الفهرس

 

الصادق الأمين

 

 

أدب النبي (صلى الله عليه وآله)

 


إن من العجيب أن ينتج أدب قبل أربعة عشر قرناً، ثم لا يحمل شيئاً من آثار القدم، ولا يهرمه الدهر حتى كأنه نتاج ساعته. وكأن زابع العصور لم تزده إلا فتنة وروعة، كالدر الذي كلما تكرر عليه الجديدان، ازداد جدّة ورواء. فهو الطارق التليد، الذي يجمع الذوق القديم والجديد، في إطار لولاه لكنّا نشك في وجود مثل هذا الإطار، فهو أقدم مدرسة وأحدث مدرسة، وأعجب من ذلك: أن يعيش أدب الرسول (صلى الله عليه وآله) قمة البلاغة، في مختلف العصور، التي تطورت فيها مقاييس البلاغة إلى حد التناقض، فتحسبه في كل يوم وليد يومه، حتى كأنه البدر، الذي لا يغيّره اختلاف الفصول. فلو كرّسنا نتاج الإنسانية كلها، ووضعناه في كفّة، ووضعنا نتاج الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) في كفة، لرجح الثاني، كما وكيفاً، إذ ليس في الأدب الإنساني كله هذا المقدار الذي خلفه النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)، من روائع الفكر السليم، والمنطق المستقيم، في مثل هذا الأسلوب الفريد، وليس في الأدب الإنساني كله، ما يتجلل طابع الصدق والإخلاص، بمثل ما يتجلله أدب الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله).

فتراث النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)، ذو خاصة نادرة، هي أن أدبه بلغ من قوة التعبير حداً، لا يتمالك القارئ أن يلقي نظرة على سطوره، دون أن يرى قلبه ينتفض على الورق، ويرمقه خلف كل كلمة، كفا تلوح وعيناً ترقب، فكأن كلماته مرايا تعكسه بلحمه ودمه، وبكل تحفزاته وتحفظاته، وبشدة تحرقه لإنقاذ المعذبين، ولهفة تطلعه إلى إرشاد الضالين.

وهذه الخاصة، جعلت لأدبه قوّة معجزة في الهيمنة على النفوس حتى لا يقدر أعتى الناس إلا أن يخشع له ويلين، لأنّه أدب نبع من صميم ضمير كان منطلقاً لأخلص النوايا الإنسانية النبيلة، وتدفق من قلب رجل، أخلص للإنسان أكثر من أي إنسان، ووقف نفسه لخدمة الإنسان كما لم يقف إنسان لخدمة نفسه، فلم يكن موضع اعتراف المؤمنين به فحسب، وإنما أصبح موضع ثقة أعدائه الذين صعقتهم عظمته، ولكنهم لم يقووا على حبّه فأبغضوه، حتى لم يبق في العالم إنسان واعٍ يشك في أنه أحكم الناس، أو أجدر الناس بزعامة الناس.

ومهما نبغ الأدباء فأحسنوا، وحلّقوا فتعالوا، واندمجوا في أديب واحد، فأنى له أن يطمح إلى ذلك القلب المفعم بالإيمان، وتلك النفس الجياشة بالخير، وهذه الحكمة البالغة، التي لا تزل ولا تزيغ، حتى يطمئن الناس إلى صدقه وصوابه، فيعترفوا بكل ما يكتب أو يقول، بلا نقاش ولا تفكير. فالفارق بين من يقول فيحذر منه الناس، وبين من يقول فيسلم له الناس، هو أن الأول لا يصلح هادياً ولا قائداً، والثاني لا يصلح إلاّ هادياً وقائداً.

وبعد:

فإن كلمات الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله)، روائع خالدة، تناولها من الإنسان هدفاً، ومن الكون شكلاً، ومن زمانه أسلوباً، ثم لونها خياله الخصب، فانبعثت فيها امتدادات ونبضات، جعلتها قطعة صميمة من تراث الإنسانية، فيها درس للفكر، وتوجيه للأخلاق، ودستور للمجتمع، يسمو على دساتير الأنبياء والمفكرين.

آية الله الشهيد السيد حسن الشيرازي