|
|
|
|
كلمة سماحة آية الله السيد صادق الشيرازي |
|
بعد يوم من تشييع المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد الشيرازي (قدس سره) بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين إنني أشكركم جميعاً على ما أبديتموه بلسانكم وأعمالكم لفقيدنا الراحل (رضوان الله عليه) أشكركم فرداً فرداً، وبهذه المناسبة أذكر كلمتين: كلمة بالنسبة لفقيدنا الراحل (رضوان الله عليه وأعلى في الجنة درجاته) وكلمة بالنسبة لكم ولنا جميعاً. أما بالنسبة للفقيد العزيز الكبير الجليل الراحل الذي هو (أعلم بحقّ أنه) ليس فقيد بيت أو أسرة أو بلد أو دولة، (لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم) وأتصوّر في هذا المقام أنني أؤدّي واجباً شرعياً من الله سبحانه وتعالى تجاه هذا الأخ الأكبر، الذي هو بمنزلة الأب، وإنني لم أفقد أبي حينما فقدته (بكاء)، وإن كان فقد أبي عظيماً عليَّ، ولكن كنتُ ألمس كل ما يلمسه الابن من أبيه، ألسمه من هذا الأخ الأكبر، وفقدتُ اليوم أبوين (بكاء) (لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم). فهذا أراه واجباً شرعياً عليَّ واجباً شرعياً أخلاقياً أن أُؤدّي في هذا المقام كما أدّيته من قبل، فقد كان بمنزلة الأب بل كان هو الأب، بل كان هو الأب، حسب الحديث الشريف: (الآباء ثلاثة، أب علمك...). فكان المعلم الأكبر والأجمع والأوسع لي، وعشتُ معه هذه الفترة الطويلة والقصيرة (في نفس الوقت)، فلم أر منه إلا ما يراه الابن المحتاج إلى أبيه يراه من أبيه العالم البار العطوف (بكاء) (لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم). بالنسبة لهذا الفقيد الراحل (أعلى الله درجاته) أذكر لكم موضعين أحدهما ما لمسته خلال هذه العشرات من السنين وعلى طول الخط بلا فتور ومن ابتداء هذا الخط إلى أن أراد الله (ولا رادَ لإرادته) أن يأخذ أمانته: أحدهما: شدة إخلاصه لله سبحانه وتعالى ولأهل البيت (عليهم الصلاة والسلام) وبالخصوص أنتم أبناء الكويت الأعزاء تعلمون كما يعلم غيركم أيضاً أن الفقيد الراحل كان حريصاً جداً على تعبئة المجتمعات الدينية بالمؤسسات الثقافية والاجتماعية والتربوية وغير ذلك، وقد تصدى مباشرة أو مع مجموعة من الإخوان أو بأمره، أو بإجازته تصدى للعشرات والعشرات من المؤسسات من مسجد أو مكتبة أو حسينية أو غير ذلك، وفي كل هذا لا تجدونه في واحدة من هذه الحسينيات أو المساجد أو المكتبات أو دور النشر أو الحوزات العلمية التي أُسِّست بإجازته لا تجدون واحدة منها باسمه فكان يؤكد على أنه (أنا أروح والله وأهل البيت باقون) وعليه فالحسينية يجب أن تكون باسم الله أو باسم رسول الله وأهل بيته (عليهم السلام). ورأيت أكثر من مرّة أن مجموعة أو أفراد كانوا يؤكدون له وبعضهم أنفق كل ثمن المؤسسة كانوا يطلبون منه ويلحّون عليه أن تكون هذه المؤسسة باسمه، فكان ردّه: إذا كانت باسم رسول الله فأنا ابن رسول الله، وإذا كانت تحمل اسم الله فأنا عبد لله وإذا كانت تحمل اسم فاطمة الزهراء فإنها أمي (بكاء) ولم يرض حتى في مورد واحد أن تكون حوزة علمية أو مؤسسة باسمه. الأمر الثاني: الذي عرفته ولمسته منه بكلّ وجودي منذ نعومة أظفاري وشعوري وإلى ليلة العيد وإلى سويعات قبل أن تلمّ بنا هذه المصيبة أني لمست منه أنه كان بركاناً من النشاط، وإنّني في نفسي أعتبر تشبيهه بالبركان مجازاً لا حقيقة، فالبركان تكون له فترات يخمد فيها وأحياناً يكون بركاناً ولكن الذي (من جدّ أقوله) لمسته بكلّ وجودي منه أنه كان لا يفوّت فرصة صغيرة.. صغيرة.. صغيرة على نفسه، إلا أن يقدم شيئاً حسب ما يعتقد هو من كتابة، أو كلمة، أو نصيحة، أو إرشاد، أو عمل، أو أي شيء كان يعلمه من القربات إلى الله كان هذا يكفي لتحريك كلّ وجوده، دماغه، وفكره، وأعصابه، ويده ولسانه. هاتان الخصلتان من الخصال البارزة التي لمستهما فيه في كل حياته، والكثير منكم أنتم الأعزاء عشتم سنوات معه، وأتصوّر أني لا أجد واحداً ممّن عاش معه (ولو أياماً فقط) ينكر هذين الأمرين، وكل من عاش معه وجد هذين الأمرين، هذا بالنسبة للكلمة الأولى. الكلمة الثانية بالنسبة لنا ولكم، يقول الإمام أمير المؤمنين (عليهم السلام) في نهج البلاغة (في كلمته العظيمة جداً وهي ليست كلمة فكرية بل عملية) مضمونها أنّه إذا فقدتم عزيزاً، أو من تعتبرونه عظيماً جليلاً فبدل أن تجلسوا وتفتخروا به تعلّموا منه. يقول (عليه السلام): (أن يكونوا عبرة خيراً من أن يكونوا مفتخراً) فالفقيد الراحل مفتخر بلاشك، مفتخر لي أولاً (بإذن الله ورعاية أهل البيت (عليهم السلام) وعناية ولي الله الأعظم صاحب الأمر عجل الله تعالى فرجه) ومفتخر لكلّ من تعلم منه أو درس عنده أو عاشره سواء في بيته من عائلته أو في الخارج من أصدقائه وتلاميذه والمؤمنين، ولكن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول الأفضل أن تعتبروا منه، بدل ضياع الوقت الذي يُصرف على الافتخار به، لأنّ المؤمن ينتهز الفرص ويغتنم وينتقل من الفضل إلى الأفضل، ومن الأفضل إلى الأفضل منه، وإلى الأفضل منه وهكذا، فالأفضل أن تعتبر به بأن تجعله أمامك عبرة تراه كيف كان، كيف عاش، كيف كان يتكلّم كيف كان يغتنم الفرص. ولعلّ من أوليات ما أذكره في هذا المقام (ما نعتبر به) هو أن نصمّم ونحن في هذا المكان أن نسير على دربه كلِّ بمقدار ما يعلم منه أو سوف يتعلّم منه، فما مات من مات وخلّف علماً، أو سوف نتعلم منه عبر النكات التي تنقل عنه أو عبر القصص التي ينقلها الأصدقاء أو عبر كتبه (هذا التراث الضخم الذي تركه) نصمّم هنا بأنفسنا وفي قرارة أنفسنا نعاهد الله تعالى ونصمّم على أن نسير على دربه في كلّ ما تعلّمناه منه أو سوف نتعلّم من تراثه. وفي هذا المجال أذكر بالخصوص ما أكد عليه القرآن الكريم ورسول الله وأهل البيت (صلوات الله عليهم أجمعين) مكرراً وكان الفقيد الراحل يؤكد من جمع الشمل، جميع شمل المؤمنين، وبالخصوص أؤكد أنا وأُوصي بدوري إخواني وأعزائي العلماء والخطباء وطلاب العلوم الدينية أؤكد عليهم ذلك، فطالما كان يؤكد على هذا الموضوع، نجمع المؤمنين تحت مظلة الله ومظلة أهل البيت (عليهم السلام)، فكل مكتبة وكلّ دار نشر أو مؤسسة تنتهي إلى الله سبحانه، هذه المؤسسة يلزم أن تكون مجمعاً لكل الفئات من المؤمنين رغم اختلاف أنظارهم وأعمارهم ومراتبهم العلمية والاجتماعية، هذا في الدرجة الأولى. وأما في الدرجة الثانية نعاهد الله سبحانه ونتعلم منه (قدس سره) أن لا نفوِّت فرصة بدون تثبيت أجر وثواب في صحيفة أعمارنا حتى في الحياة الخاصة. وأتذكر منذ أكثر من خمسين سنة وحتى آخر يوم من شهر رمضان مكرراً كان (فقيدنا) عندما يكتب وينتهي حبر القلم يطلب قلماً آخر، وعندما يأتون إليه بالقلم كان يكتب كلمة بهذا القلم الجديد، فإذا رأى أن كتابة القلم خشنة يطلب قلماً آخر تكون كتابته دقيقة (أنعم) وأحياناً يأتونه بقلمين أو ثلاثة فينتخب أدقّها (أنعمها) كتابة؛ وفلسفة ذلك - كما سمعته منه مراراً - أنه كان يقول: إن الكتابة الخشنة تأخذ مساحة أكثر، فكتابة (الله) مثلاً أو (الإمام الحسين) أو (الإمام المهدي عجل الله فرجه) قد يأخذ الحرف سنتمترين بينما الكتابة الناعمة قد يأخذ الحرف فيها سنتمتراً واحداً! هكذا كان يغتنم الفرص حتى في هذه الأمور الدقيقة، وأكيد أن أولاده المحروسين الأجلاء في طليعتهم أخي في العلم آية الله السيد محمد رضا الشيرازي هؤلاء رأوا منه مكرراً وأنا قبلهم رأيت ومعهم أنه (قدس سره) كان يكتب بالقلم لمدّة أسبوع ثمّ يقدِّمه لي أو إلى أحد أولاده وعندما يُسأل عن ذلك أو يُقال له إن هذا القلم ما يزال يكتب؟ كان يقول (وقد سمعت ذلك منه مكرّراً) إنه بكثرة الكتابة صار خطه خشناً ثمّ يطلب قلماً آخر، فلم يكن ليفوِّت فرصة واحدة وكان يقول: قطرة.. قطرة تكون بحراً. هذا النشاط وهذه الدقة في الاستفادة من العمر، فخمسة وسبعون عاماً انتهت، انتهت، انتهت ولكنه لم ينتهِ، وخلال هذا العمر الطويل والقصير استفاد أكثر من خمسةٍ وسبعين عاماً فلا نكون نحن من خمسين عام أو ستين أو أكثر نستفيد عشرة أعوام أو خمسة أعوام، هذه هي الكلمة الثانية بالنسبة لنا ولكم الأخوة الأعزاء، وفي الختام أكرّر شكري لكم فرداً فرداً على كل ما أضمرتموه وأبديتموه وتضمرونه وتبدونه وأعلم الكثير مما تضمرونه وتكنّونه. أكرر شكري لكم، في الحين الذي أضمُّ صوتي إلى صوت أخي الأكبر (رضوان الله عليه) في الطلب منكم أن تستفيدوا من هاتين الخصلتين: الإخلاص والنشاط. في نفس الوقت أؤكد لكم أني أدعو لكم بالتوفيق وأطلب منكم أن تدعو لي بحسن العاقبة. |