فهرس الكتاب

مكتبة الإمام أميرالمؤمنين (ع)

مكتبة الموقع

 

الفصل الخامس

خلاصة وبيان

تذكير ضروري: الورع والتقوى

التدخل الإلهي الغدير في ظل التهديدات الإلهية

الغدير في ظل التهديدات الإلهية

قد عرفنا في الفصل السابق: أن قريشاً، ومن هم على رأيها هم الذين كانوا يخططون لصرف الأمر عن بني هاشم، وبالذات عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه الصلاة والسلام، ويتصدون لملاحقته ومتابعته في جميع تفاصيله وجزئياته.

وقد رأوا: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان في مختلف المواقع والمواضع لا يزال يهتف باسمه، ويؤكد على إمامته، ولم يكن في مصلحتهم أن يعلن بذلك أمام تلك الجموع الغفيرة، التي جاءت للحج من جميع الأقطار والأمصار، ولأجل ذلك فقد بادروا إلى التشويش والإخلال بالنظام.

قريش بالذات هي التي قصدت النبي (صلى الله عليه وآله) في منزلة بعد هذا الموقف مباشرة لتستوضح منه ماذا يكون بعد هؤلاء الأئمة.

فكان الجواب: ثم يكون الهرج. والصحيح: (الفرج)، كما رواه الخزاز(1).

وقد رأى النبي (صلى الله عليه وآله): أن مجرد التلميح لهذا الأمر، قد دفعهم إلى هذا المستوى من الإسفاف والإسراف في التحدي لإرادة الله سبحانه. ولشخص النبي (صلى الله عليه وآله)، دون أن يمنعهم من ذلك شرف المكان، ولاخصوصية الزمان، ولا قداسة المتكلم، وشأنه وكرامته.

فكيف لو أنه (صلى الله عليه وآله) صرح بذلك وجهر باسمه عليه الصلاة والسلام، فقد يصدر منهم ما هو أمر وأدهى وأقبح واشد خطراً على الإسلام وعلى مستقبله بصورة عامة.

 

التدخل الإلهي

ثم جاء التهديد الإلهي لهم، فحسم الموقف، وأبرم الأمر، وظهر لهم أنهم عاجزون عن الوقوف في وجه إرادة الله، القاضية بلزوم إقامة الحجة على الناس كافة، بالأسلوب الذي يريده الله ويرتضيه، وأدركوا: أن استمرارهم في المواجهة السافرة قد يؤدي بهم إلى حرب حقيقة، فيما بينهم وبين الله ورسوله، وبصورة علنية ومكشوفة.

فلم يكن لهم بد من الرضوخ، والانصياع، لا سيما بعد أن افهمهم الله سبحانه:

أنه يعتبر عدم إبلاغ هذا الأمر بمثابة عدم إبلاغ أصل الدين، وأساس الرسالة، (وان لم تفعل فما بلغت رسالته) الأمر الذي يعني: العودة إلى نقطة الصفر، والشروع منها، وحتى لو انتهى ذلك إلى خوض حروب في مستوى بدر، وأحد والخندق، وسواها من الحروب التي خاضها المسلمون ضد المشركين من أجل تثبيت أساس الدين وإبلاغه.

ومن الواضح لهم: أن ذلك سوف ينتهي بهزيمتهم وفضيحتهم، وضياع كل الفرص، وتلاشي جميع الآمال في حصولهم على امتياز يذكر، أو بدونه، حيث تكون الكارثة بانتظارهم، حيث البلاء المبرم، والهلاك والفناء المحتّم.

فآثروا الرضوخ إلى الأمر الواقع، والإنحناء أمام العاصفة، في سياسة غادرة وماكرة.

ولزمتهم الحجة، بالبيعة التي أخذت منهم له (عليه السلام) في يوم الغدير.

وقامت الحجة بذلك على الأمة بأسرها أيضاً.

ولم يكن المطلوب أكثر من ذلك.

ثم كان النكث منهم لهذه البيعة، وذلك بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله)، وإحساسهم بالأمن، وبالقوة. (فمن نكث فإنما ينكث على نفسه)(2).

(وليحملن أثقالهم، واثقالاَ مع أثقالهم وليسألنّ يوم القيامة عما كانوا يفعلون)(3).

 

تذكير ضروري: الورع والتقوى

قد يدور بخلد بعض الناس السؤال التالي: إنه كيف يمكن أن نصدق أن يقدم عشرات الألوف من الصحابة على مخالفة ما رسمه النبي (صلى الله عليه وآله) لهم في أمر الخلافة والإمامة. وهم أصحابه الذين رباهم على الورع والتقوى، وقد مدحهم الله عز وجل في كتابه العزيز، وذكر فضلهم، وهم الذين ضحوا في سبيل الله هذا الدين، وجاهدوا فيه بأمواله وأنفسهم!!

ونقول في الجواب

إن ما يذكرونه حول الصحابة أمر مبالغ فيه. وذلك لأن الصحابة الذين حجوا مع النبي (صلى الله عليه وآله) قبيل وفاته، وإن كانوا يعدون بعشرات الألوف.

ولكن لم يكن هؤلاء جميعاً من سكان المدينة، ولا عاشوا مع النبي (صلى الله عليه وآله) فترات طويلة، تسمح له بتربيتهم وتزكيتهم وتعليمهم وتعريفهم على أحكام الإسلام، ومفاهيمه.

بل كان أكثرهم من بلاد أخرى بعيدة عن المدينة أو قريبة منها وقد فازوا برؤية النبي (صلى الله عليه وآله) هذه المرة، وقد يكون بعضهم قد رآه قبلها أو بعدها بصورة عابرة أيضاً وقد لا يكون رآه.

وقد تفرق هؤلاء بعد واقعة الغدير مباشرة، وذهب كل منهم إلى أهله وبلاده.

ولعل معظمهم ـ بل ذلك هو المؤكد ـ قد أسلم بعد فتح مكة، وفي عام الوفود ـ سنة تسع من الهجرة: فلم يعرف من الإسلام إلا إسمه، ومن الدين إلا رسمه مما هو في حدود بعض الطقوس الظاهرية والقليلة.

ولم يبق مع رسول الله بعد حادثة الغدير، إلا أقل القليل من الناس ممن كان يسكن المدينة، وقد يكونون ألفين أو أكثر، وربما دون ذلك أيضاً.

وقد كان فيهم العدد من الخدم والعبيد، والأتباع، بالإضافة إلى المنافقين والذين مردوا على النفاق ممن أخبر الله عن وجودهم، وأنهم كانوا من أهل المدينة، ومن البلاد المجاورة لها.

ولم يكن رسول الله (صلى الله عليه وآله) يعلمهم بصورة تفصيلية، وكان الله سبحانه هو الذي يعلمهم.

هذا إلى جانب فئات من الناس، من أهل المدينة نفسها، كانوا لا يملكون درجة كافية من الوعي للدين، وأحكامه ومفاهيمه، وسياساته، بل كانوا مشغولين بأنفسهم وملذاتهم وتجاراتهم، فإذا رأوا تجارة أو لهو انفضوا إليها وتركوا النبي (صلى الله عليه وآله) قائماً.

وقد تعرض كثير من الناس منهم لتهديدات النبي (صلى الله عليه وآله) بحرف بيوتهم، لأنهم كانوا يقاطعون صلاة الجماعة التي كان يقيمها رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالذات، كما أنه قد كان ثمة جماعة أتخذت لنفسها مسجداً تجتمع فيه، وتركت الحضور في جماعة المسلمين، وهو ما عرف بمسجد الضرار، وقد هدمه (صلى الله عليه وآله)، كما هو معروف.

وتكون النتيجة هي أنه لا يبقى في ساحة الصراع والعمل السياسي إلا أهل الطموحات، وأصحاب النفوذ من قريش، صاحبة الطول والحول في المنطقة العربية بأسرها. بالإضافة إلى افراد معدودين من غير قريش أيضاً.

فكان هؤلاء هم الذين يدبرون الأمور ويوجهونها بالإتحاد الذي يصب في مصلحتهم، ويؤكد هيمنتهم، ويحركون الجماهير باساليب متنوعة، أتقنوا الاستفادة منها بما لديهم من خبرات سياسية طويلة.

فكانوا يستفيدون من نقاط الضعف الكثيرة التي كانت لدى السذج والبسطاء، أو لدى غيرهم مما لم يستحكم الإيمان في قلوبهم بعد، ممن كانت تسيرهم الروح القبلية، وتهيمن على عقلياتهم وروحياتهم المفاهيم والرواسب الجاهلية.

كما أن اولئك الذين وترهم الإسلام ـ أو قضى على الإمتيازات التي لا يستحقونها، وقد استأثروا بها لأنفسهم ظلم وعلوا ـ كانوا يسارعون إلى الإستجابة إلى أي عمل يتوافق مع احقادهم، وينسجم مع مشاعرهم وأحاسيسهم الثائرة ضد كل ما هو حق وخير، ودين وإسلام.

وهذا هو ما عبر عنه رسول الله (صلى الله عليه وآله) حينما ذكر: أن تأخيره إبلاغ أمر الإمامة بسبب أنه كان يخشى قومه، لأنهم قريبوا عهد بجاهلية، بغيضة ومقيتة، لا يزال كثيرون منهم يعيشون بعض مفاهيمها، وتهيمن عليهم بعض اعرافها. وهكذا يتضح: أن الأخبار الواعين من الصحابة، مهما كثر عددهم فإن الآخرين هم الذين كانو يقودون التيار، بما يتهأ لهم من عوامل وظروف فكان أن تمكنوا - في المدينة التي لم يكن فيها سوى بضعة الوف من الناس، قد عرفنا بعض حالاتهم ـ من صرف الأمر ـ أمر الخلافة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ـ عن أصحابه الشرعيين، إلى غيرهم حسبما هو مذكور ومسطور في كتب الحديث والتاريخ..

 

خلاصة وبيان

وبعد ما تقدم، فإنه يصبح واضحاً أن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) كان يواجه عاصفة من التحدي، والإصرار على إفشال الخطط الإلهية، بأي ثمن كان، وبأي وسيلة كانت!!

وأن التدخل الإلهي والتهديد القرآني هو للعناصر التي اثارت تلك العاصفة، وإفهامهم: أن إصرارهم على التحدي، يوازي في خطورته وفي زيف نتائجه، وقوفهم في وجه الدعوة الإلهية من الأساس نعم إن هذا التدخل هو الذي حسم الموقف، ولجم التيار، لا سيما بعد أن صرح القرآن بكفى من يتصدى، ويتحدى، وتعهد بالحماية والعصمة له (صلى الله عليه وآله)، فقال: (وإن لم بفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس إنّ الله لا يهدي القوم الكافرين)(4).

وإذا كان الله سبحانه هو الذي سيتصدى لكل معاند وجاحد، فمن الواضح: أنه ليس بمقدور أحد أن يقف في وجه الإرادة الإلهية، فما عليهم إلا أن يبلغ أن ينسجموا من ساحة التحدي، من أجل أن يقيم الله حجته، ويبلغ الرسول (صلى الله عليه وآله) دينه ورسالته.

وليبوؤاهم بإثم المكر والبغي، وليحملوا وزر النكث والخيانة والله لا يهدي كيد الخائنين.

 

الهوامش:

1- راجع كفاية الأثر: ص 52، ويقارن ذلك مع ما في إحقاق الحق (الملحقات) وغيبة النعماني وغيرهما.. فإنهم صرحوا بان قريشاً هي التي أتته.

2- سورة الفتح الآية 10.

3- سورة العنكبوت الآية 13.

4- سورة المائدة الآية 67.