|
|
||
|
الشيخ عبد العزيز عبد الله الحبيب |
|
الكتاب والقائد أساس لصنع حضارة |
|
(إن الله بعث محمداً (صلى الله عليه وآله). وليس أحد من العرب يقرأ كتاباً ولا يدعي نبوة، فساق الناس حتى بوأهم محلتهم وبلغهم منجاتهم، فاستقامت قناتهم، واطمأنت صفاتهم، أما والله، إن كنت لفي ساقتها حتى تولت بحذافيرها، ما عجزت ولا جبنت، وإن مسيري هذا لمثلها، فلأنقبن الباطل حتى يخرج الحق من جنبه، مالي ولقريش، والله لقد قاتلتهم كافرين، ولأقاتلنهم مفتونين وإني لصاحبهم بالأمس، كما أنا صاحبهم اليوم). يتحدث الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في خطبة له حول نظرية بناء حضارة للبشرية، تلك النظرية التي تتكئ على عاملين أساسين هما: الرسالة.. والرسول، والرسالة عبارة عن مجموعة مبادئ وقيم أساسية راقية لصناعة حضارة من حيث المبدأ والنظرية، ولكن المبادئ وحدها لا تصنع مجداً ولا أوطاناً، ونظرة عامة إلى واقعنا الإسلامي نشاهد كثيراً من هنا وهناك عمليات فن صناعة الخطب وتنسيق الكلمات والمواعظ والحكم، مقروءة منها ومسموعة، بيد أن ذلك لا يكفي وحده لبناء دولة راقية، فما نعيشه اليوم ما هو إلا نوع من مرض الترف الفكري والسجال الثقافي على صعيدي الفلسفة والأدب، ولكي تشق الفكرة الخلاقة طريقها نحو الحضارة كان لابد من وجود المدافع عن الفكرة وعن تطبيقاتها في الساحة الحضارية، وهل يمكن لنا أن نتصور رسالة بدون مرسل؟! كذلك لا يمكن لنا أن نتصور رسالة بدون رسول، ورسالة حضارية بدون قائد وزعيم. من هنا نستطيع أن نستوعب بعض الأحاديث التي تشير إلى أن الله عز وجل يبعث على رأس كل مائة عام رجلاً يجدد حيوية الرسالة المحمدية ويحذرها في نفوس المسلمين ويفعلها في حياتهم اليومية، وإلى ذلك يقول الإمام علي (عليه السلام) في خطبته: إن الله بعث محمداً (صلى الله عليه وآله) وليس أحد من العرب يقرأ كتاباً سماوياً صحيحاً ولا يدعي نبوة وقيادة رسالية أصيلة، فالجزيرة العربية قبل البعثة النبوية كانت بسبب انعدام رسالة وفقدان رسول تعيش في فراغ حضاري كبير، والفراغ الحضاري هذا وتداعياته الجاهلية تشهد له كل كتب التاريخ، فالجهل العلمي، والمعارك الطاحنة، والأمراض، والفقر، ووأد البنات، والتعامل الاقتصادي الربوي في التجارة، والخواء الروحي.. وما إلى ذلك كله ما هو إلا انعكاس فصول مختلفة لمشهد مأساوي واحد هو الفراغ الحضاري. من هنا نجد بأن القرآن الكريم يؤكد على صحة القول بأن الكتاب والقائد هما العاملان اللذان يصوغان حضارة البشرية، وذلك في قوله تعالى مطلع سورة إبراهيم (عليه وعلى نبينا وآله أفضل الصلاة والسلام)، حيث يقول عز وجل: (الر، كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور) وحتى يتحقق إخراج الناس من ظلمات الجاهلية إلى نور الحضارة كان لابد من كتاب منزل، وذلك لمن؟ إليك.. يا قائد البشرية، لتخرج من؟!! لتخرج الناس، والخطاب القرآني هنا موجه للرسول، لتخرج أنت يا رسول الله من الظلمات إلى النور. ولأن رسول الله (صلى الله عليه وآله) استطاع أن يملأ الفراغ الفكري الثقافي والروحي في جزيرة العرب من خلال نصوص القرآن الكريم، وبواسطة مباشرته الذاتية في التصدي لقلب الواقع المتخلف رأساً على عقب، كانت النتيجة أنه (فساق الناس حتى بوأهم) وأرسى لهم صناعة (محلتهم) الحضارية في الدنيا، ليس هذا فحسب بل (وبلغهم) طرق (منجاتهم) لسعادة الآخرة، ويا ترى.. ماذا ستكون نتاج بناء الحضارة للبشرية وثمارها، إنها حتماً ستكون السعادة في الاستقامة على طريق الخير في الحياة (فاستقامت قناتهم) والقناة هي الدمع، وهذا تعبير بلاغي جميل من الإمام علي (عليه السلام) حيث يشبه نتيجة المضي نحو تحقيق الحضارة بأنه الانطلاق نحو حياة متزنة مستقيمة لهدف محدد وهو سعادة الإنسان كانطلاق الرمح مستقيماً نحو هدفه من دون إعوجاج أو اضطراب، ولهذا السبب (واطمأنت صفاتهم) الحضارية الخيرة في نفوسهم وترسخت المفاهيم الراقية في عقولهم. فإذا كانت تلك مبادئ مدينة علم رسول الله (صلى الله عليه وآله) فإن الإمام (عليه السلام) باب تلك المدينة وحصنها الحصين، بقول النبي (صلى الله عليه وآله): أنا مدينة العلم وعلي بابها، وقد مضى صحابته الكرام على ذلك النهج، والآن وقد تولى الإمام (عليه السلام) الخلافة في عهده يريد البعض تثنيته عن النهج الحضاري الذي رسمه للأمة رسولها العظيم، وذلك من خلال إعاقته عن إكمال مشوار الحضارة ووضع العصا في عجلة حضارة الأمة الإسلامية ومسيرة قائدها الجديد عن طريق تفجير الحروب بوجهه وإثارة القلاقل السياسية عليه، وبالتالي الرجوع إلى نقطة الصفر اللاحضارية في تاريخ الجاهلية، وهو المساهم الفعال مع الصحابة الخيرين في النقلة الحضارية بتاريخ الجزيرة العربية وما حولها، وإلى ذلك أردف الإمام قائلاً لمثل هؤلاء: (أما والله إن) - إنني مشاركاً (كنت لفي ساقتها) أسوق ركبها الحضاري مع رسول الله وصحبه المخلصين، (حتى تولت) الجاهلية واندثرت (بحذافيرها) والحال قديماً أن بنفسيتي وعزيمتي (ما عجزت ولا جنبت) واليوم وأنا خليفة المسلمين ماذا تتوقعون مني؟ التراجع عن إكمال مسيرة الحضارة النبوية؟!! كلا.. وألف كلا.. وإن مسيري هذا اليوم لمثلها بالأمس غير عاجز. ولا متراجع عن قرار (فلأنقبن الباطل) المتخلف حتى (يخرج الحق من جنبه) كما نقبت الجاهلية وأخرجت بؤر الباطل والفساد من جنب الجزيرة العربية قديماً، واليوم مسيرك هذا أيها الإمام لمثلها بالأمس وستظل كذلك، وهذا لا يعني بأن الإمام علي (عليه السلام) له عداوات شخصية ضد بعض عرب قريش، فإنه منهم ومن لحمتهم، ولأن بعض الذين ممن يحاولون زعزعة أمة الأمة الإسلامية في عهد خلافته ينطلقون من ثارات جاهلية قديمة وشخصية جاء جواب الإمام علي (عليه السلام) لهم سريعاً في خطبته عندما استرسل قائلاً: (مالي ولقريش) وعداواتهم الشخصية والجاهلية؟ وانني اعترف بأنني والله لقد قاتلتهم كافرين سابقاً من حيث المبدأ انتصاراً للدين والعقيدة لكونهم كانوا كافرين. (ولأقاتلنهم) اليوم كونهم بالدنيا (مفتونين) والحقيقة واني لصاحبهم بالأمس الذي قاتلهم من حيث المبدأ والعقيدة كما أنا صاحبهم اليوم الذي يقاتلهم على نفس النهج الذي قاتلكم عليه رسول الله (صلى الله عليه وآله) ).
|