فهرس العدد الثامن

فهرس الأعداد

الصفحة الرئيسية

 

د. عدنان الشريف

 

لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم

يتسائل بعضهم، ما دام المولى قد خلقنا في (أحسن تقويم) وصورنا فأحسن صورنا: (وصوركم فأحسن صوركم وإليه المصير) [سورة التغابن: الآية2]، فكيف تعلل الأمراض الوراثية وهي كثيرة العدد. والأمراض الخلقية، كالشلل الدماغي والتأخر العقلي، وكذلك سائر الأمراض التي تظهر على الجنين أو المولود بعد أشهر أو سنوات من ولادته فتجعله متخلفاً عقلياً أو معوقاً جسدياً وعقلياً؟ لا بل وما ذنب الطفل والولد الذي يصاب بأمراض مكتسبة، كالشلل والحميّات الدماغية والتورمات السرطانية التي تقتله أو تتركه معقداً أو متخلفاً طيلة حياته؟

إلى هؤلاء المتسائلين عن حسن نية أو عن سوء نية، نقول: (إن الله لا يظلم الناس مثقال ذرة ولكن الناس أنفسهم يظلمون) [سورة النساء: الآية 40]. ونفصل ردّنا من الوجهتين العلمية والإيمانية بما يلي:


من الوجهة العلمية:

أثبت العلم اليوم أن أكثر الأمراض الوراثية والخلقية يأتي من مسببات هي نتيجة لما كسبت أيدي الناس - الأجداد والآباء - من فساد في أنفسهم وبيئتهم، لأنهم لم يلتزموا بتعاليم الله. وقد أمرهم بأن يحافظوا على أنفسهم وبيئتهم. والآيات الكريمة شواهد على ما نقول، ومنها قوله تعالى: (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس لنذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون) [سورة الروم: الآية 41]، (ما أصابك من حسنةٍ فمن الله، وما أصابك من سيئة فمن نفسك) [سورة النساء: الآية 79]، أي أن ولادة طفل معوق أو مشوه قد تكون نتيجة لما كسيته أيدي الآباء من خروج وشذوذ حملته سلالتهم فظهر فيها. بمعنى آخر، إن اغلب الأمراض الجنسية التي تنتقل بواسطة العلاقات الآثمة غالباً ما تترك آثارها القريبة أو البعيدة في النسل. كما ان ولادة الطفل المعوق أو المشوه قد تكون أيضاً من جهة الأهل بأبسط قواعد الطب الوقائي والإرشادات الواجب اتباعها خلال فترة الحمل والولادة. والمولى أمر بالعلم وسؤال المتخصصين عما نجهله بقوله كذلك يمكن القول إن ولادة الطفل معوقاً أو مشوهاً، قد تكون نتيجة لطغيان الإنسان وإفساد للبيئة التي يعيش فيها. فالتجارب الذرية وبقايا المواد المشعة، وملايين الأطنان من المبيدات وفضلات المعامل والسيارات التي يطرحها الإنسان في البر والبحر والجو ودخانها هي التي أفسدت البيئة، حتى انتقل مفعولاً إلى الأحياء وقد أمرنا المولى بأن لا نفسد في الأرض والجو بقوله تعالى: (ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها) [سورة الأعراف: الآية 56]. (والسماء رفعها ووضع الميزان ألاّ تطغوا في الميزان) [سورة الرحمن: الآية 6 و 7].


من الوجهة الإيمانية

ما أصاب الطفل من إعاقة أو تشويه، سواء ولد كذلك أو حصل له ذلك بعد ولادته هو في الحقيقة في منتهى الرحمة والعدالة الإلهية. كيف لا، وكل معوق أو قاصر لا يحاسب وتكون الجنة مثواة بعد موته؟ وما قيمة الحياة الفانية، وهي حياة اختيار وتكليف وبلاء بالنسبة للحياة الأخرى الباقية الأزلية التي سينتقل إليها الطفل أو الولد المعوق أو المصاب بمرض قاتل؟ أما قول بعض من أهل المرضى المعوقين بأن أطفالهم يتعذبون فمرفوض، لأن الطفل المعوق عقلياً لا يتعذب ويتألم كما يتصورون. إن عقدهم المرضية وانعكاس مشاعرهم وعواطفهم التي لم يهذبها الإيمان الصحيح على أولادهم هي التي تصور لهم ذلك فالألم شيء نسبي، والألم النفسي الذي هو من أصعب الآلام، لا وجود له عند المتأخر عقلياً، بل وجدنا هذا في أكثر الأحيان سعيداً وراضياً بما قدره الله: (وانّ الله بكم لرؤوف رحيم) [سورة الحديد: الآية 19]. أما المعوق جسدياً فمن الواجب أن نشرح له ولأهله ومن يعني به معنى البليّة من وجهة إيمانية، ومتى عقل المعوق حمد الله على بلائه بإعاقته بعد ان شرحنا له معنى البلاء في المفهوم الإسلامي.

 

من كتاب: الثوابت العلمية في القرآن الكريم

 

للأعلى