فهرس الكتاب

مكتبة الإمام أميرالمؤمنين (ع)

مكتبة الموقع

 

 

/ صفحة 33 /

القرن التاسع

74

الحافظ البرسي الحلي

هو الشمس ؟ أم نور الضريح يلوح ؟ * هـو المسك ؟ أم طيب الوصي يفوح ؟

وبحـــر ندا ؟ أم روضة حوت الهدى ؟ * وآدم ؟ أم ســـر المهيـــمـــن نـــوح ؟

وداود هـــذا ؟ أم سليـــــمان بعــــده ؟ * وهارون؟ أم موسى العصا ومسيح ؟

وأحـــــمد هــذا المصطفى ؟ أم وصيه * علي ؟ نمـــــاه هـــــاشـــــم وذبـــــيح

محـــــيط سمـــــاء المجـــــد بدر دجنة * وفلـــــك جـــــمال للأنـــــام ويوح(1)

حبيـــــب حبيـــــب الله بـــــل سـر سره * وجثـــــمان أمـــــر للخـــــلائـق روح

لـــــه النص في (يوم الغدير) ومدحــه * من الله فـــــي الذكر المبــين صريح

إمـــــام إذا ما المـــــرء جـــــاء بحـبه * فميـــــزانه يـــــوم المعـــــاد رجــيح

لـــــه شيعـــــة مثـــــل النجـوم زواهر * لها بـــــين كـــــل العــالمين وضـوح

إذا قـــــاولت فالحـــــق فيـــــما تقـوله * به النـــــور بـــــاد واللســـان فصيح

وإن جـــــاولت أو جادلت عن مرامها * تـــــولى العـــــدو الجــلد وهو طريح

عليـــــك ســـــلام الله يا راية الهـــدى * ســـــلام سليـــــم يغـــــتــدي ويروح

وتأتي له قصيدة منها قوله :

مـــــولى له بـــــغدير خـــــم بـــــيــــعة * خضعـــت لها الأعناق وهي طوايح

 

(الشاعر)

الحافظ الشيخ رضي الدين رجب بن محمد بن رجب البرسي الحلي، من عرفاء علماء الإمامية وفقهائها المشاركين في العلوم، على فضله الواضح في فن الحديث ، وتقدمه في الأدب وقرض الشعر وإجادته، وتضلعه من علم الحروف وأسرارها واستخراج

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) يوح: الشمس.

 

/ صفحة 34 /

فوائدها، وبذلك كله تجد كتبه طافحة بالتحقيق ودقة النظر، وله في العرفان والحروف مسالك خاصة، كما أن له في ولاء أئمة الدين عليهم السلام آراء ونظريات لا يرتضيها لفيف من الناس، ولذلك رموه بالغلو والارتفاع، غير إن الحق أن جميع ما يثبته المترجم لهم عليهم السلام من الشئون هي دون مرتبة الغلو غير درجة النبوة، وقد جاء عن مولانا أمير المؤمنين عليه السلام قوله: إياكم والغلو فينا، قولوا: إنا عبيد مربوبون.

 وقولوا في فضلنا ما شئتم(1) وقال الإمام الصادق عليه السلام: اجعل لنا ربا نؤوب إليه وقولوا فينا ما شئتم، وقال عليه السلام: وقال عليه السلام: إجعلونا مخلوقين وقولوا فينا ما شئتم فلن تبلغوا(2) .

 وأنى لنا البلاغ مدية ما منحهم المولى سبحانه من فضائل ومآثر ؟ وأنى لنا الوقوف على غاية ما شرفهم الله به من ملكات فاضلة، ونفسيات نفيسة، وروحيات قدسية، وخلائق كريمة، ومكارم ومحامد ؟ فمن ذا الذي يبلغ معرفة الإمام ؟ أو يمكنه اختياره ؟ هيهات هيهات ضلت العقول، وتاهت الحلوم، وحارت الألباب، وخسئت العيون، وتصاغرت العظماء، وتحيرت الحكماء، وتقاصرت الحلماء، وحصرت الخطباء، وجهلت الألباء، وكلت الشعراء، وعجزت الأدباء، وعييت البلغاء عن وصف شأن من شأنه، وفضيلة من فضائله، وأقرت بالعجز والتقصير، وكيف يوصف بكله ؟ أو ينعت بكنهه ؟ أو يفهم شئ من أمره ؟ أو يوجد من يقوم مقامه ويغني غناه ؟ لا.

 كيف ؟ وأنى ؟ فهو بحيث النجم من يد المتناولين ووصف الواصفين، فأين الاختيار من هذا ؟ وأين العقول عن هذا ؟ وأين يوجد مثل هذا ؟(3) .

 ولذلك تجد كثيرا من علمائنا المحققين في المعرفة بالأسرار يثبتون لأئمة الهدى صلوات الله عليهم كل هاتيك الشئون وغيرها مما لا يتحمله غيرهم، وكان في علماء قم من يرمي بالغلو كل من روى شيئا من تلكم الأسرار حتى قال قائلهم: إن أول مراتب الغلو نفي السهو عن النبي صلى الله عليه وآله إلى أن جاء بعدهم المحققون وعرفوا الحقيقة فلم يقيموا لكثير من تلكم التضعيفات وزنا، وهذه بلية مني بها كثيرون من أهل الحقائق

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الخصال لشيخنا الصدوق .

(2) بصائر الدرجات للصفار .

(3) من قولنا: فمن ذا الذي يبلغ. إلى هنا مأخوذ من حديث رواه شيخنا الكليني ثقة الاسلام في أصول الكافي ص 99 عن الإمام الرضا صلوات الله عليه.

 

/ صفحة 35 /

والعرفان ومنهم المترجم، ولم تزل الفئتان على طرفي نقيض، وقد تقوم الحرب بينهما على أشدها، والصلح خير .

 وفذلكة المقام أن النفوس تتفاوت حسب جبلاتها واستعداداتها في تلقي الحقائق الراهنة، فمنها ما تبهظه المعضلات والأسرار، ومنها ما ينبسط لها فيبسط إليها ذراعا و يمد لها باعا، وبطبع الحال أن الفئة الأولى لا يسعها الرضوخ لما لا يعلمون، كما أن الآخرين لا تبيح لهم المعرفة أن يذروا ما حققوه في مدحرة البطلان، فهنالك تثور المنافرة، وتحتدم الضغائن، وتحن نقدر للفريقين مسعاهم لما نعلم من نواياهم الحسنة وسلوكهم جدد السبيل في طلب الحق ونقول :

على المرء أن يسعى بمقدار جهده * وليـــــس عـــــليه أن يكــون موفقا

ألا إن الناس لمعادن كمعادن الذهب والفضة(1) وقد تواتر عن أئمة أهل البيت عليهم السلام: أن أمرنا، أو حديثنا.

 صعب مستصعب لا يتحمله إلا نبي مرسل أو ملك مقرب، أو مؤمن امتحن الله قلبه بالايمان(2) إذن فلا نتحرى وقيعة في علماء الدين ولا نمس كرامة العارفين، ولا ننقم من أحد عدم بلوغه إلى مرتبة من هو أرقي منه ، إذ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها.

 وقال مولانا أمير المؤمنين عليه السلام لو جلست أحدثكم ما سمعت من فم أبي القاسم صلى الله عليه وآله وسلم لخرجتم من عندي وأنتم تقولون: إن عليا من أكذب الكاذبين(3) .

 وقال إمامنا السيد السجاد عليه السلام: لو علم أبو ذر ما في قلب سلمان لقتله، ولقد آخا رسول الله صلى الله عليه وآله بينهما فما ظنكم بسائر الخلق(4) وكلا وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما ، وإلى هذا يشير سيدنا الإمام السجاد زين العابدين عليه السلام بقوله :

إنـــي لأكتم من علمي جواهره * كيلا يرى الحق ذو جهل فيفتتنا

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) حديث ثابت عند الفريقين .

(2) بصائر الدرجات للصفار ص 6، أصول الكافي ص 216 .

(3) منح المنة للشعراني ص 14 .

(4) بصائر الدرجات للصفار ص 7 آخر الباب الحادي عشر من الجزء الأول. أصول الكافي لثقة الاسلام الكليني ص 216.

 

/ صفحة 36 /

وقــــد تقـدم في هــــذا أبـــو حسـن * إلى الحسنين وأوصى قبله الحسنا

فــــرب جوهـر عــــلم لــو أبوح به * لقيــــل لـــي: أنت ممن يعبد الوثنا

ولا ستحــــل رجـــال مسلمون دمي * يــــرون أقبـح ما يأتونه حسنا(1)

ولسيدنا الأمين في أعيان الشيعة 31: 193 - 205 في ترجمة الرجل كلمات لا تخرج عن حدود ما ذكرناه ومما نقم عليه به اعتماده على علم الحروف والأعداد الذي لا تتم به برهنة ولا تقوم به حجة، ونحن وإن صافقناه على ذلك إلا إن للمترجم له ومن حذا حذوه من العلماء كابن شهر آشوب ومن بعده عذرا في سرد هاتيك المسائل فإنها أشبه شيئ بالجدل تجاه من ارتكن إلى أمثالها في أبواب أخرى من علماء الحروف من العامة كقول العبيدي المالكي في عمدة التحقيق ص 155: قال بعض علماء الحروف : يؤخذ دوام ناموس آل الصديق وقيام عزته إلى انتهاء الدنيا من سر قوله تعالى: في ذريتي.

 فإن عدتها بالجمل الكبير ألف وأربعمائة ي مظنة تمام الدنيا كما ذكره بعضهم فلا يزالون ظاهرين بالعزة والسيادة مدة الدنيا، وقد استنبط تلك المدة عمدة أهل التحقيق مصطفى لطف الله الرزنامجي الديوان المصري من قوله تعالى: لا يلبثون خلافك إلا قيلا، قال ما لفظه: إذ أسقطنا مكررات الحروف كان الباقي(ل ا ي ب ث ون خ ف ك ق) أحد عشر حرفا عددهم بالجمل الكبير ألف وثلثمائة وتسعة وتسعين زدنا عليه عدد الحروف وهو أحد عشر صار المجموع وهو ألف وأربعمائة عشرة وهو مطابق لقوله تعالى: ذريتي.

 وسمعت ختام الأعلام الشيخ يوسف الفيشي رحمه الله يقول: قال محمد البكري الكبير: يجلس عقبنا مع عيسى بن مريم على سجادة واحدة وهذا يقوى تصحيح ذلك الاستنباط. ه‍ .

 ونحن لا ندري ماذا يعني سيدنا الأمين بقوله: وفي طبعه شذوذ وفي مؤلفاته خبط وخلط وشيئ من المغالات لا موجب له ولا داعي إليه وفيه شيئ من الضرر وإن أمكن أن يكون له محل صحيح ؟ ليت السيد يوعظ إلى شيئ من شذوذ طبع شاعرنا الفحل حتى لا يبقى قوله دعوى مجردة.

 وبعد اعترافه بإمكان محمل صحيح لما أتى به المترجم له فأي داع إلى حمله على الخبط والخلط، ونسيان حديث: ضع أمر أخيك على أحسنه ؟ و

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تفسير الآلوسي 6: 190.

 

/ صفحة 37 /

أي ضرر فيه على ذلك تقدير ؟ على أنا سبرنا غير واحد من مؤلفات البرسي فلم نجد فيه شاهدا على ما يقول، وستوافيك نبذ ممتعة من شعره الرائق في مدائح أهل البيت عليهم السلام ومراثيهم وليس فيها إلا إشادة إلى فضائلهم المسلمة بين الفريقين أو ثناء جميل عليهم هو دون مقامهم الأسمى، فأين يقع الارتفاع الذي رماه به بعضهم ؟ وأين المغالاة التي رآها السيد ؟ والبرسي لا يحذو في كتبه إلا حذو شعره المقبول، فأين مقيل الخبط والضرر والغلو التي حسبها سيد الأعيان ؟ .

 وأما ما نقم به عليه من اختراع الصلوات والزيارة بقوله:(واختراع صلاة عليهم وزيارة لهم لا حاجة إليه بعد ما ورد ما يغني عنه ولو سلم أنه في غاية الفصاحة كما يقول صاحب الرياض) فإنه لا مانع منه إلا ما يوهم المخترع إنها مأثورة، وأي وازع من إبداء كل أحد تحيته بما يجريه الله تعالى على لسانه وهو لا يقصد ورودا ولا يريد تشريعا ؟ وقد فعله فطاحل العلماء من الفريقين ممن هو قبل المترجم وبعده، ولا تسمع أذن الدنيا الغمز عليهم بذلك من أي أحد من أعلام الأمة ، وأما قول سيدنا: " وإن مؤلفاته ليس فيها كثير نفع وفي بعضها ضرر ولله في خلقه شؤون سامحه الله وإيانا " فإنه من شطفة القلم صدر عن المشظف(1) سامحه الله وإيانا .

 

 تآليفه القيمة :

1 - مشارق أنوار اليقين في حقايق أسرار أمير المؤمنين .

2 - مشارق الأمان ولباب حقايق الإيمان ألفه سنة 813 .

 3 - رسالة في الصلوات على النبي وآله المعصومين .

 4 - رسالة في زيارة أمير المؤمنين طويلة قال شيخنا صاحب الرياض: في نهاية الحسن والجزالة واللطافة والفصاحة معروفة.

5 - رسالة اللمعة من أسرار الأسماء والصفات والحروف والآيات والدعوات فيها فوائد ولا تخلو من غرابة كما قاله شيخنا صاحب الرياض .

 6 - الدر الثمين في خمسمائة آية نزلت في مولانا أمير المؤمنين باتفاق أكثر

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 المشطف كمنبر: من يعرف بالكلام على غير القصد.

 

/ صفحة 38 /

المفسرين من أهل الدين، ينقل عنه المولى محمد تقي الزنجاني في كتابه: طريق النجاة ، 7 - أسرار النبي وفاطمة والأئمة عليهم السلام .

 8 - لوامع أنوار التمجيد وجوامع أسرار التوحيد في أصول العقايد .

 9 - تفسير سورة الاخلاص .

 10 - رسالة مختصرة في التوحيد والصلوات على النبي وآله .

 11 - كتاب في مولد النبي وعلي وفاطمة وفضائلهم ، 12 - كتاب في فضائل أمير المؤمنين غير المشارق .

 13 - كتاب الألفين في وصف سادة الكونين .

 

شعره الرائق :

الحافظ البرسي شعر رائق وجله بل كله في مدائح النبي الأقدس وأهل بيته الطاهر صلوات الله عليهم ويتخلص في شعره ب‍(الحافظ) من شعره يمدح به النبي الأعظم صلى الله عليه وآله قوله :

أضاء بك الأفق المشرق * ودان لمنطقــــك المنطق

وكنـــت ولا آدم كـــائـــنـا * لأنـــك مـــن كونه أسبق

أشار بهذا البيت إلى ما جاء عنه صلى الله عليه وآله وسلم من قوله: كنت أول الناس في الخلق وآخرهم في البعث . أخرجه ابن سعد في الطبقات.

 والطبري في تفسيره 21: 79، وأبو نعيم في الدلائل 1: 6 وذكره ابن كثير في تأريخه 2: 307، والغزالي في المضنون الصغير هامش الانسان الكامل 2: 97، والسيوطي في الخصايص الكبري 1: 3، والزرقاني في شرح المواهب 3: 164 وفي حديث الاسراء: إنك عبدي ورسولي وجعلتك أول النبيين خلقا وآخرهم بعثا(1) وجاء عنه صلى الله عليه وآله: أول ما خلق الله نوري(2) وتواتر عنه صلى الله عليه وآله من طرق صحيحة: كنت نبيا وآدم بين الماء والطين. أو: بين الروح والجسد. أو: بين خلق آدم ونفخ الروح فيه .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مجمع الزوائد 1 ص 71 .

 (2) السيرة الحلبية 1 ص 159.

 

/ صفحة 39 /

ولولاك لم تخلق الكائنات * ولا بان غرب ولا مشرق

أشار به إلى ما أخرجه الحاكم في المستدرك 2: 615 والبيهقي، والطبراني، و السبكي، والقسطلاني، والعزامي، والبلقيني، والزرقاني وغيرهم من طريق ابن عباس قال: أوحى الله إلى عيسى عليه السلام: يا عيسى آمن بمحمد وأمر من أدركه من أمتك أن يؤمنوا به، فلو لا محمد ما خلقت آدم، ولولا محمد ما خالقت الجنة ولا النار .

 ومن طريق عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لما اقترف آدم الخطيئة قال: يا رب أسألك بحق محمد لما غفرت لي فقال الله: يا آدم ! وكيف عرفت محمدا ولم أخلقه ؟ قال: يا رب لأنك لما خلقتني بيدك ونفخت في من روحك رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوبا لا إله إلا الله محمد رسول الله، فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك.

 فقال الله: صدقت يا آدم ! إنه لا حب الخلق إلي ادعني بحقه قد غفرت لك. ولولا محمد ما خلقتك.

فميمك مفتاح كل الوجـود * وميمـــك بالمنــتهى يغلق

تجليت يا خاتم المرسلين * بشـأو من الفضل لا يلحق

فـــأنـــت لنـــا أول آخـــر * وباطـــن ظــاهرك الأسبق

في هذه الأبيات إشارة إلى أسمائه الشريفة: الفاتح، الخاتم. الأول: الآخر . الظاهر. الباطن، راجع المواهب للزرقاني 3 ص 163، 164 .

تعاليـــت عن صفة المادحين * وإن أطنـــبوا فيـك أو أغمقوا

فمعـناك حـــول الـــورى داره * عـــلى غــيب أسرارها تحدق

وروحك مــن ملكوت السماء * تـــنــزل بالأمـــر ما يـــخلـــق

ونشرك يسري على الكائنات * فكـــل عـــلى قـــدره يـعـــبــق

إليـك قلـــوب جـــميع الأنـــام * تحـــن وأعـــناقها تـــعـــنـــق

وفيـــض إياديك في العالمين * بأنهـــار أســـرارهـــا يــــدفق

وآثـــار آياتـــك البـــينـــــــات * على جبهات الـورى تشـــرق

فمـــوسى الكـــليم وتـــوراته * يدلان عـنـــك إذا استــنـطقوا

وعـــيـــسى وإنجيلـــه بشــرا * بأنـــك أحـــمد مـــن يخـــلـق

 

/ صفحة 40 /

فيا رحــمة الله فــي العالمين * ومــــن كــان لولاه لم يخلقوا

لأنك وجـــه الجــلال المنـــير * ووجـــه الجـمال الذي يشرق

وأنـــت الأميــن وأنت الأمان * وأنـــت تـــرتـــق مـــا يفتـــق

أتـــى رجـــب لـــك في عاتق * ثقيـــل الـــذنوب. فهل تعتق ؟

وله يمدح الإمام أمير المؤمنين عليه السلام قوله :

العــــقل نــــور وأنــــت معــناه * والكون ســــر وأنــــت مبـــداه

والخلق في جمعهم إذا جمعـوا * الكــــل عــــبد وأنــــت مـــولاه

أنــــت الــــولي الــــذي مناقبه * ما لعــــــلاها فـي الخلق أشباه

يا آيــــــة الله فـــــي العباد ويا * ســــــر الــــذي لا إله إلا هو !

تناقــــــض العالمـون فيك وقد * حـاروا عن المهتدى وقد تاهو

فقـــــال قـــــوم: بأنـــــه بشــر * وقـــــال قـــــوم: بـــــأنــه الله

يا صاحب الحشر والمعاد ومن * مـــــولاه حـــــكم العباد ولاه!

يا قـــاسم النار والجنان غدا ! * أنـــــت مــلاذ الراجي ومنجاه

كيــف يخاف البرسي حر لظى * وأنـــت عند الحساب غوثاه ؟

لا يختـــــشي الـنار عبد حيدرة * إذ ليـــــس في النار من تولاه

وله في مدح مولانا أمير المؤمنين صلوات الله عليه قوله :

أيهـــــا اللائـــــم دعـني * واستمع من وصف حالي

كلـــــما ازددت مـــديحـا * فيـــــه قـــــالوا: لا تغال

وإذا أبصــرت في الحق * يقيـــــنـــــا لا أبـــــالـــي

آية الله التي في وصفهـ * ــا القـــــول حـــــلالـــي

كـــــم إلى كم أيها العاذ * ل أكثـــــرت جـــــدالي ؟

يا عـــذولي في غرامي * خـــــلني عــــنك وحالي

رح إلـــــى من هو ناج * واطـــــرحني وضـــلالي

إن حبـي لوصي المصـ * ـطــــفى عين الكمال(1)

 

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)       إن حبي لعلي المر * تضى عين الكمال     خ ل

 

/ صفحة 41 /

 

هو زادي فــــي معادي * ومعــــاذي فــــي مــالي

وبــــه إكــــمال ديــــني * وبــــه خــــتم مــــقــالي

ومن شعره يمدح أمير المؤمنين سلام الله عليه قوله :

بأسمــــائك الحسنى أروح خاطري * إذا هبّ من قــــدس الجلال نسيمها

لئـــــن سقمــت نفسي فأنت طبيبها * وإن شقيـــــت يــــوما فمنك نعيمها

رضيـــــت بــأن ألقى القيامة خائفا * دماء نفـــــوس حـــاربتك جسومها

أبا حـــــسن لــــو كان حبك مدخلي * جحـيما لكان الفوز عندي جحيمها

وكيـــف يخاف النار من كان موقنا * بأنك مـــــولاه وأنـــــت قـسيمها ؟

فـــــواعجبا مــــن أمة كيف ترتجي * مــن الله غفرانا وأنت خصيمها ؟

وواعجـــــبا إذ أخـــــرتك وقــــدمت * ســـــواك بلا جرم وأنت زعيمها

وقال في مدح مولانا أبي السبطين سلام الله عليه :

روى فضله الحساد من عظم شأنه * وأعـــظـــم فضل جاء يرويه حاسد

تعـــــالى علي فـــــي الجـلال فرائد * يعـــــود وفـــــي كفتــــيه منه فرائد

ووارد فضـــــل منــه يصدر عزلها * تضيـــــق بهــــا منه اللها والأوارد

تبـــــارك موصــولا وبورك واصلا * له صلـــــة فـــــي كــل نفس وعائد

روى فضله الحساد من عظم شأنه * وأعـــــظم فضل جاء يرويه حاسد

محــــبوه أخفوا فضله خيفة الهدى * وأخـــــفاه بغـــــضا حاســد ومعاند

فشـــــاع لـــــه ما بـين ذين مناقب * تجـــــل بأن تحــــصى إذا عد قاصد

إمـــــام لــــه في جبهة المجد أنجم * عـــــلت فعلت إن يدن منهن راصد

لها الفـرق من فرع السماك منابر * وفـــــي عـنـق الجوزاء منها قلائد

مناقـــــب إذ جـــــلت جلت كل كربة * وطابت فطابت من شذاها المشاهد

إمـــــام يحـــــار الفـــــكر فيه فعابد * لـــــه ومقـــــر بالـــــولاء وجــاهد

إمـــــام مبـــــين كـل أكرومة حوى * بمدحتـــــه التــــنزيل والذكر شاهد

عـــــليه ســـــلام الله ما ذكر اسمه * محـــــب وفــــي البرسي ذلك خالد

وله في سيد العترة أمير المؤمنين عليه وعليهم السلام :

أبديت يا رجب الغــــريب * فقـــيل: يا رجب المرجب

 

/ صفحة 42 /

أبـــــديت للسـر المصون * المضـمر الخافي المغيب

وكشفت أستارا وأسرارا * عـــن الأشـــــرار تحجب

حل الورى فــــإذا الظـوا * هر فضة والبطن أسرب

إلا قـــــليلا مـــــن رجـال * أصلهـــــم زاك مهـــــذب

وكتـــــبت مــا بالنور منه * عــلى خدود الحور يكتب

فلـذاك أضحى الناس قلبا * من قوى الجهل المركب

رجـــــل يحــــب ومبغـض * قـــــال وحزب الله أغلب

وطويـــــل أنــف إن رآني * مقـــــبلا ولـــــى وقـطب

فـي أمـــــه شـــــك بـــــلا * شـك ولو صدقت لأنجب

يـــــزور إن سمع الحديث * إلــى أمير النحل ينسب

وتـــــراه إن كـــــــررت ذ * كر فضائل الكرار يغضب

وله رائية غراء رنانة يمدح بها أمير المؤمنين عليه السلام خمسها ابن السبعي(1) نذكرها معه :

أعـــــيت صفاتـــــك أهـل الرأي والنظر * وأوردتهم حيـــــاض العـــــجز والخـطر

أنــت الـــذي دق معــــنـــــاه لمعتــبــــر * يـــــا آيـــــة الله بـــــل يا فـتـنــــة البشر

وحجـــــة الله بـــــل يا منـــــتهى القــدر

عن كشف معناه ذو الفكر الدقيق وهن * وفيـــــك رب العـــــلا أهـل العـقول فتن

أنى بحـــــدك يا نـــــور الإله فطـــــن ؟ * يا مـــــن إليـــــه إشـارات العقول ومنْ

فيـــــه الألبـــــاء تحـت العجز والخطر

ففـــــي حــــدوثك قوم في هواك غووا * إن أبـــــصروا منــك أمرا معجزا فغلوا

حيـــــرت أذهـــــانهم يـا ذا العلا فعلوا * هيـــــمت أفـــكار ذي الأفكار حين رأوا

آيـــــات شأنـــــك فـــي الأيام والعصر

أوضحـــــت للنـــــاس أحكاما محرفة * كـــــما أتيـــــت أحـــــاديثا مصحّــــــفـــة

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) العلامة الحجة الشيخ فخر الدين أحمد بن محمد الاحسائي نزيل الهند والمتوفى بها من تلمذة ابن المتوج وقرناء ابن فهد الحلي المتوفى 841.

 

/ صفحة 43 /

أنـــــت المقـــــدم أسلافـــــا وسالفــة * يا أولا آخـــــرا نـــــورا ومعـــــرفـــة

يا ظـــــاهرا باطـــــنا في العين والأثر

يا مطعم القرص للعـــافي الأسير وما * ذاق الطعـــــام وأمــسى صائما كرما

ومرجــــع القرص إذ بحر الظلام طما * لـــــك العـــــبارة بالنطــق البليغ كما

لـــــك الإشـــــارة فـي الآيات والسور

أنـــــوار فضـــــلك لا تطــفى لهن عدا * مما يكتـــــمه أهـــــل الضـــــلال بـدا

تخـــــالفـــــت فيـــك أفكار الورى أبدا * كـــــم خـاض فيك أناس وانتهى فغدا

معـــــناك محتجـــــبا عـن كل مقتدر ؟

لـــــولاك ما اتسقـــــت للطـــهر ملتـه * كـــــلا ولا اتضحــــت للناس شرعته

ولا انتـــــفت عـن أسير الشك شبهته * أنـــــت الـــــدليل لمن حارت بصيرته

في طـــــي مشتـــــبكات القــول والعبر

أدركـــــت مرتـــــبة مـا الوهم يدركها * وخـضت من غمرات الحرب مهلكها

مـــــولاي يا مـــــالك الـــدنيا وتاركها * أنـــــت السفيـــنة من صدقا تمسكها

نجى ومن حاد عنها خاض في الشرر

من نـــــور فضلك ذو الأفكار مقتبـس * ومـــــن معـــــالم رب العـلم مختلس

لـــــولا بيانك أمـــــر الكـــــل ملتــبس * فلـــــيس قبـــــلك للأفكـــــار ملتمس

وليـــــس بعـــــدك تحقيـــــق لمعــــتبر

جـــــاءت بتأميــــرك الآيات والصحف * فالبعض قد آمنوا والبعض قد وقفوا

لـــــولاك ما اتفـــقوا يوما ولا اختلفوا * تفـــــرق النـــــاس إلا فيــك وائتلفوا

فالبعـــــض في جنة والبعض في سقر

خيـــــر الخليفـــــة قـــوم نهجك اتبعت * وشـــرها من على تنقيصك اجتمعت

وفـــــرقة أولت جـــــهلا لما سمعـــت * فالنـــــاس فيـــــك ثـلاث فرقة رفعت

وفـــــرقة وقعـــــت بالجـــــهل والــقذر

يا ويحـــــها فـــــرقة ما كــــان يمنعها * لـــــو أنهـــــا اتبعــت ما كان ينفعها

يا فـــــرقة غـــــيها بالشـــــوم موقعها * وفـــــرقة وقعـــــت لا النور يرفعها

 

/ صفحة 44 /

ولا بصــــــائرها فيهــــــا بــــــذي غـور

بعــــــظم شأنــــــك كـل الصحف تعترف * ومــــــن عــــــلومك رب العــلم يقترف

لـــولاك ما اصطلحوا يوما وما اختلفوا * تصالــــــح النــــــاس إلا فيـك واختلفوا

إلا عــــــليك وهــــــذا مــــوضع الخطر

جائــــــت بتعــــــظيمك الآيـات والسور * فالبعـــــض قد آمنوا والبعض قد كفروا

والبعــض قد وقفوا جهلا وما اختبروا * وكم أشاروا ؟ وكم أبدوا ؟ وكم ستروا ؟

والحــــــق يظــــــهر من بـــاد ومستتر

أقسمــــــت بالله بــــــاري خلقــنا قسما * لــــــولاك مــــــا سمــك الله العلي سما

يا مـن له اسم بأعلى العرش قدر سما * أسمــــــاءك الغــــــر مثـل النيرات كما

صفــــــاتك السبــــع كالأفلاك ذي الأكر

أنــــــت العــــــليم إذا رب العـلوم جهل * إذ كــــــل عــلم فشا في الناس عنك نقل

وأنــــــت نجـــم الهدى تهدي لكل مضل * وولــــــدك الغــــــر كالأبراج في فلك ال

معــــــنى وأنـــت مثال الشمس والقمر

أئمــــــة ســــــور القــــــرآن نطقــــــت * بفــــــضلهم وبهــم طرق الهدى اتسقت

طــــــوبى لنفــــس بهم لا غيرهم وثقت * قــــــوم هــــــم الآل آل الله مــن علقت

بهــــــم يــــــداه نجـــــى من زلة الخطر

عليــــــهم محــــــكم القـــــرآن قد نزلا * مفــــــصلا مــــــن معـاني فضلهم جملا

هــــــم الهــــــداة فـــــلا تبغي لهم بدلا * شطــــــر الأمــــــانة معـراج النجاة إلى

أوج العلوم وكم في الشطر من غير ؟

بلطــــــف ســـرك موسى فجر الحجرا * وأنــــــت صاحبــــــه إذ صاحب الخضرا

وفيــــــك نــــــوح نجا والفلك فيه جرا * يــــــا ســــــر كــــــل نبي جــاء مشتهرا

وســــــر كــــــل نبــــــي غير مشتــهر

يلومنــــــي فيــــــك ذو جهل أخو سفه * ولا يضــــــر محــــــقا قــــــول ذي شبه

ومن تــــــنــــــزه عــــن ند وعن شبه * أجــــــل وصفــــــك عـــــن قدر لمشتبه

وأنـت في العين مثل العين في الصور

 

/ صفحة 45 /

وله قوله يمدح به أمير المؤمنين عليه السلام ؟

يا منبـــــع الأســـــرار يــــا * سر المهيمن في الممالك !

يا قطـــــب دائـــــرة الوجود * وعـــــين منبعـــــه كــذلك !

والعـــــين والســـــر الــذي * منه تلقـــــنـــــت المــــلائك

ما لاح صبح في الدجى(1) * إلا وأسفـــر عـــــن جـمالك

يا بــــن الأطايب والطواهر * والفواطـــــم والعـــــواتك !

أنـــــت الأمـــان من الردى * أنـــــت النجـاة من المهالك

أنـــــت الصـــراط المستقيم * قسيـــــم جـــــنات الأرائـــك

والنـــــار مفـــــزعها إليــك * وأنـــــت مالـــــك أمر مالك

يا مـــــن تجـــــلى بالجـمال * فشـــــق بـــــردة كل حالك !

صلـــــى عـــــليك الله مـــن * هـــــاد إلـــى خير المسالك

والحـــــافظ البـــــرســـي لا * يخـــــشى وأنـــت له هنالك

وله أبيات في أهل البيت عليهم السلام خمسها الشاعر المفلق الشيخ أحمد بن الحسن النحوي تذكرها مع تخميسها:

ولائي لآل المصطـــفى وبنـــيهم * وعـتـرتهم أزكى الورى وذويهم

بهـــم سمـــة من جــدهم وأبيهم * هـــم الـــقوم أنــوار النبوة فيهم

تلـــوح وآثـــار الإمامـــة تلمــع

نجـــوم سمـاء المجد أقمار تمه * معـــالم ديـــــن الله أطواد حلمه

منـــــازل ذكـــر الله حكام حكمه * مهابـــــط وحي الله خزان علمه

وعـــــندهم سر المهيمن مودع

مديحهم في محكم الــذكر محكم * وعـــــندهم مـــــا قـــد تلقاه آدم

فدع حكم باقي الناس فهو تحكم * إذا جـــــلسوا للحكم فالكل أبكم

وإن نطقوا فالدهر أذن ومسمع

بحبـــهم طـــــاعاتنا تـتـقـبـــــــل * وفي فضلهم جاء الكتاب المنزل

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ما لاح صبح للهدى. كذا في بعض النسخ.

 

/ صفحة 46 /

يعـــم شـذاهم كـل أرض ويشــمل * وإن ذكــروا فالكون ندو مندل(1)

لهـــــم أرج من طيبــــهم يتضوع

دعـــــا بهـــــم موسى ففرج كربه * وكلـــــمه مــن جانب الطور ربه

إذا حـــــاولوا أمــرا تسهل صعبه * وإن بـــــرزوا فالدهر يخفق قلبه

لسطوتهم والأسد في الغاب تفزع

فلــــولاهم ما ســار فلك ولا جرى * ولا ذرء الله الأنـــــام ولا بــــرى

كرام متى ما زرتهم عجلوا القرى * وإن ذكر المعروف والجود في الورى

فبحـــــر نـــــداهم زاخـــــر يتــدفع

أبـــــوهم أخـو المختار طه ونفسه * وهم فرع دوح في الجلالة غرسه

وأمهم الـــــزهراء فاطــــم عرسه * أبـــوهم سماه المجد والأم شمسه

نجـــــوم لهــــا برج الجلالة مطلع

لهـــــم نســب أضحى بأحمد معرقا * رقـــــا منــــه للعلياء أبعد مرتقى

وزادهم مــــن رونق القدس رونقا * فيا نسبــا كالشمس أبيض مشرقا

ويا شـــــرفا من هامة النجم أرفع

كـــــرام نمـــــاهم طـــــاهر متطهر * وبـث بهم من أحمد الطهر عنصر

وأمهـــــم الـــــزهراء والأب حيدر * فمن مثلهم في الناس إن عد مفخر

أعــد نظرا يا صاح إن كنت تسمع

عـــــلي أميـــــر المؤمنين أميرهم * وشبـــــرهم أصــل التقى وشبيرهم

بهـــــاليل صـــوامون فاح عبيرهم * ميـــــامين قـــــوامون عز نظيرهم

هـــــداة ولاة للـــــرسالة منــبـــــع

مناجيب ظل الله في الأرض ظــلهم * وهم معـــــدن للعــلم والفضل كلهم

وفضلهـــــم أحــــيى البرايا وبذلهم * فـــــلا فـــضل إلا حين يذكر فضلهم

ولا عـــــلم إلا عــــلمهم حين يرفع

إليهم يـــــفر الخـــــاطئون بذنبـــهم * وهـــــم شفـــــعاء المذنبين لـربهم

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الند بفتح المعجمة وكسرها: عود يتبخر به. المندل: العود الطيب الرائحة.

 

/ صفحة 47 /

فـــــلا طاعــــة ترضي لغير محبهم * ولا عـمـــــل ينجي غــدا غير حبهم

إذا قام يوم البعث للخـــــلق مجمع

حلفـــــت بمـــــن قـــد أم مكة وافدا * لقـــــد خاب من قد كان للآل جاحدا

ولـــــو أنه قــــد قطع العمر ساجدا * ولـــــو أن عـــــبــــدا جاء لله عابدا

بغـــــيــــر ولا أهل العبا ليس ينفع

بني أحـمد ! مالي سواكم أرى غدا * إذا جـــــئت فــــي قيـد الذنوب مقيدا

أناديكـــــم يا خـــير من سمع الندا * أيا عـترة المخــتار يا راية الهدى !

إليـــــكم غـــــدا في موقفي أتطلع

فــوالله لا أخشى من النار فـي غد * وأنتـــــم ولاة الأمـــــر يا آل أحمد !

وهـــــا أنا قــد أدعوكم رافعـا يدي * خـــــذوا بـــــيدي يـا آل بيت محمد !

فمـــن غيركم يوم القيامة يشفع ؟

وهذه القصيدة خمسها الشيخ هادي المتوفى 1235، ابن الشيخ أحمد النحوي المخمس المذكور أول تخميسه :

بنو أحمد قــد فاز من يرتضيهم * أئمـــــة حـــــق للنجا يرتضيهم

وطوبى لمن في هديه يقتضيهم * هـــــم القـوم أنوار النبوة فيهم

تلـــــوح وآثـــــار الإمامة تلمع

وله في العترة الطاهرة صلوات الله عليهم قوله :

فرضي ونفـــــلي وحــــديثي أنتم * وكـــــل كـــــلي منـــــكم وعـنكم

وأنتـــــم عـــــند الصـــلاة قبلتي * إذا وقفـــــت نحـــــوكـــــم أيــمم

خيـــــالكم نصـــــب لعـــيني أبدا * وحبكـــــم فـــــي خــاطري مخيم

يا ســـــادتي وقـــــادتي أعتابكم * بجـــــفن عـــــيني لثــــراها ألثم

وقـــــفا عـــلى حديثكم ومدحكم * جعلت عمري فاقبلوه وارحــموا

منـــوا على الحافظ من فضلكم * واستنـــــقذوه فــي غد وأنعــموا

وله في أهل البيت الطاهر سلام الله عليهم قوله :

يا آل طاها أنتم أملي * وعليكم في البعث متكلي

 

/ صفحة 48 /

إن ضاق بـــــي ذنب فحـــــبكم * يــوم الحساب هناك يوسع لي

بولاءكم وبطيـــــب مدحـــــكـم * أرجو الرضا والعفو عن زللي

رجـــــب المحـدث عبد عبدكم * والحـــــافظ البـــــرسي لم يزل

لا يختشي في الحشر حر لظى * إذ سيـــــداه محـــــمد وعـــلي

سيثـــــقلان وزان صــالحـــــه * ويبيضان صحيفـــــة العــــمل

لم ينشعـــــب فيكـــــون منطلقا * من ضلة للشعـــب ذي الظلل

وله مسمطا فيهم صلوات الله عليهم قوله :

لــولاكم مـــا استـــدارت الأكــر * ولا استنارت شمـــــس ولا قمر

ســـــركم لا تــنالـــــه الفـــــكـر * وأمـــــركم في الـــورى له خطر

مستصعـــــب فــــك رمزه خطر * ووصفـــــكم لا يطيـــــقه البـــشر

ومـــــدحكم شــــرفت به السور

وجـــــودكم للـــــوجود عـــلتـــه * ونـــــوركـــــم للظـــــهــور آيته

وأنتـــــم للـــــوجـــــود قبلتــــــه * وحبكـــــم للمحـــــب كعـــــبــته

يســـــعـــــى بهــــا طائفا ويعتمر

لـــــولاكم مـــــا استــدارت الأكر * ولا استـــنارت شمس ولا قمر

ولا تـــــدلى غـــــصن ولا ثمــــر * ولا تـــــندى ورق ولا خـــــضر

ولا ســـــرى بـــــارق ولا مطــر

عـندكم في الاياب مجـمعـــــنـــــا * وأنتـــــم فــي الحساب مفزعنا

وقـــــولكم فــي الصراط مرجعنا * وحبـــــكم فـــــي النشور ينفعنا

بـــــه ذنـــــوب المحب تغـــــتـفر

يا ســـــادة قـــــد زكـت معارفهم * وطـــــاب أصـلا وساد عارفهم

وخـــــاف فـــــي بعــثه مخالفهم * إن يخـــــتبر للـورى صيارفهم

فأصلهـــــم بالـــــولاء يختـــــبـر

أنـــــتم رجـــــائي وحـــبكم أملي * عـــــليه يــــوم المعاد متكلي

فكيـــف يخشى حر السعير ولي * وشافعـــــاه محـــــمد وعلي ؟

أو يعـــــتريه مـن شرها شرر ؟

 

/ صفحة 49 /

عـــبدكم الحــــافظ الفقير على * أعــــتــــاب أبــوابكم يروم فلا

تخيــــبوه يا ســــادتي ! أمـــلا * وأقسمــــوه يــــوم المـعاد إلى

ظــــل ظليــــل نسيمــــه عــطر

صلى عليكم رب السماء كــما * أصفــــاكم واصطفــــاكم كرما

وزاد عــــبدا والاكــــم نعــــما * ما غرد الطير في الغصون وما

نــــاح حــــمام وأورق الشجـر

وله في العترة الطاهرة وسيدهم صلوات الله عليه وعليهم قوله :

إذا رمــــت يـوم البعث تنجو من اللظى * ويقبـــــل منك الدين والفرض والسنن

فــــوال عــــليا والأئــــمــــة بعـــــــــده * نجوم الهدى تنجو من الضيق والمحن

فهــــم عــــتــــرة قــــد فوض الله أمره * إليهــــم لمــــا قــــد خصهم منه بالمنن

أئمــــة حــــق أوجــــب الله حــــقــــهم * وطاعــــتهم فــــرض بها الخلق تمتحن

نصحتــــك أن تــــرتاب فيهــــم فتـنثني * إلى غيرهم من غيرهم في الأنام من ؟

فحــــب عــــلــــي عــــدة لــــولــــيــــه * يــــلاقــــيــه عند الموت والقبر والكفن

كــــذلك يــــوم البعــــث لــــم ينـج قادم * مــــن النــــار إلا مـن تولى أبا الحسن

وله في رثاء الإمام السبط الشهيد صلوات الله عليه قوله :

يميـــــنا بـنا حادي السري إن بدت نجد * يميـــــنا فللعـــــاني العـــــليل بهــا نجد

وعج فعسى من لا عج الشوق يشتفي * غـــــريم غـــــرام حــــشو أحشائه وقد

وســـــر بـــــي لسـرب فيه سرب جآذر * لســـــربي مـــــن جهد العهاد بهم عهد

ومـــــربي بليـــــل فــــي بليل عراصها * لأروى بريـــــا تـــــربـة تربهـــــا نـــــد

وقـــــف بــــي أنادي وادي الأيك علني * هنـــــاك أرى ذاك المساعــد يا سعد !

فبالربـــــع لـــي من عهد جيرون جيرة * يجــيرون إن جار الزمان إذا استعدوا

هـــــم الأهـــــل إلا أنـــــهم لــــي أهلة * ســـــوى أنــــهم قصدي وأني لهم عبد

عزيزون ربع العــــمر في ربع عزهم * تقـــــضى ولا روع عـــــراني ولا جـهد

وربعـــــي مخـــــضر وعـيشي مخضل * ووجهي مبـــــيض وفـــــودي مســــود

وشملـــــي مشـــــمول وبـــرد شبيبتي * قشـــــيب وبـــــرد العــيش ما شانه نكد

 

/ صفحة 50 /

معـــــالم كالأعلام معـــــلمة الـــــربــى * فأنهارهـــــا تجـــــري وأطيارهــــا تشدو

طـــــوت حـادثات الدهر منشور حسنها * كـــــما رسمـــــت في رسمها شمأل تغدو

وأضحـــــت تجـــــر الحـــــادثات ذيولها * عــــليه ولا دعـــــد هنـــــاك ولا هـنـــــد

ولا غــــرو إن جارت ومارت صروفها * وغــارت وأغرت واعتدت واغتدت تشدو

فقـــــد غـــــدرت قـــــدما بـــــآل محــمد * وطـــــاف عـــــليهم بالطــــفوف لها جند

وجـــــاشت بجـــيش جاش طام عرمرم * خـــــميس لهـــــام حام يحمومه اسد(1)

وعـــــمت بأشرار عن الرشد قد عموا * وهــــل يسمع الصم الدعاء إذا صدوا ؟

فيـــــا أمـــــة قـــــد أدبرت حــين أقبلت * فـــــرافقها نـــــحس وفـــــارقها سعــــد

أبـــــت إذ أتــت تنأى وتنهى عن النهى * وولـــــت وألـــــوت حيـــن مال بها الجد

ســـــرت وســـــرت بغــيا وسرت بغيها * بغـــــيا دعـــــاهـــــا إذ عداها به الرشد

عصابة عصب(2) أو سعت إذ سعت إلى * خـــــطأ خـــــطاها والشقـــاء بها يحدو

أثـــــاروا وثـــــاروا ثــــار بدر وبادروا * لحـــــرب بـــــدور مــن سناها لهم رشد

بغـــــت فبغـــــت عـــــمدا قتـال عميدها * صـــــدور طغـــــاة فـي الصدور لها حقد

وســـــاروا يسنـون العناد وقد نسوا الـ * ــمعاد فـــــهم مـــــن قـوم عاد إذا عدوا

فيـــــا قلـــــب قلب الدين في يوم أقبلوا * إلـــــى قتـــــل مــــأمول هو العلم الفرد

فـــــركن الهـــدى هدوا وقد العلى قدوا * وأزر الهــوى شـدوا ونهج التقى سدوا

كأنـــــي بمـــــولاي الحــــسين ورهطه * حيارى ولا عـــــون هنـــــاك ولا عـضد

بكـــــرب البـــــلا في كـربلاء وقد رمي * بعـــــاد وشطـــــت دارهـــم وسطت جند

وقد حدقت عين الردى حين أحدقت(3) * عـــــتاة عـــــداة ليـــس يحصى لهم عدّ

وقـــــد أصبــحوا حلالهم حين أصبحوا * حـــــلولا ولا حـــــل لـــــديهم ولا عـــقد

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) طام من طمى يطمي الفرس: اي أسرع. ويقال: البحر الطامي: أي الغزير. العرمرم : الجيش الكثير. الخميس: الجيش ذات خس فرق: المقدمة، القلب، الميمنة، الميسر، الساقة . اللهام: الجيش العظيم. حام أي دار به. اليحموم: اسم فرس الإمام السبط الحسين، وفرس هشام ابن عبد الملك، وفرس حسان الطائي، وفرس النعمان بن المنذر.

(2) العصابة: الجماعة من الرجال أو الخيل: العصب: الطي واللي. والقبض على الشيئ .

(3) حدق: فتح عينيه وطرف بهما. أحدقت: أحاطت.

 

/ صفحة 51 /

فنــــادى ونـادى الموت بالخطب خاطب * وطيــــر الفنا يشدو وحادي الردى يحدو

يسائلهم: هل تعــــرفوني ؟ مسائــــــلا * وسائـــــل دمع العـــــين ســـال به الخد

فقـــــالوا: نعـــم أنت الحسين بن فاطم * وجـــــدك خـــــير المـــرسلين إذا عدّوا

وأنت سليـــــل المجـــــد كهــــلا ويافعا * إليـــــك إذا عـــــد العـــلى ينتهي المجد

فقـــــال لهـــــم: إذا تعـلمون فما الذي * دعـــــاكم إلى قتــــلي فما عن دمي بد ؟

فقــــالوا: إذا رمت النجاة من الردى ! * فبايـــــع يـــــزيدا إن ذاك هـــــو القصد

وإلا فهـــــذا المـــــوت عـب عبابه(1) * فخـــــض ظـــــاميا فيــه تروح ولا تغدو

فقـــــال: ألا بعـــــدا بمـــــا جـــــئتـم به * ومـــــن دونه بـــــيض وخـطية ملد(2)

فـــــضرب لهشـــــم الهـام تترى بنظمه * فـــــمن عـــــقده حـــــل وفي حله عقد

فهـــــل سيـــــد قـــــد شيــــد الفخر بيته * حـــــذار الـــردى يشقى لعبد له عبد ؟

وما عـــــذر ليــــث يرهب الموت بأسه * يـــــذل ويضحـى السيد يرهبه الأسد ؟

إذا ســـــام منـــــا الـــــدهر يـوما مذلة * فهيهـــــات يـــــأبى ربـــــنا وله الحمد

وتـــــأبى نفـــــوس طاهـــــرات وسـادة * مـــــواضيهم هـــــام الكــماة لها غمد

لهـــــا الـــــدم ورد والنــــفوس قنائص * لهــــا القدم قدم والنفوس لها جند(3)

ليـــــوث وغـــــى ظــــل الرماح مقيلها * معـــاوير طعم الموت عندهم شهد(4)

حماة عـــــن الأشبـــــال يـــــوم كريهة * بـــــدور دجى سادوا الكهول وهم مرد

إذا افتـــــخروا في النـاس عز نظيرهم * ملـــــوك عــــلى أعتابهم يسجد المجد

أيـــــادي عــــطاهم لا تطاول في الندى * وأيـــــدي عـــــلاهم لا يطـــاق لها رد

مطاعـــــيم للعافي مطاعين في الوغى * مطـــــاعين إن قالوا لهم حجج لد(5)

 

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) عبد عبابه: كثر موجه وارتفع .

(2) الملد بالفتح: الناعم اللين .

(3) الورد: الماء الذي يورد. قنائص: الصيود. القدم بفتح القاف: الشرف القديم . القدم بكسر القاف: الزمان القديم .

(4) الوغى: الحرب. المغيل: موضع النوم والراحة. مغاوير جمع المغوا: كثير الغارة.

(5) لد بضم اللام جمع الألد: الخصم الشديد الخصومة.

 

/ صفحة 52 /

مفاتيح للداعـــــي مصابـــــيح للهـــدى * معــاليم للساري بها يهتدي النجد(1)

نزيلهـــــم حـــــرم منـــــازلهم لـــــقــى * منـــــازلهم أمـــــن بهــم يـبلغ القصد

فـــــضائلهم جـــــلت فـــــواضلهم جلت * مـــــدايحهم شهـــــد منــايحهم ند(2)

مرابعـــــهم تسقـــــى مرابعــــهم تلقى * مطـــــالعهم يكـــــفي مطــالعهم سعد

كـــــرام إذا عـــــاف عـــفى منه معهد * وصوح من خضرائه السبط والجعد(3)

وآمـــــلهم راج وأم لـــــهـــــم رجـــــا * وحـــــل بنـــــاديهم أحـــــل لــــه الرفد

زكـــــوا في الـــورى أما وجدا ووالدا * وطابـــــوا فـــــطاب الأم والأب والجـد

بأسمائهـــــم يستـــــجلب البر والرضا * بذكـــــرهم يســـــتدفع الضر والجـــهد

ومـــــال إلـــــى فتـــــيانه ورجـــــالــه * يقـــــول: لقـد طاب الممات ألا اشتدوا

فســـــار لأخـــــذ الثـــــار كــل شمردل * إذا هـــــاج قـــــدح للهـياج له زند(4)

وكـــــل كـــــمي أريحي غشمشـــم(5) * تجـــــمع فـــــيه الــفضل وانعدم الضد

إذا مـــــا غـــــدا يوم الـندا أسر العدى * ولما بـــــدا يـــــوم الندى أطلق الوعد

ليـــــوث نـــــزال بل غـــــيوث نـــوازل * ســـــراة كاســـد الغاب لإبل هم الأسد

إذا طلبـــــوا رامـــوا وإن طلبوا رموا * وإن ضـُــربوا صدوا وإن ضَربوا قدوا

فوارس أســـــد الغيل منهـــــا فـرائس * وفتـــــيان صدق شأنها الطعن والطرد

وجـــــوههم بـــــيض وخـضر ربوعهم * وبـــــيضهم حـــــمر إذا النـــقع مسود

إذا مـا دعـــــوا يومـــــا لدفع ملـــــمة * غدا الموت طوعا والقضاء هــو العبد

بهـــــا كـــــل ندب يسبق الطرف طرفه * جـــــواد عــلى ظهر الجواد له أفد(6)

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) النجد: الدليل الماهر .

 (2) الند بفتح النون وكسرها: عود يتبخر به .

 (3) العافي: الوارد. الضيف. كل طالب فضل أو رزق. عفى: درس وبلى. صوح: جفف يبس. السبط ضد الجعد. الجعد: القبض خلاف المسترسل .

 (4) الشمردل بالمهملة والشمرذل بالمعجمة: الفتى السريع من الإبل وغيره. هاج: ثار و تحرك. القدح: الفولاذة التى تقدح بها النار. الهياج: الحرب. زند النار قدحها وأخرجها من الزند .

 (5) الكمى: الشجاع أو لابس السلاح: الغشمشم: المغشم وهو والشجاح الذى يركب رأسه فلا يثنيه شيئ عما يريد .

 (6) الندب: السريع إلى الفضائل: الظريف النجيب. الطرف بكسر المهملة مر ص 16 . الأفد: العجلة والسرعة.

 

/ صفحة 53 /

كأنهـــــم نـــــبت الـــربى في سروجهم * لشـــــدة حزم لا بحـــزم لها شدوا(1)

لـــــباسهم نسج الحـــــديــد إذا بـــــدوا * جـــــبالا وأقـــــيالا تـــقلهم الجرد(2)

إذا لبـــــسوا فـــــوق الــدروع قلوبهم * وصالوا فحـــــر الكـــــر عنـــدهم برد

يخـــــوضون تـــــيار الحـــمام ظواميا * وبحـــــر المنايا بالمنايـــــا لهـــــا مـد

يـــــرون المنايا نيـــــلها غــاية المنى * إذا استشهدوا مر الردى عندهم شهد

إذا فللـــــت أسيـــــافهم فـــــي ك