فهرس العدد الثامن

فهرس الأعداد

الصفحة الرئيسية

 

 

 

هل فيكم من يجيب مثل هذا؟

 

لما عزم المأمون على أن يزوج ابنة أم الفضل أبا جعفر بن علي (عليه السلام) اجتمع إليه أهله فقالوا:

الأهل: يا أمير المؤمنين.. أما كان في أهلك من تعدل عليه في كريمتك عن هذا الغلام الطالبي؟

المأمون: هو بها أولى، ولست أصغي إلى لوم لائم فيه.

الأهل: يا أمير المؤمنين: انه غلام غرّ فلو أخرت إنكاحه حتى يتفقه في الدين ويستبصر في الأدب.

المأمون:إنه لأفقه منكم، واعلم بكتاب الله وسنة رسول الله (صلى الله عليه وآله). وأرسخ بالنظر في الحرام والحلال والمحكم والمتشابه والناسخ والمنسوخ والظاهر والباطن والخاص والعام فسألوه لتعلموا حقيقة رأيي فيه.

فخرجوا من عنده، وقصدوا يحيى بن أكثم فأخبروه الخبر وقالوا:

أيها القاضي.. عليك أن تتولى مسألته وتحرص على إفحامه.

يحيى: لقد اختلفتم لغير مهم، وما أمر صبي لعله أن لا يتجاوز سنه عشر سنين.

الأهل: ان أمره لعظيم عند أمير المؤمنين.

يحيى: سترون.

فلما اجتمعوا للتزويج وحضر أبو جعفر (عليه السلام) قال العباسيون للمأمون:

يا أمير المؤمنين.. هذا القاضي يسأل أبا جعفر إن أذنت له.

المأمون: اسأله.

يحيى: ما تقول يا أبا جعفر في مُحْرَمٍ قَتَل صيداً؟

محمد (عليه السلام): أقتله في حلى أم حرم؟ أعالماً أم جاهلاً؟ أعمداً أم خطأً؟ أكان عبداً أم حراً؟ أو صغيراً أو كبيراً، أكان الصيد طائراً أم وحشياً؟ أمن صغار الصيد أم من كبارها؟ أبليل في مأواها أم في النهار؟ بمسرحها أم محرماً بالحج أم بالعمرة؟

فلم يجب يحيى بن أكثم فقال المأمون:

- نخطب يا أبا جعفر.

محمد (عليه السلام): نعم يا أمير المؤمنين.

المأمون: الحمد لله إقراراً بنعمته، ولا إله إلا الله أخلاصاً لعظمته وصلى الله على محمد وعلى آله عند ذكره.

أما بعد:

فقد كان من فضل الله على الأنام، أن أغناهم بالحلال عن الحرام، وقال:

(وانكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم أن يكونوا فقراء يغنيهم الله من فضله والله واسع عليم).

إن محمد بن علي خطب أم الفضل بنت عبد الله، وبذل لها من الصداق خمسمئة درهم، وقد زوجته، فهل قبلت يا أبا جعفر؟

محمد (عليه السلام): نعم، قبلت هذا التزويج بهذا الصداق.

ثم إن المأمون أولم وحضر الناس على مراتبهم ولما تفرقوا أمر المأمون استبقاء بعض الخاصة وقال لأبي جعفر:

- يا أبا جعفر... بين لنا الفتيا في تقيسم الذي قسمته.

محمد (عليه السلام): نعم.. إن المحرم إذا قتل صيداً في الحل والصيد من ذوات الطير من كبارها فعليه جمل قد فطم، وليس عليه قيمته لأنه ليس في الحرم، وإذا قتله في الحرم فعليه الجمل وقيمته لأنه في الحرم.

وإن كان من الوحشي فعليه في حمار الوحش بدنة وكذلك في النعامة، فإن لم يقدر فإطعام ستين مسكيناً فإن لم يقدر فليصم ثمانية عشر يوماً. وإن كان بقرة فعليه بقرة، فإن لم يقدر فليطعم ثلاثين مسكيناً، فإن لم يقدر فليصم تسعة أيام وإن كان ظبياً فعليه شاة، فإن لم يقدر فعليه إطعام عشرة مساكين، فإن لم يقدر فصيام ثلاثة أيام، فإن كان في الحرم فعليه الجزاء مضاعفاً هدياً بالغ الكعبة واجباً عليه، وإن كان في حج نحره بمنى، وإن كان في عمرة نحره بمكة، وتصدق بمثل ثمنه ليتضاعف عليه الجزاء.

كذلك إذا أصاب أرنباً أو ثعلباً فعليه شاة، ويتصدق إذا قتل الحمامة بعد الشاة بدرهم أو يشتري به طعاماً للحمام الحرمية، وفي الفرخ نصف درهم، وفي البيضة ربع درهم، وكل ما أتى به الصغير غير البالغ فلا شيء عليه، فإن كان ممن عاد فينتقم الله منه ليس عليه كفارة.

والنقمة في الآخرة، وإن دلّ على الصيد وهو محرم فقتل، فعليه الغداء، وإذا أصابه في وكره أو مأواه ليلاً خطأً فلا شيء عليه إلا أن يصدق، فإن تصّيد في ليل أو نهار فعليه الغداء بمنى حيث ينحر الناس، والمحرم بالعمرة ينحره بمكة.

فأمر المأمون بأن يكتب ذلك كله عنده. ثم قرأه عليهم وقال لهم:

هل فيكم من يجيب بمثل هذا..؟

فاعترف الجميع بفضله.

 

للأعلى