإذن فالآيتان دليل على اعتبار علم الحاكم في قوانين القضاء الإسلامية(26). وأضف إلى ذلك أن الصديق نفسه كان يكتفي كثيراً بالدعوة المجرّدة عن البيّنة فقد جاء عنه في البخاري(27) أن النبي (صلى الله عليه وآله) لما مات جاء لأبي بكر مال من قبل العلاء بن الحضرمي فقال: من كان له علَيَّ دين أو كانت قبله عدّة فليأتنا، قال جابر: وعدني رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يعطيني هكذا وهكذا وهكذا فبسط يده ثلاث مرات فعد في يدي خمسمائة ثم خمسمائة ثم خمسمائة. وروي في الطبقات(28) عن أبي سعيد الخدري أنه قال: سمعت منادي أبي بكر ينادي بالمدينة حين قدم عليه مال البحرين: من كانت له عدّة عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) فليأت؟ فيأتيه رجال فيعطيهم فجاء أبو بشير المازني فقال: إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: يا أبا بشير إذا جاءنا شيء فأتنا، فأعطاه أبو بكر حفنتين أو ثلاثاً فوجدوها ألفاً وأربعمائة درهم. فإذا كان الصديق لا يطلب أحداً من الصحابة بالبيّنة على الدين أو العدة فكيف طلب من الزهراء (عليها السلام) بينة على النِحلة. وهل كان النظام القضائي يخص الزهراء (عليها السلام) وحدها بذلك أو أنّ الظروف السياسية الخاصة هي التي جعلت لها هذا الاختصاص؟ ومن الغريب حقاً أن تقبل دعوى صحابي لوعد النبي (صلى الله عليه وآله) بمبلغ من المال وتردّ دعوى بضعة رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأنها لم تجد بيّنة على ما تدّعيه. وإذا كان العلم بصدق المدّعي مجوزاً لإعطائه ما يدّعيه فلا ريب أن الذي لا يتهم جابراً أو أبا بشير بالكذب يرتفع بالزهراء (عليها السلام) عن ذلك أيضاً. وإذا لم يكن إعطاء الخليفة لمدّعي العدة ما طلبه على أساس الأخذ بدعواه وإنما دعاه احتمال صدقِهِ إلى إعطائه ذلك وللإمام أن يعطي أيّ شخص المبلغ الذي يراه فلماذا لم يحتط بمثل هذا الاحتياط في مسألة فدك. وهكذا أنجز الصديق وعود رسول الله (صلى الله عليه وآله) التي لم تقم عليها بيّنة وأهمل هباته المنجزة التي ادّعتها سيدة نساء العالمين (عليها السلام) وبقي السؤال عن الفارق بين الديون والعدات وبين نِحلة بلا جواب مقبول.
أولاً: عمّا منع الصديق من التقدم بالشهادة على النِحلة إذا كان عالماً بصدق الحوراء (سلام الله عليها) إذ يضّم بذلك شهادته إلى شهادة علي (عليه السلام)، وتكتمل بهما البيّنة ويثبت الحق واعتباره لنفسه حاكماً لا يوجب سقوط شهادته لأنّ شهادة الحاكم معتبرة وليست خارجة عن الدليل الشرعي الذي أقام البيّنة مرجعاً في موارد الخصومة. ثانياً: عن التفسير المقبول لإغفال الخليفة للواقع المعلوم لديه بحسب الفرض. ولأجل توضيح هذه النقطة يلزمنا أن نفرّق بين أمرين اختلطا على جملة الباحثين في المسألة. أحدهما: الحكم للمدّعي بما يدّعيه. والآخر: تنفيذ آثار الواقع وإذا افترضنا أن الأول محدود بالبيّنة فالآخر واجب على كلّ تقدير لأنّه ليس حكماً ليحدّد بحدوده فإذا علم شخص بأن بينه لآخر فسلمه لمالكه لم يكن هذا حكماً بملكيته له وإنما هو إجراء للأحكام التي نصّ عليها القانون. كما أنّ الحاكم نفسه إذا ادّعى شخص عنده ملكية بيت وكان في حيازته أو دلّ الاستصحاب على الملكية المدعاة فاللازم عليه وعلى غيره من المسلمين أن يعتبروا هذا البيت كسائر ممتلكات ذلك المدّعي وليس معنى هذا أنّ الحاكم حكم بأنّ البيت ملك لمدّعيه مستنداً إلى قاعدة اليد أو الاستصحاب وأنّ المسلمين أخذوا أنفسهم باتباع هذا الحكم بل لو لم يكن بينهم حاكم للزمهم ذلك وليس الاستصحاب أو اليد من موازين الحكم في الشريعة وإنما يوجبان تطبيق أحكام الواقع. والفارق بين حكم الحاكم بملكية شخص لمال أو فسقه ونحوهما من الشؤون التي تتسع لها صلاحيات الحاكم وبين تطبيق آثار تلك الأمور هو: امتياز الحاكم بفصل الخصومة ونعني بهذا الامتياز أنّ الحاكم إذا أصدر حكماً حرم نقضه على جميع المسلمين ولزم اتباعه من دون نظر إلى مدرك آخر سوى ذلك الحكم. وأما تطبيق القاضي لآثار الملكية عملياً بلا حكم فلا يترتّب عليه ذلك المعنى ولا يجب على كلّ مسلم متابعته وإجراء تلك الآثار كما يجريها إلاّ إذا حصل له العلم بذلك كما حصل للحاكم. والنتيجة: إن الخليفة إذا كان يعلم بملكية الزهراء (عليها السلام) لفدك، فالواجب عليه أن لا يتصرّف فيها بما تكرهه ولا ينزعها منها سواء أجازله أن يحكم على وفق علمه أو لا. ولم يكن في المسألة منكر ينازع الزهراء (عليها السلام) ليلزم طلب اليمين منه واستحقاقه للمال إذا أقسم لأنّ الأموال التي كانت تطالب بها الزهراء (عليها السلام) إمّا أن تكون لها أو للمسلمين. وقد افترضنا أنّ أبا بكر هو الخليفة الشرعي للمسلمين يومئذٍ، وإذن فهو وليهم المكلّف بحفظ حقوقهم وأموالهم فإذا كانت الزهراء (عليها السلام) صادقة في رأيها ولم يكن في الناس من ينازعها فليس للخليفة أن ينتزع فدكاً منها وتحديد الحكم بالبيّنة خاصة إنما يحرم الحكم ولا يجيز انتزاع الملك من صاحبه. وإذن فعدم جواز حكم الحاكم على وفق علمه لا يخفّف من صعوبة الحساب ولا يخرج الخليفة ناجحاً من الامتحان. |
|
16 - راجع سيرة ابن هشام: ج 2 ص 239، وتاريخ الكامل: ج 2 ص 85، وشرح النهج: ج 4 ص 78. 17 - سورة مريم: الآية 5 - 6. 18 - وتقوم الفكرة في هذه النظرية على أنّ الصور المعقولة - وهي عبارة عن وجود مجرد عن المادة - لا قوام لها إلاّ بكونها معقولة فالمعقولية نفس هويتها وتجريدها عن العاقل تجريد لها عن نحو وجودها الخاص. وهذا آية الوحدة الوجودية، وإذن فتدرج النفس في مراتب العلم هو تدرجها في أطوار الوجود وكلما صار الوجود النفسي مصداقاً فالمفهوم عقلي جديد زاد في تكامله الجوهري وأصبح من طراز أرفع، ولا مانع مطلقاً من اتحاد مفاهيم متعدّدة في الوجود كما يتحد الجنس والفصل، وليس ذلك كالوحدة الوجودية لوجودين أو الوحدة المفهومية لمفهومين فإن هاتين الوحدتين مستحيلتان في حسب العقل دون ذاك الاتحاد والتوسع لا مجال له. 19 - فإن الحق تجرّد جميع مراتب العلم والصور المدركة ولكن على تفاوت في مراتب التجريد فإنّ المدرك بالذات لا يمكن أن يكون نفس الشيء بهويته المادية فحتى المدرك بحاسة البصر له نحو من التجرد وليس في نورية خروج الشعاع أو الانطباع وما ثبت حول الرؤية في علم المرايا أو بحوث الفيزياء ما يفسّر الإدراك البصري تفسيراً فلسفياً فلابد من الاعتراف بتجرده فضلاً عن الخيال والعقل وقد أوضحنا هذا المذهب في كتابنا [العقيدة الإلهية في الإسلام]. 20 - لا قياماً حلولياً بمعنى كونها أعراضاً لها وإنما ذهب هذا المذهب بعض الفلاسفة لحل المشكلة التي اعترضت الباحثين عندما أرادوا أن يوفقوا بين أدلة الوجود الذهني وبين ما اشتهر من كون العلم كيفاً وهي أنّ الصورة المعقولة إذا كانت كيفاً فما نتعلقه من الإنسان ليس جوهراً لأنه كيف وليس إنساناً إذن لأن كل إنسان جوهر وإنما هو مثال. ولما أفلست جميع الحلول التي وضعت لحل الشبهة من إنكار الوجود الذهني وتقرير مذهب المثالية، واختيار التعدد وكون العلم عرضاً والمعلوم جوهراً وتفسير الجوهر بأنه الموجود المستقل خارجاً لا ذهناً، والانقلاب: اضطر الباحثون المتأخرون إلى تقرير أنّ الصورة المعقولة من الجوهر جوهر لا كيف غير أن الفيلسوف الإسلامي الكبير صدر الدين الشيرازي اختار في الأسفار أنها جوهر بحسب ماهيتها وكيف بالعرض. ويمكن الاعتراض عليه بأنّ كل ما بالعرض لابدّ أن ينتهي إلى ما بالذات، وإذن، فلابدّ أن نفترض كيفاً حقيقياً متحداً مع الصورة لتكون كيفاً بالعرض وتنتهي النظرية حينئذٍ بصاحبها إلى أحد أمرين إما الالتزام بتعدد ما في النفس أو الاصطدام بالمشكلة الأولى نفسها، ولذا كان الأفضل تقرير أن الصورة المدركة من الإنسان مثلاً جوهر وليست بعرض اطلاقاً وارتباطها بالنفس ارتباط المعلول بالعلة لا العرض بموضوعه. 21 - والجملة خبرية وليست إنشائية لأن إنشاء حكم على الأنبياء بعد وفاتهم وانقراض ورثتهم لا معنى له، وحينئذٍ فالتخصيص يستلزم مجازية الاستعمال وليس شأن صيغة الحديث شأن الجمل الإنشائية التي يكشف تخصيصها عن عدم إرادة الخاص بالإرادة الجدية ويقدم لذلك على سائر التأويلات والتجوزات بل هي خبرية، والجملة الخبرية إذا خالفت الإرادة الاستعمالية فيها الجد والحقيقة كانت كذباً فتخصيصها يستلزم صرفها إلى المعنى المجازي وحينئذٍ فلا يرجع على تجوز آخر إذا دار الأمر بينهما. 22 - وقد جاءت الرواية مصرحة بأن عمر أرسل رسولاً إلى سعد ليقتله إن لم يبايع فلما أبى سعد قتله الرسول راجع: العقد الفريد: ج 3 ص 63. 23 - راجع: صحيح مسلم: ج 2 ص 331. 24 - رواه الإمام أحمد في مسنده: ج 3 ص 295، عن أنس وأخرجه الحاكم أيضاً وشهد بصحته. 25 - وإذا أردنا أن نترجم هذا المعنى إلى اللغة العلمية قلنا: إنّ الأمر على التقدير الثاني يكون إرشادياً إذ لا ملاك للأمر المولوي في المقام حيث إن المأمور اتباعه هو بنفسه كاف للبعث والتحريك فظهور الأمر في المولوية يقضي بصرف لفظة العدل إلى المعنى الأول لجواز الأمر مولوياً باتباع الواقع فيما إذ دلّت عليه البيّنة خاصة وإمكان الأمر باتباعه مطلقاً. وأنا اعتذر عن عدم استعمال الاصطلاحات العلمية الدائرة في مباحث المنطق والفلسفة والفقه والأصول - إلا حين اضطر إلى ذلك اضطراراً - لأنني أحاول أن تكون بحوث هذا الفصل مفهومة لغير المتخصصين في تلك العلوم. 26 - إن قيل: إنّ الحديث الوارد عن أهل البيت فيمن قضى بالحق وهو لا يعلم الحكم باستحقاقه للعقاب يدل على عدم كون القضاء من آثار الواقع فيدور الأمر بين صرف هذه الرواية عن ظهورها في عدم نفوذ الحكم وحمل العقاب فيها على التجري وبين صرف الكلمتين إلى المعنى الثاني قلت: لا وجه لكلا التأويلين بل الرواية المذكورة مقيدة للآيات بصورة العلم فيكون موضوع القضاء مركباً من الواقع والعلم به وبتعبير آخر من آثار الواقع الواصل. 27 - صحيح البخاري: ج 3 ص 180. 28 - الطبقات: ج 4 ص 134. |