فهرس الكتاب

مكتبة الإمام الحسين

مكتبة الموقع

الصفحة الرئيسية

 

إيفاد مسلم الى العراق

 

و تتابعت كتب أهل الكوفة - كالسيل - الى الامام الحسين، وهي تحثه على المسير والقدوم إليهم لانقاذهم من ظلم الامويين وعنفهم، وكانت بعض تلك الرسائل تحمله المسؤولية أمام الله والامة إن تأخر عن اجابتهم .

وراى الامام - قبل كل شئ - أن يختار للقياهم سفيرا له يعرفه باتجاهاتهم، وصدق نياتهم، فان راى منهم نية صادقة، وعزيمة مصممة فياخذ البيعة منهم، ثم يتوجه إليهم بعد ذلك، وقد اختار لسفارته ثقته وكبير أهل بيته، والمبرز بالفضل فيهم مسلم بن عقيل، وهو من أفذاذ التاريخ، ومن أمهر الساسة، وأكثرهم قابلية على مواجهة الظروف ، وللصمود أمام الحداث، وعرض عليه الامام القيام بهذه المهمة.

فاستجاب له عن رضى ورغبة، وزوده برسالة رويت بصور متعددة وهي :

الاولى: رواها ابو حنيفة الدينوري وهذا نصها :

" من الحسين بن علي الى من بلغه كتابي هذا من أوليائه وشيعته بالكوفة، سلام عليكم، أما بعد :

فقد أتتني كتبكم، وفهمت ما ذكرتم من محبتكم لقدومي عليكم وأنا باعث إليكم باخي وابن عمي، وثقتي من أهلي مسلم بن عقيل ليعلم لي كنه أمركم، ويكتب إلي بما يتبين له من اجتماعكم فان كان أمركم على ما أتتني به كتبكم، واخبرتني به رسلكم أسرعت القدوم اليكم ان شاء الله والسلام.. (1).

الثانية : رواها صفي الدين وقد جاء فيها بعد البسملة :

" أما بعد فقد وصلتني كتبكم، وفهمت ما اقتضته آراؤكم، وقد بعثت اليكم ثقتي وابن عمي مسلم بن عقيل، وساقدم عليكم وشيكا في أثره إن شاء الله.. (2).

وهذه الرواية شاذة إذ لم يذكر فيها مهمة مسلم في ايفاده إليهم من أخذ البيعة له، وغير ذلك مما هو من صميم الموضوع في ارسال مسلم .

الثالثة : رواها الطبري وقد جاء فيها بعد البسملة :

" من الحسين بن علي الى الملاء من المؤمنين والمسلمين أما بعد :

فان هانئا وسعيدا (3) قدما علي بكتبكم، وكانا آخر من قدم علي من رسلكم وقد فهمت كل الذي اقتصصتم، وذكرتم ومقالة جلكم، أنه ليس علينا امام فاقبل لعل الله يجمعنا بك على الهدى والحق .

وقد بعثت لكم أخي وابن عمي، وثقتي من أهل بيتي، وأمرته أن يكتب إلي بحالكم وأمركم ورايكم، فان كتب أنه قد اجتمع راي ملاكم وذوي الفضل والحجى منكم على مثل ما قدمت علي به رسلكم، وقرات في كتبكم، أقدم عليكم وشيكا إن شاء الله، فلعمري ما الامام الا العامل بالكتاب والاخذ بالقسط والدائن بالحق، والحابس نفسه على ذات الله والسلام.. (4).

وحفلت هذه الرسالة - حسب نص الطبري - بالامور التالية :

1 - توثيق مسلم والتدليل على سمو مكانته، فهو ثقة الحسين.

2 - تحديد صلاحية مسلم باستكشاف الاوضاع الراهنة، ومعرفة التيارات السياسية، ومدى صدق القوم في دعواهم، ومن الطبيعي أنه لا تناط معرفة هذه الامور الحساسة إلا بمن كانت له المعرفة التامة بشؤون المجتمع وأحوال الناس :

3 - انه أوقف قدومه عليهم بتعريف مسلم له باجماع الجماهير ورجال الفكر على بيعته، فلا يقدم عليهم حتى يعرفه سفيره بذلك .

4 - انه تحدث عما يجب أن يتصف به الامام، والقائد لمسيرة الامة من الصفات وهي :

أ - العمل بكتاب الله

ب - الاخذ بالقسط

ج - الاداناة بالحق

د - حبس النفس على ذات الله

ولم تتوفر هذه الصفات الرفيعة إلا في شخصيته الكريمة التي تحكي اتجاهات الرسول (ص) ونزعاته .

وتسلم مسلم هذه الرسالة، وقد أوصاه الامام بتقوى الله، وكتمان أمره(5) وغادر مسلم مكة ليلة النصف من رمضان (6) وعرج في طريقه على يثرب فصلى في مسجد الرسول (ص) وطاف بضريحه، وودع أهله وأصحابه(7) وكان ذلك هو الوداع الاخير لهم، واتجه صوب العراق وكان معه قيس بن مسهر الصيداوي، وعمارة بن عبد الله السلولي ، وعبد الرحمن بن عبد الله الازدي، واستاجر من يثرب دليلين من قيس يدلانه على الطريق (8).

وسارت قافلة مسلم تجذ في السير لا تلوي علي شئ، يتقدمها الدليلان وهما يتنكبان الطريق خوفا من الطلب، فضلا عن الطريق، ولم يهتديا له وقد اعياهما السير واشتد بهما العطش، فاشارا الى مسلم بسنن الطريق بعد أن بان لهما، وتوفيا في ذلك المكان حسبما يقوله المؤرخون (9) وسار مسلم مع رفقائه حتى افضوا إلى الطريق، ووجدوا ماءا فاقاموا فيه ليستريحوا مما ألم بهم من عظيم الجهد والعناء .

رسالة مسلم للحسين :

ويقول المؤرخون ان مسلم تخوف من سفره وتطير بعد أن أصابه من الجهد وموت الدليلين، فرفع للامام رسالة يرجو فيها الاستقالة من سفارته وهذا نصها :

" أما بعد :

فاني أقبلت من المدينة مع دليلين، فجازا (10) عن الطريق فضلا واشتد عليهما العطش فلم يلبثا أن ماتا، وأقبلنا حتى انتهينا إلى الماء فلم ننج إلا بحشاشة أنفسنا، وذلك الماء بمكان يدعى المضيق من بطن الخبث، وقد تطيرت من توجهي هذا فان رايت اعفيتني منه ، وبعثت غيري والسلام.. .

جواب الحسين :

وكتب الامام الحسين جوابا لرسالة مسلم ندد فيه بموقفه، واتهمه بالجبن وهذا نصه :

" أما بعد :

فقد خشيت إن لا يكون حملك على الكتاب إلى في الاستعفاء من الوجه الذي وجهتك له إلا الجبن، فامض لوجهك الذي وجهتك فيه والسلام.. (11).

اضواء على الموضوع :

واكبر الظن ان رسالة مسلم مع جواب الامام من الموضوعات، ولا نصيب لها من الصحة وذلك لما يلي :

1 - ان مضيق الخبث الذي بعث منه مسلم رسالته إلى الامام يقع ما بين مكة والمدينة حسب ما نص عليه الحموي (12) في حين أن الرواية تنص على أنه استاجر الدليلين من يثرب، وخرجوا الى العراق فضلوا عن الطريق، وماتا الدليلان، ومن الطبيعي ان هذه الحادثة وقعت ما بين المدينة والعراق ولم تقع ما بين مكة والمدينة .

2 - انه لو كان هناك مكان يدعى بهذا الاسم يقع ما بين يثرب والعراق لم يذكره الحموي فان السفر منه الى مكة ذهابا وايابا يستوعب زمانا يزيد على عشرة أيام في حين أن سفر مسلم من مكة الى العراق قد حدده المؤرخون فقالوا :

انه سافر من مكة في اليوم الخامس عشر من رمضان، وقدم إلى الكوفة في اليوم الخامس من شوال فيكون مجموع سفره عشرين يوما، وهي أسرع مدة يقطعها المسافر من مكة الى المدينة فان المسافة بينهما تزيد على الف وستمائة كيلومتر، واذا استثنينا من هذه المدة سفر رسول مسلم من ذلك المكان ورجوعه إليه، فان مدة سفره من مكة إلى الكوفة تكون أقل من عشرة أيام ويستحيل عادة قطع تلك المسافة بهذه الفترة من الزمن .

3 - ان الامام اتهم مسلما - في رسالته - بالجبن، وهو يناقض توثيقه له من أنه ثقته وكبير أهل بيته، والمبرز بالفضل عليهم، ومع اتصافه بهذه الصفات كيف يتهمه بالجبن ؟ ! .

4 - ان اتهام مسلم بالجبن يتناقض مع سيرته، فقد أبدى هذا البطل العظيم من البسالة والشجاعة النادرة ما يبهر العفول فانه حينما انقلبت عليه جموع أهل الكوفة قابلها وحده من دون أن يعينه او يقف الى جنبه أي أحد، وقد أشاع في تلك الجيوش المكثفة القتل مما ملا قلوبهم ذعرا وخوفا ولما جئ به اسيرا إلى ابن زياد لم يظهر عليه أي ذل أو انكسار، ويقول فيه البلاذري انه أشجع بني عقيل وأرجلهم(13) بل هو أشجع هاشمي عرفه التاريخ بعد أئمة أهل البيت عليهم السلام..

ان هذا الحديث من المفتريات الذي وضع للحط من قيمة هذا القائد العظيم الذي هو من مفاخر الامة العربية والاسلامية .

في بيت المختار :

وسار مسلم يطوي البيداء حتى دخل الكوفة فاختار النزول في بيت المختار الثقفي(14) وهو من أشهر أعلام الشيعة وأحد سيوفهم، ومن أحب الناس وأنصحهم للامام الحسين .

لقد اختار مسلم النزول في بيت المختار دون غيره من زعماء الشيعة وذلك لوثوقه باخلاصه للامام الحسين، وتفانيه في حبه، كما أن هناك عاملا آخر له أهميته، فقد كان المختار زوجا لعمرة بنت النعمان بن بشير حاكم الكوفة، ولا شك أن يده لن تمتد إلى المسلم طالما كان مقيما في بيت صهره المختار، وقد دل ذلك على احاطة مسلم بالشؤون الاجتماعية .

وفتح المختار أبواب داره لمسلم، وقابله بمزيد من الحفاوة والتكريم ودعا الشيعة الى مقابلته فاقبلوا إليه من كل حدب وصوب، وهم يظهرون له الولاء والطاعة .

ابتهاج الكوفة :

وعمت الافراح بمقدم مسلم جميع الاوساط الشيعية في الكوفة ، وقد وجد منهم مسلم ترحيبا حارا، وتاييدا شاملا، وكان يقرا عليهم رسالة الحسين، وهم يبكون، ويبدون التعطش لقدومه، والتفاني في نصرته، لينقذهم من جور الامويين وظلمهم، ويعيد في مصرهم حكم الامام امير المؤمنين مؤسس العدالة الكبرى في الارض، وكان مسلم يوصيهم بتقوى الله، وكتمان أمرهم حتى يقدم إليهم الامام الحسين .

البيعة للحسين :

وانثالت الشيعة على مسلم تبايعه للامام الحسين، وكانت صيغة البيعة الدعوة إلى كتاب الله وسنة رسوله، وجهاد الظالمين، والدفع عن المستضعفين واعطاء المحرومين، وقسمة الغنائم بين المسلمين بالسوية، ورد المظالم الى أهلها، ونصرة أهل البيت، والمسالمة لمن سالموا، والمحاربة لمن حربوا وقد شبه السيد المقرم هذه البيعة ببيعة الاوس والخزرج للنبي (ص)(15) وكان حبيب بن مظاهر الاسدي ياخذ البيعة منهم للحسين (16).

كلمة عابس الشاكري :

وانبرى المؤمن الفذ عابس بن شبيب الشاكري فاعرب لمسلم عن ولائه الشخصي واستعداده للموت في سبيل الدعوة الا انه لم يتعهد له باي أحد من أهل مصره قائلا :

" أما بعد :

فاني لا أخبرك عن الناس، ولا أعلم ما في أنفسهم ، وما أغرك منهم، والله إني محدثك عما أنا موطن عليه نفسي، والله لاجيبنكم اذا دعوتم، ولاقاتلن معكم عدوكم، ولاضربن بسيفي دونكم حتى القى الله، لا أريد بذلك الا ما عند الله...

وقد صدق عابس ما عاهد عليه الله، فلم يخن ضميره ففدى بنفسه ريحانة رسول الله (ص) واستشهد بين يديه في كربلا..

وانبرى حبيب ابن مظاهر فخاطب عابسا قائلا له :

" رحمك الله، فقد قضيت ما في نفسك بواجز من قولك، وانا والله الذي لا إله الا هو على مثل ما أنت عليه".

واندفع سعيد الحنفي فايد مقالة صاحبيه(17) وهؤلاء الابطال من انبل من عرفهم التاريخ صدقا ووفاء، فقد بذلوا أرواحهم بسخاء إلى الامام الحسين، واستشهدوا بين يديه في كربلا :

عدد المبايعين :

وتسابقت جماهير الكوفة الى بيعة الحسين على يد سفيره مسلم بن عقيل، وقد اختلف المؤرخون في عدد من بايعه، وهذه بعض الاقوال :

1 - أربعون الفا(18).

2 - ثلاثون الفا ومن بينهم حاكم الكوفة النعمان بن بشير (19) .

3 - ثمانية وعشرون الفا(20).

4 - ثمانية عشر الفا، حسب ما جاء في رسالة مسلم إلى الحسين يقول فيها :

" وقد بايعني من أهل الكوفة ثمانية عشر الفا فعجل الاقبال " (21).

5 - اثنا عشر الفا..(22).

رسالة مسلم للحسين :

وازداد مسلم ايمان ووثوقا بنجاح الدعوة حينما بايعه ذلك العدد الهائل من أهل الكوفة، فكتب للامام يستحثه فيها على القدوم إليهم ، وكان قد كتبها قبل شهادته ببضع وعشرين ليلة(23) وهذا نصها :

" أما بعد :

فان الرائد لا يكذب أهله، وقد بايعني من أهل الكوفة ثمانية عشر الفا(24) فعجل حين ياتيك كتابي، فان الناس كلهم معك ليس لهم في آل معاوية راي ولا هوي " (25).

لقد كتب مسلم هذه الرسالة لانه لم ير أية مقاومة لدعوته، وانما راى إجماعا شاملا على بيعة الامام، وتلهفا حارا لرؤيته، وحمل الكتاب جماعة من أهل الكوفة، وعليهم البطل العظيم عابس الشاكري، وقدم الوفد مكة المكرمة، وسلم الرسالة الى الامام، وقد استحثوه على القدوم الى الكوفة، وذكروا اجماع أهلها على بيعته، وما قالاه مسلم من الحفاوة البالغة منهم، وعند ذلك تهيا الامام إلى السفر للكوفة .

موقف النعمان بن بشير :

كان موقف النعمان بن بشير (26) من الثورة موقفا يتسم باللين والتسامح وقد اتهمه الحزب الاموي بالضعف، أو التضاعف في حفظ مصلحة الدولة والاهتمام بسلامتها فاجابهم .

" لان أكون ضعيفا وأنا في طاعة الله أحب إلي من أن اكون قويا في معصية الله، وما كنت لاهتك سترا ستره الله " (27) .

وقد اعطى الشيعة بموقفه هذا قوة، وشجعهم على العمل ضد الحكومة علنا، ولعل سبب ذلك يعود لامرين :

1 - ان مسلم بن عقيل كان ضيفا عند المختار وهو زوج ابنته عمرة فلم يعرض للثوار بسوء رعاية للمختار.

2 - ان النعمان كان ناقما على يزيد وذلك لبغضه للانصار فقد أغرى الاخطل الشاعر المسيحي في هجائهم فثار لهم النعمان كما ألمعنا إلى ذلك في البحوث السابقة، ولعل لهذا ولغيره لم يتخذ النعمان أي اجراء مضاد للثورة .

خطبة النعمان :

وأعطى النعمان للشيعة قوة في ترتيب الثورة وتنظيما، وهيا لهم الفرص في احكام قواعدها مما ساء الحزب الاموي، فانكروا عليه ذلك ، وحرضوه على ضرب الشيعة فخرج النعمان، وصعد المنبر فاعلن للناس سياسته المتسمة بالرفق، فقال بعد حمد الله والثناء عليه .

" أما بعد :

فاتقوا الله عباد الله، ولا تسارعوا إلى الفتنة والفرقة فان فيها تهلك الرجال وتسفك الدماء، وتغضب الاموال.

إني لم اقائل من لم يقاتلني، ولا أثب على من لا يثب علي، ولا اشاتمكم، ولا اتحرش بكم، ولا آخذ بالقرف (28) ولا الظنة ولا التهمة، ولكنكم إن أبديتم صفحتكم لي، ونكثتم بيعتكم، وخالفتم امامكم فو الله الذي لا إله إلا هو لاضربنكم بسيفي ما ثبت قائمه في يدي، ولو لم يكن منكم ناصر ، أما اني أرجو أن يكون من يعرف الحق منكم اكثر ممن يرديه الباطل " (29) .

وليس في هذا الخطاب أي ركون إلى وسائل العنف والشدة، وانما كان فيه تحذير من مغبة الفتنة وحب للعافية، وعدم التعرض لمن لا يثب على السلطة، وعدم أخذ الناس بالظنة والتهمة كما كان يفعل زياد بن أبيه والي العراق، وعلق انيس زكريا على خطاب النعمان بقوله :

" ولنا من خطبه - أي خطب النعمان - في الكوفة برهان آخر على أنه كان يرى الفتنة يقظى، ولا بد أن تشتعل، وانه لن يهاجم القائمين بها قبل أن يهاجموه، فجعل لانصارها قوة وطيدة الاركان، ويدا فعالة في ترتيب المؤامرة وتنظيمها على الاسس المتينة " (30) .

سخط الحزب الاموي :

وأغضبت سياسة النعمان عملاء الحكم الاموي فانبرى إليه عبد الله بن مسلم الحضرمي حليف بني امية، فانكر خطته قائلا :

(إنه لا يصلح ما ترى الا الغشم (31) ان هذا الذي أنت عليه فيما بينك وبين عدوك راي المستضعفين ؟ ! " (32) .

ودافع النعمان عن نفسه بانه لا يعتمد على أية وسيلة تبعده عن الله ولا يسلك طريقا يتجافى مع دينه، وقد استبان للحزب الاموي ضعف النعمان، وانهياره أمام الثورة .

اتصال الحزب الاموي بدمشق :

وفزع الحزب الاموي من تجاوب الراي العام مع مسلم، واتساع نطاق الثورة في حين أن السلطة المحلية اغضت النظر عن محريات الاحداث وقد اتهمتها بالضعف أو بالتوطا مع الثوار، وقام الحزب الاموي باتصال سريع بحكومة دمشق، وطلبوا منها اتخاذ الاجراءات الفورية قبل أن يتسع نطاق الثورة، وياخذ العراق استقلاله، وينفصل عن التبعية لدمشق ، ومن بين الرسائل التي وفدت على يزيد رسالة عبد الله الحضرمي ، جاء فيها :

" أما بعد :

فان مسلم بن عقيل، قدم الكوفة، وبايعته الشيعة للحسين بن علي، فان كان لك بالكوفة حاجة فابعث إليها رجلا قويا ينفذ أمرك، ويعمل مثل عملك في عدوك فان النعمان بن بشير رجل ضعيف أو هو يتضعف."(33) .

وتدعو هذه الرسالة الى اقصاء النعمان عن مركزه، واستعمال شخص آخر مكانه قوي البطش ليتمكن من القضاء على الثورة، فان النعمان لا يصلح للقضاء عليها، كتب إليه بمثل ذلك عمارة بن الوليد بن عقبة وعمر ابن سعد .

فزع يزيد :

وفزع يزيد حينما توافدت عليه رسائل عملائه في الكوفة بمبايعة أهلها للحسين، فراودته الهواجس، وظل ينفق ليله ساهرا يطيل التفكير في الامر فهو يعلم ان العراق مركز القوة في العالم الاسلامي وهو يبغضه ويحقد على أبيه، فقد أصبح موترا منهم لما صبوه عليه من الظلم والجور ، وان كراهية أهل العراق ليزيد لا تقل عن كراهيتهم لابيه، كما انه على يقين ان الاغلبية الساحقة في العالم الاسلامي تتعطش لحكم الامام الحسين لانه المثل الشرعي لجده وأبيه، ولا يرضون بغيره بديلا .

استشارته لسرجون :

وأحاطت الهواجس بيزيد، وشعر بالخطر الذي يهدد ملكه فاستدعى سرجون الرومي، وكان مستودع أسرار أبيه، ومن ادهى الناس، فعرض عليه الامر، وقال له :

" ما رايك ان حسينا قد توجه إلى الكوفة، ومسلم بن عقيل بالكوفة يبايع للحسين، وقد بلغني عن النعمان ضعف وقول سئ، فما ترى من استعمل على الكوفة ؟ " .

وتامل سرجون، واخذ يطيل التفكير فقال له :

" أرايت أن معاوية لو نشر أكنت آخذا رايه ؟ " فقال يزيد :

نعم .

فاخرج سرجون عهد معاوية لعبيد الله بن زياد على الكوفة، وقال :

" هذا راي معاوية وقد مات، وقد أمر بهذا الكتاب "(34) أما دوافع سرجون في ترشيح ابن زياد لولاية الكوفة فهي لا تخلو من أمرين :

1 - إنه يعرف قسوة ابن زياد وبطشه وأنه لا يقوى أحد على اخضاع العراق غيره فهو الذي يتمكن من القضاء على الثورة بما يملك من وسائل الارهاب والعنف .

2 - انه قد دفعته العصبية القومية لهذا الترشيح فان ابن زياد رومي.

 ولاية ابن زياد على الكوفة :

وكان يزيد ناقما على ابن زياد كاشد ما تكون النقمة، وأراد عزله عن البصرة(35) وذلك لمعارضة أبيه في البيعة له، الا انه استجاب لراي سرجون فقد راى فيه الحفاظ على مصلحة دولته، فهد له بولاية الكوفة والبصرة، وبذلك فقد خضع العراق باسره لحكمه، وكتب إليه هذه الرسالة :

" أما بعد :

فانه كتب إلي شيعتي من أهل الكوفة يخبرونني أن ابن عقيل بالكوفة يجمع الجموع لشق عصا المسلمين، فسر حين تقرا كتابي هذا حتى تاتي الكوفة فتطلب ابن عقيل كطلب الخرزة حتى تثقفه فتوثقه أو تقتله أو تنفيه، والسلام " .

وأشارت هذه الرسالة إلى مدى قلق السلطة في دمشق وفزعها من مسلم ابن عقيل، وقد شددت على ابن زياد في الاسراع بالسفر إلى الكوفة لالقاء القبض عليه، وتنص بعض المصادر ان يزيد كتب إلى ابن زياد " ان كان لك جناحان فطر الى الكوفة "(36) وهذا مما ينبئ عن الخوف الذي الم بيزيد من الثورة في العراق .

وحمل مسلم بن عمرو الباهلي العهد لابن زياد بولاية الكوفة مع تلك الرسالة، ويقول المؤرخون ان الباهلي كان من عيون بني أمية في الكوفة ومن أهم عملائهم، كما كان من أجلاف العرب وهو الذي ظن على مسلم أن يشرب جرعة من الماء حينما جيئ به أسيرا الى ابن زياد .

وتسلم ابن زياد من الباهلي العهد له بولاية الكوفة، وقد طار فرحا فقد تم له الحكم على جميع أنحاء العراق بعد ما كان مهددا بالعزل عن ولاية البصرة، وقد سر ما خولته دمشق من الحكم المطلق على العراق .

وبما سوغت له من استعمال الشدة والقسوة وسفك الدماء لكل من لا يدخل في طاعة يزيد أو يشترك باية مؤامرة ضده، وكان هذا التفويض المطلق في استعمال القسوة على الناس مما يتفق مع رغبات ابن زياد وميوله فقد كان من عوامل استمتاعاته النفسية حب الجريمة والاسائة إلى الناس ، وعدم التردد في سفك الدماء .

خطبة ابن زياد في البصرة :

وتهيا ابن زياد لمغادرة البصرة والتوجه إلى الكوفة، وقبل مغادرته لها جمع الناس، وخطب فيهم خطابا قاسيا جاء فيه :

" ان أمير المؤمنين يزيد ولاني الكوفة، وأنا غاد اليها الغداة ، فو الله إني ما تقرن بي الصعبة، ولا يقعقع لي بالشنان، واني لنكل لمن عاداني، وسم لمن حاربني، انصف القارة من راماها .

يا أهل البصرة قد استخلفت عليكم عثمان بن زياد بن أبي سفيان ، وإياكم والخلاف والارجاف فو الله الذي لا إله غيره لئن بلغني عن رجل منكم خلاف لاقتلنه وعرينه(37) ووليه، ولاخذن الادنى بالاقصى حتى تسمعوا لي، ولا يكون فيكم مخالف ولا مشاق...

أنا ابن زياد اشبهه بين من وطا الحصى، ولم ينتزعني شبه خال ولا ابن عم " (38).

ما أهون سفك الدماء عند اولئك البرابرة الوحوش من ولاة بني أمية ! ! لقد تحدث الطاغية عن نفسيته الشريرة التي توغلت في الاثم ، فهو ياخذ البرئ بالسقيم، والمقبل بالمدبر، والادنى بالاقصى، ويقتل على الظنة والتهمة كما كان يفعل أبوه زياد الذي اشاع القتل في ربوع العراق .

سفر الطاغية الى الكوفة :

وسار الخبيث الدنس من البصرة متجها الى الكوفة ليقترف أعظم موبقة لم يقترفها شقي غيره، وقد صحبه من أهل البصرة خمسمائة رجل فيهم عبد الله بن الحارث بن نوفل وشريك بن الاعور الحارثي(39) وهو من اخلص اصحاب الامام الحسين، وقد صحب ابن زياد ليكون عينا عليه ، وبتعرف على خططه، وقد صحب ابن زياد هذا العدد ليستعين بهم على بث الارهاب، واذاعة الخوف بين الناس والاتصال بزعماء الكوفة لصرفهم عن الثورة .

وعلى أي حال فقد أخذ ابن زياد يجذ في السير لا يلوي على شئ قد واصل السير الى الكوفة مخافة أن يسبقه الحسين اليها، وقد جهد اصحابه، واعياهم المسير فسقط منهم جماعة منهم عبد الله بن الحارث فلم بعبا، ولما ورد القادسية سقط مولاه (مهران) فقال له ابن زياد :

" إن امسكت على هذا الحال فتنظر الى القصر فلك مائة الف " .

فقال له مهران :

لا والله لا استطيع، ونزيل الطاغية فلبس ثيابا يمانية وعمامة سوداء وتلثم ليوهم من راه أنه الحسين وسار وحده فدخل الكوفة مما يلي النجف(40) وكان قلبه كجناح طائر من شدة الخوف ، ولو كانت عنده مسكة من البسالة والشجاعة لما تنكر وغير بزته، وأوهم على الناس أنه الحسين..

وقد تذرع الجبان بهذه الوسائل لحماية نفسه ، وتنص بعض المصادر انه حبس نفسه عن الكلام خوفا من أن يعرفه الناس فتاخذه سيوفهم .

في قصر الامارة :

وأسرع الخبيث نحو قصر الامارة(41) وقد علاه الفزع.

وساءه كاشد ما يكون الاستياء من تباشير الناس وفرحهم بقدوم الامام الحسين ، ولما انتهى إلى باب القصر وجده مغلقا، والنعمان بن بشير مشرف من اعلا القصر، وكان قد توهم أن القادم هو الحسين لان اصوات الناس قد تعالت بالترحيب به والهتاف بحياته، فانبرى يخاطبه .

" ما أنا بمؤد إليك امانتي يا بن رسول الله، ومالي في قتالك من ارب.. .

ولمس ابن مرجانة في كلام النعمان الضعف والانهيار فصاح به بنبرات تقطر غيظا .

" افتح لا فتحت فقد طال ليلك " .

ولما تكلم عرفه بعض من كان خلفه فصاح بالناس :

" انه ابن مرجانة ورب الكعبة " ومن الغريب أن ذلك المجتمع لم يميز بين الامام الحسين وبين ابن مرجانة، مع أن كلا منهما قد عاش فترة في ديارهم، ولعل الذي أوقعهم في ذلك تغيير ابن زياد لبزته، ولبسه للعمامة السوداء .

وعلى أي حال فان الناس حينما علموا انه ابن زياد جفلوا وخفوا مسرعين إلى دورهم، وهم يتحدثون عما عانوه من الظلم والجور أيام أبيه وقد أوجسوا من عبيد الله الشر..

وبادر ابن زياد في ليلته فاستولى على المال والسلاح، وانفق ليله ساهرا قد جمع حوله عملاء الحكم الاموى فاخذوا يحدثونه عن الثورة ويعرفونه باعضائها البارزين، ويضعون معه المخططات للقضاء عليها .

خطابه في الكوفة :

وعندما انبثق نور الصبح أمر ابن مرجانة بجمع الناس في المسجد الاعظم، فاجتمعت الجماهير، وقد خيم عليها الذعر والخوف، وخرح ابن زياد متقلدا سيفه ومعتما بعمامة، فاعتلى اعواد المنبر، وخطب الناس فقال:

" أما بعد :

فان امير المؤمنين - أصلحه الله - ولاني مصركم وثغركم وفيئكم، وأمرني بانصاف مظلومكم واعطاء محرومكم، وبالاحسان إلى سامعكم ومطيعكم، وبالشدة على مربيكم، فانا لمطيعكم كالوالد البر الشفيق وسيفي وسوطي على من ترك أمري، وخالف عهدي فليبق امرؤ على نفسه الصدق ينبئ عنك لا الوعيد.. (42).

وحفل هذا الخطاب بما يلي :

1 - اعلام أهل الكوفة بولايته على مصرهم، وعزل النعمان بن بشير عنه .

2 - تعريفهم أن حكومة دمشق قد عهدت له بالاحسان على من يتبع السلطة، ولم يتمرد عليها واستعمال الشدة والقسوة على الخارجين عليها .

ولم يعرض ابن مرجانة في خطابه للامام الحسين وسفيره مسلم خوفا من انتفاضة الجماهير عليه وهو بعد لم يحكم أمره .

نشر الارهاب :

وعمد ابن زياد الى نشر الارهاب، واذاعة الخوف، ويقول بعض المؤرخين :

انه لما أصبح ابن زياد بعد قدومه الى الكوفة صال وجال ، وارعد وابرق، وأمسك جماعة من أهل الكوفة فقتلهم في الساعة(43) وقد عمد الى ذلك لاماتة الاعصاب، وصرف الناس عن الثورة .

وفي اليوم الثاني أمر بجمع الناس في المسجد.

وخرج إليهم بزي غير ما كان يخرج به، فخطب فيهم خطابا عنيفا تهدد فيه وتوعد، فقد قال بعد حمد الله والثناء عليه :

" أما بعد :

فانه لا يصلح هذا الامر الا في شدة من غير عنف ، ولين من غير ضعف، وان آخذ البرئ بالسقيم، والشاهد بالغائب ، والولي بالولي "..

فانبرى إليه رجل من أهل الكوفة يقال له أسد بن عبد الله المري فرد عليه :

" أيها الامير، إن الله تبارك وتعالى يقول :

" ولا تزر وزارة وزر أخرى " انما المرء بجده والسيف بحده، والفرس بشده، وعليك أن تقول :

وعلينا أن نسمع، فلا تقدم فينا السيئة قبل الحسنة...

وافحم ابن زياد فنزل عن المنبر ودخل قصر الامارة (44).

تحول مسلم الى دار هانئ :

واضطر مسلم إلى تغيير مقره، واحاطة نشاطه السياسي بكثير من السر والكتمان، فقد شعر بالخطر الذي داهمه حينما قد الطاغية إلى الكوفة فهو يعلم بخبث هذا الوغد، وانه لا يرجو لله وقارا ولا يتحرج من اقتراف الاثم، وقد أجمع أمره على مغادرة دار المختار لانه لم تكن عنده قوة تحميه ولم يكن ياوي الى ركن شديد، فالتجا الى دار هانئ بن عروة فهو سيد المصر وزعيم مراد، وعنده من القوة ما يضمن حماية الثورة والتغلب على الاحداث، فقد كان فيما يقول المؤرخون :

اذا ركب يركب معه أربعة آلاف دارع وثمانية آلاف راجل، فاذا اجابتها احلافها من كندة وغيرها كان في ثلاثين الف دارع(45) كما كانت له الطاف واياد بيضاء على أسرته مما جعلتهم يكنون له أعمق الود والاخلاص ، ومضى مسلم الى دار هذا الزعيم العربي الكبير فرحب به، واستقبله بحفاوة بالغة، وتنص بعض المصادر(46) انه قد ثقل على هانئ استجارة مسلم به، وعظم عليه أن يتخذ داره معقلا للثورة، ومركزا للتجمعات ضد الدولة، فانه بذلك يعرض نفسه للنقمة والبلاء الا أنه استجاب لمسلم على كره خضوعا للعادات العربية التي لا تطرد اللاجئ إليها، وان عانت من ذلك أعظم المصاعب والمشاكل..

والذي نراه انه لا صحة لذلك فان مسلما لو شعر منه عدم الرضا، والقبول لما ركن إليه، وتخرج كاشد ما يكون التحرج من دخول داره وذلك لما توفرت في مسلم من الطاقات التربوية الدينية، وما عرف به من الشمم والاباء الذي يبعده كل البعد من سلوك أي طريق فيه حرج أو تكلف على الناس، وبالاضافة الى ذلك فان مسلما لو لم يحرز منه التجاوب التام، والايمان الخالص بدعوته لما التجا اليه في تلك الفترة العصبية التي تحيط به .

ان من المؤكد ان هانيا لم يستجب لحماية مسلم والدفاع عنه على كره أو حياء، وانما استجاب له عن رضى وايمان يوحي من دينه وعقيدته .

وعلى أي حال فقد استقر مسلم في دار هانئ واتخذها مقرا للثورة ، وقد احنف به هانئ، ودعا القبائل لمبايعته، فبايعه في منزله ثمانية عشر الفا(47) وقد عرف مسلم هانئا بشؤون الثورة، وأحاطه علما بدعاتها وأعضائها البارزين .

امتناع مسلم من اغتيال ابن زياد :

وذهب معظم المؤرخين إلى أن شريك بن الاعور مرض مرضا شديدا في بيت هانئ بن عروة أو في بيته(48) فانتهى خبره الى ابن زياد فارسل إليه رسولا يعلمه أنه آت لعيادته، فاغتنم شريك هذه الفرصة فقال لمسلم :

" انما غايتك وغاية شيعتك هلاك هذا الطاغية، وقد أمكنك الله منه وهو صائر إلي ليعودني فقم فادخل الخزانة حتى اذا اطمان عندي فاخرج إليه فاقتله، ثم صر الى قصر الامارة فاجلس فيه فانه لا ينازعك فيه أحد من الناس، وان رزقني الله العافية صرت إلى البصرة فكفيتك أمرها، وبايع لك أهلها " (49) .

وكره هانئ أن يقتل ابن زياد في داره تمسكا بالعادات العربية التي لا تبيح قتل الضيف والقاصد إليها في بيوتها (50) فقال له :

" ما أحب أن يقتل في داري " فقال له شريك :

" ولم فو الله ان قتله لقربان الى الله " ولم يعن شريك بهانئ والتفت الى مسلم يحثه على اغتيال ابن زياد قائلا له :

" لا تقصر في ذلك " وبينما هم في الحديث واذا بالضجة على الباب فقد أقبل ابن مرجانة مع حاشيته، فقام مسلم ودخل الخزانة مختفيا بها، ودخل ابن زياد فجعل يسال شريكا عن مرضه، وشريك يجيبه ، ولما استبطا شريك خروج مسلم جعل يقول :

ما الانتظار بسلمى أن تحيوها * حيوا سليمى وحيوا من يحيها

كاس المنية بالتعجيل فاسقوها (51)

ورفع صوته ليسمع مسلما قائلا :

" لله أبوك اسقنيها وان كانت فيها نفسي " (52) وغفل ابن زياد عن مراده، وظن أنه يهجر فقال لهانئ :

- أيهجر ؟ - نعم أصلح الله الامير لم يزل هكذا منذ اصبح (53) وفطن مهران مولى ابن زياد، وكان ذكيا الى ما دبر لسيده، فغمزه ونهض به سريعا فقال له شريك :

أيها الامير إني أريد أن أوصي إليك فقال له ابن زياد :

اني اعود إليك والتفت مهران وهو مذعور الى ابن زياد فقال له :

" انه أراد قتلك " فبهر ابن زياد، وقال :

" كيف مع اكرامي له ؟ ! ! وفي بيت هانئ ويد أبي عنده ! " ولما ولى الطاغية خرج مسلم من الحجرة، فالتفت إليه شريك وقلبه يذوب أسى وحسرات قال له :

" ما منعك من قتله ؟ " (54) فقال مسلم :

منعني منه خلتان :

احداهما كراهية هانئ لقتله في منزله، والاخرى قول رسول الله (ص) :

ان الايمان قيد الفتك لا يفتك مؤمن، فقال له شريك :

أما والله لو قتلته لاستقام لك أمرك، واستوسق لك سلطانك (55) .

ولم يلبث شريك بعد الحادثة الا ثلاثة أيام حتى توفي، فصلي عليه ابن زياد ودفنه بالثوية، ولما تبين له ما دبره له شريك طفق يقول :

والله لا أصلي على جنازة عراقي، ولولا أن قبر زياد فيهم لنبشت شريكا (56).

 أضواء على الموقف :

ويتساءل الكثيرون من الناس عن موقف مسلم، فيلقون عليه اللوم والتقريع، ويحملونه مسؤولية ما وقع من الاحداث، فلو اغتال الطاغية لانقذ المسلمين من شر عظيم، وما مني المسلمون بتلك الازمات الموجعة التي أغرقتهم في المحن والخطوب...

أما هذا النقد فليس موضوعيا ، ولا يحمل أي طابع من التوازن والتحقيق، وذلك لعدم التقائه بسيرة مسلم ولا بواقع شخصيته، فقد كان الرجل فذا من أفذاذ الاسلام في ورعه وتقواه، وتحرجه في الدين، فقد تربى في بيت عمه أمير المؤمنين (ع) وحمل اتجاهاته الفكرية، واتخذ سيرته المشرقة منهاجا يسير على أضوائها في حياته، وقد بنى الامام أمير المؤمنين (ع) واقع حياته على الحق المحض الذي لا التواء فيه، وتحرج كاعظم ما يكون التحرج في سلوكه فلم يرتكب أي شئ شذ عن هدي الاسلام وواقعه وهو القائل :

" قد يرى الحول القلب وجه الحيلة ودونها حاجز من تقوى الله " .

وعلى ضوء هذه السيرة بنى ابن عقيل حياته الفكرية، وتكاد أن تكون هذه السيرة هي المنهاج البارز في سلوك العلويين يقول الدكتور محمد طاهر دروش:

" كان للهاشميين مجال يحيون فيه، ولا يعرفون سواه، فهم منذ جاهليتهم للرياسة الدينية قد طبعوا على ما توحي به من الايمان والصراحة والصدق والعفة والشرف والفضيلة، والترفع والخلائق المثالية والمزايا الاديبة والشمائل الدينية والاداب النبوية " (57).

ان مسلما لم يقدم على اغتيال عدوه الماكر لان الايمان قيد الفتك ، ولا يفتك مؤمن، وعلق هبة الدين على هذه الكلمة بقوله :

" كلمة كبيرة المغزى، بعيدة المدى فان آل علي من قوة تمسكهم بالحق والصدق نبذوا الغدر والمكر حتى لدى الضرورة، واختاروا النصر الاجل بقوة الحق على النصر العاجل بالخديعة، شنشنة فيهم معروفة عن اسلافهم، وموروثة في اخلاقهم، كانهم مخلوقون لاقامة حكم العدل والفضيلة في قلوب العرفاء الاصفياء، وقد حفظ التاريخ لهم الكراسي في القلوب " (58).

ويقول الشيخ احمد فهمي :

" فهذا عبيد الله بن زياد، وهو من هو في دهائه، وشدة مراسه امكنت مسلما الفرصة منه اذا كان بين يديه، وراسه قريب المنال منه ، وكان في استطاعته قتله ولو انه فعل ذلك لحرم يزيد نفسا جبارة، ويدا فتاكة، وقوة لا يستهان بها، ولكن مسلما متاثر بهدي ابن عمه عاف هذا المسلك وصان نفسه من أن يقتله غيلة ومكرا، (59).

وان مهمة مسلم التي عهد بها إليه هي أخذ البيعة من الناس والتعرف على مجريات الاحداث، ولم يعهد إليه باكثر من ذلك، ولو قام باغتيال الطاغية لخرج عن حدود مسؤولياته..

على أن الحكومة التي جاء ممثلا لها انما هي حكومة دينية تعني قبل كل شئ بمبادئ الدين والالتزام بتطبيق سننه وأحكامه، وليس من الاسلام في شئ القيام بعملية الاغتيال .

وقد كان أهل البيت (ع) يتحرجون كاشد ما يكون التحرج من السلوك في المنعطفات، وكانوا ينعون على الامويين شذوذ أعمالهم التي لا تتفق مع نواميس الدين، وما قام الحسين بنهضته الكبرى الا لتصحيح الاوضاع الراهنة واعادة المنهج الاسلامي الى الناس..

وما ذا يقول مسلم للاخيار والمتحرجين في دينهم لو قام بهذه العملية التي لا يقرها الدين .

وعلى أي حال فقد استمسك مسلم بفضائل دينه وشرفه من اغتيال ابن زياد، وكان تحت قبضته، وان من أهزل الاقوال وأوهنها القول بان عدم فتكه به ناشئ عن ضعفه وخوره، فان هذا أمر لا يمكن أن يصغى إليه فقد أثبت في مواقفه البطولية في الكوفة حينما غدر به أهلها ما لم يشاهد التاريخ له نظيرا في جميع مراحله، فقد صمد أمام ذلك الزحف الهائل من الجيوش فقابلها وحده ولم تظهر عليه أي بادرة من الخوف والوهن، فقد قام بعزم ثابت يحصد الرؤوس ويحطم الجيوش حتى ضجت الكوفة من كثرة من قتل منها، فكيف يتهم بطل هاشم وفخر عدنان بالوهن والضعف ؟

 المخططات الرهيبة :

وأدت المخططات الرهيبة التي صممها الطاغية الى نجاحه في الميادين السياسية وتغلبه على الاحداث، فبعد أن كانت الكوفة تحت قبضة مسلم انقلبت عليه راسا على عقب، فزج بها الماكر الخبيث الى حرب مسلم ، والقضاء عليه، ومن بين هذه المخططات .

1 - التجسس على مسلم :

وأول بادرة سلكها ابن زياد هي التجسس على مسلم، ومعرفة جميع نشاطاته السياسية والوقوف على نقاط القوة والضعف عنده، وقد اختار للقيام بهذه المهمة مولاه معقلا، وكان من صنائعه، وتربى في كنفه ، ودرس طباعه، ووثق باخلاصه، وكان فطنا ذكيا، فاعطاه ثلاثة آلاف درهم، وامره أن يتصل بالشيعة، ويعرفهم أنه من أهل الشام، وانه مولى الذي الكلاع الحميري، وكانت الصبغة السائدة على الموالي هي الاخلاص لاهل البيت (ع) ولذا أمره بالانتساب الى الموالي، حتى ينفي الشك والريب عنه، وقال له :

انه اذا التقى بهم فليعرفهم بانه ممن انعم الله عليه بحب أهل البيت (ع) وقد بلغه قدوم رجل الى الكوفة يدعو للامام الحسين، وعنده مال يريد أن يلقاه ليوصله إليه حتى يستعين به على حرب عدوه، ومضى معقل في مهمته فدخل الجامع، وجعل يفحص ويسال عمن له معرفة بمسلم، فارشد الى مسلم بن عوسجة، فانبرى إليه ، وهو يظهر الاخلاص والولاء للعترة الطاهرة قائلا له :

" إني أتيتك لتقبض مني هذا المال، وتدلني على صاحبك لابايعه ، وان شئت أخذت بيعتي قبل لقائي اياه...

فقال مسلم :

لقد سرني لقاؤك اياي لتنال الذي تحب، وينصر الله بك أهل نبيه، وقد ساني معرفة الناس اياي من قبل أن يتم مخافة هذا الطاغية وسطوته، ثم اخذ منه البيعة وأخذ منه المواثيق المغلظة على النصيحة وكتمان الامر (60) وفي اليوم الثاني أدخله على مسلم فبايعه وأخذ منه المال وأعطاه إلى أبي ثمامة الصائدي، وكان قد عينه لقبض المال ليشتري به السلاح والكراع، وكان معقل فيما يقول المؤرخون :

أول من يدخل على مسلم، وآخر من يخرج منه، وجميع البوادر والاحداث التي تصدر ينقلها بتحفظ في المساء إلى ابن زياد (61) حتى وقف على جميع اسرار الثورة .

مع أعضاء الثورة:

والذي يواجه أعضاء الثورة من المؤاخذات ما يلي :

أولا :

ان معقل كان من أهل الشام الذي عرفوا بالبغض والكراهية لاهل البيت (ع) والولاء لبني أمية والتفاني في حبهم فما معنى الركون إليه ؟ ثانيا :

ان اللازم التريب حينما أعطى المال لمسلم بن عوسجة وهو يبكي، فما معنى بكائه أو تباكيه ؟ اليس ذلك مما يوجب الريب في شانه .

ثالثا :

انه حينما اتصل بهم كان أول داخل وآخر خارج، فما معنى هذا الاستمرار والمكث الطويل في مقر القيادة العامة ؟ اليس ذلك مما يوجب الشك في أمره ؟ لقد كان الاولى بالقوم التحرز منه، ولكن القوم قد خدعتهم الظاهر المزيقة، ومن الحق ان هذا الجاسوس كان ماهرا في صناعتهم ، وخبيرا فيما انتدب إليه .

وعلى أي حال فان ابن زياد قد استفاد من عملية التجسس أمورا بالغة الخطورة فقد عرف العناصر الفعالة في الثورة، وعرف مواطن الضعف فيها، وغير ذلك من الامور التي ساعدته على التغلب على الاحداث.

2  - رشوة الزعماء والوجوه :

ووقف ابن زياد على نبض الكوفة، وعرف كيف يستدرج أهلها فبادر إلى ارشاء الوجوه والزعماء فبذل لهم المال بسخاء فاستمال ودهم، واستولى على قلوبهم فصارت السنتهم تكيل له المدح والثناء، وكانوا ساعده القوي في تشتيت شمل الناس وتفريق جموعهم عن مسلم .

لقبد استعبدهم ابن مرجانة بما بذله من الامول فاخلصوا له ومنحوه النصيحة وخانوا بعهودهم ومواثيقهم التي أعطوها لمسلم، وقد أخبر بعض أهل الكوفة الامام عن هذه الظاهرة حينما التقي به في أثناء الطريق فقال له :

" أما اشراف الناس فقد عظمت رشوتهم، وملئت غرائرهم ، يستمال ودهم، ويستخلص به نصيحتهم، وأما سائر الناس فان أفئدتهم تهوى إليك، وسيوفهم غدا مشهورة عليك " (62) .

لقد تناسى الكوفيون كتبهم التي أرسلوها للامام وبيعتهم له على يد سفيره من أجل الامول التي أغدقتها عليه السلطة، يقول بعض الكتاب :

" ان الجماعات التي أقامها النكير على بني أمية، وراسلت الحسين واكدت له اخلاصها، وذرقت أمام مسلم أعز دموعها هي الجماعات التي ابتاعها عبيد الله بن زياد بالدرهم والدينار، وقد ابتاعها فيما بعد مصعب ابن الزبير فتخلوا عن المختار، وتركوه وحيدا يلقى حتفه ثم اشتراها الخليفة الاموي عبد الملك بن مروان فتخلوا عن مصعب، وتركوه يلقى مصيره على يد عبد الملك بن مروان " (63).

الاحجام عن كبس دار هانئ :

وعلم الطاغية ان هانئا هو العضو البارز في الثورة، فقد اطلعه الجاسوس الخطير معقل على الدور الفعال الذي يقوم به هانئ في دعم الثورة، ومساندتها بجميع قدراته، وعرفه أن داره اصبحت المركز العام للشيعة، والمقر الرئيسي لسفير الحسين مسلم...

فلما ذا لم يقم بكبسها وتطويقها بالجيش ليقضي بذلك على الثورة، وانما احجم عن ذلك لعجزه عسكريا، وعدم مقدرته على فتح باب الحرب فان دار هانئ مع الدور التي كانت محيطة بها كانت تضم أربعة آلاف مقاتل ممن بايعوا مسلما بالاضافة الى اتباع هانئ ومكانته المرموقة في المصر، فلهذا لم يستطع ابن زياد من القيام بذلك نظرا للمضاعفات السيئة.

رسل الغدر :

وانفق ابن زياد لياليه ساهرا يطيل التفكير، ويطيل البحث مع حاشيته في شان هانئ، فهو أعز من في المصر، وأقوى شخصية يستطيع القيام بحماية الثورة، ولا يدع مسلما فريسة لاعدائه، فاذا قضى عليه فقد استاصل الثورة من جذورها، وقد أعرضوا عن القاء القبض عليه ، وتطويق داره فان ذلك ليس بالامر الممكن، وقد اتفق رايهم على خديعته بارسال وفد اليه من قبل السلطة يعرض عليه رغبة ابن زياد في زيارته ، فاذا وقع تحت قبضته فقد تم كل شئ، ويكون تشتبت اتباعه ليس بالامر العسير، وشكلوا وفدا لدعوته وهم :

1 - حسان بن اسماء بن خارجة زعيم فزارة 2 - محمد بن الاشعث زعيم كندة 3 - عمرو بن الحجاج ولم يكن لحسان بن أسماء علم بالمؤامرة التي دبرت ضد هانئ ، وانما كان يعلم بها محمد بن الاشعث وعمرو بن الحجاج، وقد أمرهم ابن زياد أن يحملوا له عواطفه ورغبته الملحة في زيارته، ويعلموا جاهدين على اقناعه.

اعتقال هانئ :

واسرع الوفد إلى هانئ عشية فوجدوه جالسا على باب داره فسلموا عليه، وقالوا له :

" ما يمنعك من لقاء الامير فانه قد ذكرك ؟ وقال :

لو أعلم أنه شاك لعدته " .

فقال لهم :

الشكوي تمنعني .

وابطلوا هذا الزعم وقالوا له :

إنه قد بلغه انك تجلس كل عشية على باب دارك، وقد استبطاك، والابطاء والجفاء لا يحتمله السلطان ، أقسمنا عليك لما ركبت معنا .

وأخذوا يلحون عليه في زيارته فاستجاب لهم على كره فدعا بثيابه فلبسها، ودعا ببغلة فركبها فلما كان قريبا من القصر احست نفسه بالشر فعزم على الانصراف وقال لحسان بن سماء :

يابن الاخ إني والله لخائف من هذا الرجل فما ترى ؟ فقال حسان :

يا عم والله ما اتخوف عليك شيئا ولم تجعل على نفسك سبيلا ؟ واخذ القوم يلحون عليه حتى ادخلوه على ابن مرجانة، فاستقبله بعنف وشراسة، وقال :

" أتتك بخائن رجلاه " .

وكان شريح الى جانبه، فقال له :

أريد حياته (64) ويريد قتلي * عذيرك من خليلك من مراد

وذعر هانئ فقال له :

" ما ذاك أيها الامير ؟ " فصاح به الطاغية بعنف " ايه يا هانئ ما هذه الامور التي تتربص في دارك لامير المؤمنين وعامة المسلمين ؟ جئت بمسلم بن عقيل فادخلته دارك، وجمعت له السلاح والرجال في الدور حولك، وظننت أن ذلك يخفى علي ؟ " .

فانكر ذلك هانئ وقال :

" ما فعلت ذلك وما مسلم عندي " " بلى قد فعلت " وطال النزاع واحتدم الجدال بينهما، فراى ابن زياد ان يحسم النزاع فدعا معقلا الذي جعله عينا عليهم فلما مثل عنده قال لهانئ :

" اتعرف هذا ؟ " " نعم " واسقط ما في يدي هانئ، واطرق براسه الى الارض، ولكن سرعان ما سيطرت شجاعته على الوقف، فانتفض كالاسد، وقال لابن مرجانة :

" قد كان الذي بلغك، ولن اضيع يدك عندي(65) تشخص لاهل الشام انت واهل بيتك سالمين باموالكم، فانه جاء حق من هو أحق من حقك وحق صاحبك...(66) .

فثار ابن زياد وصاح به :

" والله لا تفارقني حتى تاتيني به.

" وسخر منه هانئ، وانكر عليه قائلا له مقالة الرجل الشريف :

" لا آتيك بضيفي ابدا " ولما طال الجدال بينهما انبرى الى هانئ مسلم بن عمر الباهلي وهو من خدام السلطة، ولم يكن رجل في المجلس غريب غيره فطلب من ابن زياد أن يختلي بهانئ، ليقنعه فاذن له، فقام وخلا به ناحية بحيث يراهما ابن زياد ويسمع صوتهما اذا علا، وحاول الباهلي اقناع هانئ فحذره من نقمة السلطان وان السلطة لا تنوي السوء بمسلم قائلا :

" يا هانئ أنشدك الله ان تقتل نفسك، وتدخل البلاء على قومك ، إن هذا الرجل - يعني مسلما - ابن عم القوم، وليسوا بقاتليه، ولا ضائريه، فادفعه إليه فليس عليك بذلك مخزاة، ولا منقصة انما تدفعه إلى السلطان.. .

ولم يخنف على هانئ هذا المنطق الرخيص، فهو يعلم ان السلطة اذا ظفرت بمسلم فسوف تنكل به، ولا تدعه حيا وان ذلك يعود عليه بالعار والخزي ان سلم ضيفه وافد آل محمد فريسة لهم قائلا :

" بلى والله علي في ذلك أعظم العار أن يكون مسلم في جواري وضيفي وهو رسول ابن بنت رسول الله (ص) وأنا حي صحيح الساعدين كثير الاعوان، والله لو لم اكن إلا وحدي لما سلمته أبدا " .

وحفل هذا الكلام بمنطق الاحرار الذين يهبون حياتهم للمثل العليا ولا يحضعون لما يخل بشرفهم .

ولما يئس الباهلي من اقناع هانئ انطلق نحو ابن زياد فقال له :

" أيها الامير قد أبى ان يسلم مسلما أو يقتل " (67) .

وصاح الطاغية بهانئ :

" أتاتيني به أو لاضربن عنقك " فلم يعبا به هانئ وقال :

" اذن تكثر البارقة حولك " فثار الطاغية وانتفخت اوداجه وقال :

" والهفا عليك أبالبارقة تخوفني " (68) وصاح بغلامه مهران وقال :

خذه، فاخذ بضفيرتي هانئ، وأخذ ابن زياد القضيب فاستعرض به وجهه، وضربه ضربا عنيفا حتى كسر انفه ونثر لحم خديه وجبينه على لحيته حتى تحطم القضيب وسالت الدماء على ثيابه، وعمد هانئ الى قائم سيف شرطي محاولا اختطافه ليدافع به عن نفسه فمنعه منه، فصاح بن ابن زياد :

" أحروري احللت بنفسك وحل لنا قتلك " .

وأمر ابن زياد باعتقاله في أحد بيوت القصر (69) واندفع حسان بن اسماء بن خارجة وكان ممن أمن هانئا وجاء به الى ابن زياد، وقد خاف من سطوة عشيرته ونقمتم عليه، فانكر عليه ما فعله بهانئ قائلا :

" أرسله يا غادر امرتنا ان نجيئك بالرجل فلما اتيناك به هشمت وجهه، وسيلت دماءه وزعمت أنك تقتله " .

وغضب منه ابن زياد فاوعز إلى شرطته بتاديبه فلهز وتعتع ثم ترك وأما ابن الاشعث المتملق الحقير فجعل يحرك راسه ويقول ليسمع الطاغية .

" قد رضينا بما راى الامير لنا كان أم علينا، انما الامير مؤدب " (70) ولا يهم ابن الاشعث ما اقترفه الطاغية من جريمة في سبيل تامين مصالحه ورغباته .

انتفاضة مذحج :

وانتهى خبر هانئ إلى اسرته فاندفعت بتثاقل كالحشرات فقاد جموعها الانتهازي الجبان عمرو بن الحجاج الذي لا عهد له بالشرف والمروءة ، فاقبل ومعه مذحج وهو يرفع عقيرته لتسمع السلطة مقالتهم قائلا :

" أنا عمرو بن الحجاج وهذه فرسان مذحج ووجوهها لم نخلع طاعة ولم نفارق جماعة " .

وحفل كلامه بالخنوع والمسالمة للسلطة وليس فيه اندفاع لانقاذ هانئ ولذا لم يحفل به ابن زياد فالتفت إلى شريح القاضي فقال له :

ادخل على صاحبهم فانظر إليه، ثم اخرج اليهم فاعلمهم أنه حي، وخرج شريح فدخل على هانئ فلما بصر به صاح مستجيرا .

" يا للمسلمين أهلكت عشيرتي ؟ ! ! أين أهل الدين أين أهل المصر ! أيحذرونني عدوهم (71) وكان قد سمع الاصوات وضجيج الناس فالتفت الى شريح (72) قائلا :

" يا شريح :

اني لاظنها أصوات مذحج وشيعتي من المسلمين، انه ان دخل علي عشرة أنفر انقذوني.. (73) .

وخرج شريح وكان عليه عين لابن زياد مخافة أن يدلي بشئ على خلاف رغبات السلطة فيفسد عليها أمرها فقال لهم :

" قد نظرت الى صاحبكم وانه حي لم يقتل " وبادر عمرو بن الحجاج فقال :

" إذا لم يقتل فالحمد لله " (74) .

وولوا منهزمين كانما اتيح لهم الخلاص من السجن وهم يصحبون العار والخزي، وظلوا مثالا للخيانة والجبن على امتداد التاريخ - وفيما احسب - أن هزيمة مذحج بهذه السرعة وعدم تاكدها من سلامة زعيمها جاءت نتيجة اتفاق سري بين زعماء مذحج وبين ابن زياد للقضاء على هانئ، ولولا ذلك لنفرت مذحج حينما اخرج هانئ من السجن في وضع النهار، ونفذ فيه حكم الاعدام في سوق الحذائين .

وعلى أي حال فقد خلدت مذحج للذل، ورضيت بالهوان، وانبرى شاعر مجهول اخفى اسمه حذران من نقمة الامويين وبطشهم فرثى هانئا وندد باسرته محاولا بذلك أن يثير في نفوسهم روح العصبية القبلية ليثاروا لقتيلهم يقول :

فان كنت لا تدرين ما الموت فانظري * إلى هانئ في السوق وأبن عقيل

إلى بطل قد هشم السيف وجهه * وآخر يهوي من طمار قتيل (75)

أصابهما أمر الامير فاصبحا * أحاديث من يسري بلك سبيل (76)

ترى جسدا قد غير الموت لونه * ونضح دم قد سال كل مسيل

فتى كل أحيى من فتاة حيبة * واقطع من ذي شفرتين صقيل

أيركب اسماء الهماليج آمنا * وقد طلبته مذحج بذحول (77)

تطوف حواليه (مراد) وكلهم * على رقية من سائل ومسول

فان أنتم لم تثاروا باخيكم * فكونوا بغايا أرضيت بقليل (78)

وعلق الدكتور يوسف خليف على هذه الابيات بقول :

" واللحن هنا تاثر عنيف، والتعبير فيه قوى صريح بل تصل فيه الصراحة الى درجة الجراة، وشجع الشاعر على هذه الجراة أنه كان في مامن من بطش الامويين لانه استطاع أن يخفي اسمه، حتى أصبح شخصا مختلفا فيه عند بعض الرواة، ومجهولا تماما عند بعضهم، وهو في هذا اللحن لا يتحدث عن الحسين، ولا عن السياسة، وانما كل حرصه أن يثير روح العصبية القبلية في نفوس اليمنية ليثاروا لقتيلهم وهو - من أجل هذا - أغفل متعمدا من غير شك ذكر محمد من الاشعث اليمني، ولم يذكر إلا أسماء بن خارجة الفزاري على أنه هو المسؤول عن دم هانئ مع أن كليهما كان رسول ابن زياد إليه، ولكن الشاعر حرص على أن يغفل ذكر ابن الاشعث حتى لا يثير فتنة أو انقساما بين اليمينة، وهو في أشد الحاجة إلى أن يوحد صفوفهم حتى يدركوا ثارهم، واعتمد الشاعر في قصيدته على هذه الصورة المفزعة التي رسمها للقتيلين اللذين هشم السيف وجه أحدهما والقى بالاخر من أعلى القصر، واللذين أصبحا أحاديث للناس في كل مكان.

وهو حريص في هذه الصورة على أن يعرض للناس منظرين رهيبين يثيران في نفوسهم كل عواطف الحزن والسخط والانتقام، منظر هذين الجسدين وقد غير الموت من لونهما، وهذا الدم الذي ينضخ منهما ويسيل كل مسيل ، ثم منظر اسماء بن خارجة وهو يحتال في طرقات الكوفة على دوابه التي تتبختر به آمنا مطمئنا، ويسال إلى متى سيظل هذا الرجل في امنه وخيلائه ومن حوله قبيلة القتيل تطالبه بالثار، فلا يجد أشد من طعنها في كرامتها، فيقول لهم ان لم تثاروا بقتيلكم فكونوا بغايا ببغي شرفهن بثمن بخس دراهم معدودات (79) .

لقد تنكرت مذحج لزعيمها الكبير فلم تف له حقوقه فتركته أسيرا بيد ابن مرجانة يمعن في ارهاقه من دون أن تحرك ساكنا في حين أنها كانت لها السيادة والسيطرة على الكوفة كما يرى ذلك فلهوزن .

وعلى أي حال فقد كان لاعتقال هانئ الاثر الكبير في ذيوع الفزع والخوف في نفوس الكوفيين مما أدى إلى تفرق الناس عن مسلم واخفاق الثورة .

ثورة مسلم :

ولما على مسلم بما جرى على هانئ بادر لاعلان الثورة على ابن زياد لعمله بانه سيلقى نفس المصير الذي لاقاه هانئا، فاوعز إلى عبد الله بن حازم أن ينادي في أصحابه وقد ملابهم الدور، فاجتمع إليه أربعة آلاف (80) أو اربعون الفا (81) وهم ينادون بشعار المسلمين يوم البدر .

" يا منصور أمت " (82) .

وقام مسلم بتنظيم جيشه، واسند القيادات العامة في الجيش إلى من عرفوا بالولاء والاخلاص لاهل البيت (ع) وهم :

1 - عبد الله بن عزيز الكندي : جعله على ربع كندة

2 - مسلم بن عوسجة : جعله على ربع مذحج

3 - أبو ثمامة الصائدي : جعله على ربع قبائل بني تميم وهمدان

4 - العباس بن جعدة الجدلي : جعله على ربع المدينة .

واتجه مسلم بجيشه نحو قصر الامارة فاحاطوا به (83) وكان ابن زياد قد خرج من القصر ليخطب الناس على أثر اعتقاله لهانئ، فجاء إلى المسجد الاعظم فاعتلى أعواد المنبر، ثم التفت الى أصحابه فراهم عن يمينه وشماله وفي ايديهم الاعمدة وقد شهروا سيوفهم للحفاظ عليه، فهدا روعه وخاطب اهل الكوفة قائلا :

" أما بعد :

يا اهل الكوفة فاعتصموا بطاعة الله ورسوله، وطاعة ائمتكم ولا تختلفوا، ولا تفرقوا فتهلكوا، وتذلوا، وتندموا، وتقهروا ، فلا يجعلن احد على نفسه سبيلا وقد اعذر من انذر " .

وما أتم الطاغية خطابه حتى سمع الضجة واصوات الناس قد علت فسال عن ذلك فقيل له :

" الحذر، الحذر، هذا مسلم بن عقيل قد اقبل في جميع من بايعه.. .

واختطف الرعب لونه، وسرت الرعدة بجميع أوصاله فاسرع الجبان نحو القصر وهو يلهث من شدة الخوف، فدخل القصر، واغلق عليه ابوابه (84) وامتلا المسجد والسوق من اصحاب مسلم، وضاقت الدنيا على ابن زياد، وايقن بالهلاك إذ لم تكن عنده قوة تحميه سوى ثلاثين رجلا من الشرط، وعشرين رجلا من الاشراف الذين هم من عملائه (85) ، وقد تزايد جيش مسلم حتى بلغ فيما يقول بعض المؤرخون ثمانية عشر الفا وقد نشروا الاعلام وشهروا السيوف، وقد ارتفعت اصواتهم بقذف ابن زياد وشتمه، وجرى بين اتباع ابن زياد وبين جيش مسلم قتال شديد كما نص على ذلك بعض المؤرخين .

وامعن الطاغية في اقرب الوسائل التي تمكنه من انقاذ حكومته من الثورة فراى ان لا طريق له سوى حرب الاعصاب ودعايات الارهاب فسلك ذلك .

حرب الاعصاب :

واوعز الطاغية الى جماعة من وجوه اهل الكوفة ان يبادروا ببث الذعر ونشر الخوف بين الناس، وقد انتدب للقيام بهذه المهمة الذوات التالية :

1 - كثير بين شهاب الحارثي

2 - القعقاع بن شور الذهلي

3 - شبث بن ربعي التميمي

4 - حجار بن ابجر

5 - شمر بن ذي الجوشن الضبابي (86) وانطلق هؤلاء الى صفوف جيش مسلم فاخذوا يشيعون الخوف ، ويبثون الاراجيف فيهم ويظهرون لهم الاخلاص والولاء خوفا عليهم عن جيوش أهل الشام فكان ما قاله كثير بن شهاب :

" أيها الناس :

الحقوا باهاليكم، ولا تعجلوا الشر، ولا تعرضوا انفسكم للقتل، فان هذه جنود امير المؤمنين - يعني يزيد - قد اقبلت ، وقد اعطى الله الامير - يعني ابن زياد - العهد لئن اقمتم على حربه ، ولم تنصرفوا من عشيتكم أن رم ذريتكم العطاء، ويفرق مقاتلكم في مغازي أهل الشام من غير طمع، وأن ياخذ البرئ بالسقيم، والشاهد بالغائب ، حتى لا تبقى فيكم بقية من أهل المعصية إلا ذاقها وبال ما جرت أيديها " (87) وكان هذا التهديد كالصاعقة على رؤوس أهل الكوفة فقد كان يحمل الوانا قاسية من الارهاب وهي :

أ - التهديد بجيوش اهل الشام، فقد زحفت إليهم، وهي ستشيع فيهم القتل والتنكيل إن بقوا مصرين على المعصية والعناد .

ب - حرمانهم من العطاء :

وقد كانت الكوفة حامية عسكرية تتلقى جميع مواردهم الاقتصادية من الدولة .

ج - تجميرهم في مغازي اهل الشام، وزجهم في ساحات الحروب.

د - انهم إذا اصروا على التمرد فان ابن زياد سيعلن الاحكام العرفية ويسوسهم بسياسة أبيه التي تحمل شارات الموت والدمار حنى يقضي على جميع الوان الشغب والعصيان .

وقام بقية عملاء السلطة بنشر الارهاب واذاعة الذعر، وكان من جملة ما اذاعوه بين الناس .

" يا اهل الكوفة :

اتقوا الله، ولا تستعجلوا الفتنة، ولا تشقوا عصا هذه الامة، ولا توردوا على انفسكم خيول الشام، فقد ذقتموها ، وجربتم شوكتها.. .

أوبئة الفزع والخوف :

وسرت أوبئة الخوف والفزع في نفوس الكوفيين، وانهارت اعصابهم وكان الموت قد خيم عليهم، فجعل بعضهم يقول لبعض :

" ما نصنع بتعجيل الفتنة، وغدا تاتينا جموع أهل الشام، ينبغي لنا أن نقيم في منازلنا، وندع هؤلاء القوم حتى يصلح الله ذات بينهم " (88) .

وكانت المراة تاتي ابنها او أخاها أو زوجها، وهي مصفرة الوجه من الخوف فتتوسل إليه قاثلة :

" الناس يكفونك " (89) وكان الرجل ياتي الى ولده وأخيه فيملا قلبه رعبا وخوفا، وقد نجح ابن زياد في ذلك إلى حد بعيد فقد تغلب على الاحداث، وسيطر على الموقف سيطرة تامة وقد خلع الكوفيون ما كانوا يرتدونه من ثياب التمرد على بني أمية ولبسوا ثياب الذل والعبودية من جراء ذلك الارهاب الهائل والقسوة في الحكم فكانت الدماء تنرقرق بين العمائم واللحى .

هزيمة الجيش :

ومني جيش مسلم بهزيمة مخزية لم يحدث لها نظير في جميع فترات التاريخ، فقد هزمته الدعايات المضللة من دون أن تكون في قباله أية قوة عسكرية، ويقول المؤرخون :

ان مسلما كلما انتهى الى زقاق انسل جماعة من اصحابه، وفروا منهزمين وهم يقولون :

" ما لنا والدخول بين السلاطين ! " (90) .

ولم يمض قليل من الوقت حتى انهزم معظمهم، وقد صلى بجماعة منهم صلاة العشاء في الجامع الاعظم فكانوا يفرون في أثناء الصلاة ، وما انهى ابن عقيل صلاته حتى انهزموا باجمعهم بما فيهم قادة جيشة ، ولم يجد احدا يدله على الطريق، وبقى حيرانا لا يدري إلى اين مسراه ، ومولجه (91) وكان قد اثخن بالجراح فيما يقوله بعض المؤرخين (92) وقد أمسى طريدا مشردا لا ماوى ياوي إليه، ولا قلب يعطف عليه .

في ضيافة طوعة :

وسار القائد العظيم سليل هاشم وفخر عدنان متلددا في أزقة الكوفة وشوارعها، ومضى هائما على وجهه في جهة كندة (93) يلتمس دارا لينفق فيها بقية الليل، وقد خلت المدينة من المارة، وعادت كانها واحة موحشة، فقد اسرع كل واحد من جيشه واعوانه، الى داره، واغلق عليه الابواب مخافة ان تعرفه مباحث الامن وعيون ابن زياد بانه كان مع ابن عقيل فتلقي عليه القبض .

واحاطت بمسلم تيارات مذهلة من الهموم، وكاد قلبه ان ينفجر من شدة الالم وعظيم الحزن، وقد هاله اجماع القوم على نكث بيعته وغدرهم به، واستبان له انه ليس في المصر رجل شريف يقوم بضيافته وحمايته أو يدله على الطريق، فقد كان لا يعرف مسالك البلد وطرقها..

وسار وهو حائر الفكر خائر القوى حتى انتهى الى سيدة يقال لها (طوعة) هي سيدة من في المصر رجالا ونساء بما تملكه من انسانية ونبل وكانت او ولد للاشعث بن قيس اعتقها، فتزوجها اسيد الحضرمي فولدت له بلالا (94)