( 23 )
أما النياحة وإقامة شعائر العزاء على الامام الحسين عليه السلام
بعد انقراض الدولة العباسية وزوال ملكها ، فكانت تقع أيضاً تحت عوامل سياسة
الحكومات المختلفة التي تتولى السلطة على مقدارات العراق ، من حكام عرب ، أو فرس ،
أو أتراك ، أو غيرهم . فمنهم من كان شيعياً ، ومنهم من كان سنياً ، ومنهم من كان
علمانياً لا دين ولا مذهب له . وقد استطاع الشيعة في كثير من الأزمان على هذا العهد
أن يتنفسوا الصعداء وأن ينالوا قسطاً وفيراً من حريتهم في إقامة شعائرهم ، من النوح
وإقامة المأتم على الحسين عليه السلام ، اما لكون السلطة القائمة شيعية الحكام ، أو
لكونها مؤلفة من حكام ضعفاء من غير الشيعة لا تستطيع الضغط على هذه الفرقة المسلمة
. فمثلاً عندما تولى السلطة على العراق الملوك الصفويون أو غيرهم من الحكام
الايرانيين كان الإقبال على إقامة هذه المآتم والنياحات عظيماً ، وكانت حرية الشيعة
في إحياء هذه الذكرى الأليمة مضمونة ، وقد غالى الشيعة في إقامتها ، والعكس بالعكس
، كلما قويت السلطة السنية في العراق كالحكومة العثمانية وقع الضغط على الشيعة ،
ومنعوا عن إقامة المناحات ومزاولة شعائرهم التقليدية فيها ؛ الأمر الذي كان يضطرهم
الى إقامتها وإحياء ذكرياتها سراً وداخل البيوت ، وفي سراديب الدور ، وتحت طائلة
الخوف والجزع والتقية .
وعلى سبيل المثال أقول : إن الشيعة كانوا على زمن الأسرة
الايلخانية ،
( 24 )
وخاصة على عهد ملكها محمد خدا بنده ، المتوفى سنة «715 هـ» ،
الذي كان أول من جاهر من ملوك هذه الاسرة بالتشيع لآل البيت ، وأول من أمر بتخليد
اسماء الائمة الاثني عشر ، فنقشت اسماؤهم على مسكوكاته .
وكذا على عهد ابنه أبي سعيد . وأيضاً على عهد الأسرة الجلائرية
، ثم عهد الملوك الصفويين ، ومنهم الشاه إسماعيل الذي ناصر الشيعة وأعلن المذهب
الشيعي في إيران والعراق رسمياً . وكذا على عهد بعض السلاطين العثمانيين كالسلطان
سليمان القانوني المتوفى سنة «941 هـ» ، الذي زار كربلاء والنجف . وكذا علىعهد عدد
من الأمراء الشيعة الآخرين ، الذين حكموا بعض أنحاء العراق ، على عهد عدد من
الأمراء الشيعة الآخرين ، الذين حكموا بعض أنحاء العراق ، كدولة بني مزيد في الحلة
وبني شاهين في البطيحة ، وبني حمدان وآل المسيب في الموصل ونصيبين .
أجل على عهد هؤلاء الملوك والأمراء صار الشيعة يتمتعون بحريتهم
في إقامة المأتم الحسيني ، غير أنه على زمن سائر الخلفاء العثمانيين بعد استعادة
العراق من الصفويين ، وخاصة السلطان مراد الرابع العثماني ، الذي أسرف في قتل
الشيعة وسفك دمائهم ، وإحراق كتبهم وتعذيبهم ، فقد منعت إقامة هذه المآتم ، وطورد
القائمون بها ، بيد أن من خلفه من السلاطين أطلقوا بعض الحرية للشيعة في إحياء
ذكريات الحزن على الحسين ، وإقامة شعائره ، بمختلف المظاهر ومتنوع التقاليد التي
درجوا عليها وتعودوا على إقامتها سراً ثم علناً منذ العهدين الأموي والعباسي .
وإنما كانوا يقيمونها على ذينك العهدين تحت الستار والتقية ، عدا على زمن بعض
الخلفاء العباسيين الذين سمحوا لهم بإقامتها علناً كما مر في الفصل السابق . وفي
هذه العهود صار الشيعة يقيمونها بصورة علنية وفي الأماكن العامة وغيرها ، فيبكي
المجتمعون فيها على مصاب الامام الحسين واستشهاده بتلك الحالة المفجعة وينوحون عليه
بقريض من الشعر ، ينشأه وينشئه الناشد منهم ، الذي كان يطلق عليه اسم « النائح » أو
« خطيب المنبر الحسيني » .
( 25 )
وفيما يلي فقرات مما ذكره المؤرخون عن إقامة شعائر العزاء على
الحسين بعد العباسيين الى أوائل الحرب العالمية الأولى :
1 ـ ذكر كتاب « الحوادث الجامعة » لمؤلفه ابن الفوطي ضمن حوادث
سنة «698 هـ» ، عن إطلاق الحرية للشيعة في إحياء ذكرى استشهاد الحسين عليه السلام
وإقامة المناحات عليه على عهد السلطان غازان ، قوله :
« ثم توجه ـ أي السلطان غازان ـ الى الحلة ، وقصد زيارة المشاهد
الشريفة في النجف وكربلاء ، وأمر للعلويين والمقيمين بها بمال كثير . ثم أمر بحفر
نهر بأعلى الحلة فحفر وسمي بالنهر الغازاني ... » الخ .
ويستطرد الكتاب فيقول :
« ثم توجه غازان للحلة ، وقصد مشهد علي في النجف فزار ضريحه
الشريف ، وأمر للعلويين بشيء كثير . ثم مضى الى مشهد الحسين بكربلا وفعل مثل ذلك ،
وعاد الى أعمال الحلة وقوسان متصدياً وزار قبر سلمان الفارسي ، وأمر للفقراء
المقيمين هناك بمال » .
2 ـ وجاء في الكتاب « ومضات من تاريخ كربلاء » للسيد سلمان هادي
آل طعمة صفحة «32» عند ذكر هجوم جيش تيمور لنك على بغداد ، ومناجزة سلطانها أحمد
الجلايري ودخولهم سنة «795 هـ» الجانب الشرقي من بغداد « الرصافة » قوله :
« أما أمراء تيمور بعد استيلائهم على خزائن السلطان توجهوا
قاصدين زيارة مرقد أبي عبد الله الحسين بكربلاء ، يتبركون به ، ويستجمعون قواهم .
وبعد فراغهم من مراسم الزيارة أجزلوا بالنعم والهدايا علىالسادة العلويين الملازمين
لقبر أبي عبد الله الحسين عليه السلام ثم رحلوا بعد أن مكثوا فيها بعض اليوم ،
واشتركوا في بعض المناحات المقامة على الامام الغريب ... » الخ .
3 ـ جاء في الصفحة «39» من كتاب « ثورة الحسين » لمؤلفه الشيخ
محمد
( 26 )
مهدي شمس الدين عن موقف العثمانيين من مجزرة كربلاء واستشهاد
الحسين ، قوله :
« وفي العصور التالية لاحق العثمانيون هذه المآتم ومنعوا من
إقامتها في أحيان كثيرة فكانت تقام سراً . وفيما بعد العثمانيين لوحقت هذه المآتم
ثم منعتها السلطة في بعض الأحيان ، وقيدتها بقيود كثيرة ثقيلة في أحيان أخرى لأجل
إفراغها من محتواها النقدي للسلطة القائمة ... » الخ .
4 ـ جاء في الصفحة «60» من كتاب « تاريخ التعليم في العراق في
العهد العثماني » تأليف عبد الرزاق الهلالي ، ما نصه :
« ولا بد من الاشارة في هذا الباب الى أن كتاتيب البنات كانت
تكثر في العتبات المقدسة ، والمدن التي أكثريتها من الشيعة ، بسبب ما تحتمه الضرورة
من وجود ملايات يقرأن مقتل الحسين في شهر محرم أو في الأشهر الأخرى ، أو قراءة
المواليد في المناسبات النسوية المختلفة ... » الخ .
5 ـ وجاء في الصفحة «126» من الكتاب نفسه ، المطبوع في بغداد ،
سنة 1959 م ، قوله :
« أما الشعر في المناطق الشيعية فقد تأثر نتيجة للتعصب الذي
كانت تبديه السلطة الحاكمة ضدهم ، واتجه وجهة لم يتجه لها الشعراء من أبناء السنة .
لذا كان الشعر في مدح الامام الحسين يمثل التيارات الصاخبة ، التي كانت تعتلج في
نفوس الناس ويحاولون أن يأتوا بالجيد من النظم ، الرصين من العبارة ... » الخ .
***