|
|
||
|
|
|
العمامة والمتعممون |
|
قيل إن الذين يلبسون العمامة على أصناف وأجناس، منهم الأصيل ومنهم الدخيل، أما الأصيل والذي أعني به صاحب نية صالحة فهو على درجات من حيث العلم والأخلاق والسلوك. وعلى أشكال من حيث الهندام والاهتمام بمظهره وملبسه، وأما الدخيل فهو كذلك على درجات وأشكال، فبعضهم لبس هذا الزي الشريف ليخفي تحته مهمته (التجسسية) لدولة فاسدة مثلاً أو فئة تريد الإساءة إلى هذا الزي، وبعضهم أتخذه مصدر رزق ومصالح مادية وبعضهم كان معقداً نفسياً وفاشلاً في المجتمع أو عاطلاً على العمل فاستقر هواه أن يأوى إلى الحوزات العلمية حيث السكن والراتب البسيط وإمكانية الهروب من المسؤولية، وهذا لا يشمل الطالب الذي يلتحق بالحوزة بنية صالحة ليتغلب على مشاكله النفسية والاجتماعية، ذلك لأن الحوزات الدينية هي مراكز للتربية والتكامل. فعندما بدأ شيخنا الجليل صلاته في حرم الإمام الرضا (عليه السلام) رأى أحد المزورين الذين يلبسون العمامة البيضاء، وهو يقرأ الزيارة لشاب زائر، والتي كانت عمامته لكثرة ما عليها من الوسخ تميل إلى اللون الرمادي، وهو يلتفت يمنه ويسرة وينظر إلى الشاب حيناً وإلى من حوله حيناً: كان الشيخ يريد أن يكمل صلاته حتى يتفرغ لرؤية هذا المنظر الذي يثير الفضول في نفسه والقلق الذي يساوره من هذه الثلة التي تحاول الإساءة إلى الدين والعقائد. تربع المعمم وعدّل عمامته وأخذ يقرأ والمسكين على رسله، ملتصقاً به يلتمس الأجر في نية الزيارة والدعاء، حتى انتهى شيخنا الجليل من صلاته، وأخذ يراقب الموقف عن كثب. وما أن بدأ المزور بعمله المشين حتى خرجت الكلمات من فمه بشكل غير صحيح ودقيق، وعدم إجادته في القراءة، الأمر الذي أدى إلى اختلاس الضحكات في وجه الشاب، ولو لا حرمة المكان لقهقه عالياً، حتى أحمر وجهه، فما عساه أن يفعل سوى أن يكمل ما بدأ بكل احترام، هذا كله في كفه والرائحة التي كانت تخرج من جسده المتعفن في كفة أخرى، فبدأ الناس بالابتعاد عنهم للتخلص من هذه الرائحة المثيرة للاشتمئزاز. وما إن تعب من القراءة أخذ يتعثر في النطق ثم بدأ يسرع ويتململ جاهداً في إنهاء عمله. وعندما أنهى شيخنا صلاته، أخذ يتأمل الموقف النهائي الذي بات جاهزاً فقد طال انتظاره، وفجأة أنهى المزور دوره، وبإيمائة مباشرة منه إلى الشاب ليعلن انتهائه، ضم الشاب يده إلى جيبه ليخرج بعض النقود والابتسامة تلوح في وجه المزور، والشيخ قد بدأ يضجر من شدة الموقف، حتى مد المزور يده بفضول ليسحب منها فضربه الزائر على يده ونهره بشدة ثم رمى عليه بعض النقود وذهب غاضباً. نفذ صبر الشيخ بانتهاء الموقف، ومرت الأيام، وبعد أقل من أسبوع، وكالمعتاد ذهب الشيخ إلى حرم الإمام (عليه السلام)، وفي نفس المكان وجد ذلك المزور وهو يجلس مع شخص آخر معتماً بعمامة سوداء، التي هي عندنا رمز السيادة والاتصال النسبي برسول الله (صلى الله عليه وآله)، فتذكر الحديث النبوي الشريف الذي يقول: (لعن الله الداخل فينا والخارج منها). فاتجه نحوه ليسأله: - هل أنت سيد؟ قال: نعم، أنا سيد يشهد الله ذلك.. وأخذ يدافع عن نفسه وبصورة غير طبيعية دون أن يقول له شيئاً، فقاطعه الشيخ قائلاً: إنك في الأسبوع الماضي كنت بعمامة بيضاء؟! فسكت لحظة ثم عقب قائلاً: أنا سيد، ويشهد لي العالم (الفلاني)، ولكن خدام الحرم يرفضون سيادتي. فلما سمع الشيخ كلامه، وطريقة تبريره للموقف وشخصيته المهزوزة تركه وذهب إلى أقرب خادم في الحرم، فتحدث معه وسأله أن يرشده إلى أقرب مسؤول عن الحرم فساعده على ذلك. واتجه الشيخ إليه. وعندما التقى به، قص عليه ما رأته عيناه، والموقف الذي لا يمكن أن يقبل به أحد، والأفعال التي تسيء إلى سمعة العلماء والمعممين الصالحين، وبنفس الوقت المهازل التي تثار جراء أسلوبهم المشين في تشويه الدين ومفاهيم وآداب الزيارة، وطلب منه أن يعالج مثل هذه المواقف... قال: منذ زمان ونحن متورطون مع هذه النماذج الفاسدة من المزورين، وكلما نرميهم خارج الحرم يعودون ثانية، ليس لدينا حل، فإذا كان لديك اقتراح نستفيد. فطلب الشيخ ورقة وقلم ليكتب فيها فأعطاه المسؤول ما أراد. فأخذ الشيخ الجليل يكتب فيها: إن المزورين فيهم صالحين وفيهم فقراء ومساكين وفيهم كذلك الطالحين، الصالحين البسوهم زياً خاصاً غير العمامة كما في العتبات المقدسة في العراق، وذلك لكي لا يختلط الأمر على الزوار فيفكروا كل معمم في الحرم شغله أن يزور ليمدّوا إليه (أجرة)! والفقراء منهم يتم إرشادهم ومساعدتهم لينضموا إلى الصالحين أو يبحثوا لأنفسهم عن مهنة أخرى. والطالحون يرمون خارج الحرم بالتي هي أحسن وإن عاودوا يتم حبسهم حتى يتوبوا وفترة الحبس تعطى لعوائلهم مساعدات على قدر حاجاتهم من ميزانية الحرم الشريف إن كانوا فقراء. وهكذا أنهى شيخنا الجليل كتابة مفرداته الرفيعة لينبه عن حالة مرضية تسيء إلى سمعة الآخرين، فثبتها ونصح لها، وأعطى حقوقها وبين طرق معالجتها، فبقيت ملفتة للاهتمام وذلك للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على صعيد الواجبات الإسلامية، وكذلك الآداب التي بإخلالها تتضرر سمعة الجميع. |