فهرس الكتاب

مكتبة فاطمة الزهراء

مكتبة الموقع

الصفحة الرئيسية

 

القسم الثامن

ثم استنهضكم فوجدكم خفافا

وقور عند الهزاهز

مسألة: يحرم على الإنسان أن يكون (ألعوبة) بيد الشيطان و(أداة طيّعة) بيده، أو بيد سائر قوى الشر والضلال، بحيث يجده (خفيفا) عند الاستثارة (غضوبا) عند التهيج. بل على الإنسان أن يكون وقوراً عند الهزاهز، ملازماً للحق، بحيث لايميل إلى هذا الجانب وذاك، فان البعض (تستفزه) الأحداث فينفجر ضد الحق أو يتخذ قرارات مرتجلة.

وعلى الإنسان أيضاً أن لا يكون مستسلما للعواطف السيئة أو مهبا لها، كالغضب والشهوة والجبن والخوف والشرر وما أشبه ذلك، بل يجب عــليه أن يكون ثــقيلاً في الحــق، كـــما قال أميـــر المؤمنين علي (عليه الصلاة والسلام) لولده: «تزول الجبال ولا تزل»(1).

وقال (عليه السلام): «كن في الشدائد صبوراً وفي الزلازل وقوراً»(2).

وعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «ينبغي للمؤمن أن يكون فيه ثمان خصال: وقور عند الهزاهز، صبور عند البلاء، شكور عند الرخاء، قانع بما رزقه الله، لايظلم الأعداء، ولا يتحامل للأصدقاء، بدنه منه في تعب، والناس منه في راحة»(3).

وعنه (عليه السلام) قال: «صفة المؤمن: قوة في دين، وحزم في لين، وإيمان في يقين، وحرص في فقه، ونشاط في هدى، وبر في استقامة، واغماض عند شهوة، وعلم في حلم، وشكر في رفق، وسخاء في حق، وقصد في غنى، وتجمل في فاقة، وعفو في قدرة، وطاعة في نصيحة، وورع في رغبة، وحرص في جهاد، وصلاة في شغل، وصبر في شدة، وفي الهزاهز وقور، وفي المكاره صبور، وفي الرخاء شكور..» الحديث(4).

ولا يكون كما قال الشاعر:

كريشة فـــي مــهب الريح طائشة             لا تســـتقر على حــــال مـن القلق

قولها (عليها السلام): (ثم استنهضكم) يعني: أن الشيطان أولاً هتف بكم فلما رآكم قد استجبتم له طلب نهوضكم بالأمر، فإن كلَ مبطل أو محق يدعو الناس أولاً بالقول، فإذا رأى فيهم الاستجابة النفسية وما أشبه وعلى صعيد الكلمات والشعارات أيضاً، دعاه ذلك إلى دعوتهم للعمل ووضع المخطط العملي لهم.

(فوجدكم خفافا) أي في الحركة، سراعا فيها، مبادرين إلى ما دعاكم إليه ولستم بثقالٍ تلزمون الحق، كما قال سبحانه وتعالى بالنسبة إلى فرعون (فاستخف قومه فأطاعوه)(5).

 

الأصل: النهضة أم التحفظ؟

مسألة: هل الأصل (النهضة) و(التحرك)؟

أم الأصل (الاحتياط) و(التحفظ)؟

أم الأصل (إحقاق الحق)؟

الظاهر انه ليست النهضة أصلاً ولا الثورة ولا الحركة، إذ قد يستنهض الشيطان الناس للثورة على وضع قائم، كما قالت (صلوات الله عليها): (ثم استنهضكم فوجدكم خفافا) وكما في الثورات الشيوعية والانقلابات العسكرية، ثم انه قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «إن الحسن والحسين إمامان قاما وإن قعدا»(6).

وليس الأصل السكون والتحفظ أيضاً، قــال تعــالى: (يا أيها الذين آمــنوا ما لكم إذا قـــيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض)(7).

وفي الحديث: «الساكت عن الحق شيطان أخرس».

و: «أفضل الجهاد كلمة حق عند إمام ظالم»(8).

وفي بعض الأحاديث: «عند سلطان جائر»(9) و..

بل (إحقاق الحق) هو الأصل، فقد تكون النهضة والثورة طريقا اليه، وقد يكون السكون والتحفظ كذلك، قال (عليه السلام): «كن في الفتنة كابن اللبون لا ظهر فيركب ولا ضرع فيحلب»(10).

وقد يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عبر أسلوب المقاومة السلبية: من عدم التدريس، الجلوس في الدار، وعدم الذهاب للعمل، وسائر ما يسمى اليوم بالعصيان المدني.

وكان أمير المؤمنين (عليه صلوات الله وسلامه) هو أول من استخدم أسلوب المقاومة السلبية ضد الحكومة الجائرة، وكانت السيدة الزهراء (عليها السلام) هي أول من استخدمت ذلك الأسلوب كذلك. ومن هذا الباب نرى أن الإمام الحسن (عليه السلام) صالح معاوية والإمام الحسين (عليه السلام) حارب يزيد والتفصيل في محله.

ومثل ما ذكرناه ما جاء في السكوت وما أشبه، فقد سئل (عليه السلام) عن الكلام والسكوت أيهما أفضل؟ فقال (عليه السلام): «لكل واحد منها آفات، فإذا سلما من الآفات فالكلام أفضل من السكوت، قيل وكيف ذاك يابن رسول الله، قال لأن الله عزوجل ما بعث الأنبياء والأوصياء بالسكوت، إنما يبعثهم بالكلام، ولااستحقت الجنة بالسكوت، ولا استوجب ولاية الله بالسكوت، ولا توقيت النار بالسكوت، ولا تجنب سخط الله بالسكوت، إنما ذلك كله بالكلام، وما كنت لأعدل القمر بالشمس، انك تصف فضل السكوت بالكلام ولست تصف فضل الكلام بالسكوت»(11).

وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): «السكوت عند الضرورة بدعة»(12).

وقال (عليه السلام): «لا خير في السكوت عن الحق كما انه لا خير في القول بالجهل»(13).

وقال (عليه السلام): «رأس الحكمة لزوم الحق وطاعة المحق»(14).

وقال (عليه السلام): «خير الأمور ما أسفر عن الحق»(15).

وقال (عليه السلام): «الحق أحق أن يتبع»(16).

وقال (عليه السلام): «الزموا الحق تلزمكم النجاة»(17).

وقال (عليه السلام): «من نصر الحق أفلح» وفي رواية (غنم)(18).

وقال (عليه السلام): «قولوا الحق تغنموا، واسكتوا عن الباطل تسلموا»(19).

 

واحمشكم(20) فألفاكم غضابا(21)

من أسلحة الشيطان

مسألة: يلزم التعرف على (أسلحة الشيطان)، فإن التعرف على أسلحة العدو من أهم عوامل المقدرة على التصدي لها ومواجهتها، ومن أهمها القوة الغضبية والعصبية الجاهلية والقومية والعائلية وغيرها.

كما قالت (صلوات الله عليها): (وأحمشكم) فقد أثار فيهم الشيطان العصبية والحسد ضد وصي الرسول الإمام علي (عليه السلام) فقد كان قتل منهم بأمر من الله ورسوله ـ كثيراً وذلك إبان مواجهتم للرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) في المعارك والغزوات؟

فقالوا: كيف تجتمع النبوة والخلافة في بيت واحد؟

وكيف يتأمر عليهم من عرفوه بـ (شدة تنمره في ذات الله)، ولو حكم لحملهم على الحق مره وحلوه.

فالعصبية العائلية كانت سببا، والأضغان الشخصية كانت سببا آخر، والحسد كان عاملاً ثالثاً كما قال تعالى: (أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله)(22).

وقـد نزلت هذه الآية في أمير المؤمنين والأئمة أهل البيت (عليهم السلام) حيث حسدهـم الناس(23).

والخوف على المصالح الشخصية كان العامل الرابع.. إلى غير ذلك.

قولها (عليها السلام): (واحمشكم) أي: أغضبكم الشيطان، (فألفاكم غضابا): أي وجدكم تغضبون لغضبه.

ولا يخفى أن (حمش) و(حشم) كلاهما ورد بمعنى: أغضَبَ.

وفي بعض النسخ: (واحمشكم فألفاكم عطافا) من العطف بمعنى الميل، وهذا يصح على كل معنيي حمش(24): (أغضبكم فوجدكم مائلين إليه) أو (جمعكم فوجدكم منعطفين إلى ما جمعكم عليه).

وعلى إرادة معنى (الجمع) تكون هذه الفقرة مشيرة إلى معنى جديد زائد على (استنهضكم) كما كانت على ذلك المعنى مشيرة إلى معنى آخر.

 

الشيطان وسياسة الخطوة خطوة

مسألة: يتضمن كلامها (صلوات الله عليها) الإشارة إلى أسلوب ماكر يستخدمه إبليس وشياطينه، فان من أقوى أسلحة الشيطان الرجيم في اصطياد المؤمنين هو (التدرج) في استدراجهم، فهو يزين للإنسان النظرة، ثم الابتسامة، ثم الحديث، ثم اللقاء، ثم الزنا بالأجنبية، وهو يزين للإنسان السكوت عن الظالم، ثم فتح حوار معه، ثم زيارته، ثم الذوبان في بحر عطاءاته حتى النخاع.. وهكذا وهلم جرا.

فقد (اطلع الشيطان رأسه من مغرزه)، (هاتفا بكم)، (فألفاكم)، (ثم استنهضكم)، (واحمشكم)…

وذلك من أسرار ما ورد من قوله (عليه السلام) (اشد الذنوب ما استهان به صاحبها)(25).

وفي الحديث أن: (السيئات بعضها آخذ بعنق بعض).

وفي الآية الشريفة: (سنستدرجهم)(26).

فيجب الحذر والاحتياط عند أول خطوة، وان كانت في حد ذاتها غير محرمة، فان (لكل ملك حمى وان حمى الله محارمه، فمن رتع حول الحمى أوشك أن يقع فيه)(27) و(أخوك دينك فاحتط لدينك)(28).

وهذا الاسلوب يستخدمه الشيطان مع من له بعض القوة والحصانة، أما هشّ الإيمان فانه يستجيب له بمجرد إشارة واحدة فقط، وقد كان البعض كذلك.

ولعل كلامها (عليها السلام) منصرف إلى القسم الأول، أما القسم الثاني فكانوا على وفاق مسبق معه، وكانوا يخططون للأمر قبل وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله) بل منذ إسلامهم الظاهري(29).

 

فوسمتم غير ابلكم، ووردتم(30) غير شربكم(31)

التصرف في ملك الغير

مسألة: يحرم ـ حرمة نفسية ومقدمية ـ: أن يسم الإنسان غير ابله وأن يرد غير مشربه، فان التصرف في ملك الغير أو حقه لا يجوز إلا بإذنه، قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض)(32).

وقال (عليه السلام): «لئلا يتوى حق امرئ مسلم»(33).

وجهان للقضي

قولها (عليها السلام): (فوسمتم غير ابلكم) الوسم عبارة عن: الكي، ووضع علامة على الشيء يعرف بها انه ملك لهذا الشخص أو لذاك، وهذا تشبيه لاخذهم الخلافة وغصبهم فدك بمن يستولي على ابل غيره فيجعلها لنفسه غصبا ونهبا، كمن يسم ابل الناس بسمة نفسه حتى يستولي عليه ويستملكه متذرعا بالعلامة، وكمن يدخل ويرد على غير مشربه فانه غاصب للمشرب.

ولكلامها (عليها السلام): هنا (عقدان) عقد سلب وعقد إيجاب: فما ليس لهم قد وسموه، وما هو لغيرهم لم يسمحوا له بوسمه والتصرف فيه.

وبعبارة أخرى: الخلافة ليست لكم بل هي لغيركم، والتصرف فيها كان لغيركم فاتخذتموه لأنفسكم.

قولها (عليها السلام): (ووردتم غير شربكم) وفي بعض النسخ (أوردتم) وفي بعضها (وأوردتموها شربا ليس لكم) وفي بعضها (مشربكم)(34) والكل بمعنى واحد تقريباً.

(الورد)(35): عبارة عن الحضور على الماء والصيرورة إليه.

كما قال سبحانه في قصة موسى (عليه السلام): (ولما ورد ماء مدين)(36).

فانهم أوردوا آبالهم على ماء غيرهم.

و(الشرب) بالكسر عبارة عن: الحظ من الماء، لان الجماعة التي لها البئر أو النهر، يكون لكل واحد منهم حظ فيه، من ساعة أو ساعتين أو اكثر أو اقل، وهاتان الجملتان كنايتان عن اخذ القوم ما ليس لهم بحق من الخلافة والإمامة وفدك وغير ذلك كما وضحناه.

ثم إن الحرمة تترتب على كلا المعنيين: الحقيقي والمجازي الكنائي(37) كما لايخفى.

وان وسم ابل الغير محرم نفسي بما هو تصرف في ملك الغير، وطريقي باعتبار كونه مقدمة للاستيلاء والتملك وتثبيت ذلك.

وادعاء الخلافة أيضاً لغير وصيه (صلى الله عليه وآله) محرم نفسي ومقدمي، فان نفس هذا الادعاء ـ من غير أهله ـ بما هو هو محرم نفسي، وبما هو طريق إلى فعلية الغصب للخلافة محرم مقدمي.

مصادرة الحقوق

مسائل: تحرم مصادرة حقوق الآخرين، وانتهاك حرمتهم، كما يحرم (تبرير) ذلك و(التعليل) له و(تغطيته) تحت عنوان (المصلحة العامة) أو ما أشبه ذلك، فانه إغراء وتلبيس وخداع وتضليل كما هو شأن كل طاغ وجبار وجائر، ويحرم تبرير الآخرين متحلقين وغيرهم عمل الجائر أيضاً.

وقد علل القوم مصادرتهم الخلافة وغصبهم حق الإمام علي (عليه السلام) بـ (لأن فيه دعابة)(38)، ولأن كلمة العرب لا تجمع عليه لكثرة من قتل منهم إبان مواجهتهم للرسول (صلى الله عليه وآله)، ولانه حدث السن، وكما قالت (عليها السلام) (ابتدارا زعمتم خوف الفتنة) وشبه ذلك.

وحقيقة الأمر غير ذلك كما صرحت به السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) إذ السبب الحقيقي كان (ظهر فيكم حسكة النفاق.. وهدر فنيق المبطلين.. واطلع الشيطان رأسه من مغرزه.. هاتفا بكم.. ثم استنهضكم.. واحمشكم..) (فـ ) والفاء للتفريع (وسمتم غير ابلكم..).

وعلى ضوء كلامها (عليه السلام) نعرف السبب الحقيقي وراء مصادرة الحكومات الجائرة أملاك الناس وثرواتهم وتأميم بعضها للشركات الكبرى والمعادن والصناعات الأم وغيرها.

ثم إنه تشمل التكنية بـ (وسمتم غير ابلكم ووردتم غير مشربكم): سرقه (الاعتبار)، كما كان صفة القوم يومذاك، وهو مشمول لاطلاق كلامها (عليها السلام)، وكما يصنعه (سراق الثورة) والذين يتخذون سياسة ركوب الموج وأشباههم.

وكان من ذلك سرقة ألقاب أمير المؤمنين ومولى الموحدين علي ابن ابي طالب (عليه السلام)(39).

ومنه سرقة الفضائل والأمجاد والبطولات والتاريخ المشرق أيضاً(40).

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «خذوا بحجزة علي (عليه السلام) فانه الصديق الأكبر وهو الفاروق يفرق بين الحق والباطل، من أحبه هداه الله ومن أبغضه أبغضه الله، ومن تخلف عنه محقه الله»(41).

وقال (صلى الله عليه وآله): «يا علي أنــت إمام المسلمين وأميـــر المؤمنين… يا عـــلي أنت الفاروق الأعظم وأنــت الصديق الأكــبر»(42).

وورد في زيارته (عليه السلام): «السلام عليك أيها الصديق الأكبر، السلام عليك أيها الفاروق الأعظم»(43).

وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «علي سيف الله على أعدائه»(44).

وقال أمير المؤمنين(عليه السلام): «أنا سيف الله على أعدائه ورحمته على أوليائه»(45).

جواز الكناية

مسألة: الكناية في الخطاب جائزة، بل هي مما قد يحسن ويرجح، وليست الكناية كذباً كما سبقت الإشارة إليه، والكتاب والسنة مليئان بذلك، ومنه كلامها(عليها السلام) هاهنا: (فوسمتم غير ابلكم ووردتم غير مشربكم).

فان الميزان في الكذب ليس حجم الكلام ولا هيكله وشكله، ولذا قالوا خرج عن الكذب التورية والمبالغة والإغراق والكناية(46).

والفرق بين المبالغة والإغراق: إن المبالغة فوق الواقع بقليل، أما الإغراق فهو فوق الواقع بكثير، فقد يقول: استقبله من أهل المدينة مائة، وقد يقول: استقبله كل أهل المدينة، بينما في الأول لم يستقبله مثلا إلا ثمانون وفي الثاني لم يستقبله إلا نصف أهل المدينة.

وهكذا خرج عن الكذب مثل الاستهزاء وما أشبه، لان الاستهزاء ليس من مقولة الخبر، بل من مقولة الإنشاء، والإنشاء لا مسرح للكذب والصدق فيه.

نعم قد يكذب الإنشاء باعتبار كونه طريقا إلى الخبر، مثلا يقول: تفضل إلى دارنا، فانه انشاء، لكنه يجاب بأنك تكذب، ويراد تكذيب قصده الواقعي، أي ما أراده أن يفهمنا بالكلام، يعني انك لا تقصد (الدعوة) عن جدّ، وانما تقصده خداعا أو هزلا كما ذكرناه في حاشية المنطق(47).

 

هذا والعهد قريب

حرمة نقض العهد

مسألة: يحرم نقض العهد، وأشد منه حرمة بل هو من أشد الكبائر: نقص عهد الله ورسوله، ومثل نقض عهد بيعة الغدير يعد من الكبائر الموبقة.

وذلك بدلالة العقل والنقل.

وهذا بخلاف الوعد، فان المشهور بين الفقهاء عدم حرمة خلفه، وان كان الوفاء بالوعد من الصفات الحسنة.

والفرق بين العهد والوعد، ان العهد ما يقع في العهدة، وأما الوعد فهو ما يتلفظ به مع القصد من دون أن يكون كذلك، فالعهد آكد من الوعد، ومن هذه الجهة يقال: (العهود بين الدول)، و(المعاهدات الدولية)، ولا يقال الوعود بين الدول، إلى غير ذلك.

ومن تلك الفروق: أن العهد عقد وليس الوعد عقداً.

وإذا علمنا بأن العهد واجب الوفاء فما بالك بعهد يعهده رسول رب العالمين(صلى الله عليه وآله) إلى الأمة؟ ـ وهي خلافة أمير المؤمنين علي (عليه السلام) ـ خاصة مع تأكيداته المتكررة بأنه عهد عهده الله إليه ليبلغه الأمة؟!. كما في القرآن الحكيم: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وان لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس)(48).

وقال تعالى: (وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم)(49).

وقال سبحانه: (الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل)(50).

وقال تعالى: (وبعهد الله أوفوا)(51).

وقال سبحانه: (وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا)(52).

وقال تعالى: (وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم)(53).

وقد ورد في العديد من الروايات تفسير العهد بولاية أمير المؤمنين وإمامته وخلافته.

ففي تفسير القمي في الآية المباركة: (الذين ينقضون عهد الله)(54) قال: «نزلت هذه الآية في آل محمد وما عاهدهم عليه وما أخذ عليهم من الميثاق في الذر من ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام) والأئمة من بعده، وهو قوله: (الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه) يعني أمير المؤمنين (عليه السلام) وهو الذي أخذ الله عليهم في الذر، وأخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله) بغدير خم»(55).

والكلم رحيب

وروي أيضاً في تفسير قوله تعالى: (واوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولاتنقضوا الإيمان بعد توكيدها)(56) عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنها نزلت في ولاية أمير المؤمنين(57).

إلى غيرها(58).

 

والكلم رحيب

قولها (عليها السلام): (والكلم رحيب) أي الجرح، فان الكلم عبارة عن الجرح، والرحيب بمعنى وسيع، لان موت الإنسان يحدث جرحاً عميقاً واسعا في نفوس أقربائه وأودائه ثم يتجمع الجرح حتى يندمل، وفي هذا إلفات إلى انه لم يمض على وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله) سوى ساعات حتى اجتمعوا في السقيفة، وكلامها(عليها السلام) هذا يدل على شدة حرمة ما فعله القوم.

 

والجرح لما يندمل

وجوب إحياء أمرهم (عليهم السلام)

مسألة: يمكن التمسك بكلامها (عليها السلام) هنا ـ وبدلالة الاقتضاء(59) ـ دليلا أخر على وجوب إبقاء مصاب الرسول (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام)، حيا في القلوب، طريا على الألسن، ظاهرا على الجوارح كشعيرة من شعائر الله.

فان عدم اندمال الجرح حقيقة ـ أو تنزيلا عبر ما يقوم به مقامه(60) ـ هو من اكبر أسباب إدانتهم، ومن اكبر عوامل فضح الظلمة والجائرين، ومن مقومات ردع من تسول له نفسه اتخاذ منهجهم والسير على دربهم، وهو (إنذار) و(إرشاد) و(تنبيه) كما لا يخفى.

وقد كان من علل بكائها (عليها السلام) تذكير الناس بمصاب الرسول (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام) وابقائه حيا طريا، إحياءً لذكراه (صلى الله عليه وآله) ولكلماته ومنهجه ومدرسته، إضافة إلى فضحهم كما كان ذلك من علل بكاء الإمام السجاد (عليه السلام) عشرين أو أربعين سنة(61).

وكلامها (عليها السلام) في خطبتها في المسجد وغيرها كانـت ولا تــزال مــن أهم العلــل

لتحول تلك المصائب والرزايا الكبرى إلى صور حية متجسدة أمام النواظر، متجذرة في النفوس، حارة في القلوب إلى يوم القيامة، فهي تذكرنا دائماً بالمؤامرة على منهج الرسول (صلى الله عليه وآله) والصراط المستقيم، وتدعونا للعودة إلى ما أكد (صلى الله عليه وآله) عليه مكررا بقوله: (كتاب الله وعترتي أهل بيتي)(62).

فان موت الرسول (صلى الله عليه وآله) خلف في القلوب جرحاً، ولم يطل الزمان حتى يندمل الجرح وينسى الناس وفاته، أي كيف فعلتم هذه الفعلة مع أن الرسول (صلى الله عليه وآله) لم يدفن بعد، فقد اجتمعوا في السقيفة قبل دفن الرسول (صلى الله عليه وآله) وفعلوا ما فعلوا.

وذكر بعض العلماء أن حكمة إبقاء الإمام أمير المؤمنين علي (عليه السلام) جسد الرسول (صلى الله عليه وآله) ثلاثة أيام يصلى عليه، بالإضافة إلى إرادة صلاة الناس عليه، انه أراد أن لا يترك لهم عذراً يدفعهم إلى نبش القبر بحجة الصلاة على الرسول (صلى الله عليه وآله) ولا عذرا يدفعهم حتى إلى مجرد طرح هذا الأمر في المجالس وتردده على الألسنة، فانه هتك حرمة بنفس هذا المقدار، كما حدث بالنسبة للسيدة الزهراء (عليه السلام) حيث أرادوا نبش القبر والصلاة عليها، ولكنها (عليها السلام) كانت قد أوصت بتجهيزها ليلاً حتى تثبت مظلوميتها للعالمين ولكي تسلب الشرعية ممن آذوها وغصبوا حقها وحق بعلها (صلوات الله عليهما).

التفاعل مع مصاب الزهراء (عليها السلام)

مسألة: يحرم عدم التفاعل مع ما ورد على الزهراء (عليها السلام) من المصائب، وعدم الاهتمام بما ورد عليها (صلوات الله عليها).

وقد ورد في مستفيض الأحاديث بل متواترها ـ ولو تواترا معنوياً أو إجماليا ـ (شيعتنا منا خلقوا من فاضل طينتنا يفرحون لفرحنا ويحزنون لحزننا)(63).

وقد صح عن الفريقين غضبها (صلوات الله عليها) على الشيخين(64) وايذائهما لها(عليها السلام)(65)، كما ثبت عند الفريقين قوله (صلى الله عليه وآله): «إن الله يرضى لرضى فاطمة ويغضب لغضبها»(66)، وقوله (صلى الله عليه وآله): «من آذاها فقد آذانـي ومــن آذانــي فقــد آذى الله»(67).

هذا وقد قال سبحانه: (إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذاباً مهينا)(68).

وكيف لا يتفاعل المؤمن مع من بغضبها يغضب الرب الجليل؟(69).

ثم إن المراد بـ(الجرح لما يندمل) قد يكون: الأعم من جرح موت الرسول(صلى الله عليه وآله) ومما ورد عليها من الجراح، وفي قصة حرق الدار وعصرها بين الحائط والباب وكسر الضلع وإسقاط الجنين وغير ذلك مما هو مذكور في التواريخ.

وقد يكون المراد من (والجرح لما يندمل) جرحها فقط.

وكلا الأمرين جائز فان الجرح مادي ومعنوي، والجامع أنه جرح، ولذا قال الشاعر:

جراحات السنان لها التيام ولا يلتام ما جرح اللسان

ولعل الآية المباركة أيضاً يراد بها الاثنان، قال سبحانه: (إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله)(70).

والرسول (صلى الله عليه وآله) لما يقبر

ومن المعلوم انه أصابتهم في الحرب قروح نفسية وقروح بدنية، لان الحرب لها أهوال ومخاوف، كما ان لها جروحا ومعاطب.

ولا يخفى أن كل واحد من القرح والجرح يطلق على الآخر مع انفراده، أما مع اجتماعه فالجرح ما يجرح والقرح يراد به الدمل ونحوه.

 

والرسول (صلى الله عليه وآله) لما يقبر

عدم دفن الرسول (صلى الله عليه وآله)

مسألة: من المحرمات ترك الرسول (صلى الله عليه وآله) دون تكفين وغسل ودفن والاشتغال بما اشتغلوا، ووجه الحرمة فيه إضافة إلى كونه مخالفه لواجب مسلم(71) أنه(72) إهانة بالنسبة إلى الرسول (صلى الله عليه وآله) كما هو إهانة بالنسبة إلى كل ميت له شيء من الاحترام، والإهانة محرمة مطلقا خصوصا بالنسبة إلى عظماء الدين فكيف بالرسول (صلى الله عليه وآله) الذي هو اعظم من كل عظيم، مضافاً إلى أن القضية كانت مؤامرة ضد وصي الرسول (صلى الله عليه وآله) وخليفته المنصوص عليه.

ووجه احتجاجها (عليها السلام) بـ (الرسول لما يقبر) هو: الجوانب النفسية والطريقية وما أشبه مطابقة أو تضمناً أو التزاما، لذلك الترك.

ويدل عليه أيضاً قولها (عليها السلام) بعد قليل: (ألا في الفتنة سقطوا) فان (السقوط) امتد بامتداد الزمن وفي شتى الجهات.

توضيح ذلك: ان تركه (صلى الله عليه وآله) دون غسل وكفن ودفن محرم نفسي كما كان حراما من جهة طريقيته إلى الانشغال بغصب الخلافة، ومن جهة طريقيته أيضاً باعتبار كونه فتح باب لأمثال ذلك، ـ متعللين بعذر أو بآخر ـ كما جرى بالنسبة إلى سيد الشهداء الإمام الحسين (عليه السلام) حيث تركه القوم هووأصحابه دون غسل وكفن ودفن، وكما فعلوا مع زيد بن علي (عليه السلام) بعد صلبه، إلى غير ذلك، وهذه السنة السيئة قد سنّوها من ذلك اليوم فعليهم وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة.

إشارات

المراد من (والعهد قريب) أي عهدكم بوصايا رسول الله (صلى الله عليه وآله) في أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، وفي تعيينه خليفة من بعده، وذلك يوم الغدير وغيرها.

ويحتمل إرادة العهد برسول الله (صلى الله عليه وآله) وهذا أيضاً بذلك اللحاظ، بقرينة ما سبقه من الجمل(73).

فانهم في حياة الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) لم يكن بمقدورهم المخالفة العلنية بهذا النحو وبهذه الدرجة وان خالفوا بانحاء آخر، لكنهم بعد وفاته (صلى الله عليه وآله) بادروا إلى الانقلاب على الأعقاب بسرعة قياسية.

و(قريب) إشارة إلى الامتداد الزمني، وهو الكم المتصل غير القار.

و(رحيب) إشارة إلى السّعة، هو كم متصل قارّ.

و(لما يندمل) إشارة إلى العمق، وهو من لوازم السعة أيضاً.

و(لما يقبر) إشارة إلى طرف آخر للإضافة، فان نقضهم لبيعة الغدير له إضافتان:

أولهما: إلى العهد والميثاق نفسه.

وثانيهما: إلى صاحبه ومن عقده(74).

ومن الواضح أن الجريمة تكون أقبح وأسوأ بلحاظ الإسناد، ومتعاكسة في الجهة، ومساوية في القوة مع درجة من أجرم بحقه.

وله إضافة ثالثة أيضاً: إلى (من عقد له)(75).

ورابعة: إلى (الأمة).

وخامسة: إلى (الأجيال القادمة)، فان نقضهم لبيعة الغدير كان جريمة بحق الأمة وبحق كل الأجيال اللاحقة، إذ شرعوا بذلك طريق الفساد والاستبداد والضلال والإضلال إلى يومنا هذا.

وهناك إضافة سادسة أيضاً: إلى (أنفسهم) إذ بذلك النقض، خسروا الدنيا والآخرة، وذلك هو الخسران المبين.

قولها(عليها السلام): (هذا) أي الانقلاب على الأعقاب والاغتصاب للحق البديهي ووسم غير ابلهم وورود غير مشربهم، (و) الحال أن (العهد) برسول الله (صلى الله عليه وآله) (قريب) إلى درجة كبيرة بل مذهلة، فان (الرسول لما يقبر) وهذا يتضمن مزيد إدانة لهم عقليا وعقلائيا وإنسانيا وعاطفيا…

ثم إنه يمكن أن يعد ذلك دفعا لدخل مقدر وإجابة على سؤال مفترض، اذ قد يتعلل بمخالفة القرار الصادر عن القيادة بـ (النسيان) أو بـ (بتغير الظروف)، وطرو مستجدات غيرت المعادلة، لكن (هذا والعهد قريب، والرسول لما يقبر) فأي عذر بعدها لكم؟ مع قطع النظر عن الجواب باستحالة كون هذا العهد مما يقبل التغير على كل الظروف.

وأما التعلل بخوف الفتنة فهو ما ستشير إليه (عليها السلام) في ما سيأتي.

ثم إن نقض العهد والحال انه قريب، يكشف عن مزيد من خبث الباطن وعن مدى انقيادهم للشيطان الرجيم، كما أن في الجانب الآخر المسارعة إلى مغفرة من الرب تكشف عن سمو النفس وقوة العبودية له جل وعلا.

 

ابتداراً(76) زعمتم خوف الفتنة

المسارعة للشر

مسألة: ربما يستفاد من قولها (عليها السلام): (ابتداراً) حرمة المبادرة للغصب ولمطلق المعصية، فقد يقال: بأن (الاغتصاب) محرم و(المبادرة إليه) محرم آخر.

وذلك بلحاظ أن (المبادرة) إلى الشر مذمومة عقلاً، كما ان فعله مذموم، كما أن (المسارعة) إلى الخير حسنة وممدوحة كفعله، ولذلك قال تعالى: (وسارعوا الى مغفرة من ربكم)(77)، وقال سبحانه: (فاستبقوا الخيرات)(78).

بضميمة(79) مثل: (العجلة من الشيطان) و«إياك والعجلة بالأمور قبل أوانها والتساقط فيها عند زمانها»(80).

ولأنها أكثر زمانا(81) وأوسع تأثيراً وأكبر آثارا، ولما فيها (من سن سنة سيئة)(82)، فتأمل.

وقد يكون السر في الردع عنها عقلا، أن في التأخير ـ إضافة إلى ما سبق ـ احتمال ارتداعه، وان العجلة فيها تسد الطريق ـ عادة ـ على التراجع.

ثم إن المبادرة للشر تكشف عن شدة التجري على الله سبحانه، والاستخفاف بنواهيه، وشدة الحرص على الدنيا، وخبث السريرة، وسوء الباطن، وقد قال الله سبحانه في حكم الاغتصاب لأموال اليتامى: (وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فان آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ولاتأكلوها إسرافا وبدارا ان يكبروا ومـــن كان غــنيا فليستعــفــف ومن كان فقيرا فليأكــل بالمعـــروف)(83).

أما المبادرة للخير فحسن وقد يجب، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) في وصيته لأمير المؤمنين (عليه السلام): «يا علي، بادر بأربع قبل أربع، بشبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وحياتك قبل موتك»(84).

وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): «دوام الطاعات وفعــل الخــيرات والمبادرة إلــى المكــرمات مـــن كمال الإيمان وأفضل الإحسان»(85).

وقال (عليه السلام): «المبادرة إلى العفو من أخلاق الكرام»(86).

وقال (عليه السلام): «للكرام فضيلة المبادرة إلى فعل المعروف واسداد الصنائع»(87).

وقال (عليه السلام): «بادر الفرصة قبل أن تكون غصة»(88).

وفي وصية لقمان (عليه السلام): «يا بني بادر بعملك قبل أن يحضر أجلك وقبل أن تسير الجبال سيراً»(89).

وقال (عليه السلام): «اغتنم المهل وبادر الأجل وتزود من العمل»(90).

وفي الحديث: «من اشتاق إلى الجنة سارع إلى الحسنات وسلا عن الشهوات، ومن أشفق من النار بادر بالتوبة إلى الله من ذنوبه..»(91).

وقال (عليه السلام): «بادر الخير ترشد»(92).

وقال (عليه السلام): «طوبى لمن بادر صالح العمل قبل أن تنقطع أسبابه»(93).

وقال (عليه السلام): «بادر الطاعة تسعد»(94).

وقال (عليه السلام): «بادر البر فان اعمال البر فرصة»(95).

وقال (عليه السلام) في الشعر المنسوب إليه:

تـــــزود مــن الـــدنيا فانك راحل           وبادر فان المــــوت لا شك نازل

ومن المبادرة المذمومة ما قاله (عليه السلام): «المبادرة إلى الانتقام من شيم اللئام »(96).

قولها (عليها السلام): (ابتدارا زعمتم خوف الفتنة)، الظاهر أن (ابتدارا) مفعول له(97) مقدم لزعمتم، أي زعمتم خوف الفتنة، وهذا الزعم كان لأجل الابتدار الى أخذ الخلافة، وإلا لم تكن هنالك فتنة لان الخليفة معين من قبل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)(98).

ثم انه بلحاظ وقوع الابتدار في موقع الذم الأكيد والتقريع الشديد بل في موقع اشد أنواع الذم والتألم والاحتجاج والردع، في كلامها (عليها السلام) يستفاد ما ذكر من الحكم(99).

تبرير المعصية

مسألة: يحرم تبرير المعصية في الجملة، فان (التبرير) إضلال ومكر وخديعة.

وقد أشارت (عليها السلام) في قولها (زعمتم خوف الفتنة) إلى الأسلوب الذي يستخدمه المنحرفون والطغاة عادة لإخماد صوت المعارضة، ولإقناع البسطاء والسذج، ولتكريس الواقع المنحرف، وهو (أسلوب التبرير).

وكثيرا ما نرى قادة انقلاب عسكري يعللون انقلابهم بدكتاتورية الحكم السابق، مع انهم جاءوا بدكتاتورية اشد، ويخططون لظلم اكبر، أو يعللون بأنهم جاءوا للدفاع عن حقوق المستضعفين وشبه ذلك ثم يدوسونهم تحت أرجلهم.

وكان مما علل به القوم غصب الخلافة من الإمام علي (عليه السلام) انهم قالوا إذا لم نبادر الى جعل الخليفة، تقع فتنة بين المسلمين، رغم ان الذين اعتذروا بمثل هذا كانوا يعلمون بأنه عذر غير صحيح، فان الفتنة بين المسلمين صارت بسببهم، وإلاّ فقد كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) عيّن الإمام علي (عليه السلام) خليفة من بعده وأخذ البيعة له من المسلمين يوم غدير خم(100)، لكن (بل الإنسان على نفسه بصيرة* ولو ألقى معاذيره)(101).

بل كان السبب هو حب الرئاسة و السلطة و… كما قال علي أمير المؤمنين(عليه السلام) في الخطبة الشقشقية: «أما والله لقد تقمصها ابن أبي قحافة وانه ليعلم أن محلي منها محل القطب من الرحى ينحدر عني السيل ولا يرقى إلي الطير»(102).

مثلث المعصية

مسألة: أشارت (صلوات الله عليها) في هذه الجملة القصيرة الى مثلث المعصية الذي وقعوا فيه، فانهم لم يرتكبوا محرما واحدا بل كانت الجريمة مزدوجة، بل كان عملهم (مجمع المعاصي)، فقد (كذبوا) و(مكروا) و(خانوا).

فبـ(ابتدارهم) إلى غصب الخلافة (خانوا) الله ورسوله (صلى الله عليه وآله)، و(خانوا) العهد والبيعة، و(خانوا) الإمامة والأمة.

وقد (كذبوا) في زعمهم إن ذلك كان (خوف الفتنة)، إذ كان السبب غير ذلك، بل هو حب الدنيا والرئاسة وما أشبه حيث حليت الدنيا في أعينهم.

وقد (مكروا) حيث حاولوا التغطية على واقع الجريمة باختلاق عذر أرادوا به إقناع الأمة وإغفال الناس (ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين)(103).

وبذلك كشفوا عن خبث باطنهم وسوء سريرتهم.

وحيث أنها (عليها السلام) في مقام اشد أنواع التقريع، ربما استفيد من ذلك ـ إلى جوار سائر الأدلة العامة والخاصة ـ مضافاً إلى حرمة الكذب و المكر والخيانة، كونها من اشد المصاديق حرمة، فان كل واحد منها تكون حرمته اعظم في الأمور العظيمة.

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «من كان مسلماً فلا يمكر ولا يخدع، فاني سمعت جبرئيــل يقـول إن المكر والخديعة في النار، ثم قال(صلى الله عليه وآله): ليس منا من غش مسلماً، وليس منا من خان مسلماً»(104).

وقال أمير المؤمنين(عليه السلام): «لا سوءة أسوء من الكذب»(105).

وقال (عليه السلام): «الكذب في العاجلة عار، وفي الآجلة عذاب النار»(106).

وقال (عليه السلام): «الكذب فساد كل شيء»(107).

وعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «ثلاثة يرجعن على صاحبهن: النكث والبغي والمكر»(108).

وقال (صلى الله عليه وآله): «وإياك والمكر فان الله قضى أن لا يحيق المكر السيئ إلا بأهله»(109).

وقال (عليه السلام): «المكر لؤم والخديعة شؤم»(110).

وقال (عليه السلام): «المكر سجية اللئام»(111).

وقد نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن الخيانة(112) وقال: «من خان أمانة في الدنيا ولم يردها إلى أهلهـا ثـم أدركه الموت، مـات علـى غيـر ملتـي ويلقى الله وهو عليه غضبان»(113).

وقال أمير المؤمنين(عليه السلام): «الخيانة رأس النفاق»(114).

وقال الإمام الصادق (عليه السلام): «يجبل المؤمن على كل طبيعة إلا الخيانة والكذب»(115).

 

ألا في الفتنة سقطوا

السقوط في الفتن

مسألة: قولها (عليها السلام) يدل على أن القوم سقطوا في الفتنة، ويلزم الاعتقاد بذلك، وهذا اقتباس من الآية المباركة:(ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا وان جهنم لمحيطة بالكافرين)(116).

وقد ذكرنا فيما تقدم إن الدنيا لها اوجه: وجه دنيوي ملموس، ووجه أخروي ناري، ووجه أخروي نوري، ولا حاجة إلى تكرار ما سبق، وستأتي إشارة إليها ولكنا نضيف هنا:

إن التعبير بـ(في الفتنة)، وفي للظرفية، بلحاظ إن الفتنة ليست أمرا مفردا وجزئيا واحدا عادة، بل هي ظرف محيط يطوق الإنسان فكريا واجتماعيا وسياسيا واقتصاديا وغير ذلك، إذ هي منظومة متكاملة من الجزئيات والأقوال والأفراد والأحداث التي تحيط بالمرء من كل حدب وصوب، فـ (يسقط) فيها الناس.

والتعبير بـ (سقطوا) أيضا لنكتة دقيقة، فان الفتنة هي مهوى سحيق، وبئر عميقة موحشة يسقط فيها الإنسان، وليس الأمر مجرد منظومة تحيط بإنسان من كل صوب.

وكذلك كانت (فتنة السقيفة) فلم تكن مفردة واحدة، بل كانت سلسلة متعاضدة من التخطيط والضغط والقهر والقسر والإرهاب:

أحد أطرافها إنكار وفاة الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) وتهديد من يقول بذلك(117)..

والطـرف الآخر حرق باب ابنة الرسـول الأعظم (صلى الله عليه وآله)(118) وكسر ضلعها وإسقاط جنينها الذي سماه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) محسنا(119)...

وغير خفي إن السقوط في الفتنة أمر اختياري حدوثا واستمرارا، ولو فرض كونه في بعض مراحله في بعض الأزمان غير اختياري، فان ما بالاختيار لا ينافي الاختيار فعليه العقوبة دون ريب وذلك للتقصير في المقدمات.

وقد أخبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) بهذه الفتنة وأمر الناس باتباع الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) دون غيره، حيث قال:

«ستكون من بعدي فتنة فإذا كان كذلك فألزموا علي بن أبي طالب، فانه الفاروق بين الحق والباطل»(120).

كما أخبر (صلى الله عليه وآله) بالفتن في آخر الزمان حيث قال: «سيأتي على أمتي زمان لايبقى من القرآن إلا رسمه، ومن الإسلام إلا اسمه، يسمون به وهم أبعد الناس منه، مساجدهم عامرة وهي خراب من الهدى، فقهاء ذلك الزمان شر فقهاء تحت ظل السماء، منهم خرجت الفتنة وإليهم تعود»(121).

 

1 - نهج البلاغة: الخطبة 11.

2 - غرر الحكم: ص282 ح6290.

3 - الأمالي للشيخ الصدوق: ص592 المجلس 86 ح17.

4 - الخصال: ص571 خمسون خصلة من صفات المؤمن ج2.

5 - سورة الزخرف: 54.

6 - علل الشرائع: ص211، الإرشاد: ج2 ص30، الفصول المختارة: ص303، المسائل الجارودية: ص35، النكت في مقدمات الأصول: ص48، متشابه القرآن: ج2 ص46، كفاية الأثر: ص36.

7 - سورة التوبة: 38.

8 - تنبيه الخواطر ونزهة النواظر:ج2 ص200.

9 - غوالي اللئالي: ج1 ص432 ح131.

10 - نهج البلاغة: قصار الحكم 1، وغرر الحكم: ص464 ح10675 الفصل التاسع في الفتنة.

11 - الاحتجاج: ص315.

12 - غوالي اللئالي: ص293 ح175.

13 - غرر الحكم: ص70 ح991.

14 - غرر الحكم: ص59 ح632.

15 - غرر الحكم: ص68 ح925.

16 - غرر الحكم: ص69 ح959.

17 - غرر الحكم: ص69 ح966.

18 - غرر الحكم: ص69 ح975 و976.

19 - غرر الحكم: ص70 ح986.

20 - وفي بعض النسخ: (وأحشمكم).

21 - وفي بعض النسخ: (عطافاً).

22 - سورة النساء: 54.

23 - راجع كمال الدين: ص680، وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج7 ص220 وفيه: «أنها نزلت في علي (عليه السلام) وما خص به من علم».

24 - حمشه: اغضبه وهيجه، وحمشه: جمعه.

25 - نهج البلاغة: قصار الحكم 348، 477.

26 - سورة الأعراف: 182، وسورة القلم: 44.

27 - غوالي اللئالي: ج2 ص83.

28 - الأمالي للشيخ المفيد: ص283 المجلس 33 ح9. 

29 - إشارة إلى حديث الإمام الصادق (عليه السلام) إجابة على سؤال: كيف اسلما ولم اسلما طوعاً أو كرهاً؟ فقال(عليه السلام):بل طمعاً، راجع الخرائج ص483 وفيه: «قال (عليه السلام): ما اسلما طوعاً ولا كرها، وانما اسلما طمعاً، فقد كانا يسمعان من أهل الكتاب منهم من يقول: هو نبي يملك المشرق والمغرب وتبقى نبوته إلى يوم القيامة، ومنهم من يقول: يملك الدنيا كلها ملكاً عظيماً وينقاد له أهل الأرض، فدخلا كلاهما في الإسلام طمعاً في أن يجعل محمد(صلى الله عليه وآله) كل واحد منهما والي ولاية، فلما أيسا من ذلك، دبرا مع جماعة قتل محمد (صلى الله عليه وآله) ليلة العقبة فكمنوا له وجاء جبرائيل وأخبر محمد (صلى الله عليه وآله) بذلك، فوقف على العقبة وقال: يا فلان، يا فلان، يا فلان، أخرجوا فاني لا أمر حتى أراكم كلكم قد خرجتم، وقد سمع ذلك حذيفة، ومثلهما طلحة والزبير فهما بايعا علياً(عليه السلام) بعد قتل عثمان طمعاً في أن يجعلهما كليهما علي بن أبي طالب (عليه السلام) والياً على ولاية، لاطوعاً ولارغبة، ولا إكراهاً ولا اجباراً، فلما أيسا من ذلك من علي (عليه السلام) نكثا العهد وخرجا عليه وفعلا ما فعلا».

30 - وفي بعض النسخ: (أوردتم).

31 - وفي بعض النسخ: (مشربكم).

32 - سورة النساء: 29.

33 - غوالي اللئالي: ج1 ص315.

34 - المشرب: موضع الشرب، ويطلق على نفس الماء أيضاً، كما هو الشأن في المصدر الميمي.

35 - الورد: هو الاسم من ورد، والمصدر: الورود.

36 - سورة القصص: 23.

37 - المعنى الحقيقي هو وسم الإبل وورود مشرب الغير، والمجازي هو غصب الخلافة كما هو المقصود من كلامها (عليها السلام).

38 - راجع شرح نهج البلاغة: ج1 ص25 وص185، وج12 ص142، وراجع المناقب: ج3 ص213 فصل في حساده (عليه السلام)، هذا وقد ورد أن أصل الدعابة من صفات المؤمن قال (عليه السلام): «ما من مؤمن إلا وفيه دعابة» معاني الأخبار: ص164 باب معنى الدعابة، ومشكاة الأنوار: ص190 ومستطرفات السرائر: ص579.

39 - من ألقابه (الصديق) و(الفاروق) و(سيف الله) و(أمير المؤمنين).. الخ.

40 - كوضع حديث الخوخة في قبال حديث سد الأبواب راجع (الغدير) للعلامة الأميني (رضي الله عنه).

41 - راجع الأمالي للشيخ الصدوق: ص673 المجلس 96 ح8.

42 - عيون أخبار الرضا (عليه السلام): ج2 ص6 ح13.

43 - المزار: ص78.

44 - الأمالي للشيخ الصدوق: ص11 المجلس 3 ح6.

45 - المناقب: ج3 ص113.

46 - للتفصيل راجع موسوعة الفقه، كتاب المكاسب المحرمة: ج2 ص33.

47 - مخطوط.. وللتفصيل راجع أيضا كتاب (البلاغة) للإمام المؤلف (دام ظله).

48 - سورة المائدة: 67.

49 - سورة النحل: 91.

50 - سورة البقرة: 27.

51 - سورة الأنعام: 152.

52 - سورة الإسراء: 34.

53 - سورة البقرة: 40.

54 - سورة الرعد: 25.

55 - تفسير القمي: ج1 ص363 سورة الرعد.

56 - سورة النحل:91.

57 - تفسير القمي: ج1 ص389.

58 - راجع تفسير القمي: ج2 ص301 سورة محمد.

59 - وهي ما يتوقف صحة أو صدق الكلام أو بعضه عليه، فان صحة اعتراضها (عليها السلام) عليهم بـ (والجرح لما يندمل) موقوف على كون عدم اندمال الجرح سببا لمزيد القبح في فعلهم، وسببا لصحة الاعتراض والفضح، واذا كان ذلك كذلك وكان ما يقوم مكانه كذلك، اشتركا في الحكم.

60 - كالتذكير، والتصدير، والتمثيل وغير ذلك.

61 - الأمالي للشيخ الصدوق: ص140.

62 - بحار الأنوار: ج2 ص100 ب14 ح59.

63 - راجع الخصال: ص635، وغرر الحكم: ص117 ح2050، وجامع الأخبار: ص179، وفضائل الأشهر الثلاثة: ص105 فضائل شهر رمضان ح95، وصفات الشيعة: ص3 ح5، وارشاد القلوب: ص144 وص257 وص423، وبشارة المصطفى: ص18 وص162 وص196.

64 - بحار الأنوار: ج28 ص322 ب4 ح52. وانظر أيضا: صحيح البخاري: ج3 ص1126 ح2926، وج4 ص1594 ج3998، وج6 ص2474 ح6346، وصحيح مسلم: ج4 ص29-30 ح1759، وسنن الترمذي: ج4 ص135، ح1609، والسنن الكبرى للبيهقي: ج6 ص300، ومسند أحمد: ج1 ص18 ح56.

65 - انظر الإمامة والسياسة لابن قتيبة: ج1 ص20.

66 - بحار الأنوار: ج27 ص62 ب1 ح16. وانظر: المستدرك على الصحيحين للحاكم: ج3 ص167 ح4730، وميزان الاعتدال: ج1 ص 535 ح2002، وأسد الغابة: ج7 ص224، والإصابة: ج4 ص378، وتهذيب التهذيب: ج12 ص469 ح2860، ومجمع الزوائد: ج9 ص203، وذخائر العقبى: ص39، وتذكرة الخواص: ص310، وكفاية الطالب للكنجي: ص364، والشرف المؤبد: ص125.

67 - المناقب: ج3 ص332، فص في حب النبي (صلى الله عليه وآله) إياها، وشرح النهج لابن أبي الحديد: ج16 ص273.

68 - سورة الأحزاب: 57.

69 - إذ ان تلك الجرائم الكبرى بحق ابنة الرسول ووصيه أوجبت سخطها وغضبها الشديد وغضب الله سبحانه وتعالى، فكيف لا يغضب المؤمن لغضب الرب.

70 - سورة آل عمران:140.

71 - واجب المسلم هو دفن المسلم وكفنه وتغسيله وهو واجب شبه فوري ولا يجوز تأخيره أكثر من المقدار المتعارف.

72 - أي تركه (صلى الله عليه وآله) دون غسل وكفن ودفن والانشغال بالدنيا.

73 - فوسمتم غير ابلكم ووردتم غير مشربكم.

74 - وهو الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله).

75 - وهو الإمام أمير المؤمنين علي (عليه السلام).

76 - وفي بعض النسخ: (بداراً).

77 - سورة آل عمران: 133.

78 - سورة البقرة: 148، وسورة المائدة: 48.

79 - ربما يكون التمهيد بذكر مذمومية المبادرة عقلا، لدفع دخل كون مثل (العجلة من الشيطان) ملحوظة طريقياً محضاً.

80 - تحف العقول: ص147، ودعائم الإسلام: ج1 ص368.

81 - إذ انه يبتدأ من اللحظة الأولى، بينما غير الابتدار يبتدأ من لحظات لاحقة.

82 - وهي سرعة المبادرة للشر والمعصية، وتجد الحديث في مكارم الأخلاق: ص454.

83 - سورة النساء: 6.

84 - الخصال: ص239 ح86.

85 - غرر الحكم: ص184 ح3478.

86 - غرر الحكم: ص245 ح5005.

87 - غرر الحكم: ص383 ح8719.

88 - تحف العقول: ص80. 

89 - الاختصاص: ص340.

90 - كنز الفوائد: ج1 ص349.

91 - تحف العقول: ص281.

92 - غرر الحكم: ص104 ح1855.

93 - غرر الحكم: ص154 ح2878.

94 - غرر الحكم: ص183 ح3454.

95 - غرر الحكم: ص449 ح10321.

96 - غرر الحكم: ص346 ح7953.

97 - كما في قولك (ضربته تأديبا)، فـ (زعمتم خوف الفتنة ابتدارا).

98 - كما يحتمل أن يكون (ابتداراً) مفعول له للأفعال السابقة.

99 - أي الحرمة التي ذكرت في أول المسألة.

100 - للتفصيل راجع موسوعة (الغدير) للعلامة الأميني (رضي الله عنه).

101 - سورة القيامة: 14 ـ 15.

102 - نهج البلاغة: الخطبة الشقشقية.

103 - سورة آل عمران: 54.

104 - الأمالي للشيخ الصدوق: ص270 المجلس 46 ح5.

105 - الأمالي للشيخ الصدوق: ص321 المجلس 52 ح8.

106 - غرر الحكم: ص220 ح4399.

107 - غرر الحكم: ص220 ح4406.

108 - تفسير العياشي: ج2 ص121 سورة يونس.

109 - تحف العقول: ص35.

110 - غرر الحكم: ص291 ح6478.

111 - غرر الحكم: ص291 ح6481.

112 - الأمالي للشيخ الصدوق: ص430 المجلس 66.

113 - الأمالي للشيخ الصدوق: ص430 المجلس 66.

114