فهرس الكتاب

مكتبة الإمام أميرالمؤمنين (ع)

مكتبة الموقع

 

الفصل الثالث

الرسول (صلى الله عليه وآله) والمتآمرون

ونحن إذا رجعنا إلى كلمات الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله)، المنقولة لنا بصور متعددة، وفي موارد مختلفة، فإننا نجد، أنه (صلى الله عليه وآله) كان يؤكد على معرفته بنوايا المتآمرين من قومه قريش تجاه أهل بيته عموماً، وأمير المؤمنين علي (عليه السلام) بصورة خاصة، وقد تقدم عنه (صلى الله عليه وآله) بعض من ذلك، وما تركناه أكثر من أن يحاط به بسهولة، ويسر، لكثرته، وتنوعه.

ويكفي أن نذكر هنا: أن تأخيره إبلاغ ما أنزل غليه في شأن الإمامة والولاية، قد كان بسبب المعارضة الكبيرة التي يجدها لدى قريش، التي كانت لا تتورع عن إتهام شخص الرسول (صلى الله عليه وآله)، والطعن في نزاهته، وفي خلوص عمله ونيته.

وقد صلحت طائفة من النصوص المتقدمة بأن قريشاً كانت رائدة هذا الإتجاه، وهي التي تتصدى وتتحدى، وإليك نموذجا أخر من تصريحات الرسول (صلى الله عليه وآله) الدالة على معرفته بهؤلاء المتآمرين، ووقوفه على حقيقة نواياهم في خصوص هذا الأمر. وبالنسبة لقضية الغدير بالذات.

 

أمثلة وشواهد

1- قال الطبرسي: (قد اشتهرت الروايات عن أبي جعفر، وأبي عبدالله (عليهما السلام): أن الله أوحى إلى نبيه (صلى الله عليه وآله): أن يستخلف علياً (عليه السلام)، فكان يخاف أن يشق ذلك جماعة من أصحابه، فأنزل الله هذه الآية تشجيعاً له على القيام بما أمره الله بأدائه)(1).

والمراد بـهذه الآية قوله تعالى: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك).

2- عنه (صلى الله عليه وآله): أنه لما أمر بإبلاغ أمر الإمامة قال: (إن قومي قريبي عهد بالجاهلية، وفيهم تنافس وفخر، وما منهم رجل إلا وقد وتره وليّهم، وإني أخاف، فأنزل الله: (يا أيّها الرسول بلّغ)(2).

3- عن ابن عباس إنّه (صلى الله عليه وآله) قال في غدير خم: (إن الله أرسلني إليكم برسالة وإني ضقت بها ذرعاً، مخافة أن تتهموني، وتكذبوني، حتى عاتبني ربي بوعيد أنزله علي بعد وعيد)(3).

4- عن الحسن أيضاً: (إن الله بعثني برسالة، فضقت بها ذرعاً، وعرفت: أن الناس مكذبي، فوعدني لأبلغنّ أو ليعذبني، فإنزل الله: (يا أيها الرسول بلّغ ما أنزل إليك)(4).

5- عن ابن عباس ،وجابر الأنصاري، قالا: أمر الله تعالى محمداً (صلى الله عليه وآله): أن ينصب علياً للناس، فيخبرهم بولايته، فتخوف النبي (صلى الله عليه وآله) أن يقولوا: حابى ابن عمه، وأن يطعنوا في ذلك فأوحى الله: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك)(5).

6- عن جابر نن عبد الله: (أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) نزل بخم، فتنحى الناس عنه، ونزل معه علي بن أبي طالب، فشقّ على النبي تأخر الناس، فأمر علياً فجمعهم، فلمّا اجتمعوا قام فيهم، متوسد (يد) علي بن أبي طالب، فحمد الله، واثنى عليه، ثم قال: (قال الناس، إنه قد كرهت تخلفكم عني حتى خيّل إلي: أنه ليس شجرة أبغض إليكم من شجرة تليني)(6).

7- ويقول نص آخر: إنه لما أمر (صلى الله عليه وآله) بنصب علي (عليه السلام): (خشي رسول الله (صلى الله عليه وآله) من قومه، وأهل النفاق، والشقاق: أن يتفرقوا ويرجعوا جاهلية لما عرف من عداوتهم، ولما ينطوي عليه أنفسهم لعلي (عليه السلام) من العدواة والبغضاء، وسأل جبرئيل ان يسأل ربّه العصمة من الناس).

ثم تذكر الرواية: (أنه انتظر ذلك حتى بلغ مسجد الخيف. فجاءه جبرئيل، فأمره بذلك مرة أخرى، ولم يأته بالعصمة، ثم جاء مرة أخرى في كراع الغميم ـ موضع بين مكة والمدينة ـ وأمره بذلك، ولكنه لم يأته بالعصمة.

ثم لما بلغ عدير خم جاءه بالعصمة، فخطب (صلى الله عليه وآله) الناس، فأخبرهم: أن جبرئيل هبط إليه ثلاث مرات يأمره عن الله تعالى، بنصب علي (عليه السلام) إماماً ووليّاً للناس ـ إلى أن قال: - وسألت جبرئيل: ان يستعفي لي عن تبليغ ذلك إليكم ـ ايها الناس ـ لعلمي بقلة المتقين، وكثرة المنافقين، وإدغال الآثمين، وختل المستهزئين بالاسلام، الذين وصفهم الله في كتاله بأنهم: يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، ويحسبونه هيناً، وهو عند الله عظيم. وكثرة أذاهم لي في غير مرّة، حتى سمّوني أذناً، وزعموا: أنّي كذلك لكثرة ملازمته إيّاي، وإقبالي عليه، حتى أنزل الله عز وجل في ذلك قرآناً: (ومنهم الذين يؤذون النبي، ويقولون هو أذن). 

إلى أن قال، ولو شئت أن أسميهم باسمائهم لسميت، وأن أومي إليهم بأعيانهم لأومأت، وأن أدل عليهم لفعلت. ولكني والله في أمورهم تكرّمت(7).

8- عن مجاهد، قال: (لما نزلت: (بلّغ ما أنزل إليك من ربك). قال: يا رب، إنما أنا واحد كيف أصنع، يجتمع عليّ الناس؟ فنزلت (وإن لم تفعل فما بلغت رسالته)(8).

9- قال إبن رستم الطبري: (فلما قضى حجة وصار بغدير خم، وذلك يوم الثامن عشر من ذي الحجة، أمره الله عز وجل بإظهار أمر علي، فكأنه أمسك لما عرف من كراهة الناس لذلك، إشفاقاً على الدين، وخوفاً من ارتداد القوم، فأنزل الله (يا أيها الرسول بلّغ ما أنزل إليك)(9).

10- وفي حديث مناشدة علي (عليه السلام) للناس بحديث الغدير، أيّام عثمان، شهد ابن أرقم، والبراء بن عزب، وأبو ذر، والمقداد، أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال، وهو قائم على المنبر، وعلي (عليه السلام) إلى جنبه: (أيها الناس،أن الله عز ودل أمرني أن أنصب لكم إمامكم، والقائم فيكم بعدي، ووصي، وخليفتي، والذي فرض الله عز وجل على المؤمنين في كتابه طاعته، فقرب(10) بطاعته طاعتي، وأمركم بولايته، وإني راجعت ربّي خشية طعن أهل النفاق، وتكذيبهم، فأوعدني لأبلغها، أو ليعذبني)(11).

وعند سليم بن قيس: (إن الله عز وجل أرسلني برسالة ضاق بها صدري، وظننت الناس يكذبوني، وأوعدني)(12).

11- وعن ابن عباس: لما أمر النبي (صلى الله عليه وآله) أن يقوم بعلى ابن أبي طالب المقام الذي قام به، فانطلق النبي (صلى الله عليه وآله) إلى مكة، فقال: رأيت الناس حديثي عهد بكفر ـ بجاهلية ـ ومتى أفعل هذا به، يقولوا: صنع هذا بابن عمّه ثم مضى حتى قضى حجة الوداع(13).

وعن زيد بن علي، قال: لما جاء جبرئيل بأمر الولاية ضاق النبي (صلى الله عليه وآله) بذلك ذرعاً، وقال: قومي حديثوا عهد بجاهليّة، فنزلت الآية(14).

12- وروي: انه (صلى الله عليه وآله) لما إنتهى إلى غدير خم (نزل عليه جبرئيل، وأمره أن يقيم علياً، وينصبه إماماً للناس. فقال: إن أمتي حديثوا عهد بالجاهلية. فنزل عليه: إنها عزيمة لا رخصة فيها، ونزلت الآية: (وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس)(15).

13- وفي رواية عن الإمام الباقر(عليه السلام) جاء فيها أنه حين نزلت آية إكمال الدين بولاية علي (عليه السلام): (قال عند ذلك رسول الله: إن أمتي حديثوا عهد بالجاهلية، ومتى أخبرهم بهذا في ابن عمي، يقول قائل، ويقول قائل. فقلت في نفسي من غير أن ينطلق لساني، فأتتني عزيمة من الله بتلة أوعدني: إن لم ابلغ أن يعذبني فنزلت (يا أيها الرسول بلّغ ما أنزل إليك)(16).

وفي بعض الروايات: إنه (صلى الله عليه وآله) إنما أخر نصبه (عليه السلام) فرقاً من الناس، أو لمكان الناس(17).

 

ممن الخوف يا ترى

14- عن: (ضاق بها ذرعاً، وكان يهاب قريشاً، فازال الله بهذه الآية تلك الهيبة)(18).

يريد: أن الرسول (صلى الله عليه وآله) ضاق ذرعاً وخاف قريشاُ بالنسبة لبلاغ أمر الإمامة، فأزال الله بآية: (والله يعصمك من الناس) خوفه بذلك.

 

المتآمرون

هذا غيض من فيض مما يدل على دور المتآمرين من قريش، ومن يدور في فلكها في صرف الأمر عن أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، وتصميمهم على ذلك، لأسباب أشير إلى بعضها في ما نقلناه من كلمات ونصوص.

وفي مقدمة هذه الأسباب حرص قريش على الوصول إلى السلطة، وحقدها على أمير المؤمنين (عليه السلام) لما قد وترها في سبيل الله والدين.

وكل ما تقدم يفسر لنا السر فيما صدر من هؤلاء الحاقدين من صخب وضجيج، حينما أراد الرسول (صلى الله عليه وآله) في منى وعرفات: أن يبلغ الناس أمر الإمامة، ودورها، وأهميتها، وعدد الأئمة، وأنهم إثنا عشر إماماً، وغير ذلك.

حيث قد تخوفوا من أن يكون قد أراد تنصيب علي (عليه السلام) إماماً للناس بعده. فكان التصدي منهم. الذي انتهى بالتهديد الإلهي. فإضطر المتآمرون إلى السكوت في الظاهر على مضض، ولكنهم ظلوا في الباطن يمكرون، ويتآمرون، (ويمكرون ويمكر الله، والله خير الماكرين)(19).

فإلى توضيح ذلك فيما يلي من صفحات، وما تحويه من مطالب.

 

الهوامش:

1- مجمع البيان ج 3 ص 223.

2- شواهد التنزيل ج 1، ص 191.

3- شواهد التنزيل ج 1 ص 193.

4- الدر المثور ج 2، ص 193 وص 298 عن أبي الشيخ.

5- راجع: مجمع البيان ج 3، ص 223، وتفسير العياشي ج 1، ص 331، وتفسير البرهان ج 1، ص 489، وشواهد التنزيل ج 1، ص192، والغدير ج 1، ص 219  و 223  و 377 عن المجمع، وعن روح المعاني ج 2، ص 348.

6- راجع: مناقب علي بن أبي طالب: لإبن المغازلي: ص 25 والعمدة: لإبن البطريق ص 107، والغدير ج 1، ص 22 عنه وعن الثعلبي في تفسيره، كما  في ضياء العالمين.

7- الاحتجاج ج 1، ص 69 و70 و73 و74، وراجع: روضة الواعظين: 90  و 92 والبرهان ج 1، ص 437 ـ 438 والغدير ج 1، ص 215 ـ 216 عن كتاب (الولاية) للطبري.

8- الدر المنثور ج 2، ص 298 عن إبن أبي حاتم، عبد بن حميد وإبن جرير.

9- المسترشد في إمامة علي (عليه السلام): ص 94 ـ 95.

10- لعل الصحيح: فقرن.

11- غرائد السمطين ج1، ص 315 و 316، والغدير ج 1 ص 165 ـ 166 عنه، وإكمال الدين ج 1، ص 277  وراجع البرهان ج 1، ص445  و 444 وسليم بن قيس: 149، وثمة بعض الإختلاف في التعبير.

12- سليم بن قيس: ص 148، والبرهان ج 1، ص 444  و 445، والغدير ج 1، ص 196 عن سليم بن قيس.

13- الغدير ج 1، ص 51 ـ 52 و217 و 378، عن كنز العمال ج 6، ص 153 عن المحاملي في أماليه، وعن شمس الأخبار ص 38، عن أمالي المرشد بالله، وراجع كشف الغمة ج 1، ص 318 وغير ذلك.

14- الغدير ج 1، ص 217 عن كشف الغمة ج 1، ص 317.

15- اعلام الورى: ص 132.

16- البرهان في تفسير القرآن ج 1، ص 488، والكافي ج 1، ص 230.

17- تفسير العياشي ج 1، ص 332 والبرهان (تفسير) ج 1، ص 489.

18- مجمع البيان ج 3، ص 223.

19- سورة الانفال الآية 30.