فهرس الكتاب

مكتبة الإمام الحسين

مكتبة الموقع

الصفحة الرئيسية

 

 

الفصل الثاني والعشرون

النياحة على الامام الحسين عليه السلام بعد العباسيين

( 23 )

 

أما النياحة وإقامة شعائر العزاء على الامام الحسين عليه السلام بعد انقراض الدولة العباسية وزوال ملكها ، فكانت تقع أيضاً تحت عوامل سياسة الحكومات المختلفة التي تتولى السلطة على مقدارات العراق ، من حكام عرب ، أو فرس ، أو أتراك ، أو غيرهم . فمنهم من كان شيعياً ، ومنهم من كان سنياً ، ومنهم من كان علمانياً لا دين ولا مذهب له . وقد استطاع الشيعة في كثير من الأزمان على هذا العهد أن يتنفسوا الصعداء وأن ينالوا قسطاً وفيراً من حريتهم في إقامة شعائرهم ، من النوح وإقامة المأتم على الحسين عليه السلام ، اما لكون السلطة القائمة شيعية الحكام ، أو لكونها مؤلفة من حكام ضعفاء من غير الشيعة لا تستطيع الضغط على هذه الفرقة المسلمة . فمثلاً عندما تولى السلطة على العراق الملوك الصفويون أو غيرهم من الحكام الايرانيين كان الإقبال على إقامة هذه المآتم والنياحات عظيماً ، وكانت حرية الشيعة في إحياء هذه الذكرى الأليمة مضمونة ، وقد غالى الشيعة في إقامتها ، والعكس بالعكس ، كلما قويت السلطة السنية في العراق كالحكومة العثمانية وقع الضغط على الشيعة ، ومنعوا عن إقامة المناحات ومزاولة شعائرهم التقليدية فيها ؛ الأمر الذي كان يضطرهم الى إقامتها وإحياء ذكرياتها سراً وداخل البيوت ، وفي سراديب الدور ، وتحت طائلة الخوف والجزع والتقية .

وعلى سبيل المثال أقول : إن الشيعة كانوا على زمن الأسرة الايلخانية ،

 

 

( 24 )

وخاصة على عهد ملكها محمد خدا بنده ، المتوفى سنة «715 هـ» ، الذي كان أول من جاهر من ملوك هذه الاسرة بالتشيع لآل البيت ، وأول من أمر بتخليد اسماء الائمة الاثني عشر ، فنقشت اسماؤهم على مسكوكاته .

وكذا على عهد ابنه أبي سعيد . وأيضاً على عهد الأسرة الجلائرية ، ثم عهد الملوك الصفويين ، ومنهم الشاه إسماعيل الذي ناصر الشيعة وأعلن المذهب الشيعي في إيران والعراق رسمياً . وكذا على عهد بعض السلاطين العثمانيين كالسلطان سليمان القانوني المتوفى سنة «941 هـ» ، الذي زار كربلاء والنجف . وكذا علىعهد عدد من الأمراء الشيعة الآخرين ، الذين حكموا بعض أنحاء العراق ، على عهد عدد من الأمراء الشيعة الآخرين ، الذين حكموا بعض أنحاء العراق ، كدولة بني مزيد في الحلة وبني شاهين في البطيحة ، وبني حمدان وآل المسيب في الموصل ونصيبين .

أجل على عهد هؤلاء الملوك والأمراء صار الشيعة يتمتعون بحريتهم في إقامة المأتم الحسيني ، غير أنه على زمن سائر الخلفاء العثمانيين بعد استعادة العراق من الصفويين ، وخاصة السلطان مراد الرابع العثماني ، الذي أسرف في قتل الشيعة وسفك دمائهم ، وإحراق كتبهم وتعذيبهم ، فقد منعت إقامة هذه المآتم ، وطورد القائمون بها ، بيد أن من خلفه من السلاطين أطلقوا بعض الحرية للشيعة في إحياء ذكريات الحزن على الحسين ، وإقامة شعائره ، بمختلف المظاهر ومتنوع التقاليد التي درجوا عليها وتعودوا على إقامتها سراً ثم علناً منذ العهدين الأموي والعباسي . وإنما كانوا يقيمونها على ذينك العهدين تحت الستار والتقية ، عدا على زمن بعض الخلفاء العباسيين الذين سمحوا لهم بإقامتها علناً كما مر في الفصل السابق . وفي هذه العهود صار الشيعة يقيمونها بصورة علنية وفي الأماكن العامة وغيرها ، فيبكي المجتمعون فيها على مصاب الامام الحسين واستشهاده بتلك الحالة المفجعة وينوحون عليه بقريض من الشعر ، ينشأه وينشئه الناشد منهم ، الذي كان يطلق عليه اسم « النائح » أو « خطيب المنبر الحسيني » .

 

 

( 25 )

وفيما يلي فقرات مما ذكره المؤرخون عن إقامة شعائر العزاء على الحسين بعد العباسيين الى أوائل الحرب العالمية الأولى :

1 ـ ذكر كتاب « الحوادث الجامعة » لمؤلفه ابن الفوطي ضمن حوادث سنة «698 هـ» ، عن إطلاق الحرية للشيعة في إحياء ذكرى استشهاد الحسين عليه السلام وإقامة المناحات عليه على عهد السلطان غازان ، قوله :

« ثم توجه ـ أي السلطان غازان ـ الى الحلة ، وقصد زيارة المشاهد الشريفة في النجف وكربلاء ، وأمر للعلويين والمقيمين بها بمال كثير . ثم أمر بحفر نهر بأعلى الحلة فحفر وسمي بالنهر الغازاني ... » الخ .

ويستطرد الكتاب فيقول :

« ثم توجه غازان للحلة ، وقصد مشهد علي في النجف فزار ضريحه الشريف ، وأمر للعلويين بشيء كثير . ثم مضى الى مشهد الحسين بكربلا وفعل مثل ذلك ، وعاد الى أعمال الحلة وقوسان متصدياً وزار قبر سلمان الفارسي ، وأمر للفقراء المقيمين هناك بمال » .

2 ـ وجاء في الكتاب « ومضات من تاريخ كربلاء » للسيد سلمان هادي آل طعمة صفحة «32» عند ذكر هجوم جيش تيمور لنك على بغداد ، ومناجزة سلطانها أحمد الجلايري ودخولهم سنة «795 هـ» الجانب الشرقي من بغداد « الرصافة » قوله :

« أما أمراء تيمور بعد استيلائهم على خزائن السلطان توجهوا قاصدين زيارة مرقد أبي عبد الله الحسين بكربلاء ، يتبركون به ، ويستجمعون قواهم . وبعد فراغهم من مراسم الزيارة أجزلوا بالنعم والهدايا علىالسادة العلويين الملازمين لقبر أبي عبد الله الحسين عليه السلام ثم رحلوا بعد أن مكثوا فيها بعض اليوم ، واشتركوا في بعض المناحات المقامة على الامام الغريب ... » الخ .

3 ـ جاء في الصفحة «39» من كتاب « ثورة الحسين » لمؤلفه الشيخ محمد

 

 

( 26 )

مهدي شمس الدين عن موقف العثمانيين من مجزرة كربلاء واستشهاد الحسين ، قوله :

« وفي العصور التالية لاحق العثمانيون هذه المآتم ومنعوا من إقامتها في أحيان كثيرة فكانت تقام سراً . وفيما بعد العثمانيين لوحقت هذه المآتم ثم منعتها السلطة في بعض الأحيان ، وقيدتها بقيود كثيرة ثقيلة في أحيان أخرى لأجل إفراغها من محتواها النقدي للسلطة القائمة ... » الخ .

4 ـ جاء في الصفحة «60» من كتاب « تاريخ التعليم في العراق في العهد العثماني » تأليف عبد الرزاق الهلالي ، ما نصه :

« ولا بد من الاشارة في هذا الباب الى أن كتاتيب البنات كانت تكثر في العتبات المقدسة ، والمدن التي أكثريتها من الشيعة ، بسبب ما تحتمه الضرورة من وجود ملايات يقرأن مقتل الحسين في شهر محرم أو في الأشهر الأخرى ، أو قراءة المواليد في المناسبات النسوية المختلفة ... » الخ .

5 ـ وجاء في الصفحة «126» من الكتاب نفسه ، المطبوع في بغداد ، سنة 1959 م ، قوله :

« أما الشعر في المناطق الشيعية فقد تأثر نتيجة للتعصب الذي كانت تبديه السلطة الحاكمة ضدهم ، واتجه وجهة لم يتجه لها الشعراء من أبناء السنة . لذا كان الشعر في مدح الامام الحسين يمثل التيارات الصاخبة ، التي كانت تعتلج في نفوس الناس ويحاولون أن يأتوا بالجيد من النظم ، الرصين من العبارة ... » الخ .

***