|
|
||
|
نور الزهراء |
|
باقرُ العلوم بحرٌ يتدفق |
|
بسم الله الرحمن الرحيم تملكتني حيرةٌ شديدةٌ وأنا أمسكُ بقلمي لأخُطَّ سُطوراً أعبرُ خلالها عمّا يختلجُ في أعماقي السحيقةِ من مشاعرَ جمةٍ دفينةٍ أحملُها تجاه الإمام الباقر ـ عليه السلام ـ خليفةُ الورى و إمامُ الهدى ، وابنُ المصطفى الذي بلغ من العلو والرفعةِ ما انحنت لشأنِه صروحُ العزِّ والمجد ، وفُتِحت لعظمتهِ أبوابُ الشرفِ والسؤدد ، تمازجت مشاعري تلك مع جنباتِ روحي فزادتها حيرةً على حيرةٍ .. إن حارت الألبابُ كيف تقولُ في ذا المقام فـعذرها مقبولُ وعُذري مقبولٌ ، فلقد احترتُ وحارَ فيه القلمُ واللسانُ ، بعدما هَامَ فيه اللُّبُ والجَنَانُ .. صَمَتَ قلمي وبَدا عاجزاً حائراً ، ووقفَ مدادُه متردداً خائفاً .. الكلماتُ هربت من قاموسي خَجِلةً، و الحروفُ اختبأت ورائي جَزِعةً، خشيةً التقصيرِ والعجزِ عن التعبير ، عن إمامٍ عظيمٍ وسيدٍ كريم ، بلغَ الآفاقَ بعلمِه ، وحيرّ العلماءَ بفكرهِ ، فكان عظيمَ عصرهِ ، وفريدَ زمانهِ . في ذاكَ الزمانِ من غُرّة رجب المرَجب ، وفي مثلِ هذا اليومِ جذُلت لميلادهِ عروشُ السماءِ ، وطَربت الأرضُ وما عليها ، فقد لاحَ في الأفقِ البعيد نجمٌ بارقٌ ، و سطعَ ضياءٌ شارقٌ ، امتدَ نورُه من السماواتِ العُلا وشقَّ ذلك النورُ طريقَهُ ليستقرَ على الأرض ِ.. في بيتِ الـنَّـبُوة ..في يثربَ ..تلك المدينةُ المباركةُ والبُقـعة العطِرةُ بأريجٍ محمديٍّ فوّاح ، وعنبٍر نـبويٍّ أَخَاذ ، مازلنا نتنسمُ نفحاتِه إلى اليومِ في المدينةِ وما حولها .. هبطَ هذا النجمُ الباقريُّ ومعهُ رسالةٌ يؤديها ، وفي عنقهِ أمانةٌ يحملها ، وهكذا الحالُ مع كلِّ إمامٍ من أئمةِ الحقِ وهُداةِ الرُّشد ، فالإمامُ القائمُ يقفو أثرَ الإمامِ المُـقتفى مكملاً الطريقَ من بعدهِ لهدايةِ البشر من الجهلِ المطبقِ على قلوبٍ ضالةٍ كفرَت بالله ، وجحَدَت أنعمَهُ ، فيرسمُ لهم هذا الهادي ـ رغم ما يلاقيه منهم من ضُرٍّ وأذى ـ طريقَ الحقِ والنور نحو الجنةِ والخُلودِ . بعد إطلاعي على السيرةِ العظيمةِ لهذا الإمامِ ـ عليه السلام ـ وقفتُ إجلالاً لآثارهِ الزَّهراءِ ، ولعظمةِ أخلاقهِ الغَراءِ ، وأدركتُ بعدها عجزِي عن وصفِ مـنزلتهِ الشَّماءِ التي بَلغَ بـها العلياءِ ، ففي كلِّ كلمةٍ هو قائِلُها يقذفُ دُرراً محمدية ، و في كلِّ موقفٍ صنعَهُ القدرُ يـُعلمنا دُروساً عَلوية ، و في كلِّ حكمةٍ هو ناطقُها يعطينا عُلوماً باقرية ، فملأ الدنيا بعلومهِ وحكمهِ ووصاياه ، ما لم تتسعِ الدنيا لهذا الفيض ِالنازلِ و الزخَمِ الهائل .. فتلطفَ بها و أعطاها بقَدرٍ حتى تستوعبَ المعانيَّ الكامنة لكلماتهِ الخالدةِ التي ما تزالُ أصداؤها في الآفاقِ مدويةً ، و نغماتُها في الأجواءِ رَنانةً، وهمساتُها في الأعماقِ راسخةً ، وصفحاتُها في التاريخِ مسطرةً … و مواقفهُ (ع) بين السطورِ مسجلةٌ ، ولم أنسَ ما أنسى موقفاً من تلك المواقف العظيمة ، مع ( ابن المكندر) المتصوفُ الذي تركَ الدنيا لأهلِها وغاصَ في بحرٍ روحاني شفاف .. هذا المشتغِل عن الدنيا أراد أن يجعلَ من الإمام أبي جعفر (ع ) عِبرةً لمن يعتَبِر ، فكان هو عِبرةً وأعتَبَر ، فقد أبصرَ الإمامَ (ع ) يعملُ بنفسهِ في بستانٍ له ، مُتكئاً على غلامَـيّه ، يحرثُ الأرضَ ويبقرُها كما بقرَ علومَ الأولينَ و الآخرينَ بقراً .. أبصرهُ يتصفدُ عَرقاً ( مِسكاً ) غزيراً تحت وطأةِ الظهيرةِ الحارقة ، وحرارةِ الشمسِ الملتهبة ، فقال للإمامِ بعد السلام : - أصلحكَ الله .. شيخٌ من أشياخِ قريشٍ في هذهِ الساعةِ على هذه الحالِ في طلبِ الدنيا !! ألا تخشى أن يجيئكَ الموتُ وأنتَ على هذه الحالِ ؟؟ ، فأجابَ مَن عندُه علمُ الدنيا والآخرة قائلاً : _ والله لو جاءني الموتُ على هذه الحالِ ، جاءني وأنا في طاعةٍ من طاعاتِ الله ، أكُفُّ بها نفسي عنكَ وعن الناسِ .. إنما أخافُ الموتَ إذا جاءني وأنا على معصيةٍ . .. بهذه العباراتِ التي تنطِقُ حِكماً تربويةً ، نستَبصِر منها سرَ الوجودِ وحقيقتَهُ ، لتفسرَ لنا ماهيةَ الدينِ الحقِّ .. الغائبِ عن عقولِنا القاصرةِ ، علّمَ الإمامُ (ع ) ـ هذا الذي يَدعيّ في الدنيا معرفةً و علماً وغابت عنهُ معارفَ و علوماً ـ علمَهُ الإمام (ع) من هذا الموقفِ وعلّمَنا معهُ دُروساً في معنى الحياةِ .. دروساً في كسبِ الدنيا والآخرة معاً .. علمهُ وعلمَنا كيف تكونُ الدنيا مع الدينِ ، والدينُ مع الدنيا ؟ .. علمهُ وعلمَنا كيف نعيشُ بعزّةٍ وكرامةٍ ؟ .. علمهُ وعلمَنا أنّ العملَ عبادةٌ وأنه طاعةٌ لله .. علمهُ و علمَنا أنّ العملَ طريقٌ للحريةِ والسعادة .. علمهُ وعلمَنا أنّ العملَ صونٌ للوجهِ وكفٌّ للنفسِ عن مُسَأَلِة الجِـنّة والناس .. علمهُ وعلمَنا بأنّ الدينَ لا رَهبانيةَ فيهِ ..بل هو دينُ عملٍ وكدحٍ ..لا دينَ عبادةٍ قط . بهذه العباراتِ المنثورةِ دُرراً موزونةً ، أدركَ ( ابنُ المكندر ) حقائقَ غابت عنه زمناً ، وتعلّم أشياءً غفلَ عنها سنيناً ، فكان هو عِبرةً وأعتَبَر ، وقال خَجِلاً بعدَ هذه الدروس : رحمكَ الُله يا أبا جعفر أردتُ أن أعِظكَ فوعَظتني . ورجع هذا المتصوفُ خائباً من حيثُ أتى ، وانقلبَ بصرهُ خاسئاً وهو حسيٌر ، لكنه تعلّمَ دروساً لن ينسى العِـبرَ منها أبداً . أخوتي إنّ الإسلامَ يأمرُنا بالعملِ والسيِر في الأرض لبناءِ الحضارة الإسلامية كما ينبغي .. لبناءِ الكيانِ الإسلامي .. لبناءِ حياةٍ كريمةٍ للفردِ .. لبناءِ صرحٍ مُمردٍ للمجتمع .. وكلُّ ذلك يتحققُ بالدينِ والعملِ ولهذا جمعَ الإسلامُ بينهما " وابتغِ فيما أتاك اللهُ الدارَ الآخرة ولا تنسَ نصبيك من الدنيا " علينا أن نعملَ لدنيانا وآخرتنا ، وشرط ذلك هو الاعتدالُ في كلِّ شيءٍ ، بلا إفراطٍ أو تفريطٍ . وفي الكدِ لأجل المعيشةِ قال أمير المؤمنين علي ( ع ) : " أما غَدوةُ أحدِكم في سبيلِ الله بأعظم من غَدوتهِ يطلبُ لولدِه وعيالهم ما يصلحهم " .. وعلى المرءِ أن يعيشَ بكرامةٍ ويكدحُ من أجلِ أهلهِ حتى لا يكون عَالةً على الغَير ، وفي العملِ كرامةٌ يمنعُ المرءَ من مُسألةِ المخلوقين ، ففي سؤالِ الناس ذِلةٌ ليس بعدها ذِلةٌ ، إنما يـُعَدُّ مَن يعملُ في دنياه من أجلِ أهلهِ وعيالهِ من أعمالِ الآخرة . سيدي و مولاي علّمَتنا ومازلتَ تعلمُنا .. وما أن انتهى دوركَ عُدتَ نجماً مضيئاً في سماء الخُلدِ ، ومازلنا نقتبسُ من فكركَ وعلمك ، لكي نحيا أعزةً شرفاء .. سيدي ومولاي أنتَ بحرٌ يتدفقُ عطاءً وجوداً لم ينفد كلماتهُ ، وخزانةُ علمٍ حوت علومَ الأولينَ والآخرينَ ، أنتَ نبعٌ يتفجر .. و نهرٌ يتدفق ، يسيلُ العلمُ بين جوانبِكَ تدفُـقاً، ويسطعُ النورُ بين أضلعِـك تلألؤاً .. سيدي استميحُك عذراً لنفسٍ هائمةٍ في حبِكَ .. آملةً في رِضاكَ ، متعطشةً للإبحارِ في لُجَجِ علمِكَ الوفير ، و الأخذِ من شُطآنَ فيضِكَ الغزير ، عجزتُ وعجزت هذه النفسُ عن التعبير لعظمةِ شأنكَ و عزّةِ قدرِكَ ، ومازلتُ واقفةً على شواطئ بحرِك حائرةً ، فقد احترتُ وحارَ فيِكَ الفِكرُ والقلمُ . 19من جمادى الثانية سنة 1422 الموافق: 7 من سبتمبر سنة 2001 |