الفهرس

 

الصديقة الزهراء - 2

 

 

فدك

 

الأستاذ سليمان كتاني


ما أضيق (فدكاً) إرثاً لفاطمة.

لن تكون قرية في الحجاز مهما تطب أرضها، أو تبسق نخيلاتها، أو يترطّب جوّ واحتها حدود إرث لتلك التي وعدها أبوها بكلّ ميراثه. وميراث محمد؟! في أية خريطة من الخرائط تنزلت له الحدود؟ ذلك الذي ربط الجزيرة بالآفاق، وأذاب الآفاق في الأجواء، لا الأرض وسعت، ولا الخيال يطال، ذلك الذي فتح الغار على الأغوار، لن تكون الأرض وحدها حدود رؤاه، ولن يكون القضاء أبعد من مداه، إنّه رسول ذلك الذي هو قبل الحدود وبعد الحدود، قبل الزمان وبعد الزمان، إنّ أولئك الذين كانوا يطلبون خلافة، قد ضيّعوها لما وضعوا لها حدوداً، وجزّأوها لما اقتطعوا منها ما سموه بـ(فدك)، وما كانت خلافة محمد إلاّ نظرة متطاولة إلى أبعاد: مع التراب وعبر التراب، مع الأثير وعبر الأثير، مع الإنسان وعبر وجود الإنسان. وما كان محمد ذرة من تراب إلاّ ليكون كلّ الهيولي، وما كان بؤبؤ عين إلاّ ليكون فضاء المرائي، وما كان غاراً إلاّ ليكون كوى المفاتح، وما كان (فدكاً) أو واحة في (فدك) إلاّ ليكون جنة أو كوثراً في الجنان. ولقد رمز الإمام موسى بن جعفر إلى هذا المعنى في الشمول، إذ حدّد (فدكاً) بهذا الرمز: (الحدّ الأول لفدك عدن، والحد الثاني سمرقند، والحدّ الثالث أفريقيا، والحد الرابع سيف البحر مما يلي الجزر وأرمينيا).

وهذه حدود، إن تشمل فإنها لا تشمل غير حدود إمبراطورية الإسلام، إنّها ليست أكثر من حدود مغبرة فيها ماء وفيها تراب، وحدود (فدك) - لعمري - هي (فدك) وما بعد (فدك)، وهي بعد كلّ غور، وبعد كل مرئي، وبعد كلّ ملموس ومحسوس، وبعد كلّ حاضر وبعد كل آت، إنّها كل ذلك: موجوداً ومضموماً، مقطوعاً وموصولاً، منثوراً ومنضوداً. ولقد ذاب يهود (فدك) لما ذابت حدود (فدك) في الهالة الكبرى، ولقد انتصرت الجزيرة على (فدك) في الساعة التي انغمرت فيها بالنور، في اللحظة التي انفتحت فيها آفاقها على الأجواء، في اللحظة التي وجد فيها الإنسان حدود الإنسان. في تلك اللحظة فقط: تقلّص القزم اليهودي، وذاب وهم أرض الميعاد، في تلك اللحظة فقط ماد جبل (طور سينا) تحت خفقة ومضة الحق، في تلك اللحظة انخبطت أسباط (بني إسرائيل) وفقئت عين (الأسخريوطي) وتصدّع حجاب الهيكل، وطغى الزّبد على مرفأ (إيلات)، في تلك اللحظة كانت ترتبط الأرض بالسماء، وتتوسّع آفاق الأرض أمام الزحف المؤمن، لتتقوّض أركان المرتع الروماني وتهتز جذور أواوين الأكاسرة، في تلك اللحظة كانت تثبت حدود اللامحدود، وتذوب النزعات اليهودية الحقيرة في مصهر الحق والعدالة، في تلك اللحظة كانت تتنظّف الأرض من الأدران، ويتحوّل السّراب إلى أنداء وينقلب عجين الغبار إلى مزاهر...