فهرس الكتاب

مكتبة الإمام الحسين

مكتبة الموقع

الصفحة الرئيسية

 

حكومة معاوية

 

واستقبل المسلمون حكومة معاوية - بعد الصلح - بكثير من الذعر والفزع والخوف، فقد عرفوا واقع معاوية، ووقفوا على اتجاهاته الفكرية والعقائدية فخافوه على دينهم، وعلى نفوسهم واموالهم، وقد وقع ما خافوه فانه لم يكد يستولي على رقاع الدولة الاسلامية حتى اشاع الظلم والجور والفساد في الارض، ويقول المؤرخون انه ساس المسلمين سياسة لم يالفوها من قبل، فكانت سياسته تحمل شارات الموت والدمار، كما كانت تحمل معول الهدم على جميع القيم الاخلاقية والانسانية، وقد انتعشت في عهده الوثنية بجميع مساوئها التي نفر منها الناس، يقول السيد مير علي الهندي :

" ومع ارتقاء معاوية الخلافة في الشام عاد حكم التوليغارشية الوثنية :

السابقة فاحتل موقع ديمقراطية الاسلام وانتعشت الوثنية بكل ما يرافقها من خلاعات، وكانها بعثت من جديد، كما وجدت الرذيلة والتبذل الخلقي لنفسها متسعا في كل مكان ارتادته رايات حكام الامويين من قادة جند الشام.." (1) والشئ المؤكد ان حكومة معاوية لم تستند الى رضى الامة أو مشورتها، وانما فرضت عليها بقوة السلاح، وقد اعترف معاوية بذلك اعترافا رسميا بتصريح ادلى به امام جمهور غقير من الناس فقال :

" والله ما وليتها - اي الخلافة - بمحبة علمتها منكم ولا مسرة بولايتي، ولكن جالدتكم بسيفي هذا مجالدة، فان لم تجدوني اقوم مجتمعكم كله فاقبلوا مني بعضه.." .

ولما وقعت الامة فريسة تحت انيابه - بعد الصلح - خطب في (النخيلة) خطابا قاسيا اعلن فيه عن جبروته وطغيانه على الامة واستهانته بحقوقها فقد جاء فيه :

" والله اني ما قاتلتكم لتصلوا ولا لتصوموا، ولا لتحجوا ولا لتزكوا، انكم لتفعلون ذلك، وانما قاتلتكم لاتامر عليكم، وقد اعطاني الله ذلك وانتم له كارهون " (2) ومثل هذا الخطاب الاتجاهات الشريرة التي يحملها معاوية فمن اجل الامرة والسيطرة على العباد اراق دماء المسلمين، واشاع في بيوتهم الثكل والحزن والحداد .

ولا بدلنا من دراسة موجزة للمخططات السياسية التي تبنتها حكومة معاوية، وما رافقها من الاحداث الجسام فانها - فيما نعتقد - من المع الاسباب في ثورة الامام الحسين، فقد راى ما مني به المسلمون في هذا العهد من الحرمان والاضطهاد، وما اصيبوا به من الانحراف والتذبذب من جراء النقائص الاجتماعية التي اوجدها الحكم الاموي، فهب سلام الله عليه - بعد هلاك معاوية - الى تفجير ثورته الكبرى التي ادت الى ايقاظ الوعي الاجتماعي الذي اكتسح الحكم الاموي وازال جميع معالمه وآثاره...

وهذه بعض معالم سياسة معاوية .

سياسته الاقتصادية :

ولم تكن لمعاوية أية سياسة اقتصادية في المال حسب المعنى المصطلح لهذه الكلمة، وانما كان تصرفه في جباية الاموال وانفاقها خاضعا لرغباته واهوائه فهو يهب الثراء العريض للقوى المؤيدة له ويحرم العطاء للمعارضين له، وياخذ الاموال ويفرض الضرائب كل ذلك بغير حق .

إن من المقطوع به انه لم يعد في حكومة معاوية اي ظل للاقتصاد الاسلامي الذي عالج القضايا الاقتصادية باروع الوسائل واعمقها، فقد عنى بزيادة الدخل الفردي، ومكافحة البطالة، واذابة الفقر، واعتبر مال الدولة ملكا للشعب يصرف على تطوير وسائل حياته، وازدهار رخائه، ولكن معاوية قد أشاع الفقر والحاجة عند الاكثرية الساحقة من الشعب، وأوجد الرأسمالية عند فئة قليلة راحت تتحكم في مصير الناس وشؤونهم .

وهذه بعض الخطوط الرئيسية في سياسته الاقتصادية .

الحرمان الاقتصادي :

واشاع معاوية الحرمان الاقتصادي في بعض الاقطار التي كانت تضم الجبهة المعارضة له فنشر فيها البؤس والحاجة حتى لا تتمكن من القيام باية معارضة له، وهذه بعض المناطق التي قابلها بالاضطهاد والحرمان .

1 - يثرب :

وسعى معاوية لاضعاف يثرب فلم ينفق على المدنيين أي شئ من المال وجهد عل فقرهم وحرمانهم لانهم من معاقل المعارضة لحكمه، وفيهم كثير من الشخصيات الحاقدة على الاسرة الاموية والطامعة في الحكم، ويقول المؤرخون ؟

انه اجبرهم على بيع املاكهم فاشتراها بانجس الاثمان، وقد ارسل القيم على املاكه لتحصيل وارادتها فمنعوه عنها، وقابلوا حاكمهم عثمان بن محمد، وقالوا له :

إن هذه الاموال لنا كلها، وان معاوية آثر علينا في عطائنا، ولم يعطنا درهما فما فوقه حتى مضنا الزمان ونالتنا المجاعة فاشتراها بجزء من مائة من ثمنها، فرد عليهم حاكم المدينة باقسى القول وأمره .

ووفد على معاوية الصحابي الجليل جابر بن عبد الله الانصاري فلم ياذن له تحقيرا وتوهينا به فانصرف عنه، فوجه له معاوية بستمائة درهم فردها جابر وكتب إليه :

واني لاختار القنوع على الغنى * اذا اجتمعا والماء بالبارد المحض

واقضي على نفسي إذ الامر نابني * وفي الناس من يقضي عليه ولا يقضي

والبس أثواب الحياء وقد ارى * مكان الغنى الا أهين له عرضي

وقال لرسول معاوية : " قل له :

والله يابن آكلة الاكباد لا تجد في صحيفتك حسنة أنا سببها أبدا .

وانتشر الفقر في بيوت الانصار، وخيم عليهم البؤس حتى لم يتمكن الرجل منهم على شراء راحلة يستعين بها على شؤونه، ولما حج معاوية واجتاز على يثرب استقبله الناس، ومنهم الانصار وكان اكثرهم مشاة فقال لهم :

" ما منعكم من تلقي كما يتلقاني الناس ! ! ؟

" فقال له سعيد بن عبادة :

" منعنا من ذلك قلة الظهر، وخفة ذات اليد، والحاح الزمان علينا، وايثارك بمعروفك غيرنا " .

فقال له معاوية باستهزاء وسخرية :

" اين أنتم عن نواضح المدينة ؟

" فسدد له سعيد سهما من منطقه الفياض قائلا :

" نحرناها يوم بدر، يوم قتلنا حنظلة بن أبي سفيان " (3) لقد قضت سياسة معاوية بنشر المجاعة في يثرب وحرمان اهلها من الصلة والعطاء، يقول عبد الله بن الزبير :

في رسالته الى يزيد " فلعمري ما تؤتينا مما في يدك من حقنا الا القليل وانك لتحبس عنا منه العريض..

" وقد اوعز معاوية الى الحكومه المركزية في يثرب برفع اسعار المواد الغذائية فيها حتى تعم فيها المجاعة، وقد المع الى ذلك يزيد في رسالته التى بعثها للمدينين ووعدهم فيها بالاحسان ان خضعوا لسلطانه، وقد جاء فيها .

" ولهم علي عهد أن اجعل الحنطة كسعر الحنطة عندنا، والعطاء الذي يذكرون أنه احتبس عنهم في زمان معاوية فهو علي لهم وفرا كاملا."(4). وقد جعل معاوية الولاة على الحجاز تارة مروان بن الحكم، واخرى سعيد بن العاص وكان يعزل الاول ويولي الثاني، وقد جهدا في اذلال الاهل المدينة وفقرهم .

2 - العراق :

اما العراق فقد قابله معاوية بالمزيد من العقوبات الاقتصادية باعتباره المركز الرئيسي للمعارضة، والقطر الوحيد الساخط على حكومته، وكان واليه المغيرة بن شعبة يحبس العطاء والارزاق عن أهل الكوفة، وقد سار حكام الامويين من بعد معاوية على هذه السيرة في اضطهاد العراق وحرمان اهله، فان عمر بن عبد العزيز اعدلهم لم يساو بين العراقيين والشاميين في العطاء، فقد زاد في عطاء الشاميين عشرة دنانير ولم يزد في عطاء اهل العراق (5) لقد عانى العراق في عهد الحكم الاموي اشد الوان الضيق مما جعل العراقيين يقومون بثورات متصلة ضد حكمهم .

3 - مصر :

ونالت مصر المزيد من الاضطهاد الاقتصادي فقد كتب معاوية الى عامله :

" ان زد على كل امرئ من القبط قيراطا " فانكر عليه عامله وكتب إليه :

" كيف ازد عليهم وفي عهدهم ان لا يزاد عليهم " (6) .

وشمل الضيق الاقتصادي سائر الاقطار الاسلامية ليشغلها عن معارضة حكمه .

الرفاه على الشام :

وبينما كانت البلاد الاسلامية تعاني الجهد والحرمان نجد الشام في رخاء شامل واسعار موادها الغذائية منخفضة جدا، لانها اخلصت للبيت الاموي، وعملت على تدعيم حكمه " فكان الرفاه يعد فيها شائعا، اما ما يؤيد ذلك فهي رسالة يزيد التي ذكرناها قبل قليل..

وقد حملوا أهل الشام على رقاب الناس كما المع الى ذلك مالك بن هبيرة في حديثه مع الحصين بن نمير .

يقول له :

" هلم فلنبايع لهذا الغلام - اي خالد بن يزيد - الذي نحن ولدنا اباه وهو ابن اختنا، فقد عرفت منزلتنا من ابيه فانه كان يحملنا على رقاب العرب " (7) .

استخدام المال في تدعيم ملكه :

واستخدم معاوية الخزينة المركزية لتدعيم ملكه وسلطانه، واتخذ المال سلاحا يمكنه من قيادة الامة ورئاسة الدولة، يقول السيد مير علي الهندي :

" وكانت الثروات التي جمعها معاوية من عمالته على الشام يبذرها هو وبطانته على جنوده المرتزقة الذين ساعدوه بدورهم على اخفات كل همسة ضدهم.."(8) وكانت هذه السياسة غريبة على المسلمين لم يفكر فيها أحد من الخلفاء السابقين، وقد سار عليها من جاء بعده من خلفاء الامويين فاتخذوا المال وسيلة لدعم سلطانهم، يقول الدكتور محمد مصطفى :

" وكان من عناصر سياسة الامويين استخدام المال سلاحا للارهاب، واداة للتقريب فحرموا منه فئة من الناس، واغدقوه اضعافا مضاعفة لطائفة اخرى ثمنا لضمائرهم، وضمانا لصمتهم."(9) وجعل شكري فيصل المال احد العاملين الاساسيين اللذين خضع لهما المجتمع الاسلامي خضوعا عجيبا، وكان من جملة الاسباب في فتن السياسة، وسيطرة الطبقة الحاكمة من قريش، كما انه احد الاسباب في وقوع الخلاف ما بين العرب والعجم بل وما بين العرب انفسهم (10).

المنح الهائلة لاسرته :

ومنح معاوية الاموال الهائلة لاسرته فوهبهم الثراء العريض(11) وذلك لتقوية مركزهم، وبسط نفوذهم على العالم الاسلامي، في حين اشاع البؤس والحرمان عند اغلب فئات الشعب .

منح خراج مصر لعمرو :

ووهب معاوية خراج مصر لابن العاص، وجعله طعمة له مادام حيا، وذلك لتعاونه معه على مناجزة الامام امير المؤمنين رائد الحق والعدالة في الارض، وقد المعنا الى تفصيل ذلك في البحوث السابقة .

هبات الاموال للمؤيدين :

واغدق معاوية الاموال الهائلة على المؤيدين له والمنحرفين عن الامام امير المؤمنين وقد اسرف في ذلك الى حد بعيد، ويقول الرواة :

ان يزيد بن منبه قدم عليه من البصرة يشكو له دينا قد لزمه، فقال معاوية :

لخازن بيت المال اعطه ثلاثين الفا، ولما ولى قال :

وليوم الجمل ثلاثين الفا أخرى(12) لقد وهب له هذه الاموال الضخمة جزاءا لمواقفه ومواقف أخيه الذي امد المتردين في حرب الجمل بالاموال التي نهبها من بيت مال المسلمين، وقد حفل التاريخ ببوادر كثيرة من هبات معاوية للقوى المنحرفة عن الامام، والمؤيدة له .

شراء الاديان :

وفتح معاوية بابا جديدا في سياسته الاقتصادية وهي شراء الاديان وخيانة الذمم، فقد وفد عليه جماعة من اشراف العرب فاعطى كل واحد منهم مائة الف واعطى الحتات عم الفرزدق سبعين الفا، فلما علم الحتات بذلك رجع مغضبا الى معاوية فقال له :

" فضحتتني في بني تميم، اما حسبي فصحيح، أو لست ذا سن ؟

الست مطاعا في عشيرتي ؟" .

" بلى..".

" فما بالك خست بي دون القوم واعطيت من كان عليك اكثر ممن كان لك ! ! " فقال معاوية بلا حياء ولا خجل :

" إني اشتريت من القوم دينهم، ووكلتك الى دينك " " انا اشتري مني ديني " فامر له باتمام الجائزة(13) لقد خسرت هذه الصفقة التي كشفت عن مسخ الضمائر وتحولها الى سلعة تباع وتشرى .

عجز الخزينة المركزية :

ومنيت الخزينة المركزية بعجز مالي خطير نتيجة الاسراف في الهبات لشراء الذممم والاديان ولم تتمكن الدولة من تسديد رواتب الموظفين مما اضطر معاوية الى أن يكتب لابن العاص راجيا منه أن يسعفه بشئ من خراج مصر الذي جعله طعمة له فقد جاء في رسالته :

" اما بعد :

فان سؤال أهل الحجاز، وزوار أهل العراق قد كثر وا علي، وليس عندي فضل من اعطيات الجنود فاعني بخراج مصر هذه السنة..

" ولم يستجب له ابن العاص وراح ينكر عليه، ويذكره باياديه التي اسداها عليه وقد اجابه بهذه الابيات :

معاوي إن تدركك نفس شحيحة * فما ورثتني مصر امي ولا ابي

وما نلتها عفوا ولكن شرطتها * وقد دارت الحرب العوان على قطب

ولولا دفاعي الاشعري وصحبه * لالفيتها ترغو كراغية السغب

ولما قرا معاوية الابيات تاثر منه، ولم يعاوده بشئ من امر مصر(14).

مصادرة اموال المواطنين :

واضطر معاوية بعد اسرافه وتبذيره الى مصادرة اموال المواطنين ليسد العجز المالي الذي منيت به خزينة الدولة، وقد صادر مواريث الحتات عم الفرزدق فانكر عليه الفرزدق وقال يهجوه :

ابوك وعمي يا معاوى أورثا * تراثا فيختار التراث اقاربه

فما بال ميراث الحتات اخذته * وميراث صخر جامد لك ذائبه

فلو كان هذا الامر في جاهلية * علمت من المرء القليل حلائبه

ولو كان في دين سوى ذا شنئتم * لنا حقنا أو غص بالماء شاربه

الست اعز الناس قوما وأسرة * وامنعهم جارا اذا ضيم جانبه

وما ولدت بعد النبي وآله * كمثلي حصان في الرجال يقاربه

وبيتي الى جنب الثريا فناؤه * ومن دونه البدر المضئ كواكبه

أنا ابن الجبال الشم في عدد الحصى * وعرق الثرى عرقي فمن ذا يحاسبه

وكم من أب لي يا معاوى لم يزل * اغر يبارى الريح ازور جانبه

نمته فروع المالكين ولم يكن * ابوك الذي من عبد شمس يقاربه(15)

ومعنى هذه الابيات ان الاموال التي خلفها صخر جد معاوية قد انتقلت الى وراثة في حين ان ميراث عم الفرزدق قد صادره معاوية، ولو كان ذلك في الجاهلية لكان معاوية اقصر باعا من أن تمتد يده إليه، فان الفرزدق ينتمي الى اسرة هي من اعز الاسر العربية وامنعها .

ضريبة النيروز :

وفرض معاوية على المسلمين ضريبة النيروز ليسد بها نفقاته، وقد بالغ في ارهاق الناس واضطهادهم على ادائها، وقد بلغت فيما يقول المؤرخون عشرة ملايين درهم (16) وهي من الضرائب التي لم يالفها، المسلمون، وقد اتخذها الخلفاء من بعده سنة فارغموا المسلمين على ادائها .

نهب الولاة والعمال :

واصبحت الولاية في عهد معاوية مصدرا من مصادر النهب والسرقة، ومصدرا للثراء وجمع الاموال، يقول انس بن أبي اناس لحارثة الغذاني صاحب زياد بن أبيه حينما ولي على (سرق) وهي احدى كور الاهواز :

احار بن بدر قد وليت امارة * فكن جرذا فيها تخون وتسرق

وباه تميما بالغنى ان للغنى * لسانا به المرء الهيوبة ينطق

ولا تحقرن ياحار شيئا أصبته * فحظك من ملك العراقيين سرق(17)

ويصف عقبة بن هبيرة الاسدي ظلم الولاة واستصفائهم اموال الرعية بقوله :

معاوي اننا بشر فاسجح * فلسنا بالجبال ولا الحديد(18)

اكلتم ارضنا فجردتموها * فهل من قائم أو من حصيد

فهبنا أمة ذهبت ضياعا * يزيد أميرها وابو يزيد

أتطمع في الخلافة اذ هلكنا * وليس لنا ولالك من خلود

ذروا خول الخلافة واستقيموا * وتامير الاراذل والعبيد

واعطونا السوية لا تزركم * جنود مردفات بالجنود(19)

وقد عانى المسلمون ضروبا شاقة وعسيرة من جور الولاة وظلم الجباة، فقد تمرسوا بالسلب والنهب، ولم يتركوا عند احد من الناس فضلا من المال الا صادروه :

جباية الخراج :

اما جباية الخراج فكانت خاضعة لرغبات الجباة واهوائهم، وقد سال صاحب اخنا عمرو بن العاص عن مقدار ما عليه من الجزية فنهره ابن العاص وقال له :

" لو اعطيتني من الارض الى السقف ما اخيرتك ما عليك انما انتم خزانة لنا إن كثر علينا كثرنا عليكم، وان خفف عنا خففنا عنكم.."(20) وهدمت هذه الاجراءات الظالمة جميع قواعد العدل والمساوات التي جاء بها الاسلام .

اصطفاء الذهب والفضة :

وأوعز معاوية الى زياد بن أبيه ان يصطفي له الذهب والفضة فقام زياد مع عماله باجبار المواطنين على مصادرة ما عندهم من ذلك وارساله الى دمشق(21) وقد ضيق بذلك على الناس، وترك الفقر آخذا بخناقهم .

شل الحركة الاقتصادية :

وشلت الحركة الاقتصادية في جميع انحاء البلاد فخربت الزراعة والثجارة، واصيب الاقتصاد العام بنكسة شاملة نتيجة تبذير معاوية واسرافه، وقد اعلن ذلك عبد الله بن همام السلولي فقد كتب شعرا في رقاع والقاها في المسجد الجامع يشكو فيها الجور الهائل والمظالم الفظيعة التي صبها معاوية وعماله على الناس وهذه هي الابيات :

الا ابلغ معاوية بن صخر * فقد خرب السواد فلا سوادا

ارى العمال اقساء علينا * بعاجل نفعهم ظلموا العبادا

فهل لك ان تدارك بالدنيا * وتدفع عن رعيتك الفسادا

وتعزل تابعا ابدا هواه * يخرب من بلادته البلادا

اذا ما قلت اقصر عن هواه * تمادى في ضلالته وزادا(22)

وقد صور السلولي بهذه الابيات سوء الحالة الاقتصادية وتسلط الولاة على ظلم الرعية ودعا السلطة الى عزلهم واقصائهم عن وظائفهم فقد جهدوا في خراب السواد وامتصوا الدماء، واتبعوا الهوى، وظلوا عن طريق القويم .

حجة معاوية :

ويرى معاوية ان اموال الامة وخزينتها المركزية ملك له يتصرف فيها حيث ما شاء يقول :

" الارض لله، وأنا خليفة الله، فما اخذ من مال الله فهو لي، وما تركته كان جائزا الي."(23) وهذا المنطق بعيد عن روح الاسلام، وبعيد عن اتجاهاته فقد قنن اسسه الاقتصادية على اساس ان المال مال الشعب، وان الدولة ملزمة بتنميته وتطويره، وليس لرئيس الدولة وغيره ان يتلاعب باقتصاد الامة وينفقه على رغباته واهوائه فان ذلك يؤدى الى اذاعة الحاجة ونشر البطالة ويعرض البلاد للازمات الاقتصادية...

لقد اعتبر الاسلام الفقر كارثة اجتماعية ووباءا شاملا يجب مكافحته بكل الطرق والوسائل، وليس لرئيس الدولة ان يصطفي من مال الامة اي شئ، هذا هو راي الاسلام، ولكن معاوية - بصورة لا تقبل الجدل - لم يع ذلك، فتصرف باموال المسلمين حسب رغباته واهوائه .

هذه بعض معالم سياسة معاوية الاقتصادية التي فقدت روح التوازن واشاعت اليؤس والحرمان في البلاد .

سياسة التفريق :

وبنى معاوية سياسته على تفريق كلمة المسلمين وتشتيت شملهم، وبث روح التفرقة والغضاء بينهم، ايمانا منه بان الحكم لا يمكن أن يستقر له الا في تفلل وحدة الامة، واشاعة العداء بين ابنائها، يقول العقاد :

" وكانت له - اي لمعاوية - حيلته التي كررها واتقنها وبرع فيها، واستخدمها مع خصومه في الدولة من المسلمين وغير المسلمين، وكان قوام تلك الحيلة العمل الداثب على التفرقة والتخذيل بين خصومه بالقاء الشبهات بينهم، واثارة الاحن فيهم، ومنهم من كانوا من أهل بيته وذوي قرباه..

كان لا يطيق ان يرى رجلين ذوي خطر على وفاق، وكان التنافس الفطري بين ذوي الاخطار مما يعينه على الايقاع بهم "(24). لقد شتتت كلمة المسلمين، وفصم عرى الاخوة الاسلامية التي عقد أواصرها الرسول الكريم، وبنى عليها مجتمعه .

اضطهاد الموالي :

وبالغ معاوية في اضطهاد الموالي واذلالهم، وقد رام ان يبيدهم ابادة شاملة يقول المؤرخون :

انه دعا الاحنف بن قيس وسمرة بن جندب وفال لهما :

" اني رايت هذه الحمراء فد كثرت، وأراها قد قطعت على السلف، وكاني انظر الى وثبة منهم على العرب والسلطان، فقد رايت أن اقتل شطرا منهم، وادع شطرا لاقامة السوق وعمارة الطريق " .

ولم يرتض الاحنف وسمرة هذا الاجراء الخطير فاخذا يلطفان به حتى عدل عن رايه(25). لقد سن معاوية اضطهاد الموالي، واخذت الحكومات التي تلت من بعده تشيع فيهم الجور والحرمان بالرغم من اشتراكهم في الميادين العسكرية وغيرها من اعمال الدولة، يقول شاعر الموالي شاكيا مما ألم بهم من الظلم :

ابلغ امية عني إن عرضت لها * وابن الزبير وابلغ ذلك العربا

ان الموالي اضحت وهي عاتبة * على الخليفة تشكوا الجوع والحربا

وانبرى احد الخراسانيين الى عمر بن عبد العزيز يطالبه بالعدل فيهم قائلا : له :

" يا امير المؤمنين عشرون الفا من الموالي يغزون بلا عطاء، ولا رزق، ومثلهم قد اسلموا من أهل الذمة يؤدون الخراج."(26) وكان الشعبي قاضي عمر بن عبد العزيز قد بغض المسجد حتى صار ابغض إليه من كناسة داره - حسب ما يقول - لان الموالي كانت تصلي فيه(27) وقد اضطر الموالي الى تاسيس مسجد خاص لهم اسموه (مسجد الموالي) كانوا يقيمون الصلاة فيه (28) ويميل خودا بخش الى الظن انهم انما اضطروا الى تادية صلاتهم فيه بعدما رؤوا تعصب العرب ضدهم، وانهم لم يكونوا يسمحون لهم بالعبادة معهم في مسجد واحد (29) وكان الموالي يلطفون بالرد على العرب ويدعونهم الى الهدى قائلين :

" اننا لا ننكر تباين الناس، ولا تفاضلهم، ولا السيد منهم والمسود، والشريف والمشروف، ولكننا نزعم ان تفاضل الناس فيما بينهم هو ليس بابائهم، ولا باحسابهم ولكنه بافعالهم واخلاقهم، وشرف انفسهم، وبعد همهم، فمن كان دنئ الهمة، ساقط المرؤءة لم يشرف وان كان من بني هاشم في ذؤابتها ! ! إنما الكريم من كرمت افعاله، والشريف من شرفت همته."(30) ولم يع الامويون ومن سار في ركابهم هذا المنطق المشتق من واقع الاسلام وهديه الذي أمر ببسط المساواة والعدل بين جميع الناس من دون فرق بين قومياتهم .

وعلى أي حال فقد ادت هذه السياسة العنصرية الى اشاعة الاحقاد بين المسلمين واختلاف كلمتهم، كما ادت الى تجنيد الموالي لكل حركة ثورية تقوم ضد الحكم الاموي وكانوا بالاخير هم القوة الفعالة التي اطاحت بالامويين وطوت معالمهم وآثارهم .

العصبية القبلية :

وتبعا لسياسة التحزب والتفريق التي سار عليها الامويون فقد احيوا العصبيات القبلية، وقد ظهرت في الشعر العربي صورا مريعة ومؤلمة من الوان ذلك الصراع الذي كانت تخلقه السلطة الاموية لاشغال الناس بالصراع القبلي عن التدخل في الشؤون السياسية، وابعادهم عما يقننه معاوية من الظلم والجور، ويقول المؤرخون :

إنه عمد الى اثارة الاحقاد القديمة ما بين الاوس والخزرج محاولا بذلك التقليل من أهميتهم، واسقاط مكانتهم امام العالم العربي والاسلامي..

كما تعصب لليمنيين على المضربين، واشعل نار الفتنة فيما بينهم حتى لا تتحد لهم كلمة تضر بمصالح دولته .

وسار عمال معاوية على وفق منهج سياسته التخريبية فكان زياد بن أبيه يضرب القبائل بعضها ببعض ويؤجج نار الفتنة فيما بينها حتى تكون تحت مناطق نفوذه يقول ولها وزن :

" وعرف زياد كيف يخضع القبائل بان يضرب احداها بالاخرى، وكيف يجعلها تعمل من اجله، وافلح في ذلك.."(31) .

وحفلت مصادر التاريخ ببوادر كثيرة من الوان التناحر القبلي الذي اثاره معاوية وعماله مما ادى الى انتشار الصغائن بين المسلمين، وقد عانى الاسلام من جراء ذلك أشد الوان المحن فقد أوقف كل نشاط مثمر له " وخولف ما كان يدعو له النبي (ص) من الناخي والتعاطف بين المسلمين .

سياسة البطش والجبروت :

وساس معاوية الامة سياسة بطش وجبروت فاستهان بمقدراتها وكرامتها، وقد اعلن - بعد الصلح - انه انما قاتل المسلمين وسفك دماءهم ليتامر عليهم، وان جميع ما اعطاه للامام الحسن (ع) من شروط فهي تحت قدميه لا يفي بشئ منها، وقد ادلى بتصريح عبر فيه عن كبريائه وجبروته فقال :

" نحن الزمان من رفعناه ارتفع، ومن وضعناه اتضع..(32) وسار عماله وولاته على هذه الخطة الغادرة فقد خطب عتبة بن أبي سفيان بمصر فقال :

" يا حاملي الام أنوف ركبت ببن أعين، إني قلمت اظفاري عنكم ليلين مسيئكم وسالتكم اصلاحكم اذا كان فسادكم باقيا عليكم فاما إذا أبيتم الا الطعن على السلطان والنقض للسلف، فوالله لا قطعن بطون السياط على ظهوركم، فان حسمت اداواءكم والا فان السيف من ورائكم، فكم حكمة منا لم تعها قلوبكم، ومن موعظة منا صمت عنها آذانكم، ولست ابخل بالعقوبة اذا جدتم بالمعصية.."(33) وخاطب المصريين في خطاب آخر له فقال :

" يا أهل مصر إياكم أن تكونوا للسيف حصيدا فان لله ذبيحا لعثمان لا تصيروا الى وحشة الباطل بعد انس الحق باحياء الفتنة، واماتة السنن فاطاكم والله وطاة لا رمق معها حتى تنكروا ما كنتم تعرفون "(34). ومثلت هذه القطع من خطابه مدى احقاده على الامة وتنكره لجميع قيمها وأهدافها ومن اولئك الولاة الذين كفروا بالحق والعدل، خالد القسري، فقد خطب في مكة، وهو يهدد المجتمع بالدمار والفناء، فقد جاء في خطابه :

" أيها الناس عليكم بالطاعة، ولزوم الجماعة، وإياكم والشبهات فاني - والله - ما أوتي لي باحد يطعن على امامه الا صلبته في الحرم..(35) وكانت هذه الظاهرة ماثلة عند جميع حكام الامويين وولاتهم يقول الوليد بن يزيد :

فدع عنك ادكارك آل سعدى * فنحن الاكثرون حصى ومالا

ونحن المالكون الناس قسرا * نسومهم المذلة والنكالا

ونوردهم حياض الخسف ذلا * وما نالوهم الا خبالا(36)

وصورت هذه الابيات مدى استهانته بالامة، فانه مع بقية الحكام من اسرته، قد ملكوا الناس بالغلبة والقوة، وانهم يسومونهم الذل، ويوردونهم حياض الخسف...

ومن اولئك الملوك عبد الملك بن مروان فقد خطب في يثرب امام ابناء المهاجرين والانصار فقال :

" الا وإني لا أداوي أمر هذه الامة الا بالسيف حتى تستقيم قناتكم، وانكم تحفظون أعمال المهاجرين الاولين، ولا تعملون مثل عملهم، وانكم تامروننا بتقوى الله، وتنسون انفسكم والله لا يامرني احد بتقوى الله بعد مقامي هذا - الا ضربت عنقه.."(37) وحفل هذا الخطاب بالطغيان الفاجر على الامة، فهو لا يرى حلا لازماتها الا بسفك الدماء واشاعة الجور والارهاب، اما بسط العدل ونشر الدعة والرفاهية بين الناس فلم يفكر به ولا دار بخلده ولا في خلد واحد من حكام الامويين .

احتقار الفقراء :

وتبنى الحكم الاموي في جميع ادواره اضطهاد الفقراء واحتقار الضعفاء، ويقول المؤرخون ان بني امية كانوا لا يسمحون للفقراء بالدخول الى دوائرهم الرسمية الا في آخر الناس يقول زياد بن ابيه لعجلان حاجبه :

- كيف تاذن للناس ؟

- على البيوتات، ثم على الاسنان، ثم على الادب .

- من تؤخر ؟

- الذين لا يعبا الله بهم .

- من هم ؟

- الذين يلبسون كسوة الشتاء في الصيف، وكسوة الصيف في الشتاء(38) وهدمت هذه السياسة قواعد العدل والمساواة التي جاء بها الاسلام فانه لم يفرق بين المسلمين وجعلهم سواسية كاسنان المشط .

سياسة الخداع :

واقام معاوية دولته على المخاتلة والخداع فلا ظل للواقع في اي تحرك من تحركاته السياسية، فما كان مثل ذلك الضمير المتحجر ان يعي الواقع أو يفقه الحق، وقد حفل التاريخ بصور كثيرة من خداعه، وهذه بعضها :

1 - لما دس معاوية السم الى الزعيم الكبير مالك الاشتر اقبل على اهل الشام فقال لهم :

" ان عليا وجه الاشتر الى مصر فادعوا الله ان يكفيكموه.

" فكان اهل الشام يدعون عليه في كل صلاة، ولما اخبر بموته انبا اهل الشام بان موته نتج عن دعائهم لانهم حزب الله، ثم همس في اذن ابن العاص قائلا له: " ان لله جنودا من عسل "(39).

2 - ومن خداع معاوية وأضاليله ان جرير اليجلي لما اوفده الامام الى معاوية يدعوه الى بيعته، طلب معاوية حضور شرحبيل الكندي، وهو من ابرز الشخصيات في الشام وقد عهد الى جماعة من اصحابه ان ينفرد كل واحد منهم به، ويلقي في روعه ان عليا هو الذي قتل عثمان بن عفان، ولما قدم عليه شرحبيل اخبره معاوية بوفادة جرير، وانه يدعوه الى بيعة الامام، وقد حبس نفسه في البيعة حتى ياخذ رايه لان الامام قد قتل عثمان، وطلب منه شرحبيل ان يمهله لينظر في الامر، فلما خرج التقى به القوم كل على انفراده، واخبروه ان الامام هو المسؤول عن اراقة دم عثمان فلم يشك الرجل في صدقهم فانبرى الى معاوية وهو يقول له :

" يا معاوية اين الناس ؟

الا ان عليا قتل عثمان، والله ان بايعت لنخرجنك من شامنا ولنقتلنك.

" فقال معاوية مخادعا له :

" ما كنت لاخالف عليكم ما أنا الا رجل من أهل الشام.."(40) بمثل هذا الخداع والبهتان اقام دعائم سلطانه، وبنى عليه عرش دولته .

3 - ومن الوان خداعه لاهل الشام انه لما راسل الزعيم قيس بن سعد يستميله ويمنيه بسلطان العراقيين وبسلطان الحجاز لمن احب من اهل بيته ان صار معه فرد عليه قيس باعنف القول فاظهر معاوية لاهل الشام انه قد بايع، وأمرهم بالدعاء له واختلق كتابا نسبه إليه وقد قراه عليهم وهذا نصبه :

" اما بعد :

ان قتل عثمان كان حدثا في الاسلام عظيما، وقد نظرت لنفسي وديني فلم ار بوسعي مظاهرة قوم قتلوا امامهم مسلما محرما برا تقيا فنستغفر الله لذنوبنا الا واني قد القيت لكم بالسلام، واحببت قتال قتلة امام الهدى المظلوم، فاطلب مني ما احببت مني من الاموال والرجال اعجله إليك.." (41) وبهذه الاساليب المنكرة خدع أهل الشام وزج بهم لحرب وصي رسول الله (ص) و باب مدينة علمه .

4 - لقد كان الخداع من ذاتيات معاوية، ومن العناصر المقومة لسياسته، وقد بهر ولده يزيد حينما بويع وكان الناس يمدحونه فقال لابيه :

" يا امير المؤمنين ما ندري انخدع الناس ام يخدعوننا ؟؟ " .

فاجابه معاوية :

" كل من اردت خديعته فتخادع له حتى تبلغ منه حاجتك فقد خدعته "(42) لقد جر معاوية ذيله على الخداع وغذى به أهل مملكته حتى نشا جبل كانت هذه الظاهرة من ابرز ما عرف منه .

اشاعة الانتهازية :

وعملت حكومة معاوية على اشاعة الانتهازية والوصولية بين الناس، ولم يعد ماثلا عند الكثيرين منهم ما جاء به الاسلام من ايثار الحق ونكران الذات، ومن مظاهر ذلك التذبذب ما رواه المؤرخون ان يزيد بن شجرة الرهاوي قد وفد على معاوية، وبينما هو مقبل على سماع حديثه اذ اصابه حجر عاثر فادماه فاظهر تصنعا عدم الاعتناء به فقال له معاوية :

لله انت ما نزل بك ! ! ؟

ما ذاك يا امير المؤمنين ؟

هذا دم وجهك يسيل..

إن حديث امير المؤمنين الهاني حتى غمز فكري فما شعرت بشئ حتى نبهني امير المؤمنين.

فبهر معاوية وراح يقول :

لقد ظلمك من جعلك في الف من العطاء، واخرجك من عطاء ابناء المهاجرين، وكماة أهل صفين.

" وامر له بخمسمائة الف درهم، وزاد في عطائه الف درهم(43).

وكانت هذه الظاهرة سائدة في جميع ادوار الحكم الاموي فقد ذكر المؤرخون ان اسماعيل بن يسار كان زبير الهوى فلما ظفر آل مروان بال الزبير انقلب اسماعيل عن رايه واصبح مروانيا، وقد استاذن على الوليد فاخره ساعة فلما اذن له دخل وهو يبكي فساله الوليد عن سبب بكائه فقال :

" اخرتني وأنت تعلم مروانيتي، ومروانية أبي " وأخذ الوليد يعتذر منه، وهو لا يزداد الا اغراقا في البكاء، فهون عليه الوليد واحسن صلته، فلما خرج تبعه شخص ممن يعرفه فساله عن مروانيته التي ادعاها متى كانت ؟

فقال له :

" بغضنا لال مروان، وهي التي حملت أباه يسار في حال موته ان يتقرب الى الله بلغن مروان بن الحكم، وهي التي دعت امه ان تلعن آل مروان مكان ما تتقرب به الى الله من التسبيح.."(44).

ونقل المؤرخون بوادر كثيرة من الوان هذا الخداع الذي ساد في تلك العصور وهو من دون شك من مخلفات سياسة معاوية الذي ربى جيله على التذبذب والانحراف عن الحق .

الخلاعة والمجون :

وعرف معاوية بالخلاعة والمجون، يقول ابن ابي الحديد :

" كان معاوية أيام عثمان شديد التهتك موسوما بكل قبيح، وكان في أيام عمر يستر نفسه قليلا خوفا منه الا انه كان يلبس الحرير والديباج ويشرب في آنية الذهب والفضة، ويركب البغلات ذوات السروج المحلات بها - اي بالذهب - وعليها جلال الديباج والوشي، وكان حينئذ شابا وعند نزق الصبا، واثر الشبيبة وسكر السلطان والامرة، ونقل الناس عنه في كتب السيرة انه كان يشرب الخمر في ايام عثمان في الشام...

ولا خلاف في انه سمع الغناء، وطرب عليه، ووصل عليه ايضا .

وتاثر به ولده يزيد فكان مدمنا خليعا مستهترا، وتاثر بهذا السلوك جميع خلفاء بني أمية، يقول الجاحظ :

" وكان يزيد - يعني بن معاوية - لا يمسي الا سكرانا، ولا يصبح الا مخمورا، وكان عبد الملك بن مروان يسكر في كل شهر مرة حتى لا يعقل في السماء هو أو في الماء..

وكان الوليد ابن عبد الملك يشرب يوما، ويدع يوما، وكان سليمان بن عبد الملك يشرب في كل ثلاث ليال ليلة، وكان هشام يشرب في كل جمعة، وكان يزيد بن الوليد، والوليد بن يزيد يدمنان اللهو والشراب، فاما يزيد بن الوليد فكان دهره بين حالتي سكر وخمار، ولا يوجد ابدا الا ومعه احدى هاتين، وكان مروان بن محمد يشرب ليلة الثلاثاء وليلة السبت(45) وولى هشام بن عبد الملك الوليد على الحج سنة (119 هـ) فحمل معه كلابا في صناديق فسقط منها صندوق وفيه كلب..

وحمل معه قبة عملها على قدر الكعبة ليضعها عليها، وحمل معه خمرا، واراد أن ينصب القبة على الكعبة ويجلس فيها فخوفه اصحابه، وقالوا له :

لا نامن الناس عليك وعلينا فترك (46) ووفد علي بن عباس على الوليد بن يزيد في خلافته، وقد أتي بابن شراعة من الكوفة، فبادره قائلا :

" والله ما بعثت اليك لاسالك عن كتاب الله وسنة رسوله..

" فضحك ابن شراعة وقال :

- انك لو سالتني عنهما لوجدتني حمارا .

- أنا ارسلت إليك لاسالك عن القهوة - أي الخمر - اخبرني عن الشراب ؟

- يسال امير المؤمنين عما بدا له .

- ما تقول في الماء ؟

- لا بد منه والحمار شريكي فيه .

وأخذ يساله عن المشروبات حتى انتهى الى الخمر فقال له :

- ما تقول في الخمر ؟

أواه تلك صديق روحي .

- أنت والله صديق روحي(47).

وأرسل الوليد الى عامله على الكوفة يطلب منه أن يبعث إليه الخلعاء والشعراء الماجنين ليستمع ما يلهو به من الفسق والمجون، وقد سخر جميع اجهزة دولته للذاته وشهواته، وكتب الى واليه على خراسان أن يبعث إليه ببرابط وطنابير، وقال احد شعراء عصره ساخرا منه :

ابشر يا امين الله * ابشر بتباشير

بابل يحمل المال * عليها كالانابير (48)

بغال تحمل الخمر * حقائبها طنابير

فهذا لك في الدنيا * وفي الجنة تحبير (49)

وسادت اللذة واللهو في المجتمع العربي، وتهالك الناس على الفسق والفجور، ومن طريف ما ينقل في هذا الموضوع انه أوتي بشيخ الى هشام ابن عبد الملك وكان معه قيان وخمر وبربط، فقال :

اكسروا الطنبور على راسه فبكى الشيخ فقال له احد الجالسين عليك بالصبر، فقال له الشيخ اتراني أبكي للضرب ؟

انما ابكي لاحتقاره البربط اذ سماه طنبورا (50) لقد كانت سيرة الامويين في جميع ادوارهم امتدادا لسيرة معاوية الذي اشاع حياة اللهو والخلاعة في البلاد للقضاء على اصالة الامة، وسلب وعيها الديني والاجتماعي .

اشاعة المجون في الحرمين :

وعمد معاوية الى اشاعة الدعارة والمجون في الحرمين للقضاء على قدسيتهما واسقاط مكانتهما الاجتماعية في نفوس المسلمين، يقول العلائلي :

" وشجع الامويون حياة المجون في مكة والمدينة الى حد الاباحة، فقد استاجر طوائف من الشعراء والمخنثين من بينهم عمر بن أبي ربيعة لاجل أن يمسحوا عاصمتي مكة والمدينة بمسحة لا نليق، ولا تجعلهما صالحتين للزعامة الدينية .

وقد قال الاصمعي :

دخلت المدينة فما وجدت الا المخنثين، ورجلا يضع الاخبار والطرف(51).

وقد شاعت في يثرب مجالس الغناء، وكان الوالي يحضرها ويشارك فيها (52) وانحسرت بذلك روح الاخلاق، وانصرف الناس عن المثل العليا التي جاء بها الاسلام .

الاستخفاف بالقيم الدينية :

واستخف معاوية بكافة القيم الدينية، ولم يعن بجميع ما جاء به الاسلام من الاحكام فاستعمل اواني الذهب والفضة، واباح الربا، وتطيب في الاحرام، وعطل الحدود، (53) وقد الغيت معظم الاحكام الاسلامية في اغلب ادوار الحكم الاموي، وفي ذلك يقول شاعر الاسلام الكميت :

وعطلت الاحكام حتى كاننا * على ملة غير التي نتنحل

أأهل كتاب نحن فيه وانتم * على الحق نقضي بالكتاب ونعدل

كان كتاب الله يعني بامره * وبالنهي فيه الكوذني المركل(54)

فتلك ملوك السوء قد طال ملكهم * فحتام حتام العناء المطول

وما ضرب الامثال في الجور قبلنا * لاجور من حكامنا المتمثل (55)

واستخف معاوية بالمقدسات الاسلامية واحتقرها، يقول الرواة إنه لما تغلب قيل له ! لو سكنت المدينة، فهي دار الهجرة، وبها قبر النبي (ص) فقال :

قد ظللت اذا وما أنا من المهتدين (56) واقتدى به في ذلك جميع بني أمية فقد انبرى يحيى بن الحكم الى عبد الله بن جفعر فقال له :

" كيف تركت الخبيثة - يعني مدينة رسول الله (ص) - ؟

" فانكر عليه ابن جعفر وصاح به :

" سماها رسول الله (ص) طيبة وتمسيها خبيثة، فد اختلفتما في الدنيا وستختلفان في الاخرة..

" قال يحيى :

" والله لان أموت وادفن بارض الشام المقدسة أحب إلي من ان أدفن بها.

" فقال له :

" اخترت مجاورة اليهود والنصارى على مجاورة رسول الله (ص) والمهاجرين "(57).

استلحاق زياد :

ومن مظاهر استخفاف معاوية بالقيم الاسلامية استلحاقه زياد بن عبيد الرومي، والصاقه بنسبه من دون بينة شرعية، وانما اعتمد على شهادة ابي مريم الخمار وهو مما لا يثبت به نسب شرعي، وقد خالف بذلك قول رسول الله (ص) :

" الولد للفراش وللعاهر الحجر " .

لقد قام بذلك انطلاقا وراء اهدافه السياسية، وتدعيما لحكمه وسلطانه...

ومن طريف ما ينقل في الموضوع ان نصر بن حجاج خاصم عبد الرحمن بن خالد ابن الوليد عند معاوية في عبد الله مولى خاليد بن الوليد فامر معاوية حاجبه أن يؤخرهما حتى يحتفل مجلسه، فلما اكتمل مجلسه، أمر بحجر فادني منه، والقى عليه طرفا من ثيابه ثم اذن لهما، فترافعا عنده في شان عبد الله فقال له نصر :

" إن اخي وابن أبي عهد الي انه - يعني عبد الله - منه " وقال عبد الرحمن :

" مولاي وابن عبد ابي وامته ولد على فراشه " واصدر معاوية الحكم في المسالة فقال يا حرسي :

خذ هذا الحجر فادفعه الى نصر بن حجاج، فقد قال رسول الله (ص) :

الولد للفراش وللعاهر الحجر " .

وانبرى نصر فقال :

" افلا اجريت هذا الحكم في زياد ؟

" فقال معاوية :

" ذلك حكم معاوية وهذا حكم رسول الله (58) .

انكار الامام الحسين :

وانكر الامام الحسين (ع) على معاوية هذا الاستلحاق الذي خالف به قول رسول الله (ص) فكتب إليه مذكرة تضمنت الاحداث الجسام التي اقترفها معاوية وقد جاء فيها :

" أولست المدعي زياد بن سمية المولود على فراش عبيد ثقيف فزعمت أنه ابن أبيك، وقد قال رسول الله (ص) " الولد للفراش وللعاهر الحجر " فتركت سنة رسول الله تعمدا واتبعت هواك بغير هدى من الله لقد اثار استلحاق معاوية لزياد موجة من الغضب والاستياء عند الاخيار والمتحرجين في دينهم، وقد بسطنا الكلام في ذلك في كتابنا (حياة الامام الحسن [ ع ]) .

الحقد على النبي :

وحقد معاوية على النبي (ص) فقد مكث في ايام خلافته اربعين جمعة لا يصلي عليه، وساله بعض اصحابه عن ذلك فقال :

" لا يمنعني عن ذكره الا ان تشمخ رجال بانافها (59) وسمع المؤذن يقول :

اشهد ان لا اله الا الله وان محمدا رسول الله، فلم يملك اهابه، واندفع يقول :

" لله ابوك يا ابن عبد الله لقد كنت عالي الهمة، مارضيت لنفسك الا ان يقرن اسمك باسم رب العالمين."(60) ومن مظاهر حقده على الرسول الاعظم (ص) مارواه مطرف بن المغيرة قال :

وفدت مع أبي على معاوية، فكان أبي يتحدث عنده ثم ينصرف إلى، وهو يذكر معاوية وعقله، ويعجب بما يرى منه، واقبل ذات ليلة، وهو غضبان فامسك عن العشاء، فانتظرته ساعة، وقد ظننت انه لشئ جدث فينا أو في عملنا، فقلت له ! - مالي اراك مغتما منذ الليلة ؟

- يابني جئتك من اخبث الناس .

- ما ذاك ؟

- خلوت بمعاية فقلت له :

إنك قد بلغت مناك يا امير المؤمنين فلو اظهرت عدلا وبسطت خيرا، فانك قد كبرت، ولو نظرت الى أخوتك من بني هاشم فوصلت ارحامهم فو الله ما عندهم اليوم شئ تخافه..

" فثار معاوية واندفع يقول :

" هيهات ! ! هيهات ملك أخو تيم فعدل، وفعل ما فعل فو الله ما عدا ان هلك فهلك ذكره، الا أن يقول قائل ابو بكر :

ثم ملك أخو عدي فاجتهد وشمر عشر سنين فو الله ما عدا ان هلك فهلك ذكره الا ان يقول قائل عمر، ثم ملك أخونا عثمان فملك رجل لم يكن أحد في مثل نسبه فعمل به ما عمل فوالله ما عدا ان هلك فهلك ذكره وان اخا هاشم يصرخ به في كل يوم خمس مرات :

اشهد ان محمدا رسول الله (ص) فاي عمل يبقى بعد هذا لا ام لك الا دفنا دفنا.."(61) ودلت هذه البادرة على مدى زعزعة العقيدة الدينية في نفس معاوية وانها لم تكن الا رداء رقيقا يشف عما تحته من حب الجاهلية والتاثر بها الى حد بعيد، وكانت النزعة الالحادية ماثلة عند اغلب ملوك الامويين يقول الوليد في بعض خمرياته منكرا للبعث والنشور :

ادر الكاس يمينا * لاتدرها ليسار

اسق هذا ثم هذا * صاحب العود النضار

من كميت عتقوها * منذ دهر في حرار

ختموها بالاماويه (62) * وكافور وقار

فلقد ايقنت أني * غير مبعوث لنار

ساروض الناس * حتي يركبوا دين الحمار

وذروا من يطلب * الجنة يسعي لتبار(63)

وتاثر الكثيرون من ولاتهم بهذا النزعة الالحادية، فكان الحجاج يخاطب الله امام الجماهير الحاشدة قائلا :

" ارسولك افضل ام خليفتك يعني ان عبد الملك افضل من النبي العظيم (ص)."(64) وكان ينقم على الذين يزورون قبر رسول الله (ص) ويقول :

" تبا لهم انما يطوفون باعواد ورمة بالية، هلا طافوا بقصر امير المؤمنين عبد الملك الا يعلمون ان خليفة المرء خير من رسوله " (65) .

وهكذا كان جهاز الحكم الاموي في كثير من ادواره قد تنكر للرسول الاعظم (ص) وازدرى برسالته .

تغيير الواقع الاسلامي :

وعمد معاوية الى تغيير الواقع الاسلامي المشرق الذي تبني الحركات النضالية والقضايا المصيرية لجميع الشعوب، فاهاب بالمسلمين أن لا يقروا على كظة ظالم، ولا سغب مظلوم، وقد تبنى هذا الشعار المقدس الصحابي العظيم ابو ذر الغفاري الذي فهم الاسلام، عن واقعه، فرفع راية الكفاح في وجه الحكم الاموي، وطالب عثمان، ومعاوية بانصاف المظلومين والمضطهدين وتوزيع ثروات الامة على الفقراء والمحرومين .

لقد اراد معاوية اقبار هذا الوعي الديني، واماتة الشعور بالسؤولية فاوعز الى لجان الوضع التي ابتدعها ان تفتعل الاحاديث على لسان المحرر العظيم الرسول (ص) في الزام الامة بالخضوع للظلم، والخنوع للجور، والتسليم لما تقترفه سلطانها من الجور والاستبداد وهذه بعض الاحاديث :

1 - روى البخاري بسنده عن رسول الله (ص) انه قال لاصحابه :

" انكم سترون بعدى اثرة، وامورا تنكرونها.

قالوا فما تامرنا يا رسول الله ؟

قال :

ادوا إليهم حقهم، واسالوا الله حقكم.." (66).

2 - روى البخاري بسنده عن رسول الله (ص) أنه قال :

" من راى من أميره شيئا يكره فليصبر عليه فانه من فارق الجماعة فمات، مات ميتة جاهلية.."(67).

 3 - روى البخاري بسنده عن مسلمة بن زيد الجعفي أنه سال رسول الله (ص) فقال له :

يا نبي الله ارايت ان قامت علينا امراء يسالونا حقهم، ويمنعونا حقنا فما ترى ؟

فاعرض " ص " عنه فساله ثانيا وثالثا والرسول معرض فجذبه الاشعث بن قيس، فقال رسول الله (ص) :

اسمعوا واطيعوا فان عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم.."(68).

4 - روى البخاري بسنده عن عجرفة قال : سمعت رسول الله (ص) يقول :

إنه ستكون هنات وهنات فمن أراد أن يفرق أمر هذه الامة وهي جمع فاضربوه بالسيف كائنا ما كان.." (69) الى غير ذلك من الموضوعات التى خدرت الامة، وشلت حركتها الثورية، وجعلتها قابعة ذليلة تحت وطاة الاستبداد الاموي وجوره، وقد هب الامام الحسين (ع) الثائر الاول في الاسلام الى اعلان الجهاد المقدس ليوقظ الامة من سباتها ويعيد للاسلام نضارته وروحه النضالية التى انحسرت في عهد الحكم الاموي .

مع أهل البيت :

وسخر معاوية جميع اجهزته للحط من قيمة اهل البيت (ع) الذين هم وديعة رسول الله (ص) والعصب الحساس في هذه الامة، وقد استخدام اخطر الوسائل في محاربتهم واقصائهم عن واقع الحياة الاسلامية، وكان من بين ما استخدمه في ذلك مايلي :

1 - تسخير الوعاظ .

وسخر معاوية الوعاظ في جميع انحاء البلاد ليحولوا القلوب عن أهل البيت (70) ويذيعوا الاضاليل في انتقاصهم تدعيما للحكم الاموي .

2 - استخدام معاهد التعليم .

واستخدم معاوية معاهد التعليم واجهزة الكتاتيب لتغدية النشئ ببغض أهل البيت (ع) وخلق جيل معاد لهم (71) وقد قامت تلك الاجهزة بدور خطير في بث روح الكراهية في نفوس النشئ لعترة النبي (ص) .

3 - افتعال الاخبار .

واقام معاوية شبكة لوضع الاخبار تعد من اخطر الشبكات التخريبية في الاسلام فعهد إليها بوضع الاحاديث على لسان النبي (ص) للحط من قيمة أهل البيت (ع) اما الاعضاء البارزون في هذه اللجنة فهم :

1 - ابو هريرة الدوسي .

2 - سمرة بن جندب .

3 - عمرو بن العاص .

4 - المغيرة بن شعبة .

وقد افتعلوا آلاف الاحاديث على لسان النبي (ص) وكانت عدة طوائف مختلفة حسب التخطيط السياسي للدولة وهي :

الطائفة الاولى :

وضع الاخبار في فضل الصحابة لجعلهم قبال أهل البيت، وقد عد الامام الباقر (ع) اكثر من مائة حديث منها :

أ - ان عمر محدث - بصيغة المفعول - اي تحدثه الملائكة .

ب - إن السكينة تنطق على لسان عمر .

ج - إن عمر يلقنه الملك .

د - إن الملائكة لتستحي من عثمان (72) .

الى كثير من امثال هذه الاخبار التي وضعت في فضل الصحابة، يقول المحدث ابن عرفة المعروف بنفطويه :

" ان اكثر الاحاديث الموضوعة في فضائل الصحابة افتعلت في ايام بني امية تقربا إليهم بما يظنون أنهم يرغمون به أنوف بني هاشم..."(73) كما وضعوا في فضل الصحابة الاحاديث المماثلة للاحاديث النبوية في فضل العترة الطاهرة كوضعهم :

" ان سيدي كهول أهل الجنة ابو بكر وعمر " وقد عارضوا بذلك الاحاديث المتواتر " الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة " (74) .

الطائفة الثانية :

وضع الاخبار في ذم العترة الطاهرة والحط من شانها فقد اعطى معاوية سمرة بن جندب اربع مائة الف على أن يخطب في أهل الشام، ويروي لهم أن الاية الكريمة نزلت في علي وهي قوله تعالى :

" ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو الد الخصام واذا تولى سعى في الارض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد "(75) فروى لهم سمرة ذلك واخذ العوض الضخم من بيت المال المسلمين (76)...

ومما رووا أن النبي (ص) قال في آل أبي طالب " إن آل أبي طالب ليسوا باولياء لي انما ولي الله وصالح المؤمنين"(77) وروى الاعمش انه لما قدم أبو هريرة العراق مع معاوية عام الجماعة (سنة 41) جاء الى مسجد الكوفة فلما راى كثرة من استقبله من الناس جثا على ركبتيه ثم ضرب صلعته مرارا، وقال :

يا أهل العراق أتزعمون أني اكذب(78) على رسول الله (ص) واحرق نفسي بالنار ؟

لقد سمعت رسول الله (ص) يقول :

ان لكل نبي حرما، وان حرمي بالمدينة ما بين عير الى ثور فمن احدث فيهما حدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس اجمعين، واشهد بالله ان عليا احدث فيها ! ! فلما بلغ معاوية قوله اجازه واكرمه وولاه امارة المدينة(79) .

الى كثير من امثال هذه الموضوعات التي تقدح في العترة الطاهرة التي هي مصدر الوعي والاحساس في العالم الاسلامي .

الطائفة الثالثة افتعال الاخبار في فضل معاوية لمحو العار الذي لحقه ولحق أباه واسرته في مناهضتهم للاسلام، واخفاء ما أثر عن النبي (ص) في ذمهم، وهذه بعض الاخبار المفتعلة :

1 - قال (ص) :

" معاوية بن أبي سفيان احلم أمتي واجودها " (80).

2 - قال (ص) :

" صاحب سري معاوية بن أبي سفيان " (81).

3 - قال (ص) " اللهم علمه - يعني معاوية - الكتاب وقه العذاب وادخله الجنة.."(82) .

4 - قال (ص) " اذا رايتم معاوية يخطب على منبري فاقبلوه (83) فانه امين هذه الامة"(84) الى غير ذلك من الاحاديث الموضوعة التي تعكس الصراع الفكري ضد الاسلام عند معاوية وانه حاول جاهدا محو هذا الدين والقضاء عليه .

حديث مفتعل على الحسين :

من الاحاديث الموضوعة على الامام الحسين ما روى أنه وفد على معاوية زائرا في يوم الجمعة وكان قائما على المنبر خطيبا فقال له رجل من القوم ائذن للحسين يصعد المنبر فقال له معاوية :

ويلك دعني افتخر، ثم حمدالله وأنثى عليه، ووجه خطابه للحسين قائلا له :

- سالكتك يا أبا عبد الله أليس أنا ابن بطحاء مكة ؟

- اي والذي بعث جدي بشيرا .

- سالتك يا أبا عبد الله أليس أنا خال المؤمنين ؟

- اي والذي بعث جدي نبيا .

- سالتك يا أبا عبد الله أليس أنا كاتب الوحي ؟

- اي والذي بعث جدي نذيرا .

ثم نزل معاوية عن المنبر، فصعد الحسين فحمد الله بمحامد لم يحمده الاولون والاخرون بمثلها ثم قال :

حدثني أبي عن جدي عن جبرائيل عن الله تعالى ان تحت قائمة كرسي العرش ورقة آس خضراء مكتوب عليها " لا إله إلا الله محمد رسول الله، يا شيعة آل محمد لا ياتي أحدكم يوم القيامة الا ادخله الله الجنة " .

فقال له معاوية :

سالتك يا أبا عبد الله من شيعة آل محمد ؟

فقال عليه السلام :

الذين لا يشتمون الشيخين أبا بكر وعمر، ولا يشتمون عثمان ولا يشتمونك يا معاوية .

وعلق الحافظ ابن عساكر على هذا الحديث بقوله :

" هذا حديث منكر ولا أرى سنده متصلا الى الحسين (85) .

وقد امتحن المسلمون امتحانا عسيرا بهذه الموضوعات التي دونت في كتب السنة، وظن الكثيرون من المسلمين أنها حق، فاضفوا على معاوية ثوب القداسة، وألحقوه بالرعيل الاول من الصحابة المتحرجين في دينهم وهم من دون شك لو علموا واقعها لتبرؤا منها - كما يقول المدايني - (86) ولم تقتصر الموضوعات على تقديس معاوية والحط من شان أهل البيت (ع) وانما تدخلت في شؤون الشريعة فالصقت بها المتناقضات والمستحيلات مما شوهت الواقع الاسلامي وأفسدت عقائد المسلمين .

سب الامام امير المؤمنين :

وتمادى معاوية في عدائه الامام أمير المؤمنين (ع) فاعلن سبه ولعنه في نواديه العامة والخاصة وأوعز إلى جميع عماله وولاته أن يذيعوا سبه بين الناس، وسرى سب الامام في جميع انحاء العالم الاسلامي، وقد خطب معاوية في أهل الشام فقال لهم :

" ايها الناس، ان رسول الله (ص) قال لي :

إنك ستلي الخلافة من بعدي فاختر الارض المقدسة - يعني الشام - فان فيها الابدال، وقد اخترتكم فالعنوا أبا تراب " .

وعج أهل الشام بسب الامام (87) وخطب في اولئك الوحوش فقال لهم :

" ما ظنكم برجل - يعني عليا لا يصلح لاخيه - يعني عقيلا - يا أهل الشام إن أبا لهب المذموم في القران هو عم علي بن أبي طالب " (88) .

ويقول المؤرخون :

انه كان اذا خطب ختم خطابه بقوله :

" اللهم ان أبا تراب الحد في دينك وصد عن سبيلك فالعنه لعنا وبيلا، وعذبه عذابا اليما..

" وكان يشاد بهذه الكلمات على المنابر (89) ولما ولي معاوية المغيرة بن شعبة امارة الكوفة كان أهم ما عهد إليه ان لا يتسامح في شتم الامام (ع) والترحم على عثمان، والعيب لاصحاب علي واقصائهم، واقام المغيرة واليا على الكوفة سبع سنين وهو لا يدع ذم علي والوقوع فيه (90).

وقد اراد معاوية بذلك ان يصرف القلوب عن الامام (ع) وان يحول بين الناس وبين مبادئه التي اصبحت تطارده في قصوره يقول الدكتور محمود صبحي :

" لقد اصبح علي جثة هامدة لا يزاحمهم في سلطانهم، ويخيفهم بشخصه، ولا يعني ذلك - اي سب الامام - الا ان مبادئه في الحكم وآراءه في السياسة كانت تنغص عليهم في موته كما كانت في حياته.."(91).

لقد كان الامام رائد العدالة الانسانية والمثل الاعلى لهذا الدين، يقول الجاحظ :

" لا يعلم رجل في الارض متى ذكر السبق في الاسلام والتقدم فيه، ومتى ذكر النخوة والذب عن الاسلام، ومتى ذكر الفقه في الدين، ومتى ذكر الزهد في الامور التي تناصر الناس عليها كان مذكورا في هذه الخلال كلها الا في علي"(92).

ويقول الحسن البصري : " والله لقد فارقكم بالامس رجل كان سهما صائبا من مرامي الله عز وجل، رباني هذه الامة بعد نبيها (ص) وصاحب شرفها وفضلها وذا القرابة القريبة من رسول الله (ص) غير مسؤم لامر الله، ولا سروقة لمال الله اعطى القران عزائمه فاورده رياضا مونقة، وحدائق مغدقة ذلك علي بن ابي طالب"(93).

لقد عادت اللعنات التي كان يصبها معاوية وولاته على الامام باظهار فضائله فقد برز الامام للناس اروع صفحة في تاريخ الانسانية كلها، وظهر للمجتمع انه المنادي الاول بحقوق الانسان، والمؤسس الاول للعدالة الاجتماعية في الارض لقد انطوت السنون والاحقاب، واندكت معالم تلك الدول التي ناوئت الامام سواء أكانت من بني امية أم من بني العباس، ولم يبق لها أثر، وبقى الامام (ع) وحده قد احتل قمة المجد فها هو رائد الانسانية الاول وقائدها الاعلى واذا بحكمه القصير الامد يصبح طغراء في حكام هذا الشرق، واذا الوثائق الرسمية التي أثرت عنه تصبح منارا لكل حكم صالح يستهدف تحقيق القضايا المصيرية للشعوب، واذا بحكم معاوية اصبح رمزا للخيانة والعمالة ورمزا لاضطهاد الشعوب واحتقارها .

ستر فضائل أهل البيت:

 وحاول معاوية بجميع طاقاته حجب فضائل آل البيت (ع) وستر ماثرهم عن المسلمين، وعدم اذاعة ما أثر عن النبي (ص) في فضلهم، يقول المؤرخون :

إنه بعد عام الصلح حج بيت الله الحرام فاجتاز على جماعة فقاموا إليه تكريما ولم يقم إليه ابن عباس، فبادره معاوية قائلا :

يابن عباس ما منعك من القيام ؟

كما قام أصحابك إلا لموجدة علي بقتالي إياكم يوم صفين ! ! يابن عباس إن ابن عمي عثمان قتل مظلوما.

! فرد عليه ابن عباس ببليغ منطقه قائلا :

- فعمر بن الخطاب قد قتل مظلوما، فسلم الامر الى ولده، وهذا ابنه - واشار الى عبد الله بن عمر - اجابه معاوية بمنطقه الرخيص .

" إن عمر قتله مشرك..

" فانبرى ابن عباس قائلا :

- فمن قتل عثمان ؟

- قتله المسلمون .

وامسك ابن عباس بزمامه فقال له :

" فذلك ادحض لحجتك إن كان المسلمون قتلوه وخذاوه فليس الا بحق " ولم يجد معاوية مجالا للرد عليه، فسلك حديثا آخر أهم عنده من دم عثمان فقال له :

" إنا كتبنا الى الافاق ننهي عن ذكر مناقب علي وأهل بيته فكف لسانك يابن عباس " فانبرى ابن عباس بفيض من منطقه وبليغ حجته يسدد سهاما لمعاوية قائلا :

- فتنهانا عن قراءة القران ؟

- لا - فتنهانا عن تاويله ؟

- نعم - فتقراه ولا نسال عما عنى الله به ؟

- نعم - فايهما أوجب علينا قراءته أو العمل به ؟

- العمل به .

- فكيف نعمل به حتى نعلم ما عنى الله بما أنزل علينا ؟

- سل عن ذلك ممن يتاوله على غير ما تتاوله أنت وأهل بيتك .

- انما نزل القران على اهل بيتي، فاسال عنه آل ابي سفيان وآل ابي معيط ؟

! ! - فاقراوا القران، ولا ترووا شيئا مما أنزل الله فيكم، ومما قاله رسول الله (ص) فيكم، وارووا ما سوى ذلك .

وسخر منه ابن عباس، وتلا قوله تعالى :

" يريدون أن يطفؤا نور الله بافواههم، ويابي الله ان يتم نوره ولو كره الكافرون " .

وصاح به معاوية :

" اكفني نفسك، وكف عني لسانك، وإن كنت فاعلا فليكن سرا، ولا تسمعه أحدا علانية..."(94) ودلت هذه المحاورة على عمق الوسائل التي اتخذها معاوية في مناهضته لاهل البيت، واخفاء ماثرهم .

وبلغ الحقد بمعاوية على الامام أنه لما ظهر عمرو بن العاص بمصر على محمد بن ابي بكر، وقتله استولى على كتبه ومذكراته وكان من بينها عهد الامام له، وهو من اروع الوثائق السياسية، فرفعه ابن العاص الى معاوية فلما راه قال لخاصته :

إنا لا نقول هذا من كتب على بن ابي طالب ولكن نقول :

هذا من كتب ابي بكر التي كانت عنده (95).

التحرج من ذكر الامام :

واسرف الحكم الاموي الى حد بعيد في محاربة الامام امير المؤمنين (ع) فقد عهد بقتل كل مولود يسمى عليا، فبلغ ذلك علي بن رياح فخاف، وقال :

لا اجعل في حل من سماني عليا فان اسمي علي - بضم العين - (96) ويقول المؤرخون :

ان العلماء والمحدثين تحرجوا من ذكر الامام علي والرواية عنه خوفا من بني أمية فكانوا اذا ارادوا أن يرووا عنه يقولون :

" روى أبو زينب " (97) وروى معمر عن الزهري عن عكرمة عن ابن عباس قال :

قال رسول الله (ص) :

" إن الله عز وجل منع بني اسرائيل قطر السماء لسوء رايهم في انبيائهم، واختلافهم في دينهم، وانه اخذ على هذه الامة بالسنين، ومنعهم قطر السماء ببغضهم علي بن ابي طالب " .

قال معمر :

حدثني الزهري في مرضة مرضها، ولم اسمعه يحدث عن عكرمة قبلها ولا بعدها فلما ابل من مرضه ندم على حديثه لي وقال :

" يا يماني اكتم هذا الحديث، واطوه دوني فان هؤلاء - يعني بني أمية - لا يعذرون احدا في تقريض علي وذكره.

" قال معمر :

" فما بالك عبت عليا مع القوم، وقد سمعت الذي سمعت ؟

" قال الزهري :

" حسبك يا هذا انهم اشركونا مهمامهم فاتبعناهم في اهوائهم.."(98) وقد امتحن المسلمون امتحانا عسيرا في مودتهم للامام وتحرجوا اشد التحرج في ذلك، يقول الشعبي:

" ما ذا لقينا من علي إن احببناه ذهبت دنيانا وان ابغضناه ذهب ديننا " ويقول الشاعر :

حب علي كله ضرب * يرجف من تذكاره القلب

هذه بعض المحن التي عاناها المسلمون في مودتهم لاهل البيت (ع) التي هي جزء من دينهم .

مع الشيعة :

واضطهدت الشيعة أيام معاوية اضطهادا رسميا في جميع انحاء البلاد، وقوبلوا بمزيد من العنف والشدة، فقد انتقم منهم معاوية كاشد ما يكون الانتقام قسوة وعذابا، فقد قاد مركبة حكومته على جثث الضحايا منهم، وقد حكى الامام الباقر (ع) صورا مريعة من بطش الامويين بشيعة آل البيت (ع) يقول :

" وقتلت شيعتنا بكل بلدة، وقطعت الايدي والارجل على الظنة، وكان من يذكر بحبنا والانقطاع إلينا سجن أو نهب ما له أو هدمت داره "(99) وتحدث بعض رجال الشيعة الى محمد بن الحنفية عما عانوه من المحن والخطوب بقول :

" فما زال بنا الشين في حبكم حتى ضربت عليه الاعناق، وأبطلت الشهادات، وشردنا في البلاد، وأوذينا حتى لقد هممت أن أذهبت في الارض قفرا، فاعبد الله حتى القاه، لولا أن يخفى علي أمر آل محمد (ص) وحتى هممت أن اخرج مع اقوام (100) شهادتنا وشهادتهم واحدة على امرائنا فيخرجون فيقاتلون.." (101) لقد كان معاوية لا يتهيب من الاقدام على اقتراف اية جريمة من اجل ان يضمن ملكه وسلطانه، وقد كانت الشيعة تشكل خطرا على حكومته فاستعمل معهم اعنف الوسائل واشدها قسوة من اجل القضاء عليهم، ومن بين الاجراءات القاسية التي استعملها ضدهم ما يلي :

القتل الجماعي:

واسرف معاوية الى حد كبير في سفك دماء الشيعة، فقد عهد الى الجلادين من قادة جيشه يتتبع الشيعة وقتلهم حيثما كانوا، وقد قتل بسر بن أبي ارطاة - بعد التحكيم - ثلاثين الفا عدا من احرقهم بالنار(102) وقتل سمرة بن جندب ثمانية الالف من أهل البصرة (103) واما زياد بن ابيه فقد ارتكب افظع المجازر فقطع الايدي والارجل وسمل العيون، وانزل بالشيعة من صنوف العذاب ما لا يوصف لمرارته وقسوته .

ابادة القوى الواعية :

وعمد معاوية الى ابادة القوى المفكرة والواعية من الشيعة، وقد ساق زمرا منهم الى ساحات الاعلام، واسكن الثكل والحداد في بيوتهم، وفيما يلي بعضهم.

1 - حجر بن عدي :

لقد رفع حجر بن عدي علم النضال، وكافح عن حقوق المظلومين والمضطهدين، وسحق ارادة الحاكمين من بني امية الذين تلاعبوا في مقدرات الامة وحولوها الى مزرعة جماعية لهم ولعملائهم واتباعهم...

لقد استهان حجر من الموت وسخر من الحياة، واستلذ الشهادة في سبيل عقيدته، فكان احد المؤسسين لمذهب اهل البيت (ع) .

وامتحن حجر كاشد ما تكون المحنة قسوة حينما راى السلطة تعلن سب الامام امير المؤمنين (ع) وترغم الناس على البراءة منه فانكر ذلك، وجاهر بالرد على ولاة الكوفة، واستحل زياد بن ابيه دمه فالقى عليه القبض، وبعثه مخفورا مع كوكبة من اخوانه الى معاوية، واوقفوا في (مرج عذراء) فصدرت الاوامر من دمشق باعدامهم، ونفذ الجلادون فيهم حكم الاعدام فخرت جثثهم على الارض وهي ملفعة بدم الشهادة والكرامة وهي تضئ للناس معالم الطريق نحو حياة افضل لا ظلم فيها، ولا طغيان .

مذكرة الامام الحسين وفزع الامام الحسين حينما وافته الانباء بمقتل حجر فرفع مذكرة شديدة اللهجة الى معاوية ذكر فيها احداثه وبدعه، والتي كان منها قتله لحجر والبررة من اصحابه، وقد جاء فيها :

" الست القاتل حجرا اخا كندة، والمصلين العابدين الذين كانوا ينكرون الظلم ويستعظمون البدع، ولا يخافون في الله لومة لائم...

قتلتهم ظلما وعدوانا من بعد ما كنت اعطيتهم الايمان المغلظة، والمواثيق المؤكدة ان لا تاخذهم بحدث كان بينك وبينهم ولا باحنة تجدها في نفسك عليهم.." (104) واحتوت هذه المذكرة على ما يلي :

1 - الانكار الشديد على معاوية لقتله حجرا واصحابه من دون أن يقترقوا جرما أو يحدثوا فسادا في الارض.

2 - انها اشادت بالصفات البطولية في هؤلاء الشهداء من انكار الظلم، ومقاومة الجور واستعظام البدع والمنكرات التي احدثتها حكومة معاوية، وقد هبوا الى ميادين الجهاد لاقامة الحق ومناهضة المنكر .

3 - انها اثبتت ان معاوية قد اعطى حجرا واصحابه عهدا خاصا في وثيقة وقعها قبل ابرام الصلح ان لا يعرض لهم باي احنة كانت بينه وبينهم، ولا يصيبهم باي مكروه، ولكنه قد خاس بذلك فلم يف به كما لم يف للامام الحسن بالشروط التي اعطاها له، وانما جعلها تحت قدميه كما اعلن ذلك في خطابه الذي القاه في النخيلة .

لقد كان قتل حجر من الاحداث الجسام في الاسلام، وقد توالت صيحات الانكار على معاوية من جميع الاقاليم الاسلامية، وقد ذكرناها بالتفصيل في كتابنا (حياة الامام الحسن " ع ") .

1 - رشيد الهجري :

وفي فترات المحنة الكبرى التي منيت بها الشيعة في عهد ابن سمية تعرض رشيد الهجري لانواع المحن والبلوى فقد بعث زياد شرطته إليه فلما مثل عنده صاح به " ما قال لك خليلك - يعني عليا - انا فاعلون بك ؟

" فاجابه بصدق وايمان :

" تقطعون يدي ورجلي، وتصلبوني " وقال الخبيث مستهزءا وساخرا :

" اما والله لاكذبن حديثه، خلوا سبييله.

" وخلت الجلاوزة سراحه، وندم الطاغية فامر باحضاره فصاح به :

" لا نجد شيئا اصلح مما قال صاحبك :

إنك لا تزال تبغي لنا سوءا إن بقيت، اقطعوا يديه ورجليه " وبادر الجلادون فقطعوا يديه ورجليه، وهو غير حافل بما يعانيه من الالام، ويقول المؤرخون :

انه اخذ يذكر مثالب بني امية، ويدعو الى ايقاظ الوعي والثورة، مما غاظ ذلك زيادا فامر بقطع لسانه (105) الذي كان يطالب بالحق والعدل، وينافح عن حقوق الفقراء والمحرومين .

3 - عمرو بن الحمق الخزاعي :

ومن شهداء العقيدة :

الصحابي العظيم عمرو بن الحمق الخزاعي الذي دعا له النبي (ص) أن يمتعه الله بشبابه، واستحباب الله دعاء نبيه فقد اخذ عمرو بعنق الثمانين عاما ولم تر في كريمته شعرة بيضاء (106) وتاثر عمرو بهدي اهل البيت واخذ من علومهم فكان من اعلام شيعتهم..

وفي اعقاب الفتنة الكبرى التي منيت بها الكوفة في عهد الطاغية زياد بن سمية شعر عمرو بتتبع السلطة له ففر مع زميله رفاعة بن شداد الى الموصل، وقبل أن ينتهيا إليه كمنا في جبل ليستجما فيه، وارتابت الشرطة فبادرت الى القاء القبض على عمرو اما رفاعة ففر ولم تستطع ان تلقي عليه القبض وجيئ بعمرو مخفورا الى حاكم الموصل عبد الرحمن الثقفي، فرفع امره الى معاوية فامره بطعنه تسع طعنات بمشاقص (107) لانه طعن عثمان بن عفان، وبادرت الجلاوزة الى طعنه فمات في الطعنة الاولى، واحتز راسه الشريف وارسل الى طاغية دمشق فامر ان يطاف به في الشام، ويقول المؤرخون انه اول راس طيف به في الاسلام، ثم أمر به معاوية ان يحمل الى زوجته السيدة آمنة بنت شريد، وكانت في سجنه، فلم تشعر الا وراس زوجها قد وضع في حجرها، فذعرت وكادت أن تموت وحملت من السجن الى معاوية وجرت بينها وبينه محادثات دلت على ضعة معاوية واستهانته بالقيم العربية والاسلامية القاضية بمعاملة المراة معاملة كريمة ولا تؤخذ باي ذنب يقترفه زوجها أو غيره .

مذكرة الامام الحسين :

والتاع الامام الحسين (ع) أشد ما تكون اللوعة حينما علم بقتل عمرو فرفع مذكرة الى معاوية عدد فيها احداثه وما تعانيه الامة في عهده من الاضطهاد والجور، وجاء فيما يخص عمروا :

" او لست قاتل عمرو بن الحمق صاحب رسول الله (ص) العبد الصالح الذي ابلته العبادة فنحل جسمه، واصفر لونه، بعدما امنته، واعطيته من عهود الله ومواثيقه ما لو اعطيته طائرا لنزل إليك من راس الجبل، ثم قتلته جراءة على ربك واستخفافا بذلك العهد.."(108).

لقد خاس معاوية بما اعطاه لهذا الصحابي الجليل - بعد الصلح - من العهد والمواثيق بان لا يعرض له بسوء ولا مكروه .

4 - اوفى بن حصن:

وكان اوفى بن حصن من خيار الشيعة - في الكوفة - واحد اعلامهم النابهين، وهو من اشد الناقمين على معاوية فكان يذيع مساوءه واحداثه، ولما علم به ابن سمية أوعز الى الشرطة بالقاء القبض عليه ولما علم اوفى بذلك اختفى، وفي ذات يوم استعرض زياد الناس فاجتاز عليه أوفى فشك في امره فسال عنه فاخبر باسمه، فامر باحضاره فلما مثل عنده ساله عن سياسته فعابها وانكرها، فامر زياد بقتله، فهوى الجلادون عليه بسيوفهم وتركوه جثة هامدة (109) .

5 - الحضرمي مع جماعته :

وكان عبد الله الحضرمي من اولياء الامام امير المؤمنين ومن خلص شيعته كما كان من شرطة الخميس، وقد له الامام يوم الجمل :

" ابشر يا عبد الله فانك واباك من شرطة الخميس، لقد اخبرني رسول الله باسمك واسم ابيك في شرطة الخميس ولما قتل الامام جزع عليه الحضرمي وبنى له صومعة يتعبد فيها وانضم إليه جماعة من خيار الشيعة، فامر ابن سمية باحضارهم، ولما مثلوا عنده أمر بقتلهم، فقتلوا صبرا (110) .

لقد كانت فاجعة عبد الله كفاجعة حجر بن عدي فكلاهما قتل صبرا وكلاهما اخذ بغير ذنب سوى الولاء لعترة رسول الله (ص) .

انكار الامام الحسين :

وفزع الامام الحسين كاشد ما يكون الفزع الما ومحنة على مقتل الحضرمي وجماعته الاخيار فانكر على معاوية في مذكرته التي بعثها له وقد جاء فيها .

" او لست قاتل الحضرمي الذي كتب فيه إليك زياد أنه على دين علي (ع) فكتبت إليه أن اقتل كل من كان على دين علي، فقتلهم ومثل فيهم بامرك، ودين علي هو دين ابن عمه (ص) الذي اجلسك مجلسك الذي انت فيه، ولولا ذلك لكان شرفك وشرف آبائك تجشم الرحلتين رحلة الشتاء والصيف.

" ودلت هذه المذكرة - بوضوح - على أن معاوية قد عهد الى زياد بقتل كل من كان على دين علي (ع) الذي هو دين رسول الله (ص) كما دلت على ان زيادا قتل مثل بهؤلاء البررة بعد قتلهم تشفيا منهم لولائهم لعترة رسول الله (ص).

6 - جويرية العبدي :

ومن عيون شيعة الامام جويرية بن مسهر العبدي، وفي فترات المحنة الكبرى التي امتحنت بها الشيعة أيام ابن سمية، بعث خلفه فامر بقطع يده ورجله وصلبه على جذع قصير (111).

7 - صيفي بن فسيل :

ومن ابطال العقيدة الاسلامية صيفي بن فسيل الذي ضرب اروع الامثلة للايمان فقد سعي به الى الطاغية زياد فلما جيئ به إليه صاح به :

- يا عدو الله ما تقول في ابي تراب ؟

- ما اعرف أبا تراب (112)

- ما اعرفك به ؟

- اما تعرف علي بن أبي طالب ؟

- بلى - فذاك أبو تراب .

- كلا ذاك أبو الحسن والحسين .

وانبرى مدير شرطة زياد منكرا عليه :

" يقول لك ألامير :

هو أبو تراب، وتقول : أنت لا ! !

 " فصاح به البطل العظيم مستهزءا مننه ومن أميره .

" وإن كذب الامير أتريد أن أكذب ؟

وأشهد على باطل كما شهد وتحطم كبرياء الطاغية، ضاقت به الارض فقال له :

" وهذا ايضا مع ذنبك " وصاح بشرطته علي بالعصا، فاتوه بها، فقال له :

" ما قولك ؟

" وانبرى البطل بكل بسالة واقدام غير حافل به قائلا :

" أحسن قول أنا قائله في عبد من عباد الله المؤمنين..

" واوعز السفاك الى جلاديه بضرب عاتقه حتى يلتصق بالارض، فسعوا إليه بهراواتهم فضربوه ضربا مبرحا حتى وصل عاتقه الى الارض، ثم أمرهم بالكف عنه، وقال له :

" إيه ما قولك في علي ؟

" وحسب الطاغية ان وسائل تعذيبه سوف تقلبه عن عقيدته فقال له :

والله لو شرحتني بالمواسي والمدى، ما قلت الا ما سمعت مني " وفقد السفاك اهابه فصاح به، " لتلعنه أو لاضربن عنقك..

" وهتف صيفي يقول :

" إذا تضربها والله قبل ذلك، فان أبيت الا أن تضربها رضيت بالله وشقيت أنت..

" وأمر به ان يوقر في الحديد، ويلقى في ظلمات السجون (113) ثم بعثه مع حجر بن عدي فاستشهد معه (114) .

8 - عبد الرحمن :

وكان عبد الرحمن العنزي من خيار الشيعة وقد وقع في قبضة جلاوزة زياد فطلب منهم مواجهة معاوية لعله أن يعفو عنه فاستجابوا له وارسلوه مخفورا الى دمشق فلما مثل عند الطاغية قال له :

" إيه أخا ربيعة ما تقول في علي ؟

...

" " دعني ولا تسالني فهو خير لك...

" " والله لا ادعك..

" فانبرى البطل الفذ يدلي بفضائل الامام، ويشيد بمقامه قائلا :

أشهد انه كان من الذاكرين الله كثيرا، والامرين بالحق، والقائمين بالقسط، والعافين عن الناس " " والتاع معاوية فعرج نحو عثمان لعله أن ينال منه فيستحل اراقة دمه فقال له :

" ما قولك في عثمان ؟

" فاجابه عن انطباعاته عن عثمان، فغاظ ذلك معاوية وصاح به :

" قتلت نفسك " بل اياك قتلت، ولا ربيعة بالوادي.

" وظن عبد الرحمن أن اسرته ستقوم بحمايته وانقاذه، فلم ينبر إليه احد ولما أمن منهم معاوية بعثه الى الطاغية زياد، وأمره بقتله فبعثه زياد الى " قس الناطف "(115) فدفنه وهو حي(116) لقد رفع هذا البطل العظيم راية الحق، وحمل معول الهدم على قلاع الظلم والجور، واستشهد منافحا عن اقدس قضية في الاسلام .

هؤلاء بعض الشهداء من اعلام الشيعة الذين حملوا مشعل الحرية، واضاؤا الطريق لغيرهم من الثوار الذين اسقطوا هيبة الحكم الاموي، وعملوا على انقاضه .

المروعون من اعلام الشيعة :

وروع معاوية طائفة كبيرة من الشخصيات البارزة من رؤساء الشيعة وفيما يلي بعضهم :

1 - عبد الله بن هاشم المرقال .

2 - عدي بن حاتم الطائي .

3 - صعصعة بن صوحان .

4 - عبد الله بن خليفة الطائي .

وقد ارهق معاوية هؤلاء الاعلام ارهاقا شديدا، فطاردتهم شرطته وافزعتهم الى حد بعيد وقد ذكرنا ماعانوه من الخطوب في كتابنا " حياة الامام الحسن " .

ترويع النساء :

ولم يقتصر معاوية في تنكيله على السادة من رجال الشيعة، وانما تجاوز ظلمه الى السيدات من نسائهم، فاشاع فيهم الذعر والارهاب، فكتب الى بعض عماله بحمل بعضهن إليه، فحملت له هذه السيدات :

1 - الزرقاء بنت عدي .

2 - أم الخير البارقية .

3 - سودة بنت عمارة .

4 - ام البراء بنت صفوان .

5 - بكارة الهلالية .

6 - اروى بنت الحارث .

7 - عكرش بنت الاطرش .

8 - الدارمية الحجونية .

وقد قابلهن معاوية بمزيد من التوهين والاستخفاف، واظهر لهن الجبروت والقدرة على الانتقام غير حافل بوهن المراة وضعفها، وقد ذكرنا ما جرى عليهن في مجلسه من التحقير في كتابنا " حياة الامام الحسن ".

هدم دور الشيعة :

واوعز معاوية الى جميع عماله بهدم دور الشيعة، فقاموا بنقضها (117) وتركوا شيعة آل البيت (ع) بلا ماوى ياوون إليه، ولم يكن هناك اي مبرر لهذه الاجراءات القاسية سوى تحويل الناس عن عترة رسول الله (ص).

حرمان الشيعة من العطاء :

ومن الماسي الكئيبة التي عانتها الشيعة في أيام معاوية أنه كتب الى جميع عماله نسخة واحدة جاء فيها " انظروا الى من قامت عليه البينة انه يحب عليا وأهل بيته فامحوه من الديوان واسقطوا عطاءه ورزقه " (118) وبادر عماله في الفحص في سجلاتهم فمن وجدوه محبا لال البيت (ع) محوا اسمه واسقطوا عطاءه .

عدم قبول شهادة الشيعة :

وعمد معاوية الى اسقاط الشيعة اجتماعيا فعهد الى جميع عماله بعدم قبول شهادتهم في القضاء وغيره(119) مبالغة في اذلالهم وتحقيرهم .

ابعاد الشيعة الى الخراسان :

واراد زياد بن أبيه تصفية الشيعة من الكوفة، وكسر شوكتهم فاجلى خمسين الفا منهم الى خراسان المقاطعة الشرقية في فارس (120) وقد دق زياد بذلك اول مسمار في نعش الحكم الاموي، فقد اخذت تلك الجماهير التي ابعدت الى فارس تعمل على نشر التشيع في تلك البلاد، حتى تحولت الى مركز للمعارضة ضد الحكم الاموي، وهي التي اطاحت به تحت قيادة أبي مسلم الخراساني .

هذا بعض ما عانته الشيعة في عهد معاوية من صنوف التعذيب والارهاب، وكان ما جرى عليهم من الماسي الاليمة من اهم الاسباب في ثورة الامام الحسين، فقد رفع علم الثورة لينقذهم من المحنة الكبرى التي امتحنوا بها ويعيد لهم الامن والاستقرار .

البيعة ليزيد :

وختم معاوية حياته باكبر اثم في الاسلام وافظع جريمة في التاريخ، فقد اقدم غير متحرج على فرض خليعه يزيد خليفة على المسلمين يعيث في دينهم ودنياهم، ويخلد لهم الويلات والخطوب،..

وقد استخدم معاوية شتى الوسائل المنحطة في جعل الملك وراثة في ابنائه، ويرى الجاحظ أنه تشبه بملوك الفرس البزنطيين فحول الخلافة الى ملك كسروي، وعصب قيصري..

وقبل أن نعرض الى تلك البيعة المشومة، وما رافقها من الاحداث نذكر عرضا موجزا لسيرة يزيد، وما يتصف به من القابليات الشخصية التي عجت بذمها كتب التاريخ من يومه حتى يوم الناس هذا، وفيما يلي ذلك.

ولادة يزيد :

ولد يزد سنة (25) أو (26 هـ)(121) وقد دهمت الارض شعلة من نارجهنم وزفيرها تحوط به دائرة السوء وغضب من الله، وهو اخبث انسان وجد في الارض فقد خلق للجريمة والاسائة الى الناس، واصبح علما للانحطاط الخلقي والظلم الاجتماعي وعنوانا بغيضا للاعتداء على الامة وقهر ارادتها في جميع العصور، يقول الشيخ محمد جواد مغنية :

" اما كلمة يزيد فقد كانت من قبل اسما لابن معاوية أما هي الان عند الشيعة فانها رمز للفساد والاستبداد، والتهتك والخلاعة وعنوان للزندقة والالحاد فحيث يكون الشر والفساد فثم اسم يزيد، وحيثما يكون الخير والحق والعدل فثم اسم الحسين " (122) وقد أثر عن النبي (ص) انه نظر الى معاوية يتبختر في بردة حبرة وينظر الى عطفيه فقال (ص) :

" اى يوم لامتي منك، واي يوم سوء لذريتي منك من جرو يخرج من صلبك يتخذ آيات الله هزوا ويستحل من حرمتي ما حرم الله عز وجل " (123) .

نشاته :

نشا يزيد عند اخواله في البادية من بني كلاب الذين كانوا يعتنقون المسيحية قبل الاسلام، وكان مرسل العنان مع شبابهم الماجنين، فتاثر بسلوكهم الى حد بعيد فكان يشرب معهم الخمر ويلعب معهم بالكلاب، يقول العائلي :

" إذا كان يقينا أو يشبه اليقين ان تربية يزيد لم تكن اسلامية خالصة أو بعبارة اخرى كانت مسيحية خالصة، فلم يبق ما يستغرب معه أن يكون متجاوزا مستهترا مستخفا بما عليه الجماعة الاسلامية، لا يحسب لتقاليدها واعتقاداتها أي حساب، ولا يقيم لها وزنا بل الذي نستغرب أن يكون على غير ذلك " (124) والذي نراه أن نشاته كانت نشاة جاهلية بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة، ولا تحمل أي طابع من الدين مهما كان، فان استهتاره في الفحشاء وامعانه في المنكر والاثم مما يوحي الى الاعتقاد بذلك .

صفاته :

اما صفاته الجسمية فقد كان شديد الادمة بوجهه آثار الجدري (125) كما كان ضخما ذا سمنة كثير الشعر (126) واما صفاته النفسية فقد ورث صفات جده أبي سفيان وأبيه معاوية من الغدر والنفاق، والطيش والاستهتار يقول السيد مير علي الهندي :

" وكان يزيد قاسيا غدارا كابيه، ولكنه ليس داهية مثله كانت تنقصه القدرة على تغليف تصرفاته القاسية بستار من اللباقة الدبلوماسية الناعمة وكانت طبيعته المنحلة، وخلقه المنحط لا تتسرب إليهما شفقة ولا عدل.

.

كان يقتل ويعذب نشدانا للمتعة واللذة التي يشعر بها، وهو ينظر الى آلام الاخرين، وكان بؤرة لابشغ الرذائل، وهاهم ندماؤه من الجنسين خير شاهد على ذلك..

لقد كانوا من حثاله المجتمع.."(127) لقد كان جافي الخلق مستهترا، بعيدا عن جميع القيم الانسانية، ومن ابرز ذاتياته ميله الى اراقة الدماء، والاسائة الى الناس ففي السنة الاولى من حكمه القصير اباد عترة رسول الله " ص " وفي السنة الثانية اباح المدينة ثلاثة ايام وقتل سبعمائة رجل من المهاجرين والانصار وعشرة آلاف من الموالي والعرب والتابعين .

ولعه بالصيد :

ومن مظاهر صفات يزيد ولعه بالصيد فكان يقضي اغلب أوقاته فيه، ويقول المؤرخون :

" كان يزيد بن معاوية كلفا بالصيد لاهيا به، وكان يلبس كلاب الصيد الاساور من الذهب والجلال المنسوجة منه، ويهب لكل كلب عبدا يخدمه" (128).

شغفه بالقرود :

وكان يزيد - فيما اجمع عليه المؤرخون - ولعا بالقرود، فكان له قرد يجعله بين يديه ويكنيه بابي قيس، ويسقيه فضل كاسه، ويقول :

هذا شيخ من بني اسرائيل اصابته خطيئة فمسخ، وكان يحمله على اتان وحشية ويرسله مع الخيل في حلبة السباق، فحمله يوما فسبق الخيل فسر بذلك وجعل يقول :

تمسك أبا قيس بفضل زمامها * فليس عليها ان سقطت ضمان

فقد سبقت خيل الجماعة كلها * وخيل امير المؤمنين اتان

وارسله مرة في حلبة السباق فطرحته الريح فمات فحزن عليه حزنا

شديدا وأمر بتكفينه ودفنه كما أمر أهل الشام أن يعزوه بمصابه الاليم، وانشا راثيا له :

كم من كرام وقوم ذوو محافظه * جاءوا لنا ليعزوا في أبي قيس

شيخ العشيرة امضاها واجملها * على الرووس وفي الاعناق والريس

لا يبعد الله قبرا أنت ساكنه * فيه جمال وفيه لحية التيس(129)

وذاع بين الناس هيامه وشغفه بالقرود حتى لقبوه بها، ويقول رجل من تنوخ هاجيا له :

يزيد صديق القرد مل جوارنا * فحن الى ارض القرود يزيد

فتبا لم امسى علينا خليفة * صحابته الادنون منه قرود (130)

ادمانه على الخمر :

والظاهرة البارزة من صفات يزيد ادمانه على الخمر، وقد اسرف في ذلك الى حد كبير فلم ير في وقت الا وهو ثمل لا يعي من السكر، ومن شعره في الخمر:

 اقول لصحب ضمت الكاس شملهم * وداعي صبابات الهوى يترنم

خذوا بنصيب من نعيم ولذة * فكل وإن طال المدى يتصرم(131)

وجلس يوما على الشراب وعن يمينه ابن زياد بعد قتل الحسين فقال :

اسقني شربة تروي شاشي * ثم صل مل فاسق مثلها ابن زياد

صاحب السر والامانة عندي * ولتسديد مغنمي وجهادي(132)

وفي عهده طرا تحول كبير على شكل المجتمع الاسلامي فقد ضعف ارتباط المجتمع بالدين، وانغمس الكثيرون من المسلمين في الدعارة والمجون ولم يكن ذلك التغيير اقليميا، وانما شمل جميع الاقاليم الاسلامية فقد سادت فيها الشهوات والمتعة والشراب، وقد تغيرت الاتجاهات الفكرية التي ينشدها الاسلام عند اغلب المسلمين .

وقد اندفع الاحرار من شعراء المسلمين في اغلب عصورهم الى هجاء يزيد لادمانه على الخمر، يقول الشاعر بن عرادة :

ابني أمية ان آخر ملككم * جسد بحو راين ثم مقيم

طرقت منيته وعند وساده * كوب وزق راعف مرثوم

ومرنة تبكي على نشوانه * بالصنج تقعد تارة وتقوم(133)

ويقول فيه أنور الجندي :

خلقت نفسه الاثيمة بالمكر * وهامت عيناه بالفحشاء

فهو والكاس في عناق طويل * وهو والعار والخناء

في خباء ويقول فيه بولس سلامة :

وترفق بصاحب العرش مشغو * لا عن الله بالقيان الملاح

الف " الله اكبر " لا تساوي * بين كفي يزيد نهلة راح

تتلظى في الدن بكرا فلم * تدنس بلثم ولا بماء قراح(134)

لقد عاقر يزيد الخمر، واسرف في الادمان حتى ان بعض المصادر تعز وسبب وفاته الى أنه شرب كمية كبيرة منه فاصابه انفجار فهلك منه (135).

ندماؤه :

واصطفى يزيد جماعة من الخلعاء والماجنين فكان يقضي معهم لياليه الحمراء بين الشراب والغناء وفي طليعة ندمائه الاخطل الشاعر المسيحي الخليع فكانا يشربان ويسمعان الغناء، واذا اراد السفر صحبه معه(136) ولما هلك يزيد وآل أمر الخلافة الى عبد الملك بن مروان قربه فكان يدخل عليه بغير إستئذان، وعليه جبة خز، وفي عنقه سلسلة من ذهب، والخمر يقطر من لحيته (137).

نصيحة معاوية ليزيد :

ولما شاع استهتار يزيد واقترافه لجميع الوان المنكر والفساد، استدعاه معاوية فاوصاه بالتكتم في نيل الشهوات لئلا تسقط مكانته الاجتماعية، قائلا :

يا بني م