عجائب احكام اميرالمؤمنين
علي بن ابي طالب صلوات الله عليه
تاليف:
العلامة السيد محسن الامين العاملي (قده)
تحقيق فارس حسون كريم
مقدمة التحقيق
بسم الله الرحمن الرحيم
سيدي ابا حسن ...
انت الذي ملكت مقاليد العلوم، طارفها وتليدها، فاضحت علومك ومعارفكعلى اكف المجد مرفوعة. وصارت المعضلات امام جواهر معادنك راكعة، فلجا الصحابة الى عجائب احكامك، والكل يشير:
ناد عليا مظهر العجائب
سيدي امير المؤمنين...
اضع مجهودي المتواضع هذا امام دوحة فضلك واحسانك، راجيا منكالقبول.فارس
مقدمة التحقيق
الحمد للّه رب العالمين، والصلاة والسلام على اشرف رسله محمدنبيه الامين، صلوات اللّه عليه وعلى اهل بيته الائمة الميامين، معدنالتقى، والعروة الوثقى.
وبعد:
ان تراثنا الثري الذي وصلنا من سلفنا صانعي المجد والمعبر عننهضة امتنا وهويتها قد ضم في ثناياه ما لا يحصى كثرة من الكنوزالتي تكشفت لنا ولا تزال تتكشف يوما بعد يوم، وذلك يستدعينا اننرفع دوما رؤوسنا باعتزاز وشعور ملؤه الفخر والكبرياء، حيثان تراثنا لم يكن يوما ما ترفا فكريا، وفيه تجلت حضارتناونجت من الاضمحلال.
ولا يخفى على كل متتبع كثرة الصرخات التي اطلقها اعداء التراثالاسلامي، وكم سعوا في تجريد المسلمين عما يملكه الاسلام منمقومات حضارية؟ وكم ارادوا من زعزعة ثقتنا في تراثنا الثمينوالتجاوز على ذخائره؟ وكم وجهوا الينا من مطاعن ومثالب؟وكم...؟
غير ان تلك الصرخات لم تكن الا صيحة في واد، لانها مغرضة لميرد منها الا الشر، ولم يبعثها الا الشر، فيوم يوجهون سهامهم نحوكتابنا العزيز، وفي آخر نحو سنتنا الثابتة، وفي آخر نحو لغتناالاصيلة، وفي آخر نحو علمائنا الاعلامواساطين المذهب، وفيآخر نحو عقولنا السليمة، وهكذا دواليك، وما فتئوا يحاربوننا بكلما اوتوا من قوة، لكنهم عادوا في خزيهم تعلوهم الخيبة، وبقيتراثنا مشعلا للتراث الانساني، ومنارا للعلم والفضيلة، ودعامةقوية في صرح الحضارات العالمية، وفيضا يغذي الارض بالحياةوالهدى والنور المرقرق الدفاق(1).
واستتبع مواضع اقدام اولئك الاعداء من حسب علينا من ضعافاليقين وسذج التفكير، او ممن امتاز بضحالة معرفته بتاريخ تراثناالاسلامي، فاخذ يضرب على وتر نغماتهم، وبدا يقتنص تلكالنغمات وينظمها بتنظيم جديد، محاولا القطع بين ماضيناوحاضرنا، متعمدا الغاء الوعي الجماهيري، مسايرا اهواء ورغباتزعمائه واربابه.ومن هنا يتوجب علينا في ظل الفترة الدقيقة الراهنة التي تجتازهاامتنا تعبئة كل الجهود والامكانات للرقي بوجودنا الى وجود اعزوافضل، وصحيح ان امتنا قد مرت بعصور ازدهار وانحطاط الا انهاامة عريقة، ولا تستطيع ان تحمي وجودها وتتابع سيرها علىمراقي تقدمها ما لم تستقرىء ماضي خطواتها على درب الزمن،وتدرك سر قوتها وبقائها، وعوامل ضعفها وتخلفها.
وان قضية تراثنا في جوهرها قضية وجود ومصير تتسع ابعادهازمانا فتستوعب الماضي والحاضر والمستقبل، واذا اردنا لتراثنا انياخذ مكانه المرموق بين قضايانا الحيوية ما علينا الا التصديلنشره ووضعه في موضعه الصحيح من هذه الحرب العلمية، فانهبمثابة العامل الحي الذي يحيط بكل فعاليات الامة ومكتسباتها.
ومما يؤسف له ان لفظ «التراث» قد حد بحدود لدى الكثيرين ممنتقع على عاتقهم مسؤولية اقامته وصيانته، بل والنهل من
هذا البحرالمعطاء، واصبح التراث لديهم وكانه مخطوطات قديمة في علومالعربية والاسلام قد اكل عليها الزمن وشرب، تحتاج لمن ينفضعنها الغبار قبل ان يقوم باي شيء آخر.فقد غاب عنهم ان تراثنا هو معاد معنوي، وهو غذاء وضياء، قداستوعب ثمار عقول سلفنا الصالح في مختلف مجالات العلموالمعرفة، من رياضيات ونجوم وكيمياء وطب، وغيرها من العلومالتي تكمن في اعماق جذور ذاتنا، والتي لاتجد من يعنى بها، وانتلك النهضة الجبارة قد سبقت ظهور المطبعة واجهزة الاعلاموالنشر، فاعتمد الكتاب على الخط والنسخ في الجمع والتدوينوالتاليف والنشر، وان صرف النظر عن الماضي من المحال، لانهصرف عن الزمان، وصرف عن الذات، والزمان قطعة منا وعبثا نرتبهفي الذات الى ماض وحاضر ومستقبل، ونقسمه الى ساعات وايام،فنحن نعيش الزمان كله، شئنا ذلك ام ابينا، بالقوة او بالفعل، يقولذلك علم النفس، ويحكيه علم الاجتماع(2).
ولا يغيب عن بالنا ان امتنا في الوقت الذي كانت تعيش فيه نهضتهاالمباركة كان الغرب الاوربي يعيش في ظلمات عصوره الوسطى.
تقول الدكتورة عائشة عبدالرحمن «بنت الشاطىء»:
كانت النهضة العلمية تساير عصور القوة للدول الثلاث، وكان بيت الحكمة في بغداد، ومكتبة العزيز في القاهرة، ومكتبة الزهراء فيقرطبة، عنوان هذه النهضة، ورمزا معبرا عنها، وآية من آياتعزها.
كما كانت دور الكتب العامرة في المشرق، ومن اشهرها:
مكتبةالمدرسة النظامية، وخزائن كتب النجف الاشرف، وخزانة سيفالدولة في حلب، والمدرسة النورية، ومكتبة ابي الفدا في حماة، والظاهرية في دمشق، وبني عمار في طرابلس...
وفي المغرب مكتبات: الجامع الاعظم في القيروان، وجامع الزيتونةفي تونس، وجامع القرويين في فاس، والحكمة في مراكش،والجامع الاعظم في مكناس...
كانت هذه الدور الثقافية وامثالها مما لا يتسع المجال لاستيعابه،تعطي تفسيرا تاريخيا لهذه النهضة التي حملت امتنا لواءها فيالعصر الوسيط(3).
ومن ثم لا تلبث جيوش هولاكو ان تندفع الى المشرق كالاعصارالمارد، فتتهاوى حينئذ حصون الشرق الاسلامي حصنا في اثرحصن، وانهدت صروحنا العلمية وكنوز ثقافتنا ومعالم حضارتنا،حتى قيل: ان الكتب قد سدت مجرى دجلة، وجاز الناس عليها مابين شطيه كانها جسر معقود.
وهناك في اقصى المغرب لقيت مكتبة الزهراء ودور العلم بالاندلسنفس المصير الذي لقيته دور المشرق، وان اختلفت الاسباب.
وفي ظلمة الليل الغاشي هان تراثنا على قومنا وهم في سباتهم ابانالعصر التركي، وجهلوا قدره، فلم يعودوا يرون فيه وفي ماضيناسوى ركام هين لا قيمة له، او اكفان موتى واضرحة قبور خاوية.
وتزامنت افاقة اوربا من سباتها المظلم مع ذلك التدهور التاريخيلتراثنا، وقد انار فكرنا الاسلامي مسرى اوربا الى عصر نهضتها الحديثة.
وما ان تمت عملية انتقال الحضارة من المشرق الى المغرب ازدادحرص اهل الغرب على تراثنا الراحل عنا والحال لديهم، ولميكتفوا بما وصل اليهم من ذخائرنا بل اخذوا بتجنيد الشياطينوالابالسة ممن عد منهم او منا لسلب ما تبقى في ايدينا كي يتسنىلهم اكتشاف سر وجودنا، وطبيعة مزاجنا، وملامح عقليتنا،فيسهلاستعمارنا عند ذلك، هذا من جهة.ومن جهة اخرى ان هذا تراث مشترك لا يصح ان يتخلى عنه منتحضر عن مسؤوليته في الكشف به عن معالم التطور البشري مابين الماضي والحاضر، وقد قيل: ان نابليون جاء معه بجنود منالعلماء لدراسة احوال الشعب المصري والكشف عن اسرار تاريخه القديم.
وفي نفس الوقت لا ننكر ان لهم الفضل ولا زالوا في حفظ تراثناالواصل اليهم والمساهمة بنشره ايضا، الا ان تعصبهم لدينهم وقومياتهم ترك آثارا فيما نشروا، فنشاهد الكثير من التواء الاساليب واضطراب المناهج والاعتساف في تاويل النصوص،وكنتيجة لذلك فانها تعطي نتائج محرفة تخدش عقيدتنا، وتؤيد تلك المزاعم التي يتبجح بها اعداؤنا.
اليقظة الجديدة
يمكننا القول بان بوادر يقظتنا من ليلنا الطويل قد لاحت في الافقفي القرن الثاني او الثالث عشر الهجري القرن التاسع عشرالميلادي ، وبالرغم مما كان يشوبها من مظاهر القلق والاضطرابفقد برزت طائفة من رواد الفكر الاسلامي اخذت على عاتقهاصيانة تراثنا والعناية بدقة في تدوين الحديث الشريف وروايته، لذاكان السبب في وصول نسخ خطية كثيرة الينا كتبت في العصورالمتقدمة وفي شتى انواع العلوم، كالفلسفة والحديث والقرآنوالفلك... الخ.
ومن اولئك الرواد الجهابذة مؤلفنا السيد محسن الامين قدس سرهالذي افرزته حضارتنا ونصبته قمة سامقة للتاريخ، ونجما زاهرايضيء السماء يهتدى به في ظلمات الليل الحالك، ويكفي لمؤرخالحضارة الانسانية ان يمجد هذه الامة المرحومة حين وصوله لهذهالعبقرية التي رفدت البشرية بانواع اللالىءالتي لا يستغني عنهاالفقيه والباحث والمتكلم و... فان التمجيد الحقيقي يتجسد بشكلتام في العظماء من بني البشر.
وفي الوقت الذي كان فيه السيد(قده) يشعر بمسؤولياته الكبرىوواجباته المتعددة الجوانب فانه كان يعرف العالم الاسلاميوالانسانية بمذهب اهل البيت(ع) من خلال مؤلفاته التي اغنتالتراث الاسلامي كموسوعته «اعيان الشيعة» و «اقناع اللائم» و «كشف الارتياب» وغيرها ياتيك ذكرها في فقرة«مؤلفاته(قده)».
واذا تتبعنا وطالعنا مؤلفات السيد ومقالاته(قده) وما اكثرهاوانفعها لا نملك الا ان نكبر هذه العبقرية النادرة، وقد قال(قده) عننفسه: له مؤلفات كثيرة بعضها قد طبع مرتين او مرارا، وبعضها قدترجم الى غير العربية وطبع، واكثرها تزيد على 500 صفحة الى800 صفحة، وحسبك ان يكون «اعيان الشيعة» قد بلغ 100 مجلد، ولو قسم ما كتبناه تسويدا او تبييضا ونسخا وغيرها على عمرنا لما نقص كل يوم عن كراس مع عدم المساعد والمعين غير اللّهتعالى(4).
وقد الف (قده) واكثر ونوع حسبما تمليه الحاجة، فقد تناول الادبونقده واجاد فيه، وهكذا في الفقه والاصول والحديث والعقائد و...كلها تدل على موهبته وذكائه وتفطنه الى ما لا يتفطن له سواه.
وساعدته مواهبه اللامحدودة من التاليف المبكر، ونظم الشعر،والجمع بين الموضوعية والدقة، والعمق والرفعة.ويطل علينا السيد(قده) من خلال كتابه هذا اطلالة مشرقة مباركة،فاضافة الى دقته الفائقة في انتقاء الصحيح من الاخبار والاثار اذنراه قد اكتشف لنا كنزا قديما من كنوزنا الثمينة الا وهو «كتاب قضايا امير المؤمنين(ع)» لابي اسحاق ابراهيم بن هاشم القميالكوفي(5)، اول من نشر حديث الكوفيين بقم، وهو والد عليبن ابراهيم الذي هو من اعظم مشايخ ثقة الاسلام محمد بن يعقوب الكليني صاحب «الكافي»، واكثر روايات كتابه عنه وسياتيك الكلام عنه خلال فقرة «حول الكتاب» فاورده(قده) كاملا ضمنكتابه، ملتزما بموضوعيته، بعيون مفتوحة وحس نقدي مرهف، فلميكتف بايراده بل رد ما يرد من اخباره، وصحح ما يحتاج منهاللتصحيح، وفسر ووجه ما كان فيها من غموض او غرابة، مجسدااصالة الروح العلمية فيها ليبقيه ميراثا عتيدا راسخا، فللّه دره.
وبعد ان ادى هؤلاء الافذاد دورهم احسن اداء وبحسب ما تيسرتلهم من امكانات في ذلك الوقت تركوا الامانة ثقيلة في اعناقنا،ويحدونا الامل في ان نستوعب كل ما ترك لنا اسلافنا في شتىفروع العلم والمعرفة.ترجمة المؤلف
اسمه ونسبه
هو ابو محمد الباقر محسن ابن الصالح العابد السيد عبدالكريم ابنالعلامة الفقيه السيد علي بن محمد الامين ابن السيد ابي الحسن موسى ابن السيد حيدر ابن السيد احمد ابن السيد ابراهيم المنتهي نسبه الى الحسين ذي الدمعة ابن زيد الشهيد ابن الامام علي زينالعابدين ابن الامام الحسين الشهيد ابن الامام امير المؤمنين عليبن ابي طالب(ع)، العلوي الفاطمي الهاشمي الحلي العاملي الشقرائي.1 - نفائس المخطوطات بتحقيق الشيخ محمد حسن آل ياسين: 5.
2 - من وحي الحسين للدكتور مهدي فضل اللّه: 38.
3 - تراثنا بين ماض وحاضر: 28 29.
4 - اعيان الشيعة: 10/371.
5 - ويسمى ايضا: «عجائب احكام امير المؤمنين (ع)».
6 - لقد كان المصدر الرئيسي لهذه الترجمة هو ما كتبه (قده) مترجما نفسه في «اعيان الشيعة»: 10/333 446.