|
|
||
|
إعداد: عامر الحسيني |
|
الإمام جعفر الصادق عليه السلام |
|
• أبوه الإمام محمد الباقر (عليه السلام) خامس أئمة أهل البيت نهض بأعباء الإمامة في ظروف غير مواتية بل مستحيلة على غيره، فالسنوات الأربع التي عاشها مع جده السبط كافية لأن تغري بالناشئ، لكن الصورة الحقيقية ظلت تكبر وتكبر إلى أن تحولت مدارس، كربلاء أبرز معاهدها ووسائل إيضاحها والسجاد أبوه معلمها الأول أعطاه كلمة السر وعهد إليه برعايتها وسلمه مفاتيحها ثم رحل مطمئناً وحسبك بالباقر (عليه السلام) أباً للصادق (عليه السلام) وكفى. • أمه: فروة بنت القاسم بن محمد. ويروي صاحب البحار عن الجعفي أن أسمها فاطمة وأياً تكن فحسبها أن تكون له أماً. • ولادته الشريفة: كانت في المدينة المنورة سنة ثمانين أو ثلاث وثمانين من الهجرة. • كنيته: أبو عبد الله • ألقابه: الصادق، الفاضل، الطاهر، القائم، الكامل، والمنجي. • وفاته لحق بالرفيق الأعلى وله من العمر خمس وستون سنة أو ثمان وستون... مات مسموماً في عنب أيام المنصور الدوانيقي.. دفن في البقيع.. فسلام عليه يم ولد ويوم استشهد ويوم يبعث حياً. وفي ذكرى استشهاده المصادف 25 شوال سنلقي الضوء على بعض مواقفه التي سجلها لنا التاريخ. قارئي العزيز، إذا كانت الثقافة تعني: الأخذ من كل شيء بطرف، فإن الصادق الصدوق (عليه السلام): أخذ منها بكلِّ طرف، وهذا له ما يبرره من وجهة نظر المعتقد الإمامي ويقره من وجهة واقعه التاريخي. إن الحديث عن حياة الإمام الصادق ودوره يتطلب منا تأليف كتب ضخمة لكي يتأتى لنا معرفته معرفة متكاملة ولذا سنقتصر هنا على قطوف من مواقف متنوعة في حياة الإمام الصادق (عليه السلام).. 1 - من مواقفه المذهبية وهي كثيرة بيد أن مناظرته مع أبي حنيفة، بخصوص القياس أو مشروعيته، ثم عِظمَ أثر ذلك في استنباط الأحكام، وانعكاساته على بقية العلوم الإنسانية..؛ إنها تكشف عن أهمية المناظرة من جهة، وتكشف من جهةٍ ثانيةٍ عما يحمله الصادق، من جواب تُراثي رسالي، بهذا الصدد وذلكم الظرف؛ وأريد بها تلك التي وردت كالآتي: إن أبا حنيفة، وعبد الله بن أبي شبرمة، وابن أبي ليلى، دخلوا على جعفر بن محمد الصادق، فقال لابن أبي ليلى: مَن هذا الذي معك؟ قال: هذا رجلٌ له بصر ونفاذ في الدين. قال: لعله يقيس أمر الدين برأيه؟ قال: نعم. فقال جعفر لأبي حنيفة: ما اسمك؟ قال: نعمان؛ قال: ما أراك تحسنُ شيئاً؟ ثم جعل يُوجِّه إليه أسئلةً؟ فكان جواب أبي حنيفة: عدم الجواب عنها، فأجابه الإمام عنها. ثم قال: يا نعمان، حدثني أبي، عن جدي، أن رسول الله (صلى الله عليه وآله): قال أول من قاس أمر الدين برأيه إبليس؛ قال الله تعالى له: (أسجد لآدم)، فقال: (أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين) [سورة الأعراف: الآيات 12، 76]؛ فمن قاس الدين برأيه قرنه الله يوم القيامة بإبليس، لأنه اتبعه بالقياس. قال ابن شبرمة: ثم قال جعفر: أيهما أعظم قتل النفس أو الزنا؟ قال أبو حنيفة: قتل النفس؛ قال الصادق: فإن الله عز وجل قَبِل في قتل النفس شاهدين، ولم يقبل في الزنا إلا أربعة. ثم قال: أيهما أعظم الصلاة أم الصوم؟ قال أبو حنيفة: الصلاة. قال الصادق: فما بالُ الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فكيف ويحك يقوم لك قياسك؟ اتق الله ولا تقِس الدين برأيك. من مواقفه المبدئية: 1 إن الإنسان أي إنسان يُراد منه أن يفهم الإسلام، لابد أن يكون المنطلق له من قاعدة التوحيد. وإن الإنسان أي إنسان يرادُ له أن يدحَض بما عنده، لابد أن يكون المنطلق من قاعدة التوحيد. وأن الإنسان أي إنسان يراد به أن يسمو لفعل كل خيرٍ، لابد أن يكون المنطلق من قاعدة التوحيد. وأن من يريد أن يثبت حقائق الإسلام لجاهلية ومناوئيه، وفي مختلف فروعه، من فقه وأصول وأدب وتاريخ؛ لابد أن يكون المنطلق من قاعدة التوحيد، وبمقدار وضوحها والإيمان بها؛ ولابد أن يكون على غرار توحيد الصادق المفضل، الذي يُناظر فيه من مثل ابن أبي العوجاء كما سيأتي فيما بعد. 2 وعلى هذا الضوء، نفهم: كيف أن سليل الصدق، كان في الوقت الذي ينقد ويوجِّه آراء المذاهب الإسلامية؛ كان في الوقت نفسه يناضل من أجل إعلاء كلمة الله في توحيده، وتوحيد كل ما هو إسلامي قبال المبادئ اللاإسلامية، ذلكم النضال الذي تُوِّج بتكثُّرِ وتلوّن مناظراته بهذا الصدد وذلكم الظرف، قبالة أولئك المُسَميّن بالزنادقة والملاحدة والدَّهريين. 3 وليس من شك، في أن قيام مثل تلك الموجة الإلحادية، لم تكن بالمسألة العفوية، وإنما ساهمت في ظهورها وعلو صوتها، جملةُ عواملٍ منها: النهايةُ غيرُ المشرفة لخاتمة الدولة الأموية، والمعارضة القوية المستورة في مطالع الدولة العباسية، وتسيب الأوضاع جراء ذلك، نتيجة ضعف أو انشغالِ القيادة عن القاعدة الشعبية. ناهيك عن كثرة المردودات، الحاصلة بسبب المواقف اللاإسلامية، التي تكدست شرورها مع الأيام، إن بقصدٍ من فاعليها أو بغير قصد؛ والتي يعتبر القلقُ الفكري والضياعُ الاجتماعي بعضاً من نتائجها. بل، إن الفئات غير الإسلامية - وربما أساء البعض إليها - هي الأخرى لم تقصر من جانبها في مواصلة التغذية، لكل ما يهدم كيان المسلمين في إسلامهم، سواء على المدى القريب أم البعيد، حتى صرنا يومنا هذا إلى ما صرنا إليه. ثم ما قامت به السلطةُ الحاكمةُ آنذاك، سواء أكانت أمويةً أم عباسيةً، من إشغال الناس بقضايا جدلية، لا يرتجى منها سوى تعقيد الناس وصرفهم عن محاسبتها في تجاوزاتها؛ كما هو الحال في ظهور الاعتزال، وقضية الهندي مع الصادق في محضر المنصور. هذا كله، بالإضافة إلى التعتيم الفكري، وكم الأفواه العالمة، التي تقدر وحدها على ردّ، جميع الأفكار اللاإسلامية المستوردة. وأخيراً وليس آخراً: المخلفات العكسية، التي نتجت جراء فتح باب الترجمة على مصراعيها، من دون تخطيطٍ مدروسٍ مسبق، قائم على خلفيةٍ مبدئيةٍ فكرية خلقية شاملةٍ محددة. 4 يقول لاوند: لقد وُجد يومئذٍ من ينكرُ وجوَد الله، مستعيناً على إثبات وجهة نظره، بالمنطق اليوناني والتراث الأفلاطوني الحديث أيضاً؛ ووجد يومئذٍ من يحمل الإنسان مسؤولية عمله، ويبرؤه من كلِّ إثمٍ وقد استعان كل منهما بالمنطق اليوناني أو بالتراث اللاهوتي، الذي عرفته مدارس الاسكندرية والرَّها وقِنِّسرين، أو غيرها من مدارس الشرق الأوسط. وأصبح الإسلامُ في حاجةٍ ماسةٍ، إلى من يدفع عنه شُبُهات الزنادقة والد هرية، وخصومه من سدنة الأديان الأخرى. أصبح الإسلامُ في حاجةٍ إلى من يكشف عن روعةِ التوحيد فيه، ومعنى المسؤولية الأخلاقية عنده، ومعنى الحشر والحساب والعقاب والجنة والنار،... فظهرت التيارات المختلفة، وارتسمت في آفاق الفكر الإسلامي، المذاهب المتباينة في وسائلها، والمتفقة في أهدافها ومقاصدها؛ فسمِّيت مجموعة هذه الاجتهادات، والدفوعات المبنية على المنطق المنظم والاستدلال العقلي، بعلم الكلام). وإزاء كُلّ التيارات تلك، فقد تصدى لها صادق الفكر، مفنداً لاسقامها ومبرماً لما عنده بما يدحضها ويقوم مقامها؛ وهو ما سوف نأتي على بعض صوره، من خلال المناظرات التالية: أولاً: مع الجعد بن دِرهم وبلغه (عليه السلام) مقالةُ الجعد بن درهم وهي: إنه جعل في قارورةٍ تُراباً وماءً، فاستحال دوداً وهواماً؛ فقال الجعد: أنا خلقت هذا، لأني سبب كونه. فقال الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام): ليَقُل: كم هي؟ وكم الذُّكران والإناث إن كان خلقها؟ وكم وزن كل واحدةٍ منهن؟ وليأمر الذي سعى إلى هذا الوجه أن يرجعه إلى غيره... ثانياً: مع الديصاني دخل أبو شاكر الديصاني - وهو زنديق - على أبي عبد الله (عليه السلام)، وقال: يا جعفر بن محمد دلنَّي على معبودي! فقال أبو عبد الله: أجلس، فإذا غلام صغير، في كفه بيضة يلعب بها، فقال أبو عبد الله: ناولني يا غلام البيضة، فناوله إياها. فقال أبو عبد الله: يا ديصاني، هذا حصن مكنون، له جلد غليظ، وتحت الجلد الغليظ جلد رقيق، وتحت الجلد الرقيق ذهبةٌ مائعة، وفضة ذائبة، فلا الذهبة المائعة تختلط بالفضة الذائبة ولا الفضة الذائبة تختلط بالذهبة المائعة؛ فهي على حالها، لا يخرج منها خارجُ مصلحٌ فيخبر عن صلاحها، ولا يدخل إليها داخل مفسد فيخبر عن فسادها، ولا يدري للذكر خُلقت أم للأنثى، تنفلق عن مثل ألوان الطواويس، أترى له مدبر؟ فأطرق ملياً ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له؛ وأشهد أن محمداً عبده ورسوله؛ وأنك إمام، وحجةٌ من الله على خلقه، وأنا تائب مما كنت فيه. ثالثاً: مع الهندي قال الربيع: قرأ هنديٌ عند المنصور كتب الطب، وعنده الصادق (عليه السلام)، فجعل يُنصت لقراءته، فلما فرغ قال: يا أبا عبد الله أتريدُ مما معي شيئاً؟ قال: لا، لأني معي خيرٌ مما هو معك. قال: ما هو؟ قال: أداوي الحار بالبارد، والبارد بالحار، والرطب باليابس، واليابس بالرطب، وأردُّ الأمر كله إلى الله، واستعمل ما قاله رسول الله (صلى الله عليه وآله): واعلم أن المعدة بيت الأدواء، وأن الحُمية هي الدواء، وأعودُ البدن ما اعتاد، قال: وهل في الطب إلا هذا؟ قال الصادق (عليه السلام): أفتراني عن كتب الطب أخذت؟ قال: نعم. فقال (عليه السلام): لا والله، ما أخذت إلا من عند الله سبحانه وتعالى، فأخبرني أنا اعلم بالطب أم أنت؟ قال: بل أنا. قال: فأسألك؟ قال: سل، فسأله عشرين مسألة وهو يقول: لا أعلم. فقال الصادق (عليه السلام): لكني أعلم، وهذه الأجوبة كان في الرأس شؤون، لأن المجوّف إذا كان بلا فصل، أسرع إليه الصدعُ، فإذا جُعِل ذا فصول كان الصدع منه أبعد. وجعل الشعرُ فوقه، ليوُصلَ بأصول الأدهان إلى الدّماغ، ويُخرج بأطرافه البخارَ منه، وَيرُدَّ الحر والبرد الواردين عليه. وخلت الجبهة من الشعر، لأنها مصبُّ النور إلى العينين. وجعل فيها التخطيط والأسارير، ليحبس العرق الوارد من الرأس عن العين، قدر ما يميطه الإنسان عن نفسه، كالأنهار في الأرض التي تحبس المياه. وجعل الحاجبان من فوق العينين، ليردّا عليهما من النور قدر الكفاية؛ ألا ترى يا هندي...؟ رابعاً: مع ابن أبي العوجاء إنه كان هو وابن المقفَّع في المسجد الحرام، يلاحظان الجمع الذي كان يقوم بالطواف حول الكعبة. فقال ابن المقفع لأصحابه: لا واحدَ من هؤلاء يستحقُّ اسم الإنسانية، إلا هذا الشيخ الجالس - وأشار إلى جعفر بن محمد الصادق -؛ أما الباقون فرعاع وبهائم. فقام ابن أبي العوجاء إلى الشيخ وتحدث معه ثم رجع وقال: ما هذا ببشر، وإن كان في الدنيا روحاني يتجسد إذا شاء ظاهراً، ويتروحَّ إذا شاء باطناً، فهو هذا. وحينما اقترب من الإمام وأصبحا منفردين قال له الإمام الصادق: لو كان الأمر كما يقول هؤلاء - وأشار إلى الجمع القائم بالطواف -، وهو حق كما يقولون، نجا هؤلاء وعطبتم؛ أما إذا انعكس الحال، وكان على ما تقولون، وهو ليس كما تقولون، فأنتم وإياهم سواء. فسأله ابن بي العوجاء: رحمك الله أيها الشيخ، أي شيء نقوله نحن، وأي شيء يقولونه هم، فأجابه الإمام جعفر: أنى لما تقولون أن يكون كما يقولون؟ هم يقولون: بالمعاد، والوعد والوعيد، وأن للسماء إلهاً، وبها عمراناً، بينما تزعمون أن السماء خراب وليس بها أحد. فقال ابن أبي العوجاء: لو كان الأمر كما تقول، فما منع الله من الظهور لجميع خلقه، ودعوتهم إلى عبادته، حتى لا يصبح اثنان فيهم على خلاف؟ لماذا اختفى عنهم، ومع ذلك أرسل إليهم رُسُلاً؟ لو كان قد ظهر بذاته لهم، لكان ذلك أسهل إلى الاعتقاد به. فأجابه الإمام جعفر: كيف اختفى عنك، من أظهر قدرته في نفسك أنت؟ وفي نمائك؟ وكان جواباً بليغاً، حتى قال ابن أبي العوجاء لأصحابه: وظلَّ يُحصي لي قدرة الله في نفسي، والتي لم استطع رفضها، حتى ظننتُ أن الله قد نزل بينه وبيني. تلكم، هي بعض المناظرات وليس كُلها، التي ناظر فيها الصادق من كذبوا في صدقهم. أما من يريد المزيد من التعرف عليها، خصوصاً تلك التي جرت مع ابن أبي العوجاء؛ فعليه بمراجعة من مثل مناظرات الصادق، التي أملاها على تلميذه ووكيل أمواله، المفضل بن عمر الجعفي الكوفي؛ والتي عُرفت على الأيام، بكتاب (توحيد المفضل)، وهو مطبوع مشهور. وبعد؛ فهل في الأمر مبالغة إذا وجدنا من يقول: وكان موقفه من التنازع والجدل، موقف العالم المناضل، والفيلسوف المؤمن، القوي بحُجَّته وبراهينه، الراجح في عقله واستدلاله، يدافع عن حقيقة الإسلام، بما يُقِره العلم الصحيح، والإيمان الحق، والمنطق الصائب، ويُدلي بعلمه وآرائه بصراحةٍ، ويردّ على خصمه بالبلاغة الباهرة، والأدلة القاطعة. ويقول: ولقد اشتهرت مناظرات الإمام الصادق، حتى صار مصدراً للعرفان بين العلماء، وكان مرجعاً للعلماء، في كلِّ ما يعضُل عليهم الإجابة عنه، من أسئلة الزنادقة وتوجيهاتهم، وقد كانوا يثيرون الشك في كل شيء، ويتمسكون بأوهى العبارات، ليثيروا غباراً حول الحقائق الإسلامية، والوجدانية، التي هي خاصة الإسلام. |