الصفحة الرئيسية

مكتبة الموقع

مكتبة الإمام الكاظم

فهرس الكتاب

 

كيف نصر الله أنبيائه؟

الله عزّ وجلّ نصر أنبياءه بآيات الصدق، ودلّهم على ربوبيته ببيان الحق، وعلمهم على معرفته وتوحيده بأدلة حماسة تشهد على وجوده، وتدل على وحدانيته.

وكما قال علماء المنطق والفلاسفة، إن المعلول يدل على العلة, والأثر يدلّ على المؤثّر. وقد استدل الإمام الكاظم (عليه السلام) على فضل الله بالآيات الكريمة، وذلك في حديثه الذهبي هذا الذي يعتبر من أهم الثروات الفكرية التي أثرت عنه. وقد شرحه شرحاً فلسفياً الشيخ المتأله الآخوند ملا صدرا اقتبسنا بعضه.

قال (عليه السلام) من خلال هذه الآية الكريمة:

1ـ [خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ] البقرة الآية 164:

من أعظم آيات الله خلقه للسماوات التي زيّنها بالكواكب السابحة في الفضاء، وسيرها في مداراتها، متباعداً بعضها عن بعض حسب قواعد الجاذبية؛ وهي مسخّرة في حركاتها وانجذابها، وجذبها بأمر الله تعالى، فبعضها أكبر من الأرض بعدة ملايين، وهي تسير في أفلاكها لا يصطدم بعضها ببعض. آية ظاهرة تنادي بوجود الله جلّت قدرته.

جاء في تفسير المنار للشيخ محمد عبده، ج2، ص60.

(تتألف هذه الأجرام السماوية من طوائف، لكل طائفة منها نظام كامل محكم، ولا يبطل نظام بعضها نظام الآخر، لأن للمجموع نظاماً عاماً واحداً يدل على أنه صادر عن إله واحد لا شريك له في خلقه وتقديره وحكمته وتدبيره، وأقرب تلك الطوائف إلينا ما يسمونه النظام الشمسي نسبة إلى شمسنا هذه التي تفيض أنوارها على أرضنا فتكون سبباً للحياة النباتية والحيوانية.

والكواكب التابعة لهذه الشمس مختلفة في المقادير والأبعاد.

وقد استقر كل منها في مداره، وحفظت النسبة بينه وبين الآخر بنسبة إلهية. ولولا هذا النظام لانفلتت هذه الكواكب السابحة في أفلاكها فصدم بعضها بعضاً، وهلكت العوالم بذلك.

فهذا النظام آية على الرحمة الإلهية كما أنه آية على الوحدانية. يقول العلامة جون وليام كوتس:

(إن ما اكتشفه العلم الحديث من النجوم هو بمقدار من الكثرة بحيث لو كنا نعدّ النجوم كلها بسرعة 1500 نجماً في الدقيقة لاستغرق عدنا 700 سنة، أما نسبة الأرض إليها فهي أقل كثيراً من نقطة على حرف في مكتبة تضم نصف مليون من الكتب من الحجم المتوسط(1). وتابع قائلاً:

(إن هذا العالم الذي نعيش فيه قد بلغ من الإتقان والتعقيد درجة تجعل من المحال أن يكون قد نشأ بمحض المصادفة.

إنه مليء بالروائع والأمور المعقدة التي تحتاج إلى مدبّر، والتي لا يمكن نسبتها إلى قدر أعمى، ولا شك أن العلوم قد ساعدتنا على زيادة وفهم وتقدير ظواهر هذا الكون وهي بذلك تزيد من معرفتنا بالله ومن إيماننا بوجوده)(2).

ممّا لا شك فيه أن كل ذلك لم يكن وليد الصدفة إذ كيف يمكن أن تفسر هذه العمليات المعقّدة، وكيف نستطيع أن نفسّر هذا الانتظام في ظواهر الكون، والعلاقات السببية، والتكامل والتوافق والتوازن التي تنتظم بسائر الظواهر، وتمتد آثارها من عصر إلى عصر؟ وكيف يعمل هذا الكون من دون أن يكون له خالق مدبّر، هو الذي خلقه وأبدعه ودبّر سائر أموره؟؟

2ـ الأرض

ومن عجائب خلق الله في خلقه هذا الكوكب الذي نعيش عليه، فقد جعله تعالى يدور حول محوره في كل 24 ساعة مرة واحدة، وسرعة حركته ألف ميل في الساعة ولو كان يدور حول محوره بسرعة مائة ميل في الساعة لكان طول الليل عشر أمثال ما هو عليه الآن، وكذا طول النهار، وكانت الشمس محرقة في الصيف لجميع النبات، وفي الليالي الباردة كان يتجمد ما عليها من نبات وحيوان، كما أنها لو اقتربت الشمس من الأرض أكثر ممّا عليه الآن لازدادت الأشعة التي تصل إليها بدرجة تؤدي إلى امتناع الحياة عليها، ولو أن الأرض كانت صغيرة كالقمر لعجزت عن احتفاظها بالغلاف الجوي والمائي اللذين يحيطان بها، ولصارت درجة الحرارة فيها بالغة حتى الموت ولو كان قطرها ضعف قطرها الحالي لأصبحت جاذبيتها للأجسام ضعف ما هي عليه وانخفض تبعاً لذلك ارتفاع غلافها الهوائي وزاد الضغط الجوي وهو يوجب تأثيراً بالغاً على الحياة فإن مساحة المناطق الباردة تتسع اتساعاً كبيراً، وتنقص مساحة الأرض الصالحة للسكن نقصاً ذريعاً، وبذلك تعيش الجماعات الإنسانية منفصلة أو في أماكن متنائية فتزداد العزلة بينها، ويتعذر السفر والاتصال بل قد يصير ضرباً من ضروب الخيال.

ولو كانت الأرض في حجم الشمس لتضاعفت جاذبيتها للأجسام التي عليها إلى مائة وخمسين ضعفاً ونقص بذلك ارتفع الغلاف الجوي ووصل وزن الحيوان إلى زيادة مائة وخمسين ضعفاً عن وزنه الحقيقي كما تتعذّر الحياة الفكرية عامة(3).

وميزة أخرى خصّ الله بها الأرض فجعل لها غلافاً غازياً كثيفاً يقدّر سمكه بثمانمائة كيلومتر. وهو يتكون من جميع العناصر الضرورية للحياة، وهو السبب في حيلولة الشهب القاتلة إلى الأرض كما أنه السبب في إيصال حرارة الشمس بصورة معتدلة إلى الأرض بحيث يمكن أن تعيش على سطحها الحيوانات والنباتات كما أن له الأثر في نقل المياه والبخار من المحيطات إلى القارات، ولولاه لتحوّلت القارات إلى أرض قاحلة، وليس لبعض الكواكب هذا الغلاف ممّا سبب عدم ظهور الحياة عليها.

فالمرّيخ له غلاف غازي ولكنه رقيق جداً وغير صالح للحياة لخلوّه من الأوكسجين.

والزهرة لها غلاف غازي ولكنه مكوّن من ثاني أوكسيد الكربون (co2) ممّا يجعله غير صالح لظهور الحياة.

وكذلك القمر له غلاف رقيق خال من العناصر الضرورية للحياة مثل الأوكسجين(4) ناهيك بما في مائها وأنهارها وجبالها ومعادنها من الآيات والعجائب.

قال سماحة الإمام المغفور له كاشف الغطاء:

(حقاً إن من أعظم تلك الآيات التي نمرّ عليها في كل وقت وعلى كل حال هذه الأرض التي نعيش عليها، ونعيش منها ونعيش بها، منها بدؤنا واليها معادنا قال تعالى: (..وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ)(5).

وقال رحمه الله: الأرض هي أم المواليد الثلاثة: الجماد، والنبات، والحيوان، وتحوطها العناية بالروافد الثلاثة: الماء والهواء والشمس، فهي الحياة وهي الممات، وفيها الداء، ومنها الدواء وقد تحصى نجوم السماء، أما نجوم الأرض فلا تحصى.

ولا تزال الشريعة الإسلامية قرآنها وحديثها يعظم شأن الأرض وينوه عنها صراحة وتلميحاً. قال تعالى: (أَلَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ كِفَاتاً * أَحْيَاءً ‎وَأَمْوَاتاً)(6).

وقال عزّ وجلّ: (وَالأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا * أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا)(7).

وقال سبحانه وتعالى: (أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبّاً * ثُمَّ شَقَقْنَا الأرْضَ شَقّاً * فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبّاً * وَعِنَباً وَقَضْباً * وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً * وَحَدَائِقَ غُلْباً * وَفَاكِهَةً وَأَبّاً * مَتَاعاً لَكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ)(8).

ومع تقدم الاكتشافات والاختراعات، واستخدام العقول الثاقبة وجميع وسائل العلم، لم تصل هذه العقول إلى تحليل جميع عناصر الأرض واستخراج جميع كنوزها، فسبحانه ما أجلّ قدرته، وأعظم صنعه..‍‍

3ـ واختلاف الليل والنهار

ومن آياته عزّ وجلّ اختلاف الليل والنهار؛ ذكر علماء التفسير للاختلاف وجهين: (أحدهما) مأخوذ من خلفه يخلفه وإذا ذهب الأول وجاء الثاني، فيكون المراد باختلاف الليل والنهار تعاقبهما في الذهاب والمجيء. (والثاني) الاختلاف في الطول والقصر، والنور والظلمة، والزيادة والنقيصة؛ وكما أنهما يختلفان في الزمان فكذلك يختلفان في المكان، فإذا افترضنا الصبح قد حلّ في موضع ما، فهي في موضع آخر ظهر، وفي مكان آخر عصر، وفي مكان آخر مغرب... وهلمّ جرا.

وذلك لكروية الأرض. وهذا الاختلاف من آثار النظام الشمسي الذي يدل على وحدة الله ووجوده. كما أن هناك مصالح لا تحصى ترتبت على هذا الاختلاف: وعلى سبيل المثال: أحوال العباد بسبب طلب الكسب والمعيشة في النهار، وطلب الراحة في الليل. إلى غير ذلك من المصالح الحيوية التي ذكرها العلماء في سرّ هذا الاختلاف التي تكشف عن وجود الله سبحانه وتعالى، وعن جميل صنعه، وعظيم قدسه.

4ـ وجريان الفلك

ويرشح من هذه الآية الكريمة جريان الفلك في الماء، فلولا لطافة الماء وخفتها لما أمكن جريان البواخر والسفن فيه، كما أنه لولا الرياح المعينة على تحريكها إلى الجهات المختلفة التي يبغيها الناس لما أمكن النفع بها، وقد جعل الله تلك الرياح متوسطة الهدوء ولو كانت عاصفة لتحطمت البواخر، بالإضافة إلى أن مواد السفن من الخشب والحديد وغيرها هي من خلق الله تعالى ومن إبداعاته، وإن كانت الهيئة التركيبية من الناس(9).

5ـ نزول الماء من السماء

ومن آياته تعالى إنزال الماء من السماء فإنه من عجائب صنعه جلّت قدرته، فقد خلقه مركباً من الأكسجين والهيدروجين بنسبة واحد (O) وإثنان (H). وكل عنصر من أجزائه يختلف عن العنصر الآخر ويخالفه وجعله تعالى سبباً لحياة الإنسان وسبباً لرزقه ومعيشته فقال سبحانه: (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ)(10).

فنزول المطر حياة للأرض، لأن فيها قوة الحياة الإنسانية والحيوانية والنباتية، فيحصل بذلك النبات والأزهار والرياحين، وتلبس الأرض فستانها القشيب الجميل المضمخ بعطر الزهور، ولا ريب أن الجمال يبعث على البهجة والمسرّة لكل من نظر إليها، وهذا هو المراد من حياتها. وفي ذلك شواهد على قدرة الصانع الماهر وإبداعه. ولو أمعن الإنسان في النبات والزرع وما فيهما من العجائب لآمن بقدرة الله وجمال صنعه وحسن تدبيره. فالزرع بحكمة إلهية يخرج بالحد الذي يحتاج إليه الإنسان في أوقات معلومة، فما يخرج في موسم الربيع لا يخرج في الخريف وما يخرج في موسم الصيف لا يدرك في الشتاء زد على ذلك الأشجار المتنوعة الثمار، فإنها متغايرة بألوانها وطعمها ورائحتها وفائدتها الصحية مع أنها تسقى بماء واحد، وتخرج من أرض واحدة، فلو نظر الإنسان إلى كل ذلك بعين بصيرة لآمن بربّه وما زاغ قلبه وما خرج عن جادة الإيمان. المهم أن يعمل بعقله السليم ويفكر ملياً. قال الإمام الصادق (عليه السلام):

تفكير ساعة خير من عبادة سنة).

6ـ بثّ الدواب في الأرض

ومن آياته العظيمة سبحانه وتعالى بثّ الحيوانات في الأرض المختلفة، في أنواعها وأصنافها وأشكالها وطبايعها المختلفة، ومعيشتها المتباينة. ولا يخفى أن الإنسان كما عرّفوا عنه حيوان ناطق لكنه شرّفه الله بالعقل المستنير، واللسان الناطق الفصيح، فهو خليفة الله في أرضه، وهو النموذج المحتذى لجميع ما في العالمين: عالم الملك، وعالم الملكوت، وبصورة خاصة حسب وعيه وإدراكه وإحاطته بما يخزن في ذاكرته من الحقائق والمعلومات الكليّة والجزئية، بل هو اكبر ما في العالم؛ يقول الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام):

أتـــــحـســــب أنـــــك جــــرم صــغــير          وفــــــيــــــك انـــــطوى العـــالم الأكبر

ولنتأمل في تكوين الإنسان فنرى فيه أعظم آيات الله، الأجهزة الدقيقة التي لا تعد ولا تحصى كتكوين العين التي تحتوي على 130 مليون من مستقبلات الضوء وهي أطراف أعصاب الأبصار، ويقوم بحمايتها الجفن ذو الأهداب الذي يقيها ليلاً نهاراً، وتعتبر حركته حركة غير إرادية يمنع عنها الأتربة والذرّات، كما يكسر من حدة الشمس. ثم جعل لها سبحانه السائل المحيط بها المعروف بالدموع التي يقول عنها الأطباء: إنها من أقوى المطهّرات والمعقّمات، إلى غير ذلك ما هو أبلغ دليل على وجود الله مبدع الكون. قال تعالى: (لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ)(11) وفي الإنسان حاسة السمع وهي أعجب أجهزة الإنسان تحتوي على مجموعة أقنية بين لولبية ونصف مستديرة، ففي القسم اللولبي وحده أربعة آلاف قوس صغيرة متصلة بعصب السمع في الرأس. فما طول هذه الأقواس؟ وما حجمها؟ وكيف ركبت؟ إنها دقة تحيّر الألباب، فسبحان الله المبدع المصوّر!!

وفي الإنسان حاسة الشم: وهي من أعظم آيات الله فمركز هذه الحاسة منطقة محدودة من الغشاء المخاطي المبطن لتجويف الأنف، تسمى منطقة الشم، وهي خالية من الأهداب وبها عدة خلايا شمّية طويلة رقيقة تنقل الأثر إلى المخ، وذلك في جزء من الأنف، وهو المدخل الرئيسي للجهاز التنفسي الذي يتوقف عليه حياة الإنسان.

وفي جسم الإنسان الجهاز العظمي، وهو يتكوّن من 206 عظمة مختلفة الأشكال، يتصل بعضها ببعض المفاصل التي تحركها العضلات، وهذه العظام يقول عنها العلماء: إنها مصنع الحياة في الجسم إذ أنها تكوّن الكريات الدموية الحمراء والبيضاء.

ومن عجيب أمر هذه الكريات أنها في كل دقيقة من حياة الإنسان يموت منها ما لا يقل عن (180.000.000) مائة وثمانين مليون بسبب دفاعها عن الجسم ضد المكروبات الوافدة.

وبالإضافة إلى ما تصنعه العظام من كريات الدم فإنها مخزن تحفظ للجسم ما يزيد عن حاجته من الغذاء، سواء كان ذلك في داخل العظام نفسها كالمواد الدهنية والزلالية، أو على العظام نفسها كالمواد الجيرية.

أما عن أشكال العظام الملائمة لكل موضع خلقت له فهذا أمر عجيب، فعظام الجمجمة تحمي المخ لأنها أشد صلابة من غيرها...

إلى غير ذلك ممّا في الإنسان من الأجهزة الأخرى التي يطول الحديث عنها ولها علماؤها المختصون بها:

كالجهاز العصبي، والجهاز اللمفاوي، والجهاز التناسلي، والجهاز العضلي. وهي تدل بوضوح على قدرة صانعها ودقة إبداعه(12).

7ـ تسخير السحاب

كل ما في الكون سخّره سبحانه وتعالى لخدمة الإنسان، ومصالحه وسعادته، ومن آياته تسخير السحاب، فقد سخّره في أوقات مخصوصة لإحياء العباد والبلاد، واستمرار وجوده يؤدي إلى فساد جميع المركبات التي تتوقف على الجفاف، لأنه يستر أشعة الشمس؛ وانقطاعه يؤدي إلى القحط فيهلك الإنسان والحيوان فكان تقديره بالأوقات الخاصة، والفصول المعيّنة، بحكمة إلهية لأجل الصالح العام، لعامة المخلوقات. وهذه بلا ريب من رحمته الواسعة التي وسعت كل شيء.

والسحاب كما هو معلوم يتكوّن من تكاثف البخار في الهواء، ويختلف ارتفاعه على حسب نوع السحب، فمنها ما يكون على سطح الأرض كالضباب، ومنها ما يكون ارتفاعه بعيداً إلى أكثر من 12 كيلومتراً، وعندما تكون سرعة الرياح الصاعدة أكثر من ثلاثين كيلومتراً في الساعة لا يمكن نزول قطرات المطر المتكوّن. وذلك لمقاومة الرياح لها.

وكلما تناثرت النقط تشحن بالكهرباء الموجبة، وتنفصل عنها الكهرباء السالبة التي تحملها الرياح.. وبعد مدة تصير مشحونة شحناً وافراً بالكهرباء، وعندما تقترب الشحنتان بعضها من بعض بواسطة الرياح.. يتم التفريغ الكهربائي، وذلك بمرور شرارة بينهما، ويستغرق وميض البرق لحظة قصيرة ويكون شكله خطاً منكسراً، ويسمع بعده الرعد وهو عبارة عن الموجبات الصوتية التي يحدثها الهواء، وتخيّم السحابة، ويتنزل منها المطر الذي يغيث الأرض فتأخذ منها حاجته المطلوبة.

فتأمل كيف ولدت الرياح الكهرباء بنوعيه الموجب والسالب في السحب، وسببت نزول المطر منها(13). كل ذلك بتقدير دقيق من الله العزيز العليم الرحيم...

هذا بعض ما ورد في الآية الكريمة من الشواهد والأدلة الواضحة على وجود الله تقدّس اسمه وتعالى ذكره. فهو المصدر الوحيد لوجود هذه العوالم. وقد استدل الإمام (عليه السلام) بهذه الآيات لدعم حقيقة الإيمان.

 

من وصية له (عليه السلام) لهشام بن الحكم في وصفه للعقل

إن الله تبارك وتعالى بشّر أهل العقل والفهم في كتابه العزيز فقال سبحانه: (فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الألْبَابِ)(14).

استدل (عليه السلام) بهذه الآية لترغيب الناس على اتباع القول الحسن، وهذه الفئة من الناس يبشرهم الله انهم على هداية منه وهم أصحاب العقول الراجحة، يميزون بنور عقولهم بين الكلام الخبيث فيتجنبونه والكلام الحسن فيتبعونه.

ثم تابع (عليه السلام) القول لهشام (يا هشام، قد وعظ أهل العقل ورغبهم في الآخرة فقال عزّ وجلّ: (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآَخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ)(15).

وهنا أيضاً يرغّب الله تعالى عباده العقلاء في دار الخلود والنعيم، ويذم دار الدنيا لأنّها محصورة على الأكثر في اللهو واللعب، فالعقلاء يزهدون فيها، ويجتنبون شرّها وحرامها، ويعملون للدار الباقية التي أعدت للمتقين، والعباد الصالحين.

يا هشام: ثم خوف الذين لا يعقلون عذابه فقال عزّ وجلّ:

(ثُمَّ دَمَّرْنَا الآَخَرِينَ * وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ * وَبِاللَّيْلِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ)(16) استدل (عليه السلام) بهذه الآية وما شابهها على تدميره تعالى للذين لا يعقلون من الأمم السالفة التي كفرت بالله وقد نزلت في قوم لوط حينما جحدوا الله وكفروا بآياته، فأنزل تعالى بهم عقابه، وجعل موطنهم قبيح المنظر منتناً يمر بها المارون ليلاً نهاراً ساخرين من أهلها حيث جعلهم عبرة للذين يعقلون، وقد حذّرهم من مخالفة المرسلين،الصالحين، فإن عاقبة المخالفة والعصيان الدمار والهلاك.

ثم بين أن العقل مع العلم فقال سبحانه:

(وَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَ الْعَالِمُونَ)(17).

استدل (عليه السلام) بالآية الكريمة على ملازمة العقل للعلم فإن العقل بجميع مراتبه لا يفترق عن العلم فكلاهما صنوان متلازمان.

قال المفسرون عن سبب نزول هذه الآية: إن الكافرين انتقدوا ضرب الأمثال بالحشرات والهوام كالذباب والبعوض والعنكبوت...

وفي نظرهم أن الأمثال يجب أن تضرب بغير ذلك من الأمور الهامة وفي نظرنا أن منطقهم هذا هزيل للغاية لأن التشبيه إنما يكون بليغاً فيما إذا كان مؤثراً في النفس.

ثم ذم الذين لا يعقلون في فصل آخر لأن معرفة حقيقة الاشياء لا يميزها إلا العالمون الذين حصل لهم العلم والمعرفة (وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَ الْعَالِمُونَ).

يا هشـــام: (وَإِذَا قِـــيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مــــَا أَنْزَلَ اللهُ قَالُوا بــــَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ)(18).

وقال سبحانه: (وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَ دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ)(19).

ثم تابع في سرد الآيات الشبيهة بهذه وكلها تذم الذين لا يعقلون(20) استدل الإمام (عليه السلام) بهذه الآيات الكريمة على ذم من لا يعقل، ففي الآية الأولى من هذا الفصل يقول الطبرسي:

لقد اتبع القوم أسلافهم ومشايخهم في الأمور الدينية من غير بصيرة ولا دليل، والذي حفزهم إلى اتباعهم الجهل والتعصب والغباوة وهذه الآية حسب رأي المفسرين نزلت في اليهود حينما دعاهم الرسول الأكرم إلى الإسلام فرفضوا ذلك، وقالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا فانهم كانوا خيراً منا(21). ولو كانت لهم عقول سليمة، وأفكار ناضجة لفقهوا أن التقليد في العقائد لا يقرّه العقل السليم، لأن العقيدة لا تؤخذ إلا من الدليل العلمي الصحيح، وهي أساس ثابت لحياة الإنسان وسلوكه. إذ ما من عاقل إلا وهو عرضة للخطأ في فكره، ولا ثقة في الدين إلا بما أنزل الله، ولا معصوم إلا من عصم الله، فكيف يرغب العاقل عما أنزل الله في اتباع الآباء مع دعواه الإيمان بالتنزيل؟؟!

والآية الثانية متممة للآية الأولى:

فإنّه تعالى لما وصف حالة الكفّار في إصرارهم على التقليد الأعمى عند دعوتهم إلى الإسلام، ضرب لهم مثلاً للسامعين عن حالم بأنهم كالأنعام والبهائم التي لا تعي دعاء الداعي لها سوى سماع الصوت منه دون أن تفهم المعنى، فكذلك حال هؤلاء لا يتأملون دعة الحق ولا يعونها، فهم بمنزلة الجاهلين لا يعقلون، وهذا أعظم قدح وذم للذين لا يعقلون. لأن الإنسان إذا اتهم بعقله فقد دنياه وآخرته.

وفي الآية الثالثة: وصف سبحانه منتهى القسوة وجمود الطبع وخمول الذهن لبعض الكفار فهم يستمعون ما يتلى عليهم من الآيات والأدلة على صحة دعوة النبي (صلّى الله عليه وآله) ولكنهم صم بكم لا يسمعون ولا يفقهون، وبذلك لا جدوى ولا فائدة في دعوتهم إلى اعتناق هذا الدين؛ لقد بلغوا الحد الأقصى في أمراضهم العقلية والنفسية، ولا يجدي معهم أي نصح أو إرشاد أو علاج.

وسنكتفي بهذا القدر من الآيات التي استدل بها (عليه السلام) على ذم من لا يعقل من الناس. والآن إلى فصل آخر من كلامه، قال (عليه السلام): (يا هشام: لقد ذم الله الكثرة فقال: (وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَ يَخْرُصُونَ)(22). وقال سبحانه أيضاً:

(وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلِ الْحَمْدُ للهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ)(23).

استدل (عليه السلام) بهاتين الآيتين على ذم أكثر الناس لأنهم قد حجبوا عن نفوسهم الحق، وتوغلوا في الباطل، وغرقوا في الشهوات، إلا من رحمه الله منهم. ففي الآية الأولى:

خاطب تعالى نبيه (صلّى الله عليه وآله) وأراد به غيره، فإنه لو أطاع الجمهور من الناس وسار وفق أهواءهم وميولهم لأضلوه عن دين الله وصرفوه عن الحق. وفي الآية الثانية:

دلت على أن أكثر الناس يقولون ما لا يعلمون، وأنهم لا يؤمنون بالله في قلوبهم، بل إنما يجري على ألسنتهم دون أن ينفذ إلى أعماق قلوبهم(24).

ثم مدح القلّة فقال:

(يا هشام: قال تعالى: (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ)(25).

وقال: (وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَ قَلِيلٌ)(26).

وقال: (وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ)(27).

وقال: (وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ)(28).

استدل (عليه السلام) من خلال هذه الآيات الكريمة على مدح قلة المؤمنين، وندرة وجودهم، كما صرحت الأحاديث النبوية والأخبار الواردة عن أهل البيت بذلك، فقد قال الإمام الصادق (عليه السلام):

(المؤمنة أعز من المؤمن، والمؤمن أعز من الكبريت الأحمر فمن رأى منكم الكبريت الأحمر؟)

والسبب في ندرة هذه الفئة من المؤمنين الصالحين يعود إلى أن الإيمان الحقيقي بالله يعد من أعظم مراتب الكمال التي يصل إليها الإنسان.

لكن الوصول إلى هذا الإيمان يصطدم بموانع كثيرة تحول دون الوصول إليه مثل: التربية البيتية السيئة حيث يعتاد الفرد على الغش والخداع والكذب منذ الطفولة الأولى.

إن التفاحة الفاسدة تفسد التفاح السليم، والرفيق المنحط أخلاقياً وسلوكياً يفسد غيره من الرفاق الصالحين، لأن الانزلاق نحو الرذائل أسهل من الصعود نحو الفضائل، والمثل العليا وهناك حواجز كثيرة تؤدّي إلى حجب الإنسان عن خالقه، وتماديه في الإثم والموبقات.

(وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ) تعني صرف العبد جميع ما أنعم الله عليه فيما خلق لأجله. وهذه أعظم مرتبة لا تصدر إلا ممن عرف الله واعتقد بأن جميع الخيرات والنعم صادرة منه سبحانه وتعالى. فيعمل بكل طاقته على تحصيل الخير وردع نفسه عن الحرام وحينئذ يكون من الشاكرين، والشكر لله بهذا المعنى من المقامات العالية التي لا يتصف بها إلا القليل من عباد الله.

وننتقل إلى فصل آخر من كلامه (عليه السلام) مخاطباً هشام.

(يا هشام: ثم ذكر أولي الألباب بأحسن الذكر وأفضل الصفات فقال: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَ اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَ أُولُو الألْبَابِ)(29).

وقال: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَ اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَ أُولُو الألْبَابِ)(30).

وقال تعالى: (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الآَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبَابِ)(31).

ـ استدل (عليه السلام) بهذه الآيات الكريمة على مدح العقلاء المتفوّقين على غيرهم، فقد مدحهم تبارك وتعالى بأحسن الصفات، وأضفى عليهم النعوت السامية. ففي الآية الأولى: منح بعض عباده (الحكمة) وهي من أعظم المواهب، ومن أجل الصفات، فقد قيل في تعريفها، إنها العلم الذي تعظم منفعته وتجل فائدته. ثم وصف تعالى من مُنِحَ بها بأنه أوتي خيراً كثيراً ولا يعلم معنى الحكمة ولا يفهم القرآن الكريم إلا أولوا الألباب.

وفي الآية الثانية: وصف تعالى عباده الكاملين في عقولهم بثلاثة أوصاف: 1ـالرسوخ في العلم. 2ـ الإيمان بالله. 3ـ العرفان بأن الكل من عند الله(32).

ثم بين سبحانه: إن المتصفين بهذه النعوت العظيمة هم العقلاء الكاملون الذين هم ذووا الألباب.

وفي الآية الثالثة دلالة على التفاوت بين من يسهر ليله في طاعة الله وبين غيره الذي يقضي أوقاته بالملاهي والملذّات، وهو معرض عن ذكر الله، فكيف يكونان متساويين. هذا غير معقول!

وقال (عليه السلام): (يا هشام، إن الله تعالى يقول في كتابه العزيز:

(إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ)(33) يعني العقل.

وقال تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ)(34) يعني الفهم والعقل، وضّح (عليه السلام) أن المراد بالقلب ليس العضو الخاص الموجود عند الإنسان وعند الحيوان، بل المراد منه هو العقل الذي يدرك المعاني الكلية والجزئية ليتوصل إلى معرفة حقائق الأشياء وهو بذلك يمثل الكيان المعنوي للإنسان.

وفي الآية الثانية يشير (عليه السلام) إلى نعمة الله تعالى على لقمان، فقد منّ عليه بالحكمة، وهي من أفضل النعم وأجلها. ثم أخذ (عليه السلام) يتلو على هشام بعض حكم لقمان ونصائحه لولده فقال:

(يا هشام: إن لقمان قال لابنه: تواضع للحق تكن أعقل الناس.

يا بني: إن الدنيا بحر عميق قد غرق فيها عالم كثير، فلتكن سفينتك فيها تقوى الله، وحشوها الإيمان، وشراعها التوكّل، وقيّمها العقل، ودليلها العِلم، وسكّانها الصبر).

لقد ركز لقمان الحكيم في وصيّته لولده بالتواضع للحق، فلا يرى الإنسان لنفسه وجوداً إلا بالحق ولا قوّة له ولا لغيره إلا بالله.

والتواضع من افضل الصفات. وقد ورد عن النبي (صلّى الله عليه وآله) أنه قال: (من تكبر وضعه الله، ومن تواضع لله رفعه الله).

وورد عنه (صلّى الله عليه وآله) في تعديد أقوام ذمهم: (ورجل ينازع الله رداءَه، فإن رداءه الكبرياء وإزاره العظمة)(35).

فالمراد بذلك أن الكبرياء والعظمة من صفات الله جلّ جلاله، لا يجوز لأحد من عباده أن يتصف بهما.

فالإنسان كلما تواضع كلما تجرد عن الأنانية، ومحا عن نفسه التكبر، زاده الله شرفاً وفضلاً.

ثم شبه لقمان الحكيم الدنيا بالبحر ووجه الشبه في ذلك:

تغير الدنيا وتغير أشكالها وصورها في كل لحظة، فالكائنات التي فيها كالأمواج في البحر معرضة للزوال والفناء.

ويحتمل وجه آخر للشبه أن الدنيا كالبحر الذي يعبر عليه الناس، فالدنيا يعبر عليها الناس إلى دار الآخرة وتكون النفوس فيها كالمسافرين، والأبدان كالسفن والبواخر تنقلهم من دار الدنيا إلى دار الخلود. وقد غرق كثير من الناس في هذه الدنيا، وسبب غرقهم يعود لتهالكهم على الشهوات.

ولما كانت الدنيا بحراً توجب الغرق والهلاك، فلا نجاة منها إلا بسبيل واحد: ألا وهو الصلاح والتقوى؛ ويكون شراعها التوكل على الله والاعتماد عليه في جميع الأمور. كما أنه لابدّ من عقل يكون قيّماً لتلك السفينة ورباناً لها، والعقل نور دليله العلم والمعرفة فإن نسبته إليه كنسبة الرؤية من البصر؛ ومع هذه الخصال كلها لابدّ من الصبر فإن ارتقاء الإنسان وقربه من ربّه لا يحصل إلا بمجاهدات قويّة للنفس.

وللنتقل إلى مشهد آخر من كلامه (عليه السلام):

يا هشام: ما بعث الله أنبياءه رسوله إلى عباده إلا ليعقلوا عن الله، فأحسنهم استجابة أحسنهم معرفة، وأعلمهم بأمر الله أحسنهم عقلاً، وأكملهم عقلاً أرفعهم درجة في الدنيا والآخرة).

ينظر من كلامه (عليه السلام) التأكيد على شرف الأنبياء العظيم وفضلهم الكبير بكمال عقولهم. ولا ريب أن وفور العقل من أفضل ما يمنح به الإنسان، إذ به يتوصّل إلى سعادة الدنيا، والفوز في دار الآخرة.

والعقل حسنة كبرى من حسنات الله تبارك وتعالى، ونعمة جُلّى لا تحصى فضائلها.

قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في بعض حكمه: (أغنى الغنى العقل).

ثم تابع (عليه السلام) قائلاً لهشام:

(يا هشام: لو كان في يدك جوزة وقال الناس في يدك لؤلؤة ما كان ينفعك وأنت تعلم أنها جوزة، ولو كان في يدك لؤلؤة، وقال الناس إنها جوزة ما ضرّك وأن تعلم أنها لؤلؤة).

كل ذلك يعود إلى قوة العقل وحسن التمييز، فالعاقل هو الذي يعتمد على نفسه ما دام متأكّداً ممّا هو عليه، ولا يعير بالاً للآخرين من الناس الجاهلين الذين يقولون ما يحلو لهم دون رويّة أو تعقّل ما ينفع العقل إذا خدع الإنسان نفسه؟!

وقال (عليه السلام) (يا هشام: إن لله على الناس حجتين: حجة ظاهرة، وحجة فاطنة، فأما الظاهرة فالرسل والأنبياء والأئمة (عليه السلام). وأما الباطنة فالعقول) ثم تابع (عليه السلام):

(يا هشام: إن العاقل الذي لا يشغل الحلال شكره، ولا يغلب الحرام صبره).

ذكر (عليه السلام) في الفقرات الأخيرة من كلامه إلى بعض أحوال العقلاء من أنهم لا تمنعهم كثرة نعم الله عليهم من شكره تعالى، كما لا تزيل صبرهم النوائب والكوارث. ثم قال (عليه السلام):

(يا هشام من سلط ثلاثاً على ثلاث فكأنما أعلن هواه على هدم عقله: من أظلم نور فكره بطول أمله، ومحا طرائف حكمته بفضول كلامه، وأطفأ نور عبرته بشهوات نفسه، فكأنما أعان هواه على هدم عقله، ومن هدم عقله أفسد عليه دينه ودنياه.

ذكر (عليه السلام) في كلامه هذا أن في الإنسان قوتين متباينتين، وهما:

العقل والهوى، ولكل واحدة منهما صفات ثلاث تضاد الصفات الأخرى فصفات العقل: التفكر، والحكمة، والاعتبار.

وصفات الهوى: طول الأمل، وفضول الكلام، والإنغماس في الشهوات. فطول الأمل في الدنيا يمنع من التفكر في أمور الآخرة، ويبدد نور الفكر بالظلمة، ويحجبه عن الانطلاق في ميادين الخير.

وفضول الكلام يمحي طرائف الحكمة من النفس.

أمّا الانغماس في الشهوات فإنّه يعمي القلب، ويذهب بنور الإيمان، ويطفئ نور الاستبصار والاعتبار من النفس، فمن سلّط هذه الخصال العاطلة على نفسه، فقد أعان على هدم عقله، ومن هدم عقله فقد أفسد دينه ودنياه.

وقال (عليه السلام): (نُسِبَ الحق لطاعة الله، ولا نجــــاة إلا بالطاعـــة، والطاعــــة بالعــــلم، والعلم بالتعلم، والتعلم بالعقل يعتقد(36)، ولا علم إلا من عالم رباني، ومعرفة العلم بالعقل).

وهو يعني (عليه السلام) أن المعارف جميعها لا تحصل إلا بالعلم، والعلم لا يحصل إلا بالتعلم، والتعلّم لا يحصل إلا بالعقل. فمن عقل علم، ومن علم عاش سعيداً مأنوساً في الدنيا، وغانماً كريماً في الآخرة.

وقال (عليه السلام): (يا هشام قليل العمل من العالم مقبول مضاعف، وكثير العمل من أهل الهوى والجهل مردود).

فهو يعني (عليه السلام) أن قليل العمل من العالم مقبول والسبب في ذلك يعود: بأن العلم يطهّر النفوس، ويصفّي القلوب، ويوصل إلى معرفة الله عزّ وجلّ وفضيلة كل عمل إنما هي بقدر تأثيرها في صفاء القلب، وإزالة الحجب عن النفس، والظلمة عن الروح. وهي تختلف بحسب الأفراد، فربّ إنسان يكفيه قليل العمل في صفاء نفسه نظراً لِلَطَافَة طبعه، ورقة حجابه، ورب إنسان لا يؤثر العمل الطيّب الذي يصدر منه في صفاء ذاته، نظراً لكثافة طبعه، وكثرة الحجب على نفسه.

وقال (عليه السلام): (يا هشام: إن العقلاء زهدوا في الدنيا ورغبوا في الآخرة، أنّهم علموا أن الدنيا طالبة مطلوبة، والآخرة طالبة ومطلوبة.

فمن طلب الآخرة طلبته الدنيا حتى يستوفي منها رزقه، ومن طلب الدنيا طلبته الآخرة فيأتيه الموت فيفسد عليه دنياه وآخرته).

ذلك أن الأعمار بيد الله سبحانه، وساعة كل إنسان مجهولة، وقد تكون قريبة، فمن لم يحضر نفسه لها فقد يخسر ولا مجال عنده للتعويض. وقال (عليه السلام) (يا هشام: إن الله حكى عن قوم صالحين أنهم قالوا: (رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ)(37).

لقد قالوا هذا القول حين علموا أن القلوب تزيغ وتعود إلى عماها، وإنه لم يخف الله من لم يعقل عن الله، ومن لم يعقل عن الله لم يعقد قلبه على معرفة ثابتة يبصرها ويجد حقيقتها في قلبه، ولا يكون أحد كذلك إلا من كان قوله لفعله مصدّقاً، وسرّه لعلانيته موافقاً، لأن الله تبارك اسمه لم يدل على الباطن الخفي من العقل إلا بظاهر منه، وناطق عليه.

لقد أشار الإمام (عليه السلام) بكلامه هذا إلى أن المؤمن إذا لم يكن قلبه مستضيئاً بهدى الله، فإنّه لا يكون آمناً من الزيغ، كما لا يكون آمناً من الارتداد بعد الدخول في حظيرة الإسلام، والقرآن الكريم أشار إلى هذه الظاهرة. قال تعالى: (...رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ)(38).

ولذلك يدأب الصالحون بالسؤال من الله في أن لا يزيغ قلوبهم حتى لا يضلوا عن دينه، لأنّ النفوس البشرية بحسب طبيعتها ونشأتها إذا لم يساعدها التوفيق لا تنجو من وساوس الشيطان وغوايته، وهنا يذكر (عليه السلام) هشاماً بقول لأمير المؤمنين (عليه السلام):

(يا هشام كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: ما عُبد الله بشيء افضل من العقل، وما تم عقل امرئ حتى يكون فيه خصال شتى:

الكفر والشر منه مأمونان، والرشد والخير منه مأمولان، وفضل ماله مبذول، وفضل قوله مكفوف، ونصيبه من الدنيا القوت، لا يشبع من العلم دهره، الذل أحب إليه مع الله من العز مع غيره، والتواضع أحب إليه من الشرف، يستكثر قليل المعروف من غيره، ويستقل كثير المعروف من نفسه، ويرى الناس كلهم خيراً منه، وإنه شرهم في نفسه، وهو تمام الأمر).

وهنا نراه يستدل بكلام جده (عليه السلام) الذي تعرض فيه لصفات العقلاء ثم تابع قائلاً (عليه السلام):

(يا هشام: من صدق لسانه زكى عمله، ومن حسنت نيّته زيد في رزقه ومن حسن برّه بإخوانه وأهله مدّ في عمره).

(يا هشام: لا تمنحوا الجهال الحكمة فتظلموها، ولا تمنعوها أهلها لتظلموهم).

فما أحرانا نحن اليوم لنأخذ بكل أقواله (عليه السلام) وبخاصة بهذه الحكمة بالذات حيث نرى الحكمة مظلومة وأهلها مظلومين؟!

(يا هشام: لا دين لمن لا مروءة(39) له، ولا مروءة لمن لا عقل له، وإن أعظم الناس قدراً الذين لا يرى الدنيا لنفسه خطراً، أما أن أبدانكم ليس لها ثمن إلا الجنة، فلا تبيعوها بغيرها).

والمعنى: يجب أن تصرف الطاقات البشرية في طاعة الله تعالى ليحصل الإنسان على الثمن هو الجنّة.

وقال (عليه السلام): (أما إن أبدانكم ليس لها ثمن إلا الجنة فلا تبيعوها بغيرها) ونقل صاحب الوافي عن أستاذه إيضاحاً لمقالة الإمام ما نصه:

(إن الأبدان في التناقص يوماً فيوماً وذلك لتوجه النفس منها إلى عالم آخر فإن كانت النفس سعيدة كانت غاية سعيه في هذه الدنيا وانقطاع حياته البدنية إلى الله سبحانه وإلى نعيم الجنان، لكونه على منهج الهداية والاستقامة، فكأنه باع بدنه بثمن الجنة معاملة مع الله تعالى، ولهذا خلقه الله عزّ وجلّ.

وإن كانت شقيّة كانت غاية سعيه وانقطاع أجله وعمره إلى مقارنة الشيطان وعذاب النيران، لكونه على طريق الضلالة، فكأنّه باع بدنه بثمن الشهوات الفانية، واللذات الحيوانية التي ستصير نيراناً محرقة، وهي اليوم كامنة مستورة عن حواس أهل الدنيا، وستبرز يوم القيامة (وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى) معاملة مع الشيطان (وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ).

وننتقل الآن إلى فصل آخر يتحدث فيه عن حزم العاقل واحتياطه في أقواله. قال (عليه السلام): (يا هشام إن أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يقول: إن من علامة العاقل أن يكون فيه ثلاثة خصال: يجيب إذا سئل، وينطق إذا عجز القوم عن الكلام، ويشير بالرأي الذي يكون فيه صلاح أهله، فمن لم يكن فيه من هذه الخصال الثلاث شيءٌ فهو أحمق).

وقال الحسن بن علي (عليهما السلام): (إذا طلبتم الحوائج فاطلبوها من أهلها، فقيل له: يابن رسول الله ومن أهلها؟

ـ الذين خصهم الله في كتابـــه وذكــــرهم، فقـــال: (أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَــــا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مـــِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبَابِ)(40) قال: أولوا العقول.

وقال علي زين العابدين (عليه السلام): مجالسة الصالحين داعية إلى الصلاح، وآداب العلماء زيادة في العقل، وطاعة ولاة العدل تمام العز، واستثمار المال تمام المروءة، وإرشاد المستشير قضاء النعمة، وكف الأذى من كمال العقل، وفيه راحة البدن عاجلاً وآجلاً. ثم زاد (عليه السلام): (يا هشام، إن العاقل لا يحدّث من يخاف تكذيبه، ولا يسأل من يخاف منعه، ولا يَعِدُ ما لا يقدر عليه، ولا يرجو ما يعنف برجائه، ولا يقدم على ما يخاف فوته بالعجز عنه).

أراد بهذه الفقرات إلى حزم العاقل في تحفظه على أقواله وشرفه ومنزلته وتوقفه من الإقدام على ما لا يثق بحصوله.

وقال (عليه السلام): (يا هشام الحياء من الإيمان، والإيمان في الجنة، والبذاء من الجفاء، والجفاء في النار).

ثم انتقل (عليه السلام) إلى فصل آخر يركز فيه على اقتران القول بالعمل.

قال (عليه السلام): (طوبى للعلماء بالفعل، وويل للعلماء بالقول. يا عبيد السوء اتخذوا مساجد ربكم سجوناً لأجسادكم وجباهكم. واجعلوا قلوبكم بيوتاً للتقوى. ولا تجعلوا قلوبكم مأوى للشهوات، وإن أجزعكم عند البلاء لأشدكم حباً للدنيا، وإن أصبركم على البلاء لأزهدكم في الدنيا.

يا عبيد السوء لا تكونوا شبيهاً بالحداء الخاطفة، ولا بالثعالب الخادعة ولا الذئاب الغادرة ولا بالأسد العاتية كما تفعل بالفراس. كذلك تفعلون بالناس، فريقاً تخطفون، وفريقاً تغدرون بهم.

وبحق أقول لكم: لا يغني عن الجسد أن يكون ظاهره صحيحاً وباطنه فاسداً كذلك لا تغني أجسادكم التي قد أعجبتكم وقد فسدت قلوبكم وما يغني عنكم أن تنقوا جلودكم وقلوبكم دنسة.

لا تكونوا كالمنخل يخرج منه الدقيق الطيب ويمسك النخالة. كذلك أنتم تخرجون الحكمة من أفواهكم ويبقى الغل في صدوركم.

يا عبيد الدنيا إنما مثلكم مثل السراج يضيء للناس ويحرق نفسه.

يا بني إسرائيل زاحموا العلماء في مجالسهم ولو جُثواً على الركب، فإن الله يحي القلوب الميتة بنور الحكمة كما يحي الأرض الميتة بوابل المطر)(41).

وهذه بعض الوصايا التي زادها الحسن بن علي الحراني فقال:

(يا هشام أصلح يومك الذي هو أمامك، فانظر أي يوم هو، وأعد له الجواب، فإنك موقوف ومسؤول. وخذ موعظتك من الدهر وأهله، وانظر في تصرف الدهر وأحواله، فإن ما هو آتٍ من الدنيا كما ولّى منها، فاعتبر بها، وقال علي بن الحسين (عليه السلام):

(إن جميع ما طلعت عليه الشمس في مشارق الأرض ومغاربها بحرها وبرها، وسهلها وجبلها عند ولي من أولياء الله وأهل المعرفة بحق الله كفئ الظلال، ثم قال (عليه السلام):

(حر يدع هذه اللماظة (الدنيا) لأهلها فليس لأنفسكم ثمن إلا الجنة فلا تبيعوها بغيرها، فإنه من رضي من الله بالدنيا فقد رضي بالخسيس).

(يا هشام: إن كل الناس يبصرون النجوم ولكن لا يهتدي بها إلا من يعرف مجاريها ومنازلها، وكذلك (انتم تدرسون) الحكمة، لا يهتدي بها منكم إلا من عمل بها).

وهنا كأنه (عليه السلام) يذكّر أهل العقول النيّرة أن يقولوا ويدرسوا ويفهموا ثم عليهم أن يقرنوا العلم بالعمل.

أما الذين يرون ببصرهم ويقفلون بصيرتهم فهم ضالون في حياتهم وضالون في آخرتهم، يخرصون ولا يعرفون، ويغدرون ولا يعرفون...

قال أحد الحكماء مركزاً على المعرفة المقرونة بالعمل:

عندما تقترن المعرفة بالعمل يرزقان صبياً يسميانه الصدق.

وعندما تقترن المعرفة بالعمل ينجبان بنتاً يسميانها الوفاء.

ويلعب الجميع لعبة أظنها الحرية.

وقال (عليه السلام): (يا هشام: مكتوب في الإنجيل: (طوبى للمتراحمين، أولئك هم المرحومون يوم القيامة. طوبى للمطهّرة قلوبهم، أولئك هم المتقون يوم القيامة. طوبى للمتواضعين في الدنيا، أولئك يرتقون منابر الملك يوم القيامة).

السلام عليك يا سيدي عيسى، السلام عليك يا رسول الله لو جئت في هذه الأيام لرأيت العجب العجابا!! فالكثير الكثير من أمتك قد نسوا أو تناسوا هذه التعاليم العظيمة التي تبنى عليها المجتمعات العظيمة،والقليل القليل من أمتك من تمسكوا برسالتك واهتدوا بهديك وساهموا في بناء مجتمع سليم، لكنهم كمن ينفخ في رماد!!

ثم قال (عليه السلام) منوهاً بقيمة الكلام وأنواع المتكلمين.

(يا هشام: المتكمون ثلاثة: فرابح، وسالم، وشاجب(42).

فأما الرابح فالذاكر لله، وأما السالم فالساكت، وأما الشاجب فالذي يخوض في الباطل، إن الله حرم الجنة على كل فاحش بذئ الكلام قليل الحياء لا يبالي ما قال ولا ما قيل فيه، وكان أبو ذر رضوان الله عليه يقول: (يا مبتغي العلم إن هذا اللسان مفتاح خير ومفتاح شر، فاختم على فيك كما تختم على ذهبك وورقك).

وكما حرمت الجنة على الشاجب وفتحت أبوابها للرابح الكثير الحياء لذلك قال (عليه السلام): (الحياء من الإيمان، والإيمان في الجنة، والبذاء من الجفاء، والجفاء في النار).

ثم قال (عليه السلام) واصفاً الدنيا على لسان السيد المسيح:

(يا هشام: تمثّلت الدنيا للمسيح (عليه السلام) في صورة امرأة زرقاء فقال لها: كم تزوّجت؟ فقالت: كثيراً، قال: فكلاًّ طلقك؟ فقالت: بل كلاّ قتلت.

قال المسيح فويح لأزواجك الباقين كيف لا يعتبرون بالماضين!!

لا ريب إن أصحاب البصائر والعقول النيّرة يدرسون الماضي ويتأملون في مجرى أحداثه، ويقدرون نتائجه فيقيسون الحاضر على ضوء الماضي فيتعظون ويعتبرون.

ثم أردف في نصائحه لهشام في أنواع البشر، وأيّهم أنفع وأصلح.

قال (عليه السلام): (يا هشام: لا خير في العيش إلا لرجلين: لمستمع واع، وعالم ناطق).

العالم عليه أن يبوح بما يختزن في صدره من علوم ومعارف ليفيد به سائر الناس، فيكون بذلك كالنهر المتدفق يسقي عن جانبيه الحقولا.

والمستمع عليه أن يعقل ما يلقى إليه، فيخزن في ذاكرته كل ما سمعه من العالم، ليكون له زاد خير يفيده عند الحاجة، لأن غذاء العقل أهم بكثير من غذاء الجسد. وفن الاستماع لا يقلّ أهمية عن فنّ القول.

ثم وصف (عليه السلام) نوع العلماء الذين يؤخذ منهم ويستمع إليهم.

فقال (عليه السلام): (يا هشام: أوحى الله تعالى إلى داود (عليه السلام) قل لعبادي: لا يجعلوا بيني وبينهم عالماً مفتوناً بالدنيا فيصدّهم عن ذكري، وعن طريق محبّتي ومناجاتي. أولئك قطّاع الطريق من عبادي، إن أدنى ما أنا صانع بهم أن أنزع حلاوة محبّتي ومناجاتي من قلوبهم).

ثم حذّر (عليه السلام) من التكبّر فقال:

(يا هشام: إيّاك والكبر على أوليائي، والاستطالة بعلمك فيمقتك الله فلا تنفعك بعد مقته دنياك ولا آخرتك، وكن في الدنيا كساكن دار ليست له إنما ينتظر الرحيل).

ثم مدح (عليه السلام) المتواضع وذمّ المتكبّر فقال:

(يا هشام: إن الزرع ينبت في السهل ولا ينبت في الصفا(43) فكذلك الحكمة تعمر في قلب المتواضع ولا تعمر في قلب المتكبّر الجبّار، لأنّ الله تعالى جعل التواضع آلة العقل، وجعل التكبّر آلة الجهل، ألم تعلم أن من شمخ إلى السقف برأسه شجبه، ومن خفض رأسه استظل تحته وأكنّه، وكذلك من لم يتواضع لله خفضه الله، ومن تواضع لله رفعه).

ثم استرسل (عليه السلام) في حديثه فقال: (وأحذر ردّ المتكبرين، فإن العلم يُذل على أن يملي على من لا يفيق)، فقال هشام:

فإن لم أجد من يعقل السؤال عنها؟ فقال (عليه السلام): فاغتنم جهله عن السؤال حتى تسلم من فتنة القول وعظيم فتنة الرد، واعلم أن الله لم يرفع المتواضعين بقدر تواضعهم ولكن رفعهم بقدر عظمته ومجده. ولم يؤمن الخائفين بقدر خوفهم ولكن آمنهم بقدر كرمه وجوده؛ ولم يفرح المحزونين بقدر حزنهم ولكن بقدر رأفته ورحمته، فما ظنّك بالرؤوف الرحيم الذي يتودد إلى من يؤذيه بأوليائه، فكيف بمن يؤذي فيه؟ وما ظنّك بالتوّاب الرحيم الذي يتوب على من يعاديه، فكيف بمن يترضّاه، ويختار عداوة الخلق فيه.

(يا هشام: من أكرمه الله بثلاث فقد لطف له؛ عقل يكفيه مؤونة هواه، وعلم يكفيه مؤونة جهله، وغنى يكفيه مخافة الفقر.

ثم زاد تحذيراً جديداً عاماً للدنيا وأهلها.

فقال (عليه السلام): (يا هشام أحذر هذه الدنيا وأحذر أهلها، فإن الناس فيها على أربعة اصناف:

ـ رجل متردي معانق هواه، ومتعلم مقري كلما ازداد علماً ازداد كبراً، يستعلي بقراءته وعلمه على من هو دونه.

ـ وعابد جاهل يستصغر من هو دونه في عبادته، يحب أن يعظَّم ويوقَّر.

ـ وذي بصيرة عالم عارف بطريق الحق، يحب القيام به ولكنه عاجز أو مغلوب فلا يقدر على القيام بما يعرفه، فهو محزون مغموم بذلك وهو أمثل أهل زمانه وأوجههم عقلاً)(44).

الحقيقة إننا استرسلنا في هذه الوصية القيمة والخالدة لأنها بحر زاخر، كلّما غصنا فيه كلما ازددنا متعة وفائدة. فهي من إمام معصوم ورث علم الأوصياء عن الأنبياء، علماً شاملاً كاملاً للدين والدنيا وللناس كافة. لقد حوت هذه الوصية الذهبية جميع أصول الفضائل: في الآداب والأخلاق وقواعد السلوك والمناهج العامة لما يصلح للحياة الفردية والاجتماعية السليمة من كل غرض أو هوى، ذلك أن الشريعة الإسلامية هي أحكام إلهية وما على الحاكم إلا تطبيق هذه الأحكام معتمداً على عقله المستنير وضميره الحيّ المستقيم.

 

الإمام الكاظم (عليه السلام) علاّمة عصره وعلاّمة كل عصر

فضل العلم والعلماء

1ـ روي عن إبراهيم بن عبد الحميد، عن أبي الحسن موسى الكاظم (عليه السلام) قال: (دخل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) المسجد فإذا جماعة قد أطافوا برجل فقال: (ما هذا؟ فقيل: علامة. فقال: وما العلامة في رأيكم؟ قالوا له: أعلم الناس بأنساب العرب ووقائعها، وأيام الجاهلية، والأشعار العربية.

فقال (صلّى الله عليه وآله): ذاك علم لا يضر من جهله، ولا ينفع من علمه؛ ثم قال النبي (صلّى الله عليه وآله): إنما العلم ثلاثة:

2ـ آية محكمة، أو فريضة عادلة، أو سنّة قائمة، وما خلاهنّ فهو فضل)(45).

ـ روى المجلسي عن الراوندي بإسناده عن موسى بن جعفر عن آبائه (عليهم السلام) عن النبي (صلّى الله عليه وآله) قال: لا خير في العيش إلا لمستمع واع، أو عالم ناطق)(46).

ـ وبهذا الإسناد قال:

3ـ (قال رسول اله (صلّى الله عليه وآله): أربع يلزم من كل ذي حجى وعقل من أمتي، قيل: يا رسول الله ما هي؟ قال:

1ـ استماع العلم. 2ـ وحفظه. 3ـ ونشره عنده أهله. 4ـ والعمل به.

ـ والآن ماذا عن أنواع العلم عند الناس.

قال الأربلي: قال ابن حمدون في تذكرته: قال موسى بن جعفر (عليه السلام): (وجدت علم الناس في أربع:

أولها: أن تعرف ربك ومفادها وجوب معرفة الله تعالى التي هي اللطف.

وثانيها: أن تعرف ما صنع بك من النعم التي يتعيّن عليك لأجلها الشكر والعبادة.

وثالثها: أن تعرف ما أراد منك: فيما أوجبه عليك وندبك إلى فعله لتفعله على الحد الذي أراده منك فتستحق بذلك الثواب.

ورابعها: أن تعرف ما يخرجك من دينك، وهي أن تعرف الشيء الذي يخرجك عن طاعة الله فتتجنّبه)(47).

ـ وعن موسى بن جعفر عن آبائه (عليهم السلام) قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): سائلوا العلماء، وخالطوا الحكماء، وجالسوا الفقراء).

فسؤال العلماء توضيح وتصحيح، ومخالطة الحكماء غذاء للعقل وتوسع في المعرفة، ومجالسة الفقراء مؤانسة لهم ومشاركة في الإنسانية.

1ـ ففي الحديث الأول يوضح (عليه السلام) العلم الذي لا يضر من جهله، ولا ينفع من علمه: فعلم الأنساب، وعلم وقائع العرب، والأشعار العربية، كل هذه ليس فيها ما يبعث على غذاء الفكر، أو يزيد في حياة المسلمين الحضارية، أو يخلق تقدّماً وتطوّراً يساعدهم على النهوض في ركاب الحضارة الإنسانية. فهذه المعارف قلّل النبي (صلّى الله عليه وآله) من أهميتها ودعا إلى الاهتمام بسائر العلوم الأخرى لأنها لا تضر من جهلها ولا تنفع من علمها.

2ـ ثم بيّن (عليه السلام) العلم الأصيل الذي عليهم تعلمه فإنهم يجدونه في:

آية حكمة، أو فريضة عادلة أو سنّة قائمة. وهذا يعني التفقه في الدين ومعرفة الأحكام الشرعية، فقال لهم:

(تفقّهوا في دين الله، فإن الفقه مفتاح البصيرة، وتمام العبادة، والسبب إلى المنازل الرفيعة، والرتب الجليلة، في الدين والدنيا. وفضل الفقيه على العابد كفضل الشمس على الكواكب، ومن لم يتفقه في دينه لم يرض الله له عملاً..).

3ـ ثم وضّح (عليه السلام) طرق التعلم وكيفية الإفادة منه فحصرها في أربع:

أولاً: استماع العلم: فعلى المتعلم أن يصغي جيداً لما يسمعه من العالم لأن فنّ الاستماع هام كفنّ التعليم، ومن لم يسمع جيداً لا يستوعب جيداً.

ثانياً: الحفظ: وهو أمر ضروري لأن الذاكرة خزانة المعارف والعلوم فمن لا يحفظ لا يستطيع الإفادة ممّا تعلّمه.

ثالثاً: نشر العلم. ومن واجب العالم أن ينشر علمه ولا يبقيه محصوراً في صدره ذلك حتى يفيد به الآخرين. لأنّ العالم الذي يخزن علمه ويبخل به على سواه كالغني البخيل يخزن ماله فلا يفيد نفسه ولا يفيد غيره. لكن على العالم أيضاً أن يعرف أين ينشر علومه. عليه أن يضع الشيء في مواضعه، فلا ينشره إلا عند أهله. ذلك أن الماء يسقي به الزارع الأرض الخصبة وليس الأرض الرملية.

رابعاً: اقتران العلم بالعمل.

اقتران العلم بالعمل هو الغاية المرجوة. قال الدكتور زكي نجيب محمود في كتاب تجديد الفكر العربي: (من علامات هذا العصر المميزة أنه عصر العلم المقترن بالعمل والموصول أحدهما بالآخر. فإذا وجدت علماً مزعوماً لا يجيء بمثابة الخطة الدقيقة لعمل يؤدي فقل أنه ليس من العلم في شيء إلا باسم زائف).

لكن هذا الجديد المزعوم أعلنه أهل البيت (عليهم السلام) منذ أكثر من 1300 سنة.

 

العلم عند أهل البيت (عليهم السلام)

العلم بمعناه الشامل هو أن نعرف الشيء كما هو في حقيقته وواقعه ولا وزن لأي علم عند أهل البيت (عليهم السلام) إلا أن يجلب نفعاً، أو يدفع شرّاً تماماً كما قالوا عن العقل. لأن العلم عقل، والعالم هو العاقل. قال العالم والفيلسوف جابر بن حيّان تلميذ الإمام الصادق (عليه السلام): العقل والعلم والنور كلمات مترادفة.

فالعالم يعقل الأمور ويميز بين صحيحها وسقيمها ولا يستطيع أن يسكب علوماً بدون العقل، وبالعقل يتمكن العالم من كشف الأمور الغامضة وإخراجها من الظلام فيوضحها بنور عقله.

أما الجهل بالشيء مع العلم به هو أننا لا نتصوره إطلاقاً.

والجهل بالعلم هو تصور الشيء على غير ما هو عليه من حيث لا نحس ونشعر بالخطأ فنكون عندها بعيدين عن الواقع.

جاء في نهج البلاغة: (لا خير في علم لا ينفع) وجاء في سفينة البحار: عن الإمام الكاظم (عليه السلام): (أولى العلم بك ما لا يصلح لك العمل إلا به) والغاية من هذا أن الهدف من العلم إتقان العمل النافع.

قال الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله): (من أراد العمل منكم فليعلمه وليتقنه).

العلم أولاً والإتقان ثانياً؛ وهنا يكمن سر الفنون والفوارق بين المتعلمين. وإننا نجد الكثير من الناس من حصّلوا العلم ونالوا شهادات، لكن لم ينجحوا في حياتهم العملية. وهذا يعود إلى عدم إتقانهم العلوم التي حصّلوها. مثل الأطباء والمحامين والقضاة والأساتذة والمعلمين في المدارس والجامعات. فتحصل العلم شيء والفن في التعليم هو شيء آخر، المهم طريقة العطاء والأسلوب والعمل بلا علم ضرره أكثر من نفعه. قال بعض الحكماء: العمل بلا علم كشجرة بلا ثمر. وقال الإمام الصادق (عليه السلام):

(العامل على غير بصيرة كالسائر على غير الطريق، لا تزيده سرعة السير إلا بعداً) فإذا كان العلم مرادفاً للنور فكيف لهذا الجاهل أن يستدل على طريقه وهو فاقد النور؟

وهنا نتذكر وصية الإمام الكاظم (عليه السلام) لهشام عندما قال له:

يا هشام: (إن ضوء الجسد في عينه، فإن كان البصرمضيئاً استضاء الجسد كله، وإن ضوء الروح العقل، فإن كان العبد عاقلاً كان عالماً بربّه، وإن كان عالماً بربّه أبصر دينه، وإن كان جاهلاً بربّه لم يقم له دين، وكما لا يقوم الجسد إلا بالنفس الحيّة فكذلك لا يقوم الدين إلا بالنية الصادقة، ولا تثبت النية الصادقة إلا بالعقل.

 

صفات العالم الصحيح

جاء في أصول الكافي للشيخ العلامة الكليني تحت عنوان:

المستأكل بعلمه: قال الإمام الصادق (عليه السلام): (أوحى الله إلى داود لا تجعل بيني وبينك عالماً مفتوناً بالدنيا، فيصدّك عن طريق محبتي، فإنّ أولئك قطاع طريق عبادي المريدين).

ومعنى ذلك إيّاك أن تركن إلى من يتخذ من عقله وعلمه خادماً مطيعاً لبلوغ أهوائه الشخصية ومطامعه الخاصة؛ لأنّه يقطع عليك الطريق إلى رحمتي ومرضاتي، وعلى كل من أراد الحق والعدل من عبادي.. ولا جزاء عند أهل البيت (عليهم السلام) لقاطع الطريق إلا القتل أو الصلب أو قطع اليد أو الرجل أو النفي، كما جاء في كتاب الله سبحانه وتعالى وفي كتاب وسائل الشيعة وغيره من المراجع الموثوقة من كتب الحديث والفقه لشيعة أهل البيت (عليهم السلام).

وقال أحد الحكماء: أسوأ الأزمان زمن نجد فيه العلماء على أبواب الحكام.

وفي كتاب أشعة من بلاغة الإمام الصادق (عليه السلام): (إن في جهنم رحى تطحن العلماء الفجرة). يعلق على هذا المقال الشيخ العلامة محمد جواد مغنية فيقول: (قال هذا قبل ظهور الآلة التي جعلت قوى الشر أعظم فتكاً وافتراساً لأرواح الأبرياء وأجسادهم، وأكثر نهباً واغتصاباً لحقوق الناس وارزاقهم! ثم يتابع رحمه الله:

ولا أدري أي شيء كان يقول الإمام الصادق (عليه السلام) لو وجد في هذا العصر؟! وقد قرأ مقالاً في مجلة الهلال المصرية عدد تشرين الأول سنة 1972م بعنوان النبي والعلم جاء فيه:

(إن أعظم تكريم للعلم أن يكون أول أمر أنزله الله سبحانه على نبيه (صلّى الله عليه وآله) (اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأكْرَمُ)(48).

ونحن في حياتنا نرى كثيراً من القراءة، منها ما تكون باسم الله، وتكون في خدمة الإنسان.

ومنها ما تكون باسم التسلّط والهوى والاستعلاء الكاذب، والاستكبار. مثل قراءة إسرائيل في فلسطين ولبنان وسوريا والأرض العربية السليبة، وكقراءة أمريكا في أرض فيتنام.

كل ذلك علم وقراءة، ولكنها ليست باسم الله العلي العظيم بل باسم الشيطان الرجيم!!).

 

حدود العلم

العلم بحر واسع لا حدود له، يتجدد ويتطور يوماً بعد يوم. جاء في أصول الكافي عن الإمام الصادق (عليه السلام): (العلم يحدث يوماً بعد يوم وساعة بعد ساعة). ومعنى هذا أن لا حد له، وبذلك نطق العلم الحديث.

نشرت مجلة المعرفة السورية في العدد الثلاثين جاء فيه:

(إن التقدم العظيم الذي أحرزه علماء الطبيعة في أوائل القرن التاسع عشر ملأهم غروراً وخيلاء، وظنوا أنهم قد فرغوا من بناء صرح العلم.. حتى جاء القرن العشرين، فتبين أنهم كانوا في أول الطريق، وأن المسير بعيد وبلا نهاية).

وذلك ما من شيء إلا ويمكن أن يكون محلاً للبحث ظاهراً كان أم باطناً، ماضياً أم حاضراً، حتى الشيء الواحد يكون كل آن في شأن.

وقال سبحانه: (... وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ)(49).

وقال عزّ وجلّ: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَ قَلِيلاً)(50).

وقال تعالى: (وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً)(51).

وجاء في مستدرك نهج البلاغة أن الإمام علي أمير المؤمنين قال: (العلم أكثر من أن يحصى، فخذوا من كل شيء أحسنه).

والحقيقة أننا إذا أردنا إحصاء العلوم والمعارف التي عرفها الإنسان لا يمكننا حصرها تماماً فهي عديدة ومتنوعة في شتى الحياة الإنسانية. لكننا نستطيع أن نأخذ من كل علم أحسنه وافضله، وهذا يعود إلى ثقافة الإنسان وتعمقه في معارفه وحسن تحصيلها.

 

العلم والعمل

قيمة كل علم من العلوم تظهر نتائجها بالعمل، فالعلم ضروري وهام لكن الأهم التطبيق العملي ففيه تتبلور مهارة كل فرد من الافراد المتعلمين. وهذا يعود بلا ريب إلى المواهب الذاتية المخبؤة في الداخل فكم نجد من الأشخاص الموهوبين لكن الظروف لم تساعدهم على اظهار مواهبهم عملياً. وما نبغي إليه هو أن فائدة العلم مقرونة بالعمل.

قال الدكتور زكي نجيب محمود في كتاب تجديد الفكر العربي:

(من علامات هذا العصر المميزة أنه عصر العلم المقترن بالعمل والموصول أحدهما بالآخر. فإذا وجد علماً مزعوماً لا يجيء بمثابة الخطة الدقيقة لعمل يؤدي فقل إنه ليس من العلم في شيء إلا باسم زائف).

وهذا الجديد المزعوم جاء عند أئمة أهل البيت (عليهم السلام).

قال الإمام علي (عليه السلام): (من علم عمل). وهو يشير إلى أن العمل يفتح آفاقاً جديدة لمعارف جديدة، وهذه المعارف الكريمة تخدم بدورها النشاط العملي. وهكذا تتم الدورة الحياتية. ومعنى هذا أن العلم لا حد له كما سلف القول.

وقال الإمام الصادق (عليه السلام): (من لم يصدق قوله عمله فليس بعالم...

العلم مقرون بالعمل فمن علم عمل، والعلم يهتف بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل).

وقال الفيلسوف الملا صدرا(52) في شرح أصول الكافي: (العلم والعمل كالروح والجسد يتصاحبان ويتكاملان معاً، وإن كان مرتبة من العلم تستدعي عملاً بحسبه، وكل عمل يهيئ لنوع آخر من العلم).

وكما ترى هكذا جمع أهل البيت (عليهم السلام) بين العلم النظري، والعلم العملي. بين الفكر واليد، في مركب واحد. وهل أفضل من إطاعة اليد للفكر؟ فكلما ازدادت الإطاعة بينهما كلما كان الإتقان والإبداع في الأعمال فالتوافق بين الفكر واليد يعني تقدماً حضارياً راقياً في جميع أنواع الفنون: العلمية والأدبية والفنية والاجتماعية.. كالطب والبناء وإعمار الأرض وجميع العلوم والمهن والمعارف..

فالعلم هو اكتساب المعرفة الصحيحة من مصادرها السليمة، والفن يكمن في إخراج هذه العلوم وكيفية تطبيقها عملياً. ولنا في تجارب العلماء أفضل مثل على ذلك. وهذه التجارب هي التي ينادي بها العلماء في العصر الراهن. فالفيلسوف وعالم الاجتماع الانكليزي (فرنسيس بيكون) هو ـ حسب ما يزعمون ـ هو أول من دعا صراحة إلى اتخاذ العلم سبيلاً للارتقاء بحياة الإنسان العملية!(53).

وكم من حقائق اكتشفها الأوائل من معين العلوم الأصل (كتاب الله) الكريم، ثم اشتهر بها الأواخر. حتى الذرة التي اكتشفها قبل اينشتين وماركوني العالم العربي الجلدكي صاحب كتاب: الشذور(54).

كما ورد في كتاب من هدي القرآن الكريم للأستاذ أمين الخولي نقلاً عن الكامل لابن الأثير: أن عالماً مسلماً لم يعلن عن اسمه (اكتشف محرقاً جديداً أقوى ما عرف، وقدمه لجيش صلاح الدين الأيوبي ـ وقد بلغت القلوب الحناجر ـ خوفاً من حشود الصليبيين، فأحرق ما تفنن به الأعداء من إقامة أبراج لم يكن لجيش المسلمين عليه من قوة. وما من شك كان لهذا الاختراع الوقع الحسن في نفوس المسلمين عامة. قدر صلاح الدين هذا العمل وبذل لصاحبه الأموال والأقطاع، فرفضها وقال له: إنما عملت هذا العمل لله ومن أجل مساعدة عباد الله من المسلمين، وهذا واجبي الشرعي، ولا أريد الجزاء إلا من الله تعالى ثم اختفى هذا الإنسان النبيل العظيم دون أن يحمل التاريخ عنه شيئاً حتى اسمه. فكل ما يعرف عنه في المصادر التاريخية: إنسان من دمشق لا غير. وهذا هو العمل الشريف النبيل العمل في سبيل الله. حمل أئمة أهل البيت (عليهم السلام) مشعل النهضة العلمية في العالم الإسلامي، فأسسوا في حواضره معالم الحياة الفكرية، ودعوا المسلمين دعوات جادة تحمل طابع الإرشاد والتوجيه إلى الخير ليبنوا حياتهم الخاصة والاجتماعية على أساس من الوعي العلمي، وقد ملئت موسوعات الحديث والفقه بما أثر عنهم من أحاديث الترغيب في طلب العلم، عملاً يقول القرآن الكريم والرسول الأكرم محمد بن عبد الله (صلّى الله عليه وآله)، إن أول ما نزل الوحي على النبي (صلّى الله عليه وآله) نزل بآيات تدعو إلى التعلم وتطالبه بالقراءة. قال تعالى: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ)(55).

ونجد القرآن الكريم بالإضافة إلى دعوته إلى التعليم وحضه على طلب العلم يبين درجات العلماء ويخاطب ذوي الألباب بقوله عزّ وجلّ:

(قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ)(56).

وقوله عزّ وجلّ: (يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ)(57).

والرسول الكريم وهو الأمين على دعوة ربه قال (صلّى الله عليه وآله): (طلب العلم فريضة على كل مسلم)(58).

وقد بين (عليه السلام) منزلة العلماء، وحث الأمة على احترامهم ومعرفة حقوقهم فقال (صلّى الله عليه وآله): (ليس من أمتي من لم يجل كبيرنا، ويرحم صغيرنا، ويعرف لعالمنا حقّه)(59).

هذه لمحة سريعة عن موقف رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لطلاب العلم وحاملي لواء التحرير من الجهل والضلال، وقد سار على مسيرته الأئمة المعصومون من أمير المؤمنين إلى ولده الحسن إلى أخيه الحسين إلى ابنه زين العابدين إلى ابنه الباقر إلى ابنه الصادق إلى ابنه الإمام موسى الكاظم عليهم جميعهم أفضل الصلاة وأزكى السلام.

عني الإمام موسى (عليه السلام) بهذه الدعوة الحضارية الخلاّقة فأمر جميع المسلمين بالجد على تحصيل العلم والتفقه في الدين، وحذّرهم من طلب بعض العلوم التي لا يستفيدون بها في تطوير حياتهم الفردية والاجتماعية.

من هذه العلوم المفيدة لهم: الفقه الديني.

 

الفقه الديني عند الإمام (عليه السلام)

عمل الإمام (عليه السلام) بوصية جده وأبيه وحث المسلمين على التفقه في الدين، ومعرفة الأحكام الشرعية فقال لهم:

(تفقّهوا في دين الله، فإن الفقه مفتاح البصيرة، وتمام العبادة، والسبب إلى المنازل الرفيعة والرتب الجليلة في الدين والدنيا، وفضل الفقيه على العابد كفضل الشمس على الكواكب، ومن لم يتفقه في دينه لم يرض الله له عملاً..).

سأله بعض أصحابه عما يحتاج إليه من الأحكام الشرعية قائلاً: (هل يسع الناس ترك المسألة عما يحتاجون إليه؟

فقال (عليه السلام): (إن الناس لا يسعهم أن يتركوا ما يحتاجون إليه في أمور دينهم). وهذا بلا ريب أمر طبيعي وواقعي فالعلماء واجبهم الشرعي إرشاد الناس ونصحهم ليتفهموا أمور دينهم لأن المسلم الذي يموت ولم يتخذ مرجعاً دينياً يهتدي برسالته يموت موتة جاهلية. لذلك كان على المسلمين مجالسة العلماء.

 

مجالسة العلماء

من هنا وجدنا الإمام (عليه السلام) يأمر أصحابه بمجالسة العلماء الأفاضل للاستفادة من علومهم وآدابهم والاقتداء بسلوكهم فقال (عليه السلام): (محادثة العالم على الموابل خير من محادثة الجاهل على الزرابي)(60).

وبعد أن أشاد بفضل العلماء الذين هم أعلام الدين وورثة الأنبياء في حمل كتاب الله، عاد فحذر أصحابه منهم إذا استهوتهم الدنيا، واتبعوا السلطان، فإذا فعلوا ذلك فالحذر منهم واجب على الدين.

هذا عن واجبات العالم والآن ماذا عن واجبات المتعلم.

 

واجبات المسلم المتعلم

1ـ العمل: أعلن الإسلام دعوته الصريحة على العمل الحر والكسب الشريف. قال تعالى: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)(61) وهذا هو التوازن الذي يتسم به المنهج الإسلامي، التوازن السليم بين مقتضيات الحياة في الأرض، من عمل وكد وكسب ونشاط. وبين عزلة الروح فترة عن هذا الجو وانقطاع القلب وتجرده للذكر.

وهي ضرورة لحياة القلب الذي لا يصلح بدونها للاتصال والتلقي والنهوض. بتكاليف الأمانة الكبرى. وذكر الله سبحانه وتعالى لابدّ منه أثناء ابتغاء المعاش، والشعور بالله فيه هو الذي يحول نشاط المعاش إلى عبادة. ولكنه ـ مع هذا ـ لابدّ من فترة للذكر الخالص، والانقطاع الكامل، والتجرد المحض كما توحي الآيتان المباركتان.

إن الإسلام دعا الناس كافة إلى العمل، وحثهم عليه ليكونوا ايجابيين في حياتهم يتمتعون بالجد والنشاط ليفيدوا ويستفيدوا، وكره لهم الحياة السلبية والوقوف عند عمل لا يؤدي إلا إلى عرقلة الاقتصاد وشيوع الفقر والحاجة في البلاد.

وكتب الحديث استفاضت بما أثر عن النبي (صلّى الله عليه وآله) الأكرم وعن أوصيائه المعصومين، والحث على العمل وإضفاء الصفات الكريمة عليه فقالوا: العمل شرف، والعمل جهاد والعمل تضحية والعمل عبادة.