|
|
||
|
د. عدنان الشريف |
|
الظلمات الثلاث |
|
- أولاً: في التوقف عند كلمة (بطون)، وجملة (خلقاً من بعد خلق) (سورة الزمر: الآية 6). وعلى ضوء علم الجنين الوضعي، تتبين لنا الأبعاد العلمية الإعجازية في الآية الكريمة أعلاه وهي: 1 - إن تخلّف الجنين كما تنص هذه الآية الكريمة يبدأ في بطون أمهاتنا، والظلمات الثلاث يجب ان تكون في البطن وليس في الرحم فقط، كما فسر بعضهم ممن تعرض لشرح الآية الكريمة أعلاه. 2 - جملة (خلقاً من بعد خلق) تضعنا في صورة تطورية ديناميكية متحركة للمراحل التي يمر فيها الجنين داخل الظلمات الثلاث، بمعنى أنه ينتقل من ظلمة إلى ظلمة خلال تطوره. 3 - لذلك نرى أن قول بعضهم بأن الظلمات الثلاث هي ظلمة عضلات البطن كظلمة أولى، وظلمة تجويف الرحم كظلمة ثانية، وظلمة السائل الأمينوسي الذي يحيط بالجنين حتى الولادة كظلمة ثالثة، يعطي تفسيراً غير دقيق من الوجهة التشريحية. والقول بأن الظلمات الثلاث هي ظلمات الأغشية التي تحيط بالجنين داخل الرحم، يحمل النص القرآني ما لم ينص عليه: فلقد حددت الآية أن تخلّق الجنين يمرّ في ظلمات ثلاث، في بطون أمهاتنا، وليس في أرحام أمهاتنا والرحم جزء من البطن وليس البطن كله. كما أن للأغشية المحيطة بالجنين ظلمة واحدة وليس ظلمات ثلاث. 4 - نحن نرى - والله أعلم - أن الظلمات هي من حيث تسلسلها الزمني والمرحلي كالآتي:
ب - الظلمة الثانية: هي ظلمة تجويف الرحم (obscurit'e de la cauite uterine) وهي ظلمة طور العلقة عندما تتعلق البويضة الملقحة التي بدأت بالتكاثر والانقسام بالغشاء الداخلي للرحم، ثم تختفي وراءه بعد اليوم السابع من الحمل.
حيث يسبح الجنين إلى حين الولادة. وتجدر الإشارة إلى أن هذه الظلمات هي تجاويف لها تحديد تشريحي. بالإمكان رؤيتها اليوم بما توصلنا إليه من كشوفات علمية بواسطة آلات التنظير الجوفي (endos copie) بعد إنارتها. ونشير هنا إلى أن هذه الآية الكريمة لم تتبين أبعادها العلمية إلا في القرن العشرين، وهي من البراهين العلمية المنطقية العديدة في القرآن الكريم التي تثبت أنه من لدن الله الحكيم العليم. فمن علّم الرسول الكريم علم التشريع وعلم الأجنّة؟ وفي أية كتب في الطب عند الأقدمين توجد معلومات عن ظلمة الأنبوب وما يحصل في داخله، أو ظلمة طور العلقة؟ وكل هذه العلوم علوم تشريحية تتطلب وجود مجهر وآلات تنظير جوفي، وهذه الحقائق العلمية لم يكتشفها الإنسان قبل القرن العشرين. - ثانياً: المولى سبحانه وتعالى يدلنا على شيء من قدراته في آخر هذه الآية الكريمة (ذلكم الله ربكم له الملك لا إله إلا هو فأنى تصرفون) فمن أراد أن يعرف شيئاً عن قدرات الله، فليدرس تخلّق الإنسان من خلال علم الجنين الوضعي، وسيرى كيف يتطور الخلق في ظلمات ثلاث. ومن أراد اليقين بأن القرآن الكريم هو كلام الله، فليدرس تاريخ اكتشاف المعلومات في علم الجنين الموضعي، وسيعلم بأن الظلمات الثلاث التي يمر خلالها الجنين في بطن أمه لا يعرفها منذ خمسة عشر قرناً إلا خالق الجنين سبحانه وتعالى. ومن تسرب إلى نفسه الشك بأن الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله) نقل معلومات الظلمات الثلاث من كتب الأقدمين، نسأل أن يدلنا على هذه الكتب التي نجد فيها هذه المعلومات الدقيقة، التي لم يكتشفها الإنسان إلا في القرن العشرين. ثالثاً: هذه الآية الكريمة تعطي مثلاً عماً أسميناه بالجدلية العلمية المنطقية القرآنية، بمعنى أن المولى يربط الدليل المنطقي على وجوده (ذلكم الله ربكم له الملك لا إله إلا هو فأنى تصرفون) من خلال دليل إعجازي سبق ما كشفه العلم الإنساني بقرون بقوله: (يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقاً من بعد خلق في ظلمات ثلاث). رابعاً: الرحم هو العضو الطبيعي الذي أهله المولى ليستقر فيه الجنين لبعض الوقت: (ويضع في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى) [سورة الحج: الآية 5]، (الله يعلم ما تحمل كل أنشى وما تغيض الأرحام وما تزداد) [سورة الرعد: الآية 8]، (ويعلم ما في الأرحام) [سورة لقمان: الآية 34]، (ثم جعلناه نطفة في قرار مكين) [المؤمنون: الآية 13]، إلا أنه يوجد حالات استثنائية نادرة جداً يستقر الجنين فيها في أحشاء أمه خارج الرحم وينمو فيها. وهناك 24 حالة حمل منشورة في المجلات الطبية لنساء استؤصلت أرحامهن وبالرغم من ذلك حصل لهن حمل. وقد وضعت واحدة من هذه النسوة طفلاً طبيعياً بعد أن أجريت لها عملية قيصرية. وهناك ألف حالة نادرة في العالم حصل الحمل فيها خارج الرحم أي في أحشاء البطن. وفي تسعين حالة منها نما الجنين نمواً طبيعياً وخرج حياً من بطن أمه بواسطة عملية قيصرية. على ضوء هذه الحالات الطبية النادرة نلاحظ الإعجاز العلمي في قوله تعالى: (يخلقكم في بطون أمهاتكم)، وهو ليشمل الإشارة إلى هذه الحالات النادرة من تخلّق الجنين في بطن أمه وخارج الرحم. أما التجارب التي يجريها اليوم بعض الأطباء من المصابين بهوس الجنون العلمي، على ما اسموه بـ (حمل الرجال) إذ يحاولون زرع النطفة الملقحة في أحشاء الرجل، فهي تجارب لن يكتب لها النجاح لأنها تتعارض مع قوله تعالى: (يخلقكم في بطون أمهاتكم)، فليجربوا ما شاؤوا وليذهب بهم الشطط العلمي كل مذهب! كتاب من علم الطب القرآني |