فهرس العدد العاشر

فهرس الأعداد

الصفحة الرئيسية

 

-

 

الإصر والإغلال

بسم الله الرحمن الرحيم

(الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحلُّ لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضعُ عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم) [سورة الأعراف: الآية 157].

للأنبياء في حياة الناس ثلاث رسالات. والثلاثة هي:

1 - تشريع الحلال والحرام.

2 - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

3 - وضع الآصار والأغلال عن الناس. وهذه الثالثة مهمة تربوية، وفي ما يأتي شرح وتفصيل لهذه المهمة:

الإصر: بمعنى الثقل، والأغلال: حلقات الحديد التي توضع على ساق السجين أو الأسير، لتكبّله، وتمنعه من الحركة.

والإصر والأغلال، في الآية الكريمة، تعبير عن العوائق التي تعيق حركة الإنسان إلى الله.

فقد خلق الله تعالى الإنسان ليسلك إليه في حركة صاعدة. وهذه الحركة هي عروج الإنسان إلى الله تعالى؛ وفيها كماله وتحرّره من (الأنا) و(الهوى).

و(الإصر) و(الأغلال) يعيقان حركة الإنسان إلى الله.

ومهمة الأنبياء (عليهم السلام) في حياة الناس إزالة هذه العوائق من طريق الإنسان، (... ويضعُ عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم)، كما أن مهمة الطغاة تثبيت هذه العوائق وتأكيدها في حياة الإنسان، وإبقاؤه في أسر (الأنا) و(الهوى)، وحجزه عن الحركة إلى الله، والتكامل. ولابد لهذه الخلاصة من شرح وتوضيح، وإليك ذلك:

المنطلقات والعوائق

في الحياة منطلقات، منها ينطلق الإنسان في سيره إلى الله تعالى، وقد زوّده الله بها لتمكّنه من الإنطلاق إليه، كما أنّ في حياة الإنسان عوائق تعيقه وتحجزه عن الحركة إلى الله.

ولكي ينطلق الإنسان، في الحياة الدنيا، إلى الله؛ وهي المدَّة التي يتمكن فيها من الإقلاع من ذاته والهجرة إليه تعالى... لابد له من أن يأخذ بالمنطلقات التي أعدَّها الله تعالى لحركته وانطلاقته، ويزيل من أمامه العوائق التي تعيقه عن هذه الحركة.

وفيما يأتي توضيح وشرح لكل منهما:

1 - المنطلقات

أودع الله تعالى في فطرة الإنسان وعقله وقلبه طائفة من (الحوافز) و(القيم) و(المعارف) التي منها ينطلق الإنسان إلى الله... ففي هذه الرحلة الشاقة والطويلة، لابد للإنسان من العزم والقوة والإرادة، والصبر، والصمود، والمقاومة والشجاعة، والمعرفة بالله، والتوكل عليه، والثقة به، والإقبال عليه، واليقين به، وحبّه، والشوق إليه، والأنس به، والانقطاع إليه، والحبّ في الله، والبغض في الله، وحبّ أولياء الله والبراءة من أعدائه، والرضا بقضائه وقدره، والاطمئنان إلى ذكره تعالى.

ومن العدل، ورفض الظلم، والصدق، والأمانة، والوفاء، والعطاء، والحياء، والإيثار، والغيرة، والعفاف، والنزوع إلى الحقّ، والعزوف عن الباطل، وإباء الضيم.

وهذه القيم الإنسانية وغيرها، وهي كثيرة، هي المنطلقات التي ينطلق منها الإنسان في سلوكه إلى الله تعالى...

وقد أودعها الله تعالى جميعاً في فطرة الإنسان، وضميره، وعقله، وفؤاده، ولابدّ له منها في هذه الرحلة الشاقة العسيرة الكادحة إلى الله.

فكانت مهمة الأنبياء (عليهم السلام) تعريف الإنسان بما أودعه الله تعالى في فطرته وعقله وفؤاده وضميره من كنوز (المعرفة والقيم والحوافز)، وتذكيره بأنّ الذنوب والأهواء وما تتركه الجاهلية من رواسب في نفس الإنسان تشكل حجباً تمنع من وصول أنوار هذه القيم إلى نفسه، وتعيق مسيرته إلى الله تعالى.

2 - العوائق

وفي مقابل المنطلقات هناك العوائق؛ وهي طائفة من العوامل المعيقة لحركة الإنسان إلى الله؛ وهذه العوائق توجد في داخل النفس كما توجد داخل المجتمع.

ومن العواق التي توجد داخل النفس: الجهل، والخوف، والشح، والطّمع، وغريزة الجنس، وحبّ المال والموقع والمنصب، والبغض، والحقد، والحسد، والكسل، والتّعب، واليأس، والبطر، والأنانية، والاستئثار، والرياء، والميل إلى الترف... إلى غير ذلك من الصفات. والصفة الغالبة على هذه الطائفة من العوائق هي صفة (الهوى)؛ والأهواء تكمن داخل النفس.

وإلى جانب (الأهواء) هناك (الفتن)؛ وهي طائفة واسعة من المعيقات، موجودة خارج النفس، مثل الجنس الآخر، والمال، والموقع، والدينار، والحروب، والبأساء، والضراء، والسراء، والسلطان.

وهناك تفاعل بين الأهواء والفتن، فالفتن تجذب الأهواء، وتنجذب الأهواء للفتن؛ وفي هذا التفاعل بينهما تعطيل وإعاقة لحركة الإنسان ونموّه وتكامله.

ومن هذه العوائق ما يعطل حركة الإنسان بشكل كامل؛ وهي (الأغلال)؛ مثل: الهوى، والخوف، واليأس، والتعب، والبطر، ومنها ما يقلها؛ مثل: الترف، والميل إلى الترف، والكسل، وحب العافية.

يقول تعالى في المترفين: (وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول) [سورة الإسراء: الآية 16].

فالترف والبذخ من حالات الترهل التي تعيق حركة الإنسان.

سُنَة الطَغاة

ومن سنن الأنبياء (عليهم السلام) في حياة الناس تثبيت المنطلقات وإزالة العوائق، وتحرير الإنسان، وتحضيره للعروج إلى الله تعالى.

أما نهج الطغاة وسنّتهم في حياة الناس فهو هدم كل مراكز (القوى) و(المعرفة) و(القيم) في شخصية الإنسان، وصرف الناس عن الله، وتثبيت العوائق في شخصية الإنسان وتعميقها.

ولكن، لماذا يسعى الطاغوت إلى هذا النهج المعاكس لنهج الأنبياء، وما هو السر في ذلك؟

إن المعادلات الآتية تجيب عن هذا التساؤل:

1 - إن الطاغوت لا يتمكن من أن يتحكم في رقاب الناس إلا بإذلالهم وتطويع إرادتهم واستضعافهم وترويضهم لإرادته ونفوذه.

2 - وهو لا يتمكن من تطويع الناس لإرادته ونفوذه، واستضعافهم، إلا إذا قام بهدم مراكز القوة والمعرفة والقيم في نفوسهم، وتثبيت العوائق وتعميقها في شخصيتهم.

3 - ولا يمكن للطاغوت أن يحقق هذا الهدم والتثبيت إلا بفساد (الإنسان)، وإليك توضيح المعادلات الثلاث:

المعادلة الأولى

إن الاستكبار ينطلق دائماً من الإذلال والتطويع والاستضعاف للطرف الآخر، ولا يتيسر للطاغوت أن يفرض نفوذه وسلطانه على الناس إلا بتطويعهم لإرادته وإذلالهم واستضعافهم.

وهذه الحقيقة يثبتها القرآن الكريم بقوله تعالى: (إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعاً يستضعفُ طائفةً منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين) [سورة القصص: الآية 4].

فالقرآن يقرّ أن استضعاف الناس وإذلالهم هما الأسلوبان اللذان اعتمدهما فرعون للوصول إلى الاستعلاء والاستكبار اللذين لا يتحققان إلا بالاستضعاف وتطويع الناس.

المعادلة الثانية

إن تطويع إرادة الناس واستضعافهم لا يتم إلا من خلال هدم مراكز القوة والقيم والمعرفة في شخصية الإنسان. وما دامت هذه المراكز قوية وفاعلة فإن الطاغوت لن يتمكن من استضعاف الإنسان وتطويعه؛ لأن هذه المراكز تمنح الإنسان ثقلاً ووزناً، وتحميه، وتمنعه، وتحصّنه من تطاول الطاغوت وعدوانه.

فإذا أفرغ الطاغوت نفس الإنسان من كلّ القيم والقوى والمعارف التي أودعها الله تعالى فيها، واستخفّه، صار الإنسان خفيفاً، وفقد ثقله ووزنه، وأصبح كالعائم على وجه الماء، يوجهه الطاغوت كيفما يريد ويطوّعه لإرادته. وذلك قوله تعالى في فرعون: (فاستخفَّ قومهَ فأطاعُوه) [سورة الزخرف: الآية 54].

وهذه خلاصة مركزة ووافية عن دور الطاغوت وعمله في حياة الإنسان؛ فإنه يستخف الناس، ويسلبهم ثقلهم، ووزنهم، وقيمهم، وأخلاقهم، وشجاعتهم، وكفاءاتهم، وقدراتهم، وصمودهم، وصبرهم، ونزوعهم وميلهم إلى الحق.

وإذا استخفّهم الطاغوت، وسلبهم هذه القيم، فخسروا ثقلهم ووزنهم، وأصبحوا خفافاً يعومون كالخشبة على وجه الماء، فهي تجري حيث يأخذها الموج، عندئذٍ يطاوعون الطاغوت من غير إرادة، ويتحوَّل كلٌّ منهم من كائن يفكر ويريد إلى آلة تابعة، وإمّعة يتبع الطاغوت (فاستخفَّ قومَهُ فأطاعوهُ).

بل قد يزيد على ذلك، فيرى الأشياء لا كما أراده الله تعالى أن يراها، بل كما يريه إياها الطاغوت، فإذا كان الطاغوت يرى الصحيح خطأً والخطأ صحيحاً رآه هو كذلك، وإذا رأى الطاغوت الأعوج مستقيماً والمستقيم أعوج رآه هو كذلك، وإذا رأى الطاغوت المعروف منكراً والمنكر معروفاً فإنه يراه كما يراه الطاغوت.. وهذه هي حالة التبعيّة المطلقة.

تأملوا في خطاب فرعون للسحرة بعد أن آمنوا بالله تعالى: (قال فرعون آمنتم به قبل أن آذن لكم إن هذا لمكرٌ مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها فسوف تعلمون * لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلافٍ ثم لأصلبنكم أجمعين) [سورة الأعراف: الآية 123].

إن فرعون كان يتوقع من الناس أن يستأذنوه في كل شيء، حتى في الإيمان والعقيدة، فلا يحقّ لأحد أن يؤمن أو يعتقد إلا أن يأذن له فرعون؛ وهذا أقصى ما يمكن أن نتصوره من التبعية، وهو الذي يتوقعه الطغاة من الناس إذا أمكنهم ذلك.

المعادلة الثالثة

إن هدم مواقع القوة والقيمة والمعرفة في شخصية الإنسان تساوي إفساده؛ لأن في إعاقة الإنسان عن النمو والحركة إلى الله إفساداً له، وفي إعاقة المجتمع عن النمو والكمال إفساداً للمجتمع، وفي هلاك الحرث والنسل إفساداً للحرث والنسل والحياة، وفي الطغيان على الله تعالى والناس إفساداً للمجتمع... والخلاصة: إن في كل تخريب وهدم إفساداً.

والطاغوت، عندما يقوم بهدم مواقع الإرادة والقيمة والمعرفة، في شخصية الإنسان، فهو في الحقيقة يهدم الإنسان، وهدم الإنسان وتخريبه هو إفساده.

ففي الآية الرابعة من سورة القصص، وبعد أن يذكر الله تعالى استعلاء فرعون وإذلاله للرجال وذبحه للأطفال، يحكم الله تعالى على فرعون بـ (إنه كان من المفسدين)، وهذا حكم الله في حقّ فرعون من فوق سبع سماوات.

وهذا الإفساد يتحقق بتجهيل الناس وتسفيههم واستعبادهم وإذلالهم.

يقول تعالى: (ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألدُّ الخصام * وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد) [سورة البقرة: الآية 204و205]، والآية الكريمة تبين أن هلاك الحرث والنسل من الإفساد الذي يمقته الله.

كما أن الطغيان من الفساد، يقول تعالى: (ألم تر كيف فعل ربك بعادٍ * إرم ذات العماد * التي لم يخلق مثلها في البلاد * وثمود الذين جابُوا الصخر بالواد * وفرعون ذي الأوتاد * الذين طغوا في البلاد * فأكثروا فيها الفساد * فصب عليهم ربك سوط عذابٍ) [سورة الفجر: الآيات 6 - 13].

والفساد الذي أكثروا منه هو إذلال الناس، وتجهيلهم، واستعبادهم، وتطويعهم لنفوذهم، واستضعافهم، وتسفيه عقولهم، والطغيان على الله وعلى الناس، وفي ذلك كله هدم مواقع القوة والمعرفة والقيم في شخصية الفرد والمجتمع، الأمر المؤدي إلى إفسادهما.

دور الإصر والأغلال في الإفساد

والسلاح الذي يستخدمه الطاغوت في إفساد الناس هو (الإصر) و(الأغلال)؛ وهي مجموعة العوائق التي تعيق حركة الإنسان إلى الله؛ مثل: الخوف، واليأس، والتعب، والحرص، وطول الأمل، والحسد، وحب الدنيا، وحب المال، والطمع، والاستئثار، والميل إلى الترف، والغريزة الجنسية، وغيرها، والوصف الجامع لها هو (الهوى)، وهو مجموعة العوائق الكامنة داخل النفس.

والطائفة الأخرى من العوائق، هي العوائق الموجودة خارج النفس، مثل: المال، والسلطان، والترف، والبذخ، والموقع الاجتماعي، والجنس الآخر، والأولاد، والأزواج، وهي مجموعة الفتن الموجودة خارج النفس. وقد أوضحنا ذلك من قبل.

وبين هذه الفتن والأهواء تفاعل وتجاذب، وفي هذا التفاعل إعاقة الإنسان عن سيره إلى الله تعالى وسقوطه وفساده.

والطغاة يوظّفون الإصر والأغلال لإعاقة الإنسان عن السلوك إلى الله، ولإسقاطه وإفساده.. تأمّلوا ما كان يصنعه فرعون لإفساد الناس (وإذ أنجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يقتلون أبناءكم) [سورة الأعراف: الآية 141].

إن الغاية من أعمال الإرهاب التي كان يمارسها فرعون في بني إسرائيل، من الاضطهاد، والتعذيب، والذبح، هي إخافة الناس، وإشاعة روح اليأس في نفوسهم.

يقول تعالى عن الوسائل التي كان يستخدمها فرعون لإذلال بني إسرائيل وتطويعهم: (وجعل أهلها شيعاً) [سورة القصص: الآية 4].

إن إثارة التفرقة والخلاف في المجتمع تعدّ من الإصر والأغلال التي تفسد المجتمع وتعيق حركته وتقدّمه وكماله؛ يقول تعالى عن الوسائل التي اتّخذها فرعون لهذه الغاية: (يستضعف طائفةً منهم) [سورة القصص: الآية 4]؛ والاستضعاف امتهان واحتقار وازدراء.

وإذا كان طاغة عصرنا يستخدمون، لإفساد الناس، من الإصر والأغلال ما يختلف عمّا كان يستخدمه أسلافهم، فإن هذا الفارق هو في الشكل والإخراج، وليس في جوهر هذه الوسائل.

سنّة الأنبياء في إزالة الإصر والأغلال

وإذا عرفنا معنى (الإصر) و(الأغلال) نعرف دور الأنبياء في حياة الناس؛ فمن مهامّ الأنبياء (عليهم السلام) تثبيت المنطلقات في حياة الناس وتحريرهم من الإصر والأغلال، ويتحقق ذلك بتزكية النفوس، وتطهيرها من سلطان الأهواء والذنوب.

 

للأعلى