فهرس الكتاب

مكتبة الإمام أميرالمؤمنين (ع)

مكتبة الموقع

 

 

/ صفحة 322 /

 

إسلام أم أبي بكر

ليس إسلام أم الخير أم أبي بكر إلا كإسلام أبيه أبي قحافة، لا يدعم بدليل و لا تقومه البرهنة .

 أخرج الحافظ أبو الحسن خيثمة بن سليمان الأطرابلسي قال: حدثنا عبيد الله بن محمد بن عبد العزيز العمري قاضي المصيصة، حدثنا أبو بكر عبد الله بن عبيد الله بن إسحاق بن محمد بن عمران بن موسى بن طلحة بن عبيد الله حدثني أبي عبيد الله، حدثني عبد الله بن محمد بن عمران بن إبراهيم بن محمد بن طلحة قال: حدثني أبي محمد بن عمران عن القاسم بن محمد بن أبي بكر عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما اجتمع أصحاب النبي وكانوا ثمانية وثلاثين رجلا ألح أبو بكر على رسول الله صلى الله عليه وسلم في الظهور فقال: يا أبا بكر إنا قليل.

 فلم يزل أبو بكر يلح حتى ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفرق المسلمون في نواحي المسجد كل رجل في عشيرته وقام أبو بكر في الناس خطيبا ورسول الله صلى الله عليه وسلم، جالس فكان أول خطيب دعا إلى الله وإلى رسوله، وثار المشركون على أبي بكر وعلى المسلمين فضربوا في نواحي المسجد ضربا شديدا ، ووطئ أبو بكر وضرب ضربا شديدا ودنا منه الفاسق عتبة بن ربيعة فجعل يضربه بنعلين مخصوفين ويحرفهما لوجهه، وأثر ذلك حتى ما يعرف أنفه من وجهه، وجاءت بنو تيم تتعادى فأجلوا المشركين عن أبي بكر وحملوا أبا بكر في ثوب حتى أدخلوه بيته ولا يشكون في موته، ورجع بني تيم فدخلوا المسجد وقالوا: والله لئن مات أبو بكر لنقتلن عتبة و رجعوا إلى أبي بكر فجعل أبو قحافة وبنو تيم يكلمون أبا بكر حتى أجابهم فتكلم آخر .

 النهار: ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فنالوه بألسنتهم وعذلوه ثم قاموا وقالوا لأم الخير بنت صخر: انظري أن تطعميه شيئا أو تسقيه إياه، فلما خلت به وألحت جعل يقول : ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالت: والله ما أعلم بصاحبك.

 قال: فاذهبي إلى أم جميل بنت الخطاب فاسأليها عنه فخرجت حتى جاءت إلى أم جميل فقالت: إن أبا بكر يسألك عن محمد بن عبد الله.

 قالت: ما أعرف أبا بكر ولا محمد بن عبد الله، وإن تحبي أن أمضي معك إلى ابنك فعلت: قالت: نعم فمضت معها حتى وجدت أبا بكر صريعا دنفا فدنت منه أم جميل وأعلنت بالصياح وقالت: إن قوما نالوا منك هذا لأهل فسق وإني لأرجو أن ينتقم الله لك قال: ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالت: هذه أمك تسمع

 

/ صفحة 323 /

قال: فلا عين عليك منها قالت: سالم صالح.

 قال فأنى هو ؟ قالت في دار الأرقم قال: فإن لله علي آليت أن لا أذوق طعاما ولا شرابا أو آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمهلتاه حتى إذا هدأت الرجل وسكن الناس خرجتا به يتكئ عليهما حتى دخلتا على النبي صلى الله عليه وسلم قال: فانكب عليه فقبله وانكب عليه المسلمون ورق له رسول الله صلى الله عليه وسلم رقه شديدة فقال أبو بكر: بأبي أنت وأمي ليس بي إلا ما نال الفاسق من وجهي ، هذه أمي برة بوالديها وأنت مبارك فادعها إلى الله وادع الله عز وجل لها عسى أن يستنقذها بك من النار.

 فدعاها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلمت(1) .

قال الأميني: تفرد بهذا الحديث عبيد الله بن محمد العمري، رماه النسائي بالكذب، وحكاه عنه الذهبي وابن حجر(2) وقال الدارقطني في حديث آخر تفرد به العمري أيضا: ليس بصحيح تفرد به العمري وكان ضعيفا .

 وبقية رجال السند كلهم تيميون فيهم عبد الله وعبيد الله من أولاد طلحة بن عبيد الله مجهولان لا يعرفان.

 وعبد الله ومحمد بن عمران من أولاد طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر، أو: من أولاد طلحة بن عبيد الله أيضا وهما مجهولان كسابقيهما على أن أبا بكر لا يعد من المعذبين في الاسلام، ولو كان له هذا الموقف في ذلك اليوم العصبصب وكانت على النبأ مسحة من الصحة لكان يذكر في صفحة كل تاريخ، ولم يكن يهمله أي مؤرخ، أمن المعقول أن يحفظ التاريخ في طياته تعذيب الموالي ولم يكن في صفحته ذكر عن مثل هذا الموقف لمثل أبي بكر : ثم لو لم يكن الحفاظ عدوا هذه الرواية من موضوعات عبيد الله العمري وكان عندهم ثقة برجالها ولو بالعلاج ولو بقيل قائل لما أعرضوا عنها في تلكم القرون الخالية كلها، وكان يتلقاها حافظ عن حافظ وإمام عن إمام ولم تكن تخص روايتها بالمحب الطبري وابن كثير المتخصصين لذكر الموضوعات والأحاديث المفتعلة أو من يحذو حذوهما.

 وفي نفس الرواية ما يكذبها من شتى النواحي : 1 - إن عائشة ولدت في السنة الرابعة أو الخامسة من البعثة(3) والقضية على تسليم

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الرياض النضرة 1: 46، تاريخ ابن كثير 3: 30 .

 (2) ميزان الاعتدال 2: 180، لسان الميزان 4: 112 .

 (3) طرح التثريب 1: 147، الإصابة 4: 359.

 

/ صفحة 324 /

قبولها قد وقعت في السادسة من البعثة فأين كانت عائشة يوم ذاك ؟ أشاهدت موقف أبيها وهي على ثدي أمها بنت سنة أو سنتين ؟ لماذا لم يرو ذلك عن أبيها أو عن أمها أو عن أم جميل ؟ لعل الرواية من ولائد القرون المتأخرة عنهم، ولدتها أم الفضائل بعد قضاء الدهر على حياة من خلقت لأجله .

 2 - إن في لفظ الرواية: لما اجتمع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وكانوا ثمانية و وثلاثين رجلا.

 فعلى هذا لم يكن أبو بكر يوم ذاك مسلما أخذا بقول النبي صلى الله عليه وآله صلت الملائكة علي وعلى علي سبع سنين لأنا كنا نصلي وليس معنا أحد يصلي غيرنا(1) وما مرت من الصحيحة عن أمير المؤمنين عليه السلام لقد صليت مع رسول الله صلى الله عليه وآله قبل الناس بسبع سنين(2) وما أسلفنا من صحيحة الطبري: إن أبا بكر أسلم بعد أكثر من خمسين رجلا(3) .

 3 - في الرواية: ألح أبو بكر على رسول الله في الظهور فقال: يا أبا بكر ! إنا قليل فلم يزل أبو بكر يلح حتى ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم. إلخ.

 يكذبه ما في السير من أن رسول الله صلى الله عليه وآله أظهر الدعوة قبل ذلك اليوم بثلاث سنين .

 وروى ابن سعد وابن هشام والطبري وغيرهم: إن الله عز وجل أمر نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بعد مبعثه بثلاث سنين أن يصدع بما جاءه منه، وأن ينادي الناس بأمره ويدعو إليه فقال له: فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين(4) وكان قبل ذلك في السنين الثلاث من مبعثه إلى أن أمر بإظهار الدعوة إلى الله مستسرا مخفيا أمره صلى الله عليه وسلم وأنزل عليه : وأنذر عشيرتك الأقربين، واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين، فإن عصوك فقل إني برئ مما تعملون(سورة الشعراء 214 - 17)(5) .

 

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع الجزء الثالث ص 220 ط 2 .

(2) راجع الجزء الثالث ص 221 ط 2 .

(3) تاريخ الطبري 2: 215 .

(4) سورة الحجر آية 94 .

(5) تاريخ الطبري 2: 216، طبقات ابن سعد 1: 183، سيرة ابن هشام 1: 274 . الكامل 2: 23، تفسير القرطبي 10: 62، عيون الأثر لابن سيد الناس 1: 99، تاريخ أبي الفدا ج 1: 116، تفسير ابن كثير 2: 559، تفسير الخازن 3: 109، تفسير الشوكاني 3: 139.

 

/ صفحة 325 /

فإظهار النبي صلى الله عليه وآله وسلم دعوته كان بأمر من المولى سبحانه من دون سبق أي إلحاح من أي أحد عليه من أبي بكر أو غيره سواء كان أسلم أبو بكر يوم ذاك أولم يسلم .

 على أن أبا بكر عد ممن كان يدعو سرا بعد ذلك اليوم بعد ظهور الدعوة من المسلمين فأين مقيل إلحاحه على رسول الله في الظهور من الصحة يوم ذاك ؟ قال ابن سعد في طبقاته 1: 185: كان أبو بكر يدعو ناحية سرا، وكان سعد بن زيد مثل ذلك ، وكان عثمان مثل ذلك، وكان عمر يدعو علانية وحمزة بن عبد المطلب فإسرار أبي بكر في الدعوة يوم إعلان عمر كان بعد ذلك اليوم، إذ أسلم عمر بعد خروج المهاجرين إلى أرض الحبشة.

 بعد أربعين رجلا(1) وقد مر في الرواية أن القضية وقعت والمسلمون ثمان وثلاثون نسمة .

 وذكر الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد 9: 259 حديثين في إسلام أم أبي بكر أحدهما عن ابن عباس قال أسلمت أم أبي بكر وأم عثمان وأم طلحة وأم الزبير وأم عبد الرحمن بن عوف وأم عمار فقال : فيه: خازم بن الحسين وهو ضعيف.

 وقال الذهبي في الميزان 1: 315: قال ابن معين: خازم ليس بشئ.

 وقال أبو داود: روى مناكير وقال ابن عدي: عامة ما يرويه لا يتابع عليه .

 والحديث الثاني للهيثمي عن طريق الهيثم بن عدي قال: هلك أبو بكر فورثاه أبواه جميعا وكانا أسلما.

 ثم قال: إسناده منقطع .

 قال الأميني: كأن الحافظ الهيثمي يوهم بكلمته الأخيرة أن علة الحديث هي انقطاعه فحسب ولم يذكر بقية رجاله حتى تقف عليها نظارة التنقيب غير أن في ذكر الهيثم بن عدي الكذاب كفاية. قال البخاري: ليس بثقة كان يكذب. وقال أبو داود : كذاب. وقال النسائي وغيره متروك الحديث. وقالت جارية الهيثم: كان مولاي يقوم عامة الليل يصلي فإذا أصبح جلس يكذب، وقال النسائي أيضا: منكر الحديث و ذكر حديثا وعده من افتراء الهيثم على هشام بن عروة. وقال أبو حاتم، متروك الحديث وقال أبو زرعة: ليس بشئ. وقال العجلي: كذاب وقد رأيته وقال الساجي: سكن

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الاستيعاب هامش الإصابة 2: 459، تأريخ ابن كثير 3: 31 .

 

/ صفحة 326 /

مكة وكان يكذب. وقال إمام الحنابلة أحمد: كان صاحب أخبار وتدليس. وقال الحاكم النقاش: حدث عن الثقات بأحاديث منكرة. وعد البيهقي والنقاش والجوزجاني الحديث من الموضوعات لكون الهيثم فيه. وقال أبو نعيم: يوجد في حديثه المناكير(1) .

 فإسلام أم أبي بكر كإسلام والده أبي قحافة قط لا يثبت.

 والذي ذكر إسلامهما من المؤرخين كابن كثير والديار بكري والحلبي وغيرهم لا يعول على قولهم بعد ما عرفت الحال في مستند أقوالهم، فلا قيمة للدعوى المجردة والتقول بلا دليل .

 ويعرب عن جلية الحال بقاء أم الخير " أم أبي بكر " في حبالة أبي قحافة في مكة، وقد أسلمت هي على قول من يقول بإسلامها في السادسة من البعثة وأسلم أبو قحافة في الثامن من الهجرة سنة الفتح كما سمعت فتخللت بين إسلامهما ثلاثة عشر عاما، فبأي كتاب أم بأية سنة بقيت تلك المسلمة أم مثل أبي بكر تلك السنين المتطاولة في نكاح أبي قحافة الذي لم يسلم بعد ؟ وما الذي جمع بينهما ؟ والفراق بينهما كان أول شعار الإسلامية.

 فأين إسلامها ؟ وبماذا يثبت والحال هذه ؟

 

*(أبو بكر وأبواه في القرآن) *

لعبت أيدي الهوى بكتاب الله، وحرفت الكلم عن مواضعها، وجاء من يؤلف في التفسير وقد أعماه الحب وأصمه يخبط خبط عشواء، فتراه كحاطب ليل يروي في كتابه أساطير السلف الأولين من الوضاعين مرسلا إياها إرسال المسلم من دون أي تحقيق وتثبت وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، ومع ذلك يرون أنفسهم أئمة وقادة في علم القرآن العزيز.

 حتى يرون أن قوله تعالى في الأحقاف 15: ووصينا الانسان بوالديه حسنا ، حملته أمه كرها ووضعته كرها، وحمله وفصاله ثلاثون شهرا، حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه، وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين .

 نزلت في أبي بكر .

 ويروون عن علي أمير المؤمنين وابن عباس أن الآية نزلت في أبي بكر الصديق وكان حمله وفصاله ثلاثين شهرا، حملته أمة تسعة أشهر وأرضعته إحدى وعشرين

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ميزان الاعتدال 3: 265، لسان الميزان 6: 209، الغدير 5: 270 ط 2.

 

/ صفحة 327 /

شهرا، أسلم أبواه جميعا ولم يجتمع لأحد من المهاجرين أن أسلم أبواه وغيره.

 فأوصاه الله بهما ولزم ذلك من بعده.

 فلما نبئ رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن أربعين سنة صدق أبو بكر رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثمانية وثلاثين سنة فلما بلغ أربعين سنة قال: رب أوزعني أن اشكر نعمتك أنعمت علي وعلى والدي، واستجاب الله له فأسلم والداه وأولاده كلهم .

 الكشاف 3: 99، تفسير القرطبي 16: 193، 194، الرياض النضرة 1: 47، مرقاة الوصول ص 121، تفسير الخازن 4: 132، تفسير النسفي هامش الخازن 4 : 132، تفسير الشوكاني 5: 18 .

 ألا مسائل هؤلاء الأعلام المغفلين عن أن كون مدة الحمل والفصال ثلاثين شهرا هل يخص بأبي بكر فحسب حتى يخص بالذكر ؟ أم هو مطرد في خلق الله، إما بكون مدة الحمل ستة أشهر ومدة لإرضاع حولين كاملين، وإما بكون الحمل تسعة أشهر والارضاع واحدا وعشرين شهرا ؟ وإن الحري بالذكر هو الأول شذوذه عن العادة المطردة .

 ثم إن كان هذا من خاصة أبي بكر وحكاية لحمله وفصاله فكيف يصح لمولانا أمير المؤمنين وابن عباس الاستدلال بالآية مع ما في سورة لقمان على كون أقل الحمل ستة أشهر كما مر في الجزء السادس ص 93 - 95 ط 2 فالآية الكريمة لا تبين إلا ما هو السائر الدائر بين البشر بأحد الوجهين المذكورين وبهذا يتم الاستدلال.

 وفيه قال ابن كثير في تفسيره 4: 157: وهو استنباط قوي صحيح ووافقه عليه عثمان وجماعة من الصحابة رضي الله عنهم.

 وابن كثير مع إكثاره بنقل الموضوعات لم يوعز إلى نزول الآية في أبي بكر لما يرى في نقله من الفضيحة على نفسه .

 ثم إن في نص الآية: إن ذلك الانسان قال ما قاله وقد بلغ أشده وبلغ من عمره أربعين عاما.

 وأبو بكر لم يكن مسلما يوم ذاك لا هو ولا أبوه ولا أمه، أما هو فقد قدمنا أنه أسلم بعد سبع من البعثة بنصوص مرت في الجزء الثالث ص 220 - 223 ط 2 وأما أبوه فقد أسلم " إن أسلم " يوم الفتح في السنة الثامنة من الهجرة وكان لأبي بكر يومئذ ست وخمسون سنة أو أكثر .

 

 

/ صفحة 328 /

وأما أمه فقد أسلمت " إن أسلمت " في السنة السادسة من البعثة وأبو بكر يوم ذاك ابن أربع وأربعين سنة أو أكثر منها ، فبماذا أنعم الله عليه وعلى والديه يوم قال: رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي.

 وكلهم غير مسلمين ؟ والجملة دعائية بالنسبة إلى إلهام الشكر على ما أنعم الله به عليه وعلى والديه فحسب، وأما بالنسبة إلى كونهم من المنعم عليهم فخبرية تقتضي سبق تلك النعمة على ظرف الدعاء، فالقول بأن الله سبحانه استجاب له فأسلم والداه وأولاده كلهم مهزأة غير مدعومة بشاهد .

 على أن أخبار إسلام والديه " بعد تسليمها والغض عما فيها " تدل على أن إسلام أمه كان بدعاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لها بالاسلام، وإسلام أبيه من بركة مسحه صلى الله عليه وآله يده على صدره، فأين دعاء أبي بكر ؟ وأما ما في ذيل الرواية مما عزي إلى أمير المؤمنين عليه السلام من أنه لم يجتمع لأحد من المهاجرين أن أسلم أبواه غير أبي بكر.

 فحاشا أمير المؤمنين بقول مثل ذلك، وقد عرفناك ص 310 - 312 زرافات من المهاجرين أسلموا هم وآبائهم وأمهاتهم ويقدمهم هو سلام الله عليه بالأولية والأولوية .

 

*(آية أخرى في أبي بكر وأبيه) *

وردت في قوله تعالى من سورة المجادلة: 62: لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه، ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه، أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون .

 من طريق ابن جريج: إن أبا قحافة سب النبي صلى الله عليه وآله فصكه أبو بكر ابنه صكة فسقط منها على وجهه، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فقال: أو فعلته لا تعد إليه فقال والذي بعثك بالحق نبيا لو كان السيف مني قريبا لقتلته. فنزلت قوله: لا تجد قوما. الآية .

 تفسير القرطبي 17: 307 تفسير الزمخشري 3: 172، مرقاة الوصول حاشية نوادر

 

/ صفحة 329 /

الأصول ص 121، تفسير الآلوسي 28: 36 .

 قال الأميني: أصفق رجال التفسير على أن سورة الأحقاف التي مرت فيها الآية الأولى مكية، وعلى أن سورة المجادلة مدنية، وعلى أن هذه الآية نزلت بعد ردح من الزمن من نزول الأحقاف، ويظهر من تفسير القرطبي وابن كثير والرازي أنها نزلت بعد بدر واحد فيقع نزولها على هذا في السنة الرابعة من الهجرة تقريبا، فما وجه الجمع بين الآيتين على تقدير تسليم نزولهما في أبي بكر، والأولى منهما كما مر نص على أن أبا قحافة ممن أنعم الله عليه يوم كان لأبي بكر أربعون سنة، ولما بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال: رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي.

 وهذه الآية كما ترى نص في أن أبا قحافة يوم نزولها - وكان يوم ذاك لأبي بكر ثلث و خمسون سنة تقريبا - كان ممن حاد الله ورسوله .

 والذي يهون الخطب أن متن هذه الرواية كالرواية السبقة الوارد ة في الآية الأولى يكذب نفسها، إذ الآية كما سمعت نزلت بالمدينة، وظاهر الرواية وقوع القصة بها، و يوم ذاك كان أبو قحافة بمكة، فأين وأنى اجتمع أبو بكر مع أبيه وصكه ؟ ثم هل يشترط وجوب قتل من سب رسول الله صلى الله عليه وآله بقرب السيف ممن سمعه ؟ أو شرع هذا الحكم بعد القضية ؟ أو خص أبو قحافة منه بالدليل، سل من أعماه الغلو في الفضائل وأصمه، إنهم ليقولون منكرا من القول وزورا، ويقولون هو من عند الله، و ما هو من عند الله، ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون .

* * *

 

 

 

/ صفحة 330 /

 

(الغاية للقالة)

 

أحسب إن القوم لم ينسجوا هذا الإفك على نول الجهل بتراجم الرجال فحسب ، ولا إن لهم مأربا في آباء المهاجرين أسلموا أو لم يسلموا، أو أن لهم غاية في إسلام أبوي أبي بكر، لكنهم زمروا لما لم يزل لهم فيه مكاء وتصدية من تكفير سيد الأباطح شيخ الأئمة أبي طالب والد مولانا أمير المؤمنين سلام الله عليهما، وذلك بعد أن عجزوا عن الوقيعة في الولد فوجهوها إلى الوالد أو إلى الوالدين كما فعله الحافظ العاصمي في زين الفتى.

 وكان من تهويلهم في تخفيف تلكم الوطأة أن جروا ذلك إلى والدي النبي المعظم صلى الله عليه وآله وعليهما حتى قال العاصمي في زين الفتى عند بيان وجه الشبه بين النبي والمرتضى صلى الله عليهما وآلهما: أما تشبيه الأبوين في الحكم والتسمية فإن النبي في كثره ما أنعم الله تعالى عليه ووفور إحسانه إليه لم يرزقه إسلام أبويه، وعلى هذا جمهور المسلمين(1) إلا شرذمة قليلون لا يلتفت إليهم، فكذلك المرتضى فيما أكرمه الله به من الأخلاق والخصال وفنون النعم والافضال لم يرزقه إسلام أبويه ا ه‍ .

 فلم تفتأ لهم في ذلك جلبة ولغط مكابرين فيهما المعلوم من سيرة شيخ الأبطح وكفالته لصاحب الرسالة، ودرعه عنه كل سوء وعادية، وهتافه بدينه القويم، وخضوعه لمناموسه الإلهي في قوله وفعله وشعره ونثره، ودفاعه عنه بكل ما يملكه من حول وطول .

ولو لا أبو طــــــالب وابـــــنــــــــــــه * لما مثــــــــل الـــــدين شخـصا وقاما

فـــــذاك بمــــــكــــة آوى وحــــــامى * وهـــــذا بــــــيـــــثرب جــس الحماما

تكــــــفـــل عـبــــــد منــــاف بأمـــــر * وأودى فكـــــان عــــــلــــــي تمــــاما

فقــل فــــي ثـــــبير مـــــضى بعــد ما * قضى ما قـــــضاه وأبــــقى شمامـــا

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) كما فعله الحافظ العاصمي في زين الفتى.

(2) أفك الرجل على جمهور المسلمين، فإن الإمامية والزيدية على بكرة أبيهم ومن حذا حذوهم من محققي أهل السنة ذهبوا إلى إسلام والدي النبي الأقدس، ومن شذ عنهم فلا يأبه به ولا يلتفت إليه.

 

/ صفحة 331 /

فــــــقــل فــــي ثبـــــير مضى بعد ما * قــــــضى مــا قضاه وأبقى شمامـــا

فللــــــه ذا فــــــاتحــــــا للـــــهـــدى * ولله ذا للمــــــعــــــالـي خــــــتامــــا

وما ضــــــر مجـــد أبي طــــــالـــــب * جــــــهول لغـــــــا أو بــصير تعامى

كــــــما لا يــــضر إيــــــاب الصبــــا * ح من ظن ضوء النهار الظلاما(1)

وهناك طرق لا يمكن التوسل إلى الاذعان بنفسيات أي أحد إلا بها ألا وهي :

1 - استنباطها مما يلفظ به من قول .

 2 - أو مما ينوء به من عمل .

 3 - أو مما يروي عنه آله وذووه، فإن أهل البيت أدرى بما فيه .

 4 - أو مما أسنده إليه من لاث به وبخع له .

 

- 1 -

أقوال أبي طالب عليه السلام المعربة عن إيمانه

أما أقوال أبي طالب سلام الله عليه فإليك عقودا عسجدية من شعره الرائق مثبتة في السير والتواريخ وكتب الحديث . أخرج الحاكم في المستدرك 2: 623 بإسناده عن ابن إسحاق قال: قال أبو طالب أبياتا للنجاشي يحضهم على حسن جوارهم والدفع عنهم - يعني عن المهاجرين إلى الحبشة من المسلمين - :

ليعـــــلم خــــيار الناس أن محمدا * وزير لموسى والمسيح ابن مريم

أتانا بهـــــدي مثـــــل مــــا أتيا به * فكـــــل بأمـــــر الله يهـدي ويعصم

وإنكم تتـــــلونه فـــــي كتـــــابكــم * بصدق حـــــديث لا حديث المبرجم

وإنك مـــــا تأتيـــــك منها عصابة * بفضـــــلك إلا ارجعـــــوا بالتــكرم

وقال سلام الله عليه من قصيدة :

فبلـــــغ عـن الشحناء أفناء غالب * لـــــويا وتيـــــما عند نصر الكرائم

لأنا سيـــــوف الله والمجـــــد كــله * إذا كان صوت القوم وجي الغمائم

ألم تعـــــلموا أن القـــــطيعة مأثـم * وأمـــــر بـــــلاء قاتم غير حازم ؟

وأن سبـــــيل الـــرشد يعلم في غد * وأن نعـــــيم الـــــدهر ليـــس بدائم

فـــــلا تسفهــن أحلامكم في محمد * ولا تتبعـــــوا أمـــر الغواة الأشائم

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ذكرها ابن أبي الحديد لنفسه في شرحه 3: 317.

 

/ صفحة 332 /

تمنيــــتــم أن تقتـــــــلوه وإنـــمـــــــا * أمـــانيكـــــــم هـــــــذي كـأحلام نائم

وإنكــــــم والله لا تقــــتـــــــلونـــــــه * ولما تروا قطف اللحا والغلاصم(1)

ولــــم تبصروا الأحياء منكم ملاحما * تحـــــــوم عــــليها الطير بعد ملاحم

وتدعـــــــو بأرحـــــــام أواصر بـيننا * فـــــــقد قـطع الأرحام وقع الصوارم

زعـــــــمتم بأنـــــــا مسلمون محمدا * ولما نقـــــــاذف دونـــــــه ونـــزاحم

من القــــوم مفضال أبي على العدى * تمكــــــن في الفرعين من آل هاشم

أمين حبـــــــيب فــــــي العباد مسوم * بخـــــــاتم رب قاهـــــــر في الخواتم

يـــــــرى النـاس برهانا عليه وهيبة * وما جـــــــاهل فـــي قومه مثل عالم

نبـــــــي أتـــــاه الوحي من عند ربه * ومـــــــن قال: لا يقرع بها سن نادم

تطيـــــــف بـــــــه جرثومة هاشمية * تذبب عـــــــنه كـــــــل عـــادت وظالم

ديوان أبي طالب ص 32، شرح ابن أبي الحديد 3: 313 : ومن شعره في أمر الصحيفة التي سنوقفك على قصتها قوله :

ألا أبلغـــــا عـــــني عـــلى ذات بينها * لـــــويا وخـــــصا مـن لوي بني كعب

ألـــــم تعـــــلموا أنـــــا وجدنا محمدا * رسولا كمــوسى خط في أول الكتب؟

وأن عـــــليه فـــــي العـــــباد محــبة * ولا حيـــــف فيــمن خصه الله بالحب

وأن الـــــذي رقشتـــــم فـــــي كتابكم * يكــون لكم يوما كراغية السقب(2)

أفيقوا أفيقوا قبل أن تحفر الزبى(3) * ويصبــــح من لم يجن ذنبا كذي ذنب

ولا تتبعـــــوا أمــــر الغواة وتقطعوا * أواصرنا بعـــــد المـــــودة والقـــرب

وتستجلبــــوا حربا عوانا(4) وربما * أمـــــر عــــلى من ذاقه حلب الحرب

فلسنـــــا وبيــــت الله نسلــــم أحمدا * لعزاء من عض الزمان ولا كرب(5)

 

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في رواية: والجماجم. الغلاصم چ الغلصمة: اللحم بين الرأس والعنق .

(2) في رواية: ابن هشام :

وإن الـــذي ألصقتم من كتابكم * لكم كائن نحسا كراغية السقب

رقش: كتب وسطر الراغية من الرغاء: أصوات الإبل. السقب: ولد الناقة .

(3) في سيرة ابن هشام: الثرى بدل الزبى .

(4) الحرب العوان: التي لو تل فيها مرة بعد أخرى. أشد الحروب.

(5) العراء السنة الشديدة عص الزمان: شدته وكلبه.

 

/ صفحة 333 /

فلسنـــــا وبيــــت الله نسلــــم أحمدا * لعزاء من عض الزمان ولا كرب(5)

ولما تبـــــن منـــــا ومنــكم سوالف * وأيـــــد أتـــــرت(1) بالمهندة الشهب

بمعـــــترك ضنـــــك ترى كسر القنا * به والضباع العرج تعكف كالشرب(2)

كـــــأن مجـــــال الخـيل في حجراته * ومعـــــمعة الأبطـــــال معـركة الحرب

أليـــــس أبـــــونا هــــاشم شد أزره * وأوصـــــى بنـيه بالطعان وبالضرب ؟

ولسنـــــا نمـــــل الحـرب حتى تملنا * ولا نشتـــــكي ممـــــا ينوب من النكب

ولكنـــــنا أهـــــل الحــــفائظ والنهى * إذا طـــــار أرواح الكـــماة من الرعب

سيرة ابن هشام 1: 373، شرح ابن أبي الحديد 3: 313، بلوغ الإرب 1 : 325، خزانة الأدب للبغدادي 1: 261، الروض الأنف 1: 220، تاريخ ابن كثير 3 ، 87، أسنى المطالب ص 6: 13، طلبة الطالب ص 10 .

 ومن شعره قوله :

ألا ما لهم آخـــــر الليل معـــــتـــــم * طـــــواني وأخــرى النجم لما تقحم

طـــــواني وقـــد نامت عيون كثيرة * وســـــامر أخـــــرى قاعــد لم ينوم

لأحـــــلام أقوام أرادوا محـــــمـــدا * بظـــــلم ومـــن لا يتقي البغي يظلم

سعوا سفها واقتادهم سوء أمرهم * عــلى خـائل من أمرهم غير محكم

رجـــــاة أمـــــور لـم ينالوا نظامها * وإن نشـــــدوا فـي كل بدو وموسم

يرجـــــون منـــــا خــطة دون نيلها * ضـــــراب وطعـن بالوشيج المقوم

يرجـــــون أن نسخــــي بقتل محمد * ولم تختضب سمر العوالي من الدم

كذبتـــــم وبـــــيت الله حـــتى تفلقوا * جـــــماجم تلقــــى بالحـميم وزمزم

وتقـــــطع أرحـــــام وتــنسى حليلة * حـــــليلا ويغــشى محرم بعد محرم

وينـــــهض قـــــوم بالحــــديد إليكم * يـــــذبون عــن أحسابهم كل مجرم

هـــم الأسد أسد الزأرتين إذا غدت * عـــــلى حنق لم تخش إعلان معلم

فيـــــا لبـــــني فهـر أفيقوا ولم تقم * نـــــوائح قتـــلى تدعى بالتسدم(3)

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تبن: تنفصل. السوالف: صفحات الأعناق. اترت: قطعت .

 (2) ضنك: ضيق. الضباع العرج مر ص 58 الشرب: الجماعة من القوم يشربون. والشطر الثاني في سيرة ابن هشام: به والنسور الطخم يكفن كالشرب.

(3) التسدم من السدم: الهم مع الندم. الغيظ مع الحزن.

 

/ صفحة 334 /

علـى ما مضى من بغيكم وعقوقكم * وغشيـــــانكم فــــي أمـــــرنا كل مأثم

وظلـــــم نبي جاء يدعو إلى الهدى * وأمر أتى من عند ذي العرش قيم(1)

فـــــلا تحـــــسبونا مسلمـيه ومثله * إذا كـــــان فـــــي قــــوم فليس بمسلم

فهـــــذي معـــــاذير وتـــــقدمة لكم * لكـــــيلا تـــــكون الحـــــرب قبل التقدم

ديوان أبي طالب ص 29: شرح ابن أبي الحديد 3: 312 وله قوله مخاطبا للنبي الأعظم صلى الله عليه وآله : والله لـــــن يصلــوا إليك بجمعهم * حـــــتـــــى أوسد في التراب دفينا

فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة * وابشـــــر بـــذاك وقر منك عيونا

ودعوتني وعـــــلمت أنك ناصحي * ولقـــــد دعــوت كنت ثم أمينا(2)

ولقـــــد عـــــلمت بـأن دين محمد * من خـــــير أديـــــان البــرية دينا

رواها الثعلبي في تفسيره وقال: قد اتفق على صحة نقل هذه الأبيات عن أبي طالب مقاتل، وعبد الله بن عباس، والقسم بن محضرة، وعطاء بن دينار.

راجع خزانة الأدب للبغدادي 1: 261، تاريخ ابن كثير 3: 42، شرح ابن الحديد 3: 306 تاريخ أبي الفدا ج 1 ص 120، فتح الباري 7: 153، 155 الإصابة 4: 116، المواهب اللدنية 1: 61، السيرة الحلبية 1: 305، ديوان أبي طالب ص 12، طلبة الطالب ص 5 بلوغ الأرب 1: 325، السيرة النبوية لزيني دحلان هامش الحلبية 1: 91، 211 ، وذكر البيت الأخير في أسني المطالب ص 6 فقال: عده البرزنجي من كلام أبي طالب المعروف .

 لفت نظر زاد القرطبي وابن كثير في تاريخه على الأبيات :

لولا الملامة أو حذاري سبة * لوجـــدتني سمحا بذاك مبينا

قال السيد أحمد زيني دحلان المطالب ص 14: فقيل: إن هذا البيت موضوع أدخلوه في شعر أبي طالب وليس من كلامه .

 

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في رواية شيخ الطائفة: مبرم .

 (2) وفي رواية القسطلاني :

ودعوتني وزعمت أنك ناصحي * ولقد صدقت وكنت ثم أمينــــا

 

/ صفحة 335 /

قال الأميني: هب أن البيت الأخير من صلب ما نظمه أبو طالب عليه السلام فإن أقصى ما فيه أن العار والسبة الذين كان أبو طالب عليه السلام يحذرهما خيفة، أن يسقط محله عند قريش فلا تتسنى له نصرة الرسول المبعوث صلى الله عليه وآله إنما منعاه عن الابانة والإظهار لاعتناق الدين ، وإعلان الإيمان بما جاء به النبي الأمين، وهو صريح قوله: لوجدتني سمحا بذاك مبينا ، أي مظهرا، وأين هو عن اعتناق الدين في نفسه، والعمل بمقتضاه من النصرة والدفاع ؟ ولو كان يريد به عدم الخضوع للدين لكان تهافتا بينا بينه وبين أبياته الأولى التي ينص فيها بأن دين محمد صلى الله عليه وآله من خير أديان البرية دينا، وأنه صلى الله عليه وآله وسلم صادق في دعوته أمين على أمته .

 ومن شعره قوله قد غضب لعثمان بن مظعون حين عذبته قريش ونالت منه :

أمن تذكر دهر غير مأمون * أصبحت مكتئبا تبكي كمحزون

أم مـــــن تذكـــــر أقــــوام ذوي سفه * يغشون بالظلم من يدعو إلى الدين؟!

ألا تـــــرون أذل الله جـــــمعـــــكـــــم * إنـــــا غـــــضبنا لعثمان بن مظعون؟

ونمنـــــع الضيــــم من يبغي مضيمنا * بكـــــل مطـــــرد فــــي الكف مسنون

ومرهـــــفات كـــــأن المـــلح خالطها * يشفــــى بها الداء من هام المجانين

حتـــــى تقـــــر رجـــــــال لا حلوم لها * بعـــــد الصعــــوبة بالأسماح واللين

أو تؤمنوا بكـــــتاب منـــــزل عجــــب * على نبي كموسى أو كذي النون(1)

ومن شعره يمدح النبي الأعظم صلى الله عليه وآله قوله :

لقـــــد أكـــــرم الله النبي محمدا * فأكرم خلق الله في الناس أحمد

وشق له من إسمـــــه ليجـــــله * فذو العرش محمود وهذا محمد

أخرجه البخاري في تاريخه الصغير من طريق علي بن يزيد، وأبو نعيم في دلائل النبوة 1 ص 6، وابن عساكر في تاريخه 1: 275، وذكره له ابن أبي الحديد في شرحه 3: 315، وابن كثير في تاريخه 1 ص 266، وابن حجر في الإصابة 4: 115 ، القسطلاني في المواهب اللدنية 1: 518 نقلا عن تاريخ البخاري، والديار بكري في تاريخ الخميس 1 ص 254 فقال: أنشأ أبو طالب في مدح النبي أبياتا منها هذا البيت

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) شرح ابن أبي الحديد 3: 313.

 

/ صفحة 336 /

وشق له من إسمه ليجله *. . . . . . . . . . . . . . . . . .

 وحسان بن ثابت ضمن شعره هذا البيت فقال :

ألم تر أن الله أرسل عبده * بآياته والله أعلى وأمجد

وشق له من إسمه ليجله *. . . . . . . . . . . . . . . .

 والزرقاني في شرح المواهب 3: 156 وقال: توارد حسان معه أو ضمنه شعره وبه جزم في الخميس، أسنى المطالب ص 14 .

 ومن شعره المشهور كما قاله ابن أبي الحديد في شرحه 3: 315 :

أنـــــــت النـــــــبي محــمد * قـــــــرم أغـــــــر مســود

لمســـــــو ديـــــــن أكـارم * طـــــــابوا وطــاب المولد

نعـــــــم الأرومـــة أصلها * عمــــــرو الخضم الأوحد

هشــــم الربيكة في الجفا * ن وعـــــــيش مكـــة أنكد

فجـــــــرت بـــــــذلك سنة * فيـــــــها الخبــــــيرة تثرد

ولنـــــــا السقــاية للحجيـ * ــج بهـــــــا يمـات العنجد

والمأزمان(1) وما حوت * عــرفـــــــانها والمسجــد

أنى تضـــــــام ولـــم أمت * وأنـــــــا الشجــاع العربد

وبطـــــــاح مكـــة لا يرى * فيـــــــها نجـــــــيع أسـود

وبنـــــــوا أبـــــــيك كأنهم * أســـــــد العـــرين توقدوا

ولقـــــــد عهـــدتك صادقا * فـــــــي القــــــول لا يتزيد

ما زلـــت تنطق بالصواب * وأنـــــــت طفـــــــل أمــرد

جاء أبو جهل بن هشام إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وهو ساجد وبيده حجر يريد أن يرميه به فلما رفع يده لصق الحجر بكفه فلم يستطع ما أراد فقال أبو طالب :

أفيقــــوا بنـــي غالب ! وانتهوا * عن الغي من بعض ذا المنطق

وإلا فــــــإني إذن خــــــائـــــف * بــــــوائق فــــــي داركــم تلتقي

تكــــــون لغــــــيركم عــــــبـرة * ورب المغــــــارب والمــــشرق

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المأزمان: موضع بمكة بين المشعر الحرام وعرفة وهو شعب بين جبلين.

 

/ صفحة 337 /

كمــــــا نال مـن لان من قبلكم * ثمــــــود وعــــــاد ومــــاذا بقي

غــــــداة أتـــــاهم بها صرصر * وناقــــــة ذي العرش قد تستقي

فحــــــل عــــــليهم بها سخطه * مــــــن الله فـــي ضربة الأزرق

غــــــداة يعــــــض بعـــرقوبها * حــــــساما مـــن الهند ذا رونق

وأعجـــــب من ذاك في أمركم * عجــــــائب في الحجر الملصق

بكــــــف الـــــذي قام من خبثه * إلــــى الصابر الصادق المتقي

فأثــــــبته الله فــــــي كــــــفــه * عــــــلى رغمه الجائر الأحمق

أحيمــــــق مخزومكم إذ غوى * لغــــــي الغــــــواة ولــم يصدق

ديوان أبي طالب ص 13، شرح ابن أبي الحديد 3: 314 .

 قال ابن أبي الحديد في شرحه 3: 314: قالوا وقد اشتهر عن عبد الله المأمون رحمه الله إنه كان يقول: أسلم أبو طالب والله بقوله :

نصرت الرسول رسول المليك * ببـــــيــــض تلالا كلمع البروق

أذب وأحــــــمي رسولا الإلـــه * حــــــماية حــــــام عليه شفيق

ومــــا إن أدب لأعــــــدائــــــه * دبيــــب البكار حذار الفنيق(1)

ولكــــــن أزيــــــر لهــم ساميا * كــــــما زار ليــث بغيل مضيق

وتوجد هذه الأبيات مع بيت زائد في ديوانه ص 24 .

 ولسيدنا أبي طالب أبيات كتبها إلى النجاشي بعد ما خرج عمرو بن العاص إلى بلاد الحبشة ليكيد جعفر بن أبي طالب وأصحابه عند النجاشي.

 يحرض النجاشي على إكرام جعفر والاعراض مما يقول عمرو منها :

ألا ليت شعري كيف في الناس جعفر * وعـــــمرو وأعـــداء النبي الأقارب

وهـــــل نال إحسان النجاشي جعفرا * وأصحابه أم عاق عن ذاك شاغب ؟

تعلـــــم أبـــــيت اللعـــــن أنــك ماجد * كـــــريم فـــــلا يشقى إليك المجانب

ونــعـــــلم أن الله زادك بســـــطـــــة * وأسباب خـــــير كـــــلها بـــك لازب

تاريخ ابن كثير 3: 77، شرح ابن أبي الحديد 3: 314 .

 

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الفنيق: الفحل المكرم لا يؤذى ولا يركب لكرامته ج فنق وأفناق.

 

/ صفحة 338 /

قال ابن أبي الحديد في شرحه 3: 315: ومن شعره المشهور أيضا قوله يخاطب محمدا، ويسكن جأشه، ويأمره بإظهار الدعوة :

لا يمنعـــــنك مــن حق تقـوم به * أيد تصــــول ولا سلق بأصوات

فإن كـــــفك كـفى إن مليت بهم * ودون نفسك نفسي في الملمات

قال ابن هشام: ولما خشي أبو طالب دهماء العرب أن يركبوه مع قومه قال قصيدته التي تعوذ فيها بحرم مكة وبمكانه منها، وتودد فيها أشراف قومه وهو على ذلك يخبرهم وغيرهم في ذلك من شعره أنه غير مسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا تاركه لشئ أبدا، حتى يهلك دونه فقال أبو طالب :

خلــــــيلي مــــــا أذنــــــي لأول عــاذل * بصغــــــواء فـــــي حق ولا عند باطل

ولمــــــا رأيــــــت القـــــوم لا ود فيهم * وقــــــد قطعـــوا كل العرى والوسائل

وقــــــد صارحــــــونا بالعداوة والأذى * وقــــــد طاوعــــوا أمر العدو المزايل

وقــــــد حــــالفوا قوما علينا أظنة(1) * يعــــــضون غــــــيظا خلــفنا بالأنامل

صبــــــرت لهم نفسي بسمراء سمحة * وأييض عضب من تراث المقاول(2)

أعوذ بــــــرب النــــاس من كل طاعن * عــــــلينا بســــــوء أو ملــــــح بباطل

ومــــــن كاشــــــح يسعـــى لنا بمعيبة * ومــــن ملحق في الدين ما لم نحاول

وثــــــور ومــــــن أرسى ثبــيرا مكانه * وراق ليرقــــــي في حراء ونازل(3)

وبالبــــــيت حــــق البيت من بطن مكة * وبالله إن الله ليــــــس بغــــــافــــــل

وبالحجــــــر المســـــــود إذ يمسحونه * إذا اكتنفــــــوه بالضحـــى والأصائل

كــــــذبتم وبــــــيت الله نتــــــرك مكــة * ونضعــــــن إلا أمــــــركم فــي بلابل

كذبتــــــم وبــــــيت الله نــــبزي محمدا * ولما نطاعــــــن دونــــــه ونـــناضل

ونســــــلمه حــــــتى نـــــصـرع حوله * ونــــــذهل عــــــن أبــنائنا والحلائل

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) اظنة جمع ظنين: المتهم .

(2) سمراء سمحة: أراد بها قناة لينة تسمح بالانعطاف عند هزها.

 العضب: القاطع، المقاول أراد بها السادات (3) ثور وثبير وحراء جبال في مكة.

 

/ صفحة 339 /

وينـــــهض قـــــوم بالحـــــديد إليكم * نهوض الروايا تحت ذات الصلاصل(1)

وحـــــتى نرى ذا الضغن يركب ردعه * من الطعــن فعل الأنكب المتحامل(2)

وإنا لعمـــــر الله إن جـــــد مــــا أرى * لنلتبـــــسن أسيـــــافنا بـــــالأماثــــــل

بكـــــفي فتــــــى مثل الشهاب سميدع * أخـــــي ثقـــــة حـــامي الحقيقة باسل

شهـــــورا وأيـــاما وحولا مجرما(3) * عـــــلينا وتـــــأتي حجـــــة بعــــد قابل

ومـــــا تــــرك قوم - لا أبا لك - سيدا * يحـــــوط الـذمار غير ذرب مـواكل(4)

وأبـــــيض يستســــقى الغمام بوجهه * ثـــــمال اليـــــتامى عـــصمــة للأرامل

يلوذ بـــــه الهـــــلاك مـــن آل هـاشم * فهـــــم عـــــنده فـــي رحمــة وفواضل

بميـــــزان قســـــط لا يخــيس شعيرة * لـــــه شـاهد من نفسه غير عــائل(5)

لقـــــد سفـــــهت أحلام قـــــوم تبدلوا * بنـــــي خــلف قيضا بنا والغياطـــل(6)

ونحن الصميـــــم من ذؤابــــة هاشم * وآل قـــــصي فـــــي الخطوب الأوائـــل

وسهـــــم ومخـــــزوم تمـالوا وألبوا * عـــلينا العدا من كل طمل وخامـــل(7)

فعـــــبد منـــــاف أنـــــتم خير قومكم * فــلا تشركوا في أمركم كل واغـــل(8)

ألـــــم تعـــــلموا أن ابنــــنا لا مكذب * لـــــدينا ولا نعـــــبأ بقــــول الأباطـــل ؟

أشـــــم مـــــن الشــم البهاليل ينتمي * إلـــــى حسب في حومة المجد فاضـــل

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الروايا: الإبل التي تحمل الماء، واحدتها: رواية.

 الصلاصل ج الصلصلة: الصوت وذات الصلاصل: المزادات التي فيها بقية من الماء يسمع لها صوت حين تسير الإبل .

 (2) يقال: ركب ردعه، أي خر صريعا لوجهه، الأنكب: الذي يمشي على شق .

 (3) حولا مجرما: أي مكملا يقال: تجرمت السنة إذا كملت وانقضت .

 (4) الذمار: ما يلزمك أن تحميه. ذوب: فاسد. مواكل: يتكل على غيره .

 (5) لا يخيس من قولهم: خاس بالعهد إذا نقضه وأفسده ويروى " لا يخس " أي لا ينقص عائل: جائر .

 (6) قيضا بنا: عوضا منا تقول: قاضه بكذا أي عوضه به.

 الغيطلة: من بني مرة بن عبد مناة إخوة مدلج بن مرة وهي أم الغياطل فقيل لولدها: الغياطل وهم من بني سهم بن عمرو بن هصيص .

(7) الطمل: الرجل الفاحش لا يبالي ما صنع اللئيم، الأحمق. اللص الفاسق .

 (8) كل واغل، أراد كل ملصق ليس من صميم، وأصل الواغل الداخل على القوم وهم يشربون من غير أن يدعى.

 

/ صفحة 340 /

لعـــــمري لقـــــد كــلفت وجدا بأحمد * وأحبـــــبته حـــــب الحبــيب المواصل

فـــــلا زال فــــي الدنيا جمالا لأهلها * وزيـــــنا لمـــــن والاه رب المشـــاكل

فأصبـــــح فيـــــنا أحـــمد في أرومة * تقـــــصر عـــــنه ســـــورة المتـطاول

حـــــدبت بنـــــفسي دونـــــه وحميته * ودافعـــــت عــــند بالذرا والكلاكل(1)

فأيـــــده رب العـــــباد بنـــــصـــــــره * وأظهـــــر ديـــــنا حـــــقه غــير باطل

هذه القصيدة ذكر منها ابن هشام في سيرته 1 ص 286 - 298، أربعة وتسعين بيتا وقال: هذا ما صح لي من هذه القصيدة.

 وذكر ابن كثير من اثنين وتسعين بيتا في تاريخه 3 ص 53 - 57، وفي رواية ابن هشام ثلاثة أبيات لم توجد في تاريخ ابن كثير وقال: ص 57 قلت: هذه قصيدة عظيمة بليغة جدا لا يستطيع يقولها إلا من نسبت إليه، وهي أفحل من المعلقات السبع، وأبلغ في تأدية المعنى فيها جميعا، وقد أوردها الأموي في مغازيه مطولة بزيادات أخر والله أعلم .

 وذكرها أبو هفان العبدي في ديوان أبي طالب ص 2 - 12 في مائة وأحد عشر بيتا ولعلها تمام القصيدة .

 وقال ابن أبي الحديد في شرحه 2: 315 بعد ذكر جملة من شعر أبي طالب: فكل هذه الأشعار قد جاءت مجئ التواتر لأنه إن لم يكن آحادها متواترة فمجموعها يدل على أمر واحد مشترك وهو تصديق محمد صلى الله عليه وآله ومجموعها متواتر كما أن كل واحدة من قتلات علي عليه السلام الفرسان منقولة آحادا ومجموعها متواتر يفيدنا العلم الضروري بشجاعته، وكذلك القول فيما روي من سخاء حاتم وحلم الأحنف ومعاوية وذكاء إياس وخلاعة أبي نواس وغير ذلك.

 قالوا: واتركوا هذا كله جانبا ما قولكم في القصيدة اللامية التي شهرتها كشهرة قفا نبك.

 وإن جاز الشك فيها أو في شئ من أبياتها جاز الشك في قفا نبك وفي بعض أبياتها .

 وقال القسطلاني في إرشاد الساري 2: 227: قصيدة جليلة بليغة من بحر الطويل وعدة أبياتها مائة وعشرة أبيات قالها لما تمالا قريش على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ونفروا عنه من يريد الاسلام ،

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) حديت: عطفت ومنعت * الذرا جمع ذرة: أعلى ظهر البعير. الكلاكل جمع كلكل : معظم الصدر.

 

/ صفحة 341 /

وذكر منها في المواهب اللدنية 1: 48، أبياتا فقال: هي أكثر من ثمانين بيتا قال ابن التين: إن في شعر أبي طالب هذا دليلا على أنه كان يعرف نبوة النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث لما أخبره به " بحيرا " وغيره من شأنه.

 وقال العيني في عمدة القاري 3: 434 : قصيدة طنانة وهي مائة بيت وعشرة أبيات أولها : خليلي ما أذني لأول عاذل

* بصغواء في حق ولا عند باطل ذكر منها البغدادي في خزانة الأدب 1: 252 - 261 اثنين وأربعين بيتا مع شرحها وقال أولها :

خـــــليلي مــا أذني لأول عاذل * بصغواء في حل ولا عند باطل

خليلي إن الـرأي ليس بشركة * ولا نهنــــه عند الأمور البلابل

ولما رأيت القوم لا ود عندهم * وقد قطعوا كل العرا والوسائل

وذكر الآلوسي عدة منها في بلوغ الإرب 1 ص 237 وذكر كلمة ابن كثير المذكورة وقال: هي مذكورة مع شرحها في كتاب لب لباب لسان العرب .

 وذكر منها السيد زيني دحلان أبياتا في السيرة النبوية هامش الحلبية 1 ص 88 فقال: قال الإمام عبد الواحد(1) السفاقسي في شرح البخاري: إن في شعر أبي طالب هذا دليلا على أنه كان يعرف نبوة النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث لما أخبره به " بحيرا " الراهب وغيره من شأنه مع ما شاهده من أحواله ومنها الاستسقاء به في صغره ومعرفة أبي طالب بنبوته صلى الله عليه وسلم جاءت في كثير من الأخبار زيادة على أخذها من شعره .

 قال الأميني: أنا لا أدري كيف تكون الشهادة والاعتراف بالنبوة إن لم يكن منها هذا الأساليب المتنوعة المذكورة في هذه الأشعار ؟ ولو وجد واحد منها في شعر أي أحد أو نثره لأصفق الكل على إسلامه، لكن جميعها لا يدل على إسلام أبي طالب . فاعجب واعتبر .

هذه جملة من شعر أبي طالب عليه السلام الطافح من كل شطره الإيمان الخالص ، والاسلام الصحيح قال العلامة الأوحد ابن شهر آشوب المازندراني في كتابه متشابهات القرآن عند قوله تعالى(ولينصرن الله من ينصره) في سورة الحج: إن أشعار أبي طالب

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) هو ابن التين المذكور في كلام القسطلاني.

 

/ صفحة 342 /

الدالة على إيمانه تزيد على ثلاثة آلاف بيت يكاشف فيها من يكاشف النبي صلى الله عليه وآله و يصحح نبوته ثم ذكر جملة ضافية ومما ذكر له قوله في وصيته :

أوصـــــي بنـــــصر نبـــي الخير أربعة * إبـــــني عـــــليا وشيـــخ القوم عباسا

وحمـــــزة الأســـــد الحــــامي حقيقته * وجعـــــفرا أن تـــــذودا دونــــه الناسا

كـــــونوا فـــــداء لكـم أمي وما ولدت * في نصر أحمد دون الناس أتراسا(1)

 

- 2 -

ما ناء به من عمل بار وقول مشكور

أما ما ناء به سيد الأباطح أبو طالب سلام الله عليه من عمل بار وسعي مشكور في نصرة النبي صلى الله عليه وآله وكلائته والذب عنه والدعوة إليه وإلى دينه الحنيف منذ بدء البعثة إلى أن لفظ أبو طالب نفسه الأخير وقد تخلل ذلك جمل من القول كلها نصوص على إسلامه الصحيح، وإيمانه الخالص، وخضوعه للرسالة الإلهية، فإلى الملتقى .

 روى القوم :

 

- 1 -

قال ابن إسحاق: إن أبا طالب خرج في ركب إلى الشام تاجرا فلما تهيأ للرحيل وأجمع السير هب له رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ بزمام ناقته وقال: يا عم إلى من تكلني لا أب لي ولا أم لي ؟ فرق له أبو طالب وقال: والله لأخرجن به معي ولا يفارقني ولا أفارقه أبدا.

 قال: فخرج به معه فلما نزل الركب " بصرى " من أرض الشام وتهيأ راهب يقال له: بحيرا.

 في صومعة له وكان أعلم أهل النصرانية ولم يزل في تلك الصومعة راهب إليه يصير علمهم من كتاب فيهم كما يزعمون يتوارثونه كائنا عن كائن، فلما نزلوا ذلك العام ببحيرا وكانوا كثيرا ما يمرون عليه قبل ذلك فلا يكلمهم ولا يتعرض لهم حتى إذا كان ذلك العام نزلوا به قريبا من صومعته فصنع لهم طعاما كثير وذلك فيما يزعمون عن شئ رآه وهو في صومعته في الركب حين أقبلوا، وغمامة تظله صلى الله عليه وآله من بين القوم.

 ثم أقبلوا حتى نزلوا بظل شجرة قريبا منه فنظر إلى الغمامة حتى أظلت

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في النسخة المطبوعة من متشابهات القرآن تصحيف وتحريف في الأبيات راجع ج 2 ص 65.

 

/ صفحة 343 /

الشجرة وتهصرت يعني تدلت أغصانها على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى استظل تحتها فلما رأي " بحيرا " ذلك نزل من صومعته وقد أمر بذلك الطعام فصنع ثم أرسل إليهم فقال: إني قد صنعت لكم طعاما يا معشر قريش ! وأنا أحب أن تحضروا كلكم صغيركم وكبيركم وحركم وعبدكم فقال له رجل منهم: يا بحيرا ! إن لذلك اليوم لشأنا ما كنت تصنع هذا فيما مضى وقد كنا نمر بك كثيرا فما شأنك اليوم ؟ فقال له بحيرا : صدقت قد كان ما تقولون ولكنكم ضيوف فأحببت أن أكرمكم وأصنع لكم طعاما تأكلون منه كلكم، فاجتمعوا إليه وتخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين القوم لحداثة سنه في رحال القوم تحت الشجرة فلما نظر " بحيرا " في القوم لم ير الصفة التي يعرفها وهي موجودة عنده فقال: يا معشر قريش ! لا يتخلف أحد عنكم عن طعامي هذا فقالوا: يا بحيرا ! ما تخلف عنك أحد ينبغي أن يأتيك إلا غلام هو حدث القوم سنا تخلف في رحالهم قال: فلا تفعلوا ادعوه فليحضر هذا الطعام معكم، فقال رجل من قريش: واللات والعزى إن لهذا اليوم نبأ.

 أيليق أن يتخلف ابن عبد الله عن الطعام من بيننا ؟ ثم قام إليه فاحتضنه ثم أقبل به حتى أجلسه مع القوم فلما رئاه " بحيرا " جعل يلحظه لحظا شديدا وينظر إلى أشياء من جسده قد كان يجدها عنده في صفته حتى إذا فرغ القوم من الطعام وتفرقوا قام " بحيرا " فقال له: يا غلام أسألك باللات والعزى إلا أخبرتني عما أسألك عنه.

 فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تسألني باللات والعزى شيئا قط، فقال بحيرا : فبالله إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه.

 فقال: سلني عما بدا لك.

 فجعل يسأله عن أشياء من نومه وهيئته وأموره ورسول الله يخبره فيوافق ذلك ما عند " بحيرا " من صفته ثم نظر إلى ظهره فرأى خاتم النبوة بين كتفيه على موضعه من صفته التي عنده.

 الحديث فقال أبو طالب في ذلك .

إن ابن آمنة النبـــــي محمدا * عـــــــندي يفوق منازل الأولاد

لما تعــــــــلق بالزمام رحمته * والعيس قد قلصن(1) بالأزواد

فارفض من عيني دمع ذارف * مثـــل الجـــمان مفرق الأفراد

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) قلص القوم: اجتمعوا فساروا. قلصت الناقة: استمرت في مضيها. تقلص: انضم وانزوى . تدانى.

 

/ صفحة 344 /

فارفض من عيني دمـــــع ذارف * مثـــل الجـــمان مفــــرق الأفراد

فارفض من عيني دمــــع ذارف * مثـــل الجـــمان مفـــــرق الأفراد

راعيت فيه قرابـــــة مــوصولة * وحفظت فيـــــه وصيـــــة الأجـداد

وأمـــــرته بالسيــر بين عمومة * بيض الوجوه مصالت أنجـــاد(1)

ســـــاروا لأبعـــــد طية معلومة * فلقـــــد تباعـــد طية(2) المـــرتاد

حتى إذا ما القوم بصرى عاينوا * لاقــوا على شرك من المرصـــاد

حبـــــرا فأخـــبرهم حديثا صادقا * عـــــنـــــه ورد معــــاشر الحساد

قـــــوم يهــــود قد رأوا لما رأى * ظـــل الغمام وعن ذي الأكباد(3)

ثـــــاروا لقتـــــل محــمد فنهاهم * عـــــنـــــه وجاهد أحسن التجهاد

فثـــــنى زبـيرا من بحيرا فانثنى * فـــــي القـــــوم بعـد تجاول وبعاد

ونهــى دريسا فانتهى عـن قوله * حبـــــر يـــــوافق أمـــــره برشاد

وقال أيضا :

ألـــــم تــــرني من بعدهم هممته * بفـــــرقة حـــــر الــــوالدين حرام

بأحـــــمد لمــــا أن شددت مطيتي * برحـــــلي وقـــــد ودعـــته بسلام

بكـــى حزنا والعيس قد فصلت بنا * وأخـــــذت بالكــــفين فضل زمام

ذكـــــرت أبــــــاه ثم رقرقت عبرة * تجـــــود مــن العينين ذات سجام

فقـــلت: ترحل راشدا في عمومة * مـــــواسير في البأساء غير لئام

فجـــاء مع العير التي راح ركبها * شـآمي الهوى والأصل غير شآم

فلما هبطنا أرض بصرى تشرفوا * لنا فـــــوق دور ينظـــرون جسام

فجاء بحيرا عند ذلك حـــــاشــــدا * لنـــــا بشـــــراب طيـــــب وطعام

فقــال: اجمعوا أصحابكم لطعامنا * فـــــقلنا: جمعنا القوم غير غلام

يتـــــيم فـــقال: ادعوه إن طعامنا * كثـــــير عـــــليه اليوم غير حرام

فلـــــولا الـــذي خبرتم عن محمد * لكنـــــتم لـــــدينا اليوم غير كرام

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مصالت: الماضي في الحوائج، الصلت الجبين: الواضح. أنجاد ج النجد: الضابط للأمور يذلل المصائب. الشجاع الماضي فيما يعجز غيره. سريع الاجابة إلى ما دعي إليه .

 (2) في الموضعين في رواية: طبة. بالموحدة مؤنث الطب بفتح الطاء: الناحية .