|
|
||
|
عالية مكي |
|
المولاة.. وأهمية المجالس الحسينية |
|
إن اهتمام الأئمة الأطهار بإقامة مجالس العزاء هو لأجل رعاية البذرة الأولى التي بذرها الإمام الحسين (عليه السلام) وحماية المثل التي ازدهرت بدمه ودماء صفوته الطيبة. وذلك كي تروي شجرة الكرامة والعزة في الحياة، ولكي تثمر نفوساً أبية لا تنام على ضيم، ولا تستحسن إشاعة الباطل. فكان الأئمة (عليهم السلام) يواظبون على إقامة هذه المجالس وإحياءها والدعوة لإقامتها، ولم تكن مقتصرة عليهم فقط، بل كذلك لمحبيهم ومواليهم وسائر المسلمين، كما شجع أئمة أهل البيت (عليهم السلام) الشعراء والموالين على نظم الشعر فيهم، وتعزيتهم عبر الإنشاد بالأبيات الرثائية. أو عن طريق الأدب من النثر وإلقاء الخطب التي تبين فضل الحسين (عليه السلام) وشجاعته... فكانوا (عليهم السلام) يهبون الجوائز ويمنحون العطايا والمكافآت ويتقبلون كافة المنشدين والشعراء، ويعقدون لهم المجالس الخاصة لسماع شعرهم وقصائدهم ويحضرون في هذه المجالس نسائهم وخواص أصحابهم. ولقد روي أن الإمام الصادق (عليه السلام) قد أجلس عائلته خلف ستر فأنشد السيد الحميري قصيدته المشهورة: أمرر على جسد الحسين فقل لأعظمه الزكية يــــا أعظـماً لا زلت من وطفاء ساكبة روية فبكى الإمام الصادق (عليه السلام) بكاءً شديداً، وأخذنّ النساء في الصياحة والعويل واللطم على وجوههن تأسفاً وحسرة على الحسين (عليه السلام). وحكي ان دعبل الخزاعي قال: دخلت على سيدي ومولاي علي بن موسى الرضا (عليه السلام) في أيام عشرة محرم، فرأيته جالساً جلسة الحزين الكئيب وأصحابه من حوله فلما رآني مقبلاً قال لي: مرحباً بناصرنا بيده ولسانه ثم إنه وسع لي في مجلسه وأجلسني إلى جنبه. ثم قال لي: يا دعبل أحب أن تنشدني شعراً. فإن هذه الأيام أيام حزن كانت علينا أهل البيت وأيام سرور كانت على أعدائنا، خصوصاً بني أمية، يا دعبل من بكى وأبكى على مصابنا، وبكى لما أصابنا من أعدائنا حشره الله معنا في زمرتنا. يا دعبل من بكى على مصاب جدي الحسين غفر له الله ذنوبه البتة. ثم نهض وضرب حجاباً بيننا وبين حرمه وأجلس أهل بيته من ورائه ليبكوا على مصاب جدهم الحسين ثم التفت إلي وقال: يا دعبل أرث الحسين فأنت ناصرنا وخادمنا مادمت حياً، فلا تقصر في نصرتنا ما استطعت. قال دعبل: فاستعبرت وسالت دموعي وأنشأت أقول: أفــــاطم لـــو خلتي الحسين مجدلاً وقد مات عطـــــشــاناً بشـط فرات إذن للطــــــمت الخــــد فاطم عنده وأجريـــت دمع العين في الوجنات أفــاطم قومي يا أبنة الخير واندبي نجــــوم ســــماوات بــأرض فلات فبينما هو مسترسل في قصيدته (وإذا بالنساء لطمن وعلا صراخهن وبكى الإمام الرضا (عليه السلام) بكائاً شديداً حتى أغمي عليه) وفي عيون أخبار الرضا (عليه السلام) بسنده عن عبد السلام بن صالح الهروي قال: دخل دعبل بن علي الخزاعي (رحمه الله) على أبي الحسن علي بن موسى. الرضا (عليه السلام) بمرو فقال له: يا ابن رسول الله اين قد قلت فيكم قصيدة وآليت على نفسي أن لا أنشدها أحداً قبلك فقال (عليه السلام) هاتها فانشده: مــــدارس آيــــات خـلت من تلاوة ومنــــزل وحـــي مقــفر العرصات فلما بلغ إلى قوله: أرى فــــيــئهم فـي غيرهم مقتسماً وأيديهم مـــن فــيـئهم صـــــفـرات بكى أبو الحسن الرضا (عليه السلام) وقال له: صدقت يا خزاعي، فاسترسل فلما بلغ إلى قوله: لقــــد خـفت في الدنيا وأيام سعيها وانــــي لأرجـــو الأمن بعد وفاتي قال الرضا (عليه السلام): آمنك الله يوم الفزع الأكبر، ثم أعطاه مئة دينار من الدنانير المضروب عليها اسم الرضا (عليه السلام) فقال دعبل: والله ما لهذا جئت ولا قلت هذه القصيدة طمعاً في شيء، ورد الصرة وسأل ثوباً من ثياب الرضا (عليه السلام) ليتبرك به فأنفذ إليه الرضا جبة خز مع الصرة فأخذهما دعبل وانصرف. وهكذا كان الشعراء يتوافدون على الأئمة (عليهم السلام) من كل حدب وصوب كشاعر أهل البيت الفرزدق وغيرهم، حيث كانوا يلهبون المشاعر برثائهم وأحاديثهم من أجل نشر أهداف القضية الحسينية، وفضح الطغمة الباغية من أتباع يزيد. وعلى هذا المنوال كان الأئمة (عليهم السلام) يطلبون النادبين باستمرار لإحياء المناسبة ويختلقونها أحياناً أخرى، كل ذلك لإخبار الناس بما جرى للحسين وأصحابه (عليه السلام). كي يبقى الحسين (عليه السلام) ذكرى حية في نفوس الأجيال، خالدة خلود الدهر، وبكونها لا تنفصل بمعانيها السامية عن أهداف الإسلام ومقاصده الكريمة. فمن هذا المنطلق بقيت هذه المواقف للأئمة (عليهم السلام) مناراً ودافعاً جعل المسلمون والموالون يلتزمون بإحياء هذه الشعائر وبدون انقطاع في كل بلد حلّوا فيه، وبالرغم مما كانوا يتعرضون له من قبل المعارضين. والمعاندين والمعاندين لأهل البيت (عليهم السلام) من تنديد وتنكيل وسخرية، وقمع واضطهاد، ومع كل ما قام به هؤلاء إلا أنهم لم يفلحوا في كبح هذا التيار الذي بقي يتعاظم باستمرار مع الزمن وبقي في تصاعد مستمر منذ أن روى سيد الأحرار بدمه أرض كربلاء إلى يومنا هذا. |