فهرس الكتاب

مكتبة الإمام الحسين

مكتبة الموقع

الصفحة الرئيسية

 

 

الفصل السادس والعشرون

النياحة على الامام الحسين عليه السلام في القارة الافريقية

( 91 )

 

لقد بحثت في فصل سابق عن كيفية انتقال تقليد إقامة المأتم الحسيني وشعائره ، وتسيير مواكبه في بعض أصقاع القارة الافريقية التي انتقل اليها الاسلام منذ القرن الأول الهجري ، وخاصة القطر المصري وبلدان افريقية الشمالية ، وكذا عن اهتمام الملوك الفاطميين في مصر بهذه المآتم والنياحات ومما لا لزوم لتكراره .

أما في هذا الفصل ، فأورد تالياً بعض ما عثرت عليه في بطون الأسفار والكتب عن إقامة المآتم الحسينية في بلدان القارة الافريقية في مختلف القرون ، وخاصة المتأخرة منها :

1 ـ نشرت مجلة « الهادي » التي تصدر باللغة العربية في مدينة « قم » بإيران ، في عددها الثاني المؤرخ في ذي القعدة سنة «1391 هـ» مقالاً بقلم الدكتور عبد اللطيف السعداني ، من فاس بالمغرب ، تحت عنوان : « حركات التشيع في المغرب ومظاهره » جاء فيه :

« بحلول شهر محرم في كل عام يتغير وجه الحياة في المغرب ، حيث يدع الناس أيام الدعة والاستكانة الى الأهواء ، ويتبدلون بها عودة الى محاسبة النفس فيستيقظ الضمير فيهم ، وتعود الذكرى الى حياتهم الاسلامية ليستنير فيهم واقعهم وما هم عليه ، وتحيي في إيمانهم المعنى الخفي للحقيقة التي انتقلت من الوحي النبوي في آل بيته وأبناء عترته ، تلك هي ذكرى عاشوراء واستشهاد سيدنا الحسين .

ففي هذا الشهر نرى الناس في جميع مدن المغرب في هرج ومرج ، لا يمكن أن

 

( 92 )

يوصف إلا بأن حدثاً عظيماً قد حل بهم ، وأي حدث أعظم من الفتنة الكبرى التي أدت الى انهيار ذلك الطود العظيم ، حفيد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟ فاذا هم منصرفون الى القيام بأعمال وتصرفات امتزجت اليوم بكّلهم ، وحلت من السنة محلاً مرموقاً مترقياً ، ولكن الزمن أكسب هذه المناسبة طابع العادة حتى لا يكاد إلا القليل يدرك مغزاها الحقيقي .

غير أن الشيء الذي تعارف عليه أهل المغرب ونظروا اليه نظرة احترام وتقديس ، هو أن شهر المحرم شهر العزاء ، يهيمن فيه الأسى والحزن العميق على القلوب فلا يباح مطلقاً التجمل حتى ولا غسل بيوت أو ثياب ، ولا تزف عروس ، ولا تدق طبول أو تسمع مزامير ، بل إن الناس ليلبسون في هذه المناسبة لباس العزاء في بلاد المغرب ثياباً بيضاً .

وتبدأ الأسر العلوية هذه المراسيم منذ اليوم الأول من المحرم الى العاشر منه ، أما باقي الشرفاء فيستمرون الى آخر الشهر ، ويطبخ في اليوم المشهود الأكل للتصدق به ، وقد جعلت طبقة التجار هذه المناسبة لبذل المال ، فكان هذا اليوم هو يوم الزكاة في السنة ، لكأنما يرمز ذلك الى محاسبة الأعمال . اما الآخرون فيمسكون عن الأكل في هذا اليوم احتساباً لله ، وما ينفك الحزن غالباً على أحوالهم حتى ليعتقدون أنه غالباً ما يصادف أن يبكي الانسان في هذا اليوم ، يوم عاشوراء بل لتجدنهم سعداء بتلك الدموع الغالية التي تذرف تعبيراً عن الألم لفقدان شهيد الحق .

وأما الأطفال فلهم من هذه الذكرى اللعب ، وتلاحظ من بينها قلل الماء الصغيرة التي تهدى اليهم من ذويهم ، وذلك رمزاً للظماً الذي مات عليه شهيد الذكرى . وأكبر ما يستوقف الملاحظ هو مشاهد المراثي التمثيلية بالمراكز التي تقام كل سنة في مدينة مكناس ، وفاس ، ومراكش .

فكيف استقرت هذه العادات في الحيات المغربية ؟ وإلى أي حد تغلغلت

 

 

( 93 )

عقيدة المغاربة ؟ إن للمغاربة منذ بداية تاريخهم الاسلامي حباً شديداً وتعلقاً كبيراً بآل البيت الأطهار ، وليس أدل على ذلك من مؤازرتهم لهم ، حيث وجدوا عندهم الملاذ الأخير بعد أن حوربوا في بلادهم ويئسوا من البقاء فيها ، فالتجأوا الى بلاد المغرب ، فأيدهم المغاربة ، ونصروهم ، واعترفوا بحقهم . وبذلك تكونت في رحاب المغرب الأقصى وبين ظهراني المغاربة الدولة الهاشمية الإدريسية ، وهي أول دولة علوية تتكون في العالم الاسلامي . كما أن أول دولة شيعية ، وهي الدولة الفاطمية ، نشأت وترعرعت في بلاد المغرب بتونس ... » الخ .

ثم يتحدث الكاتب باسهاب عن انتقال بعض العلويين بعد موقعة فخ في ذي الحجة سنة «169 هـ» ، وتشكيل الحكومات العلوية في الشمال الافريقي ، وخاصة في المغرب منذ سنة «172 هـ» ، وموالاة سكان هاتيك المناطق لآل البيت ، مما لا مجال للولوج فيه بإسهاب . واكتفي بهذا القدر من هذا المقال الذي تطرق فيه كاتبه الى موضوع النياحة على الامام الحسين الشهيد عليه السلام في المغرب بإجمال ضمن بحثه عن النهضات الشيعية في الشمال الافريقي ، وخاصة في المغرب منذ القرن الثاني للهجرة ، وتمسكها من بداية نشاطاتها بموضوع مقتل الامام الحسين عليه السلام في كربلاء ، ثم اعتبار الشعب المغربي هذا الموضوع عقيدة يقوم باحيائها وتجديد ذكراها كل عام في شهر محرم حتى العصر الحاضر .

2 ـ جاء في الصفحة «211» من كتاب ( إقناع اللائم ) ما لفظه :

« والذي بلغنا ان الخوارج الاباضية في زنجبار يقيمون مراسيم الحزن يوم عاشوراء ، لا مراسيم الأعياد ، وأنهم بقدر بغضهم لعلي وولده الحسن عليهما السلام يحبون الحسين عليه السلام لقيامه بالسيف ، ومقاومته للظلم » .

وجاء في الصفحة «62» من المجلد «56» من « أعيان الشيعة » ما نصه : « ولا ننسى كذلك اسم المرحوم علي باتو الذي أدى خدمات كبيرة لدولة زنجبار خلال الفترة بين 1914 ـ 1918 م ، وقد قال له السلطان ذات يوم : « اختر أنت بنفسك

 

 

( 94 )

الجائزة التي تريدها مقابل خدماتك » فأجاب على الفور :

كل ما أريده ان يكون اليوم الحادي والعشرون من الشهر التاسع القمري ، واليوم العاشر من الشهر الأول القمري ، يومي عطلة رسمية ، فوافق السلطان على ذلك . ومنذ ذلك اليوم تعطل الدوائر الرسمية كل سنة ، في ذكرى مقتل الشهيد علي ، ومقتل الشهيد الحسين .

أقول : وهذان اليومان هما : 21 شهر رمضان و 10 شهر محرم من كل سنة .

وقد نقل لي هذه الحكاية أيضاً في طهران أحد مسلمي زنجبار الذي هجرها وأقام في عاصمة ايران وقال : ان علي ناتو كان من كبار تجار زنجبار الأثرياء .

3 ـ أما في مصر فقد مر في فصل سابق ذكر لتاريخ النياحة على الحسين وشعائرها وتطورها في هذا البلد . اما في القرن الحالي فقد لخص الدكتور علي الوردي في الصفحة «233» من كتابه « دراسة في طبيعة المجتمع العراقي » هذه النياحة بما عبارته :

« وقد شهدت المتصوفة يحتفلون بمولد السيدة زينب والامام الحسين في القاهرة ، فيقومون بحلقات الذكر ، ويخرجون بالمواكب والرايات على منوال يشبه من بعض الوجوه ما يفعله الشيعة في العراق ، احتفالاً بوفيات ائمتهم ... » .

كما جاء في الصفحة «78» من كتاب « السيد محسن الامين ـ سيرته » المار ذكره عند وصفه رحلته سنة 1321 هـ الى الحجاز لأداء فريضة الحج ماراً بمدينة القاهرة بهذا الصدد قوله :

« وزرنا مشهد رأس الحسين عليه السلام فيها ـ أي في القاهرة ـ فخلنا أنفسنا في كربلاء ، لأن ما يفعله المصريون في ذلك المشهد لا ينقص عما يفعله العراقيون الشيعة في كربلاء ، وهو مشهد مبني بناءً متقناً ورأينا فيه مدرساً معمماً جالساً على منبر صغير وحوله تلاميذ يستمعون الى درسه ... » .

***