فهرس الكتاب

مكتبة الإمام أميرالمؤمنين (ع)

مكتبة الموقع

 

الفصل السادس

 الناس أمام مسؤولياتهم

 الذكريات الغالية

  وجود الرسول أيضاً

  لماذا في موسم الحج

 يوم عرفة

 الخير في ما وقع

التهديد والتآمر

  القرار الالهي الثابت

  تساقط الاقنعة

 احتكار القرار

في نطاق فهمنا لموقف النبي (صلى الله عليه وآله ) في حجة الوداع في منى وعرفات، ومنع قريش له من نصب علي (عليه السلام) إماماً لأمة، نسجل النقاط التالية:

 1- يوم عرفة

هو يوم عبادة ودعاء وابتهال، وانقطاع إلى الله سبحانه، ويكون فيه كل واحد من الناس منشغلاً بنفسه، وبمناجاة ربه، لا يتوقع في موقفه ذاك أي نشاط سياسي عام، ولا يخطر ذلك على بال.

فإذا رأى أن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) يبادر إلى عمل من هذا القبيل، فلا بد وأن يشعر: أن هناك أمراً بالغ الخطورة، وفائق الأهمية، فينشد لسماع ذلك الأمر والتعرف عليه، ويلاحق جزئياته بدقة ووعي، وبانتباه فائق.

 2- لماذا في موسم الحج

وإذا كان موسم الحج هو المناسبة التي يجتمع فيها الناس من مختلف البلاد، على إختلاف طبقاتهم، وأجناسهم، وأهوائهم، فإن أي حدث متميز يرونه ويشاهدونه فيه لسوف تنتشر أخباره بواسطتهم على أوسع نطاق، فكيف إذا كان هذا الحدث يحمل في طياته الكثير من المفاجآت، والعديد من عناصر الإثارة، وفيه من الأهمية ما يرتقي به إلى مستوى الأحداث المصيرية للدعوة الإسلامية بأسرها.

 3- وجود الرسول أيضاً

كما أن وجود الرسول (صلى الله عليه وآله) في موسم الحج، لسوف يضفي على هذه المناسبة المزيد من البهجة، والإرتياح، ولسوف يعطي لها معنى روحياً أكثر عمقاً، وأكثر شفافية وسيشعرون بحساسية زائدة تجاه أي قول وفعل يصدر من جهته (صلى الله عليه وآله)، وسيكون الدافع لديهم قوياَ لينقلوا للناس مشاهداتهم، وذكرياتهم في سفرهم الفريد ذاك.

كما أن الناس الذين يعيشون في مناطق بعيدة عنه (صلى الله عليه وآله)، ويشتاقون إليه، لسوف يلذ لهم سماع تلك الأخبار، وتتبعها بشغف، وبدقة وبإنتباه زائد، ليعرفوا كل ما صدر من نبيهم، من: قول، وفعل، وتوجيه، وسلوك، وأمر، ونهين وتحذير، وترغيب وما إلى ذلك.

 4- الذكريات الغالية

وكل من رافق النبي (صلى الله عليه وآله) في هذا السفر العبادي، لسوف يحتفظ في ذاكرته بذكريات عزيزة وغالية على قلبه، تبقى حية غضبة في روحه وفي وجدانه، على مدى الأيام والشهور، والأعوام والدهور، ما دام أن هذه هي آخر مرة  يرى فيها رسول الله (صلى الله عليه وآله)، أعظم وأكرم، وأغلى رجل وجد، ويوجد على وجه الأرض.

وحين تتخذ العلاقة بالحديث بعداً عاطفياً، يلامس مشاعر الإنسان، وأحاسسيه، فإنها تصبح اكثر رسوخاً وحيوية، وابعد أثراً في مجال الإلتزام والموقف.

 5- الناس أمام مسؤولياتهم

وبعد أن عرفنا أنه (صلى الله عليه وآله) قد اختار الزمان، ليكون يوم العبادة والإنقطاع إلى الله سبحانه يوم عرفة والمكان، وهو نفس جبل عرفات، ثم اختار الخصوصيات والحالات ذات الطابع الخاص، ككونها أخر حجة للناس معه، حيث قد أخبر الناس: أن الأجل قد أصبح قريباً.

ثم اختار أسلوب الخطاب الجماهيري، لا خطاب الأفراد والأشخاص، كما هو الحال في المناسبات العادية، - إذا عرفنا ذلك، وسواه فإنه يصبح واضحاً: أنه (صلى الله عليه وآله) قد أراد أن يضع الأمة امام مسؤولياتها، ليفهمها: أن تنفيذ هذا الأمر يقع على عاتقها جميعاً، فليس لأفراد أن يعتذروا بأن هذا أمر لا يعنيهم، ولا يقع في دائرة واجباتهم، كما أنهم لا يمكنهم دعوى الجهل بأبعاده وملابساته، بل الجميع مطالبون بهذا الواجب، ومسؤولون عنه، وليس خاصاً بفئة من الناس، لا يتعداها إلى غيرها، وبذلك تكون الحجة قد قامت على الجميع، ولم يبق عذر لمعتذر، ولا حيلة لمتطلب حيلة.

 6- احتكار القرار

وهذه الطريقة في العمل قد أخرجت القضية عن احتكار جماعة بعينها، قد يروق لها أن تدعي: أنها وحدها صاحبة الحل والعقد في هذه المسألة أخرجها عن ذلك لتصبح قضية الأمة بأسرها، ومن مسؤولياتها التي لا بد وأن تطالب، وتطالب بها، فليس لقريش بقدر هذا، ولا لغيرها: أن تحتكر القرار في أمر الإمامة والخلافة، كما قد حصل ذلك بالفعل.

ولنا أن نعتبر هذا من أهم إنجازات هذا الموقف، وهو ضربة موفقة في مجال التخطيط لمستقبل الرسالة، وتركيز الفهم الصحيح لمفهوم الإمامة لدى جميع الأجيال، وعلى مر العصور.

وقد كان لا بد لهذه القضية من أن تخرج من يد أناس يريدون أن يمارسوا الإقطاعية السياسية والدينية،على أسس ومفاهيم جاهلية، دونما اثارة من علم، ولا دليل من هدى وإنما من منطلق الأهواء الشيطانية والأطماع الرخيصة، والأحقاد المقيتة والبغيضة.

 7- تساقط الاقنعة

ولعل الإنجاز الأهم هنا هو: أنه (صلى الله عليه وآله) قد استطاع أن يكشف زيف المزيفين، وخداع الماكرين، ويعريهم أمام الناس، حتى عرفهم كل أحد، وبأسلوب يستطيع الناس جميعاً على اختلاف مستوياتهم وحالاتهم ودرجاتهم في الفكر، وفي الوعي، وفي السن، وفي الموقع، وفي غير ذلك من أمور أن يدركوه ويفهموه فقد رأى الجميع: أن هؤلاء الذين يدعون: أنهم يوقرون رسول الله ويتبركون بفضل وضوئه، وببصاقه، وحتى بنخامته، وأنهم يعملون بالتوجيهات الإلهية التي تقول:

(لا تقدموا بين يدي الله ورسوله)(1).

(لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي، ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض)(2).

(ما آتاكم الرسول فخذوه ، وما نهاكم عنه فانتهوا)(3).

(أطيعوا الله وأطيعوا الرسول)(4).

وغير ذلك من آيات تنظم تعاملهم، وتضع الحدود، وترسم معالم السلوك معه (صلى الله عليه وآله)، مما يكون الفسق والخروج عن الدين، في تجاهله وفي تعديه.

هذا إلى جانب اعترافهم بما له (صلى الله عليه وآله) من فضل عليهم وأياد لديهم، فإنه هو الذي أخرجهم بفضل الله: من الظلمات الى النور، ومن الضلال إلى الهدى، وأبدلهم الذل بالعز، والشقاء بالسعادة، والنار بالجنان.

مع أنهم يدعون: أنهم قد جاؤا في هذا الزمان الشريف، إلى هذا المكان المقدس عرفات - لعبادة الله سبحانه وطلب رضاه، منيبين إليه سبحانه، ليس لهم في حطام الدنيا، وزخارفها، مطلب ولا مأرب.

ولكن مع ذلك كله.. فقد رأى الجميع بأم أعينهم: كيف أن حركة بسيطة منه (صلى الله عليه وآله) قد أظهرتهم على حقيقتهم، وكشفت خفي مكرهم، وخادع زيفهم، ورأى كل أحد كيف أنهم: لا يوقرون رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ويرفعون أصواتهم فوق صوته، ويجهرون له بالقول أكثر من جهر بعضهم لبعضهم، ويعصون أوامره، كل ذلك رغبة في الدنيا، وزهداً في الآخرة، وطلباً  لحظ الشيطان، وعزوفاً عن الكرامة الإلهية ورضى الرحمن.

وإذا كان هؤلاء لا يتورعون عن معاملة نبيهم بهذا الأسلوب الوقح والقبيح، فهل تراهم يوقرون من هو دونه، في ظروف وحالات لا تصل إلى حالاتهم معه (صلى الله عليه وآله)، ولا تدانيها؟!.

وماذا عسى أن يكون موقفهم ممن طفحت قلوبهم بالحقد عليه، ولهم قبله ترات وثارات من قتلهم على الشرك من اسلافهم، كعلى بن أبي طالب صلوات الله وسلامه عليه.

وهكذا..فإنه يكون (صلى الله عليه وآله) قد أفقدهم، وأفقد مؤيدهم كل حجة, وحجب عنهم كل عذر، سوى البغي والإصرار على الباطل، والجحود للحق، فقد ظهر ما كان خفياً، وأسفر الصبح لذي عينين، ولم يعد يمكن الإحالة، على المجهول، بدعوى: أنه يمكن أن يكون قد ظهر لهم ما خفي علينا.

أو أنهم ـ وهم الأتقياء الأبرار ـ لا يمكن أن يخالفوا رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ولا يبطلوا تدبيره، ويخونوا عهده، وهو لما يدفن.

أو أن من غير المعقول: أن تصدر الخيانة من أكثر الصحابة؟! أو أن يسكتوا بأجمعهم عليها.

وما إلى ذلك من أساليب يمارسها البعض لخداع السذج والبسطاء ومن لا علم لهم بواقع أولئك الناس، ولا بمواقفهم.

فإن كل هذه الدعاوى عد سقطت، وجميع تلكم الأعذار قد ظهر زيفهاوبطلانها، فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر.

 8- القرار الالهي الثابت

والذي ساهم في قطع كل عذر، وبوار كل حجة: أن ذلك قد كان منهم في الأيام الأخيرة من حياته (صلى الله عليه وآله)، بحيث لم يبق مجال لدعوى الإنابة والتوبة، أو الندم على ما صدر منهم، ولا لدعوى تبدل الأوضاع والأحوال، والظروف والمقتضيات، ولا لدعوى تبدل القرار الإلهي النبوي.

 9- التهديد والتآمر

هذا .. وقد تقدم: أن هؤلاء أنفسهم حينما رأوا جدية التهديد الإلهي، قد سكتوا في المرحلة اللاحقة، حينما قام النبي (صلى الله عليه وآله) ليعلن إمامة علي (عليه السلام) في غدير خم، فلم نجد منهم أيه بادرة خلاف، إلا فيما ندر من همسات عابرة، لا تكاد تسمع.

وقد بادر هؤلاء أنفسهم الى البيعة له (عليه السلام). وأن كانوا قد أسروا وبيتوا ما لا يرضى الله ورسوله من القول والفعل، والنية والتخطيط. الذي ظهرت نتائجه بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله)، وهو حينما تصدى بعضهم لمنع النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) من كتابة الكتاب بالوصية لعلي (عليه السلام) حينما كان النبي (صلى الله عليه وآله) على فراش المرض، في ما عرف برزية يوم الخميس!! وقال قائلهم: إن النبي ليهجر!

أو: غلبه الوجع!!(5).

 10- الخير في ما وقع

وأخيراً .. فإن ما جرى في عرفة، ومنى، وإظهار هؤلاء الناس على حقيقتهم، وما تبع ذلك من فوائد وعوائد أشير اليها، قد كان ضرورياً ولازماً، للحفاظ على مستقبل الدعوة، وبقائها، فقد عرفت الأمة الوفي من المتآمر، والمؤمن الخالص، من غير الخالص، وفي ذلك النفع الكثير والخير العميم.

(فعسى أن تكرهوا شيئاً ، ويجعل الله فيه خيراً كثيراً)(6).

وصدق الله ورسوله، وخاب من افترى

(فمن نكث فإنما ينكث على نفسه)(7).

والحمد لله والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين.

 

الهوامش:

1- سورة الحجرات الآية 1.

2- سورة الحجرات الآية 2.

3- سورة الحشر الآية 7.

4- سورة النساء الآية 59.

5- الإيضاح: ص 359، وتذكرة الخواص: 62 ، وسر العالمين 21، وصحيح البخاري ج 3، ص 60 وج 4، ص 173 وج 1، ص 21 - 22 و ج 2، ص 115، والمصنف للصنعاني ج 6، ص 57 و ج 10، ص 361، وراجع ج 5، ص 438، والإرشاد للمفيد ص 107 والبحار ج 22، ص 498 وراجع: الغيبة للنعماني ص 81 ـ 82 وعمدة القاري ج 14 وص 298 وفتح الباري ج  8، ص 101 و102 والبداية والنهاية ج 5، ص 227، والبدء والتاريخ ج 5 ص 59، والملل والنحل ج 1، ص 22، والطبقات الكبرى ج 2، ص 244، وتاريخ الأمم والملوك ج 3، ص 192 - 193، والكامل في التاريخ ج 2، ص 320، وأنساب الأشراف ج 1، ص 562، وشرح النهج للمعتزلي ج 6، ص 51، وتاريخ الخميس ج 2، ص 164، وصحيح مسلم ج ص 75، ومسند أحمد ج 1، ص 355 وص 324 وص 325 والسيرة الحلبية ج 3، ص 344، ونهج الحق: ص 273، والعبر وديوان المبتدأ والخبر ج 2 قسم 2، ص 62, راجع: حق اليقين ج 1، ص 181 - 182 ودلائل الصدق ج 3 قسم 1، ص 63 ـ 70، والصراط المستقيم ج 3 و 6، والمراجعات: 353، والنص والإجتهاد: 149 ـ 163.

6- سورة النساء الآية 19.

7- سورة الفتح الآية 10.