|
|
||
|
|
|
توبة (فُضَيل)... |
|
لم تكن (أسماء) الجميلة التي أضفى الله عليها كل صفات الإيمان حتى جمّلها حجابها وعفتها رونقاً وجمالاً. إلا واحدة من فتيات تلك القرية المتناثرة البيوت والتي غطى سطح قلبها الخوف والفقر. وأصبحنّ جليسات البيوت دون أن تقرع بابهن للزواج، أو حتى التلميح إلى ذلك. كنّ يخرجنّ في وضح النهار خوفاً من أن تنسل إليهنّ أيادي الفضوليين، وتتراشق الكلمات حولهن من أفواه الفاسدين، حتى كنّ يهرولن إلى الساقية بسرعة خوفاً من تواجد قُطاع الطرق، ومن قلة الدين! أما أسماء فكانت تنتهز الفرصة لكي تسترسل لوحدها دون ضجيج لتجلب الماء إلى عائلتها الكريمة، فتلملم نفسها وتغطي انوثتها حتى تبرز مقتحمة ذلك الجو الصحراوي اللئيم الذي تتطاير فيه حباة الرمل، وتصرخ فيه الريح حتى تحدث صفيراً يزعج الآذان، ولكنها عازمة على أن تتصارع معها، فكلما تتقدم خطوة تدفعها الريح خطوتين أو ثلاث إلى الوراء وهكذا حتى تنتصر عليها. كانت تحتضن جرتها، كالأم التي تحتضن رضيعها، وتشق الريح، وهي خائفة من سقوطها فقد تربت معها ولم تفارقها حتى أصبحت جزءاً منها، ورغم كل هذا، كانت تتلفت يميناً ويساراً خوفاً من المتطفلين، وأحياناً كانت تشعر بوقع أقدام تلحق بها، ولم يكن إلا عفتها ودينها الذي يخلق عندها هذا القلق وهذا الحرص. لم يترك اللصوص الناس يعيشون بسلام وأعراض الناس أصبحت مهددة بالانقراض بسبب تلك الحفنة المشؤومة من قطاع الطرق الذين لم يكتفوا بسرقة الأموال، حتى لجأوؤا إلى التعرض وبشكل وقح إلى أعراض الناس، وكان من جملة هؤلاء: (فضيل بن عياض) الذي زرع الرعب في ثنايا تلك القرية الطيبة بأهلها. وبعد عناء كبير للوصول إلى الساقية، بركت أسماء على حافتها لتلمس بيديها الناعمتين خيوط الماء حتى تملأ جرتها العطشى وترتوي منها، حتى خطف من أمامها ظلٌ أفزعها فقفزت مذعورة، وإذا به يقف أمامها - فضيل - كالشبح وسط أشعة الشمس، حتى بانت كل تقاطيع وجهه الحقيقية، وأخاديد اللهب الصحراوي الذي حفر وجهه حتى جعله كالخريطة. تراجعت أسماء إلى الوراء تسحب رجليها بقوة وهي تحتضن جرتها، لكن رعشة الخوف أسقطت جرتها الحبيبة، وأسقطت معها أحلى جزء من ذكرياتها الحزينة. يقف هو مبتسماً، بينما استندت هي على جذع نخلة قريبة والتصقت بها كما تلتصق الصخور بالأرض فغدت جبالاً لا تهد. لم يكن الصراخ ليجدي نفعاً، ولا الحديث ليفهم، ففضيل هذا بقية من آثار الجاهلية، والحراك ربما يضر بها، فالتزمت الصمت المطبق مع العفاف الأزلي، حتى فتحت عيناها نحوه وشرار الغضب يخرج منها، حتى تمنت ان تنقض عليه كالنسر الجارح لتمزق جسده المتعفن بأناملها الرقيقة. أما هو فقد كان يقلب عينيه عليها موزعاً ابتسامته الخبيثة، رغم الشر الذي يرتسم على وجهه وكأنه أسداً يريد أن ينقض على حمل وديع، حتى أصبح قريباً منها، وأنفاسه الكريهة تثير الاشمئزاز فتشيح بوجهها عنه، وتقول: •• الرحمة.. أتقي الله.. ورغم شدو الكلمات ونيران الترجي، وحرمة الناس، إلا أنه كالأنعام، لم تكن الكلمات مناسبة لمثل شخصه حتى بادر بكل همجية الجاهلية بقوله: •• أخبري أباكِ أني سأتي الليلة - وأحل عليكم، وعليه أن يهئيك لي. يبدو أن (فضيل) هذا خبير بأهل القرية وخاصة بناتهم، دون حياء، ويعرف كيف ينتهز فرصة السوداوية، ليلحق بقرينه ويتحول إلى مارد كبير يبتلع كل شيء، كما يبتلع الحوت السمك الصغار دون هوادة، ويترك وراءه ثورة من موت معلن، وبقايا من جسد متهشم، وكثيراً ما تنطلق من البيوت صيحات الخلاص الأبدي. اشمئزت أسماء من كلامه، ودموعها تمتزج مع خمارها المتيبس من شدة الحر، وما أن تركها وذهب بكل ثقة، حتى دبت الحياة فيها، وبدأت دقات قلبها بالبطئ، وهي تتأمل جرتها المتحطمة وتبكي، تركتها وأطلقت العنان إلى رجليها النحيفتين وهي تتعثر بخطاها وتتمنى أن يطلق لها جناحان فتطير من شدة الواقعة. وما إن وصلت وأخبرتهم حتى صعق الأب، ولطمت الأم على وجهها وهي تتلمس ابنتها المسكينة وتشمها تارة وتحتضنها تارة أخرى. والاثنيان يبكيان. أما الأب المسكين فلا يملك سوى ان يجلس واضعاً يديه على رأسه يحمد الله ويشكره ثم يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، حسبي الله عليك يا فضيل، فعسى الله أن يهديك أو يفنيك. كانت دعواهم تختلف عن باقي الدعوات لكثرة هؤلاء النفر الذين خيم الحقد والفساد على قلوبهم كما تخيم الغرابيب السود على جثث الموتى، والذين أصبحت القرية بالنسبة إليهم المكان الآمن لتنفيذ مآربهم، وسرقة أموال القوافل. لم يترك القلق محله، وساعات النهار تتراكض، والشمس تسحب خيوطها لتودع اتعس يوماً مرت به العائلة الطاهرة. ودخل الليل، ودخل فيه الخوف المتلاحق، والغضب المكبوت في سجنه القديم. حتى تعالى صوت المؤذن معلناً صلاة المغرب. كان الهمس المطبق عليهم حزءاً من كل الخوف المكتوب عليهم، ولا مفر من ذلك، حتى نهض الأب، وانتفض غبار القلق ووجه كلامه إليهم، رغم نباح الكلاب المخيف المعلن دائماً قدوم أحد، ولا أحد. تحدى الأب القدر، وأحب أن يضفي قوة على هذا السكون المخيف حتى قال لهم: •• اسمعوا، دعونا نبتهل إلى الله - وندعوه، عسى ان يجعل لنا ربنا مخرجاً. توجهت العائلة، واخذت تستغفر الله، حتى اسبغوا وضوئهم، ودموعهم وخاصة أسماء تختلط مع ماء الوضوء بدون شعور، وأخذ كل منهم مكانه وتوجه إلى الله. حتى اختلطت دعوتهم مع نشيدهم الأزلي وهو البكاء والعبرة، وانطبق الليل على سطوح البيوت كما انطبق الصمت على أسماعهم، فلم يكن هاجسهم متوجهاً إلى أي شيء سوى ان يبتهلوا إلى الله. واستمرت الأم بالدعاء والأب المسكين رافعاً يديه يطلب العون من الله، وبينما هو غارق في مفرداته الإلهية، وإذا به يسمع هاجساً يقول له اقرأ القرآن فإن به النجاة وانه السلاح الذي تفوز به. حمل جثته المنهكة وتوجه إلى كتاب الله ليفتحه ويبدأ، وشاركته العائلة بالسماع إليه، وإذا بفضيل، يدنو من البيت، حاملاً معه الشر، يقوده الشيطان إلى بؤرة الإثم. توقف ليطرق الباب ليعلن قدومه، وإذا بتراتيل القرآن تخرج من ثنايا البيت، وأصوات النشيج المتكسر تختبط بالجدران لتخرج وتدخل في تلابيب عقله المتعفن. تجمدت يداه ولم يعد يستطيع الحراك، التفت يميناً ثم يساراً ثم جلس، كانت بوادر الحيرة والقلق والرهبة قد تحوطت به، حتى سمع قوله تعالى: (أما آن للذين آمنوا ان تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق). وما ان سمع الآية الكريمة حتى بدأت الدموع تشق طريقها بين أخاديد وجهه، وترتعش جميع فرائضه، ولم يعد يتمالك نفسه، حتى تهاوى على الأرض ولا يدري ماذا يفعل! ثم جمع قوته المتهشمة، وسحب رجلاه المتآكلة من شدة الركض خلف القوافل، ورائحة العرق قد تحركت بفعل دموعه وقشعريرة جسده. فاندفع نحو البيت وهو يتمتم ويقول لنفسه: •• نعم آن لي ان يخشع قلبي لذكر الله... وظل يرد هذه العبارة التي ملأت أركان جسده وعقله وكل حواسه وعالمه المنفي، حتى أطلق صرخته التي لابد منها ويقول: •• يا أهل الدار، أنا الفضيل، أنا الذي أرعبتكم، وأخفتكم، وأنا الآن اعتذر إلى الله، وإليكم، وأني تبت إلى الله... فحمُلت الكلمات إلى العائلة بأكف الندم حتى عادت البسمه إلى وجوههم وشفاههم المتيبسة من كثر المناجاة والدعاء، وان الله قد أغدق عليهم بمنّه وكرمه، واحتضنت الأم ابنتها وبكى الأب من شدة الفرح، وكأن الموتى قد قاموا من القبور. أما الفضيل فقد سحب نفسه ليقود بقايا قرينه المغلوب على أمره ليدفنه في عمق الصحراء ويقطع أثره، ويلبس ثوب الهداية بعد التوبة. خرج الأب المسكين حينها ليشكره، فلم يجده، فتطلع في الأُفق رغم سواد الليل فلمحه وهو يسحب جثته متجهاً إلى عمق الصحراء. دخل وأخبر العائلة وشكروا الله جميعاً على فضله ومنه. أما فضيل فقد التجأ إلى إحدى الخربات ليبدأ بإقامة العزاء على نفسه، حتى يفرغ كل ما في جعبته من السنين السوداء ويعترف أمام الله، حتى تحل عليه التوبة. وما إن غرق في دعائه حتى سمع همس كلمات قريبة منه وهو يقول لصاحبه: •• من الأفضل ان لا تتحرك قافلتنا في هذا الوقت من الليل، فربما قطع فضيل وعصابته علينا الطريق. فأجابه صاحبه •• إننا أقوياء، ومسلمون جيداً، وإذا تعرض لنا فضيل وعصابته فإننا سنضطرهم للفرار. فامتزج صوت الخوف القادم إليه مع صوت الحق الذي يفجر كيانه، حتى انتفض صارخاً من أعماق قلبه المتكسر في هذا الزمن الغابر الذي يريد فيه الانسلاخ ليبدأ من جديد، فتتوقف ساعات الزمن عنده وينتهي وكفى.. إلا أن المصيبة الأخرى هي ليس من المعقول أن يقف وسط الصحراء ليعلن توبته لجميع الناس، فالأمر ليس بهذه البساطة، عنده على الأقل.. فنهض متوجهاً إليهم صارخاً: •• أيتها القافلة سيري بسلام، فقد تاب فضيل، وها أنا ذا هو، لا خوف عليكم منه. لم تصدق القافلة، وأصابهم الرعب بسماع صوته. واضطرب الجميع، فعز عليه ذلك، فخرج إليهم ليثبت مصداقه، والدموع مُلتصقة بعيونه، كدموع الأطفال الجدد. فاطمأنت القافلة، وحمدت الله وسارت بأمان، وتركت ورائها ذلك الرجل المخيف الذي شاء الله ان يسمعه هداه، حتى جلس في وسط الصحراء وهو يركع ويسجد ويطلب التوبة من الله، ثم يحمل بكفيه الثقيلتين حفنة التراب ويهيل به على رأسه، حتى يختلط مع دموعه، واتجه إلى الطريق الحق، وترك ورائه حفنة من ماضي دمر حياته، وأصبح بعد ذلك عابداً زاهداً، يضرب به المثل في الفضيلة والتقوى. وفي ذلك عبرٌ لمن اعتبر.. |