الصفحة الرئيسية

 

 

 

 

كلمة ممثلية الإمام الشيرازي في لبنان

كلمة ممثلية الامام الشيرازي في لبنان التي القاها سماحة العلامة الشيخ اكرم جزيني العاملي وذلك في الاحتفال التأبيني الذي اقيم في جنوب لبنان في النادي الحسيني لبلدة حارة صيدا ، بمناسبة مروراسبوع على رحيل المرجع الديني الاعلى الامام الشيرازي ( قدس سره الشريف ) .

 

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا وشفيعنا وحبيب قلوبنا أبي القاسم محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين .

عن الامام الصادق (ع) : علماء شيعتنا مرابطون في الثغر الذي يلي إبليس وعفاريته ، يمنعونهم عن الخروج على ضعفاء شيعتنا ، وعن أن يتسلط عليهم ابليس وشيعته النواصب ، ألا فمن انتصب لذلك من شيعتنا كان أفضل ممن جاهد الروم والترك والخزر ألف ألف مرة ، لأنه يدفع عن أديان محبينا ، وذلك يدفع عن أبدانهم .

هذا الحديث صريح في ذكر صنفين من الحروب والمعارك ، حرب الأبدان ، وحرب الأديان ، الحرب الأولى للحفاظ على الأجساد ، والحرب الثانية للحفاظ على الأديان والمعتقدات ، ولكل منهما سلاحه الخاص ، فمن سلاح الحرب الأولى الطائرة والدبابة والمدفع والرصاصة ...

وأما سلاح الحرب الثانية فلا حصر له ، ولكن من أبرز سلاحه نشر الرذيلة ..

ولقد استخدم اليهود والصهاينة حرب الأديان ضد السيحيين والمسلمين على حد سواء منذ القدم ومازالوا ، وإن كانت حرب الأبدان قد وضعت أوزارها في الجنوب اللبناني فإن حرب الأديان لا تزال في أوجها ، فلقد غزوا بيوت المسلمين بالرذيلة والدعارة عبر وسائل إعلامهم المنافية للفضيلة ، والداعية إلى الرذيلة والتحلل من الأخلاق الكريمة ، والعقائد الحقة .

وهذا نموذج من مخططاتهم التي رسموها منذ غابر الأزمنة :

رسالة من شامور حاخام مدينة أرل الفرنسية الى المجمع اليهودي المنعقد في الاستانة ورد فيها ( ... إن الفرنسيين يجبروننا على اعتناق الدين المسيحي ، والتجرد من أملاكنا ، ويعتدون على حياتنا ، ويهددون معابدنا ويسومونننا بعض التعديات الأخرى فماذا نفعل ؟ ) .

وقد رد المؤتمرون برسالة جوابية : أيها الأخوة الأعزاء ، بأسى تلقينا كتابكم وفيه تطلعوننا على ما تقاسونه من الهموم والبلايا ، وكان وقع الخبر شديد الوطأة علينا ، وإليكم رأينا :

بمقتضى قولكم : إن ملك فرنسا يجبركم على أن تعتنقوا الدين المسيحي فاعتنقوه ، لأنه لا يسعكم أن تقاوموا ، غير أنه يجب عليكم الحفاظ على شريعة موسى في قلوبكم .

وبمقتضى قولكم إنهم يأمرونكم بالتجرد من أملاككم ، فاجعلوا أولادكم تجاراً ليتمكنوا رويداً رويداً من تجريد المسيحيين من أملاكهم .

وبمقتضى قولكم إنهم يعتدون على حياتكم فاجعلوا أولادكم أطباء وصيادلة ليعدموا المسيحيين حياتهم.

وبمقتضى قولكم إنهم يهدمون معابدكم فاجعلوا أولادكم كهنة وأكليروس ليهدموا كنائسهم .

وبمقتضى قولكم إنهم يسومونكم تعديات أخرى فاجعلوا أولادكم وكلاء دعاوى وكتبة عدل ليتدخلوا في مسائل الحكومة حتى يخضع المسيحيون لنيركم وتستولوا على زمام السلطة العالمية وبذلك يتسنى لكم الانتقام .

سيروا بموجب أمرنا هذا فتتعلموا بالاختبار أنكم بهذا الذل والضعة التي أنتم فيها ستصلون الى ذروة القوة والسلطة الحقيقية . / 13 ت2 1489 التوقيع أمير يهود القسطنطينية . / سيف داوود حداع وأضاليل .

وبنفس روحية هذا المخطط سعى اليهود ومن انقاد لمؤمراتهم لكي يحطموا الإسلام وتعاليمه ، واعدوا خطة كاملة لتفتيت المسلمين ، ومن بعض نقاطها :

توسيع نقاط الضعف عند المسلمين عبر

1- تزكية الخلافات بتكثير سوء الظن بين الفئات المتنازعة ونشر الكتب التي تطعن في هذه الفئة وتلك الفئة و بذل المال الكافي في سبيل التخريب والتفرقة .

2- تمييع شباب المسلمين بنات وأولاداً وتشكيكهم في دينهم وتفسيد أخلاقهم عن طريق المدارس والكتب والنوادي والنشرات والأصدقاء ووسائل الاعلام .

3 - نشر الفساد بين المسلمين بالزنا والخمر والقمار ، وأفضل وسيلة لذلك هي وسائل الاعلام .

4- فصل الأبناء عن آبائهم حتى يخرجوا من تحت تربيتهم .

5- ضرورة إغراء المرأة بالخروج عن العباءة بحجة أن الحجاب عادة عباسية ، ثم إغراء الشباب بهن ليقع الفساد فيما بينهم ، واللازم أن نخرج النساء غير المسلمات من الحجاب لتقتدي بهن المرأة المسلمة.

6- ضرورة تحطيم صلاة الجماعة بحجة فسق الامام وإظهار مساوئه ، وبإثارة البغضاء بين الامام وبين الذين يصلون معه بكل الوسائل والسبل .

7- هدم أضرحة الأئمة عند الشيعة .

8 - ضرورة هدم الحسينيات ومنع بنائها واتهامها بأنها بدعة وضلالة .

9 - نشر الحرية في الأعمال وأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو تعدي على حريات الآخرين ، وتفشية قاعدة ( عيسى على دينه وموسى على دينه ) وأنه ( لا ينام أحد في قبر أحد ) .

وبعد هذه اللمحة عن الحرب التي كالها ويكيلها اليهود لأمتنا ، نجد ثلة قليلة من أصحاب الوعي ممن خاض حرب الأديان ليدافع عن العقائد والمبادئ ، وينطلق من روح الإسلام ، ويحمل هموم الأمة ، وعلى رأس هؤلاء وفي طليعتهم الإمام الراحل الشيرازي الذي احتضن الأمة بين ذراعيه وضمها إلى قلبه فغدت أبوته بحجم الأمة .

خاطب أصناف الناس بقدر عقولهم ، فجاء خطابه سلساً عذباً يتسلل إلى القلوب دون استئذان ، وسرعان ما تذعن العقول لوضوح حجته .

طرق أبواب العلوم فانقادت بين يديه ، فحل رموزها ، وفك طلاسمها ، وقدمها سائغة للطالبين .

أثنى عليه الباحثون عن الحقيقة ، و انتقده هواة التعقيد ، فأغضى معرضاً ، إذ كان يدرك أن البلاغة من شؤون المعنى لا من شؤون اللفظ ، فليست البلاغة في تعقيد العبارات أو تنميقها ، بل هي في إيصال المعنى المراد إلى أذهان السامعين .

خاطب الأطفال بلغتهم ، والطلاب بلغتهم ، والعلماء بلغتهم ، والخبراء وأصحاب الإختصاص كلاً بلغته ، كما تشهد بذلك دروسه ومحاضراته ، بل و كتبه ومؤلفاته التي تجاوز عددها الألف كتاب والتي بلغت أفاق الدنيا ، وقرأها الملايين .

غاص في أبحر الفقه واستخرج شوارده ، وكان السبَّاق إلى العديد من الأبواب التي لم تطرق من قبل ، فغدا مجدداً مشهوداً له بكل ما للكلمة من معنى .

دافع عن مذهب أهل البيت حتى آخر رمق من حياته ، فكان كتلة ولاء مجبولة بالفخر والاعتزاز بكلمة ( أشهد أن علياً ولي الله ) .

أدرك أن شرايين الأمة لا ينعشها إلا دم الحسين الشهيد (ع) فأنفذ المئات من فوارس المنبر الحسني إلى شرق الأرض وغربها ، فملؤوا الدنيا بذكر الحسين (ع) وفتحت شريعة سيد المرسلين ذراعيها لتستقبل مئات الآلاف من الوافدين إليها عبر بوابة الحسين (ع) .

رفض كل ألوان المساومة على العقيدة ، فحاربته بعض الفئات لمجرد كونه كحجر عثرة في طريق تنازلاتها عن بعض ثوابت العقيدة ورموزها كالشهادة الثالثة والشعائر الحسينية .

نادى بضرورة التنظيم ورص الصفوف لأجل صيانة الحقوق الموفورة ، وتحصيل الحقوق المهدورة ، فالتنظيم عنده سنة كونية وليس مجرد حاجة بشرية ، كما أنه وسيلة وليس هدفاً ، وكان يتمثل بكلمة بعض العلماء ( قام الإسلام على كلمتين : كلمة التوحيد وتوحيد الكلمة ) ولقد تنبأ ( قده ) بمأساة الجنوبيين في لبنان قبل الأحداث اللبنانية والإجتياح الإسرائيلي ، عندما رأى المسلمين في الجنوب يقعون بين فكين الفك الصليبي والفك الصهيوني ، ووقع ما تنبأ به .

رمى ببصره أقاصي بلاد المسلمين ، فأحاط بمكامن ضعفهم ، ومواطن القوة عندهم ، فصان مواطن القوة ، وأسعف مكامن الضعف ، ووقف طوداً شامخاً في وجه المتآمرين على تحطيم الإسلام وروحيته ، فبنى المساجد والحسينيات ، وأسس الجمعيات ، ومدارس حفاظ القرآن ، والمكتبات العامة ، والأندية الإسلامية ، و المؤسسات الاجتماعية والصحية ، واهتم بنشر الوعي والثقافة الإسلامية المكتوبة والمسموعة ، وأرسل المبلغين في كل اتجاه ، وبالجملة إن الإمام الشيرازي لم يكن مجرد رجل في أمة ، بل كان أمة في رجل .

وهو بعد ذلك في غاية التواضع ، إذ غدا في غاية الرفعة ، ففي الحديث الشريف ( من تواضع لله رفعه الله ) .

وقال الشاعر : مليئ السنابل ينحني بتواضع والفارغات رؤوسهن شوامخ .

نعم كان يعمل بصمت ، فيما الآخرون ملؤوا الدنيا صراخاً وضجيجاً .

ولم يرق عزمه هذا لأصحاب الغايات والمصالح ، ومن اتخذ من الحكم هدفاً لا وسيلة ، فأغلقوا العديد من مؤسساته ، ومنعوا القراءة بكتبه ، بل وأحرقوها ، وأخيراً أصدروا بحقه حكماً غيابياً بالإعدام بعد انتقاله مكرهاً من العراق إلى الكويت ليحتضن الموالين طيلة ثمان سنوات مليئة بالعطاء حتى قال قائلهم : ( إن السيد الشيرازي نعمة معنوية تفضل الله بها على شعب الكويت ) .

ورغم كل تلك المضايقات لم ينثن عن عزمه فلقد كان يستمد عزمه من عزم سيد أولي العزم محمد (ص) ويقتدي في ثباته بثبات المطهرين من أهل بيت العصمة (ع) .

كما كان يستمد مواقفه وآراءه من صميم روح الإسلام ، فكان يرى أن المحكم في الأمور المصيرية للإسلام خلال غيبة صاحب الأمر (عج) هو شورى الفقهاء فكان يقول : ( إن روح الاسلام أقرب الى شورى الفقهاء من حكومة الفقيه الواحد ، حيث أن نظام الاسلام استشاري كما في قوله تعالى : { وأمرهم شورى بينهم } وقوله تعالى { وشاورهم في الأمر } .

ونحن إذ نقف بتجرد مع هذا المسلك نجده فعلاً أقرب إلى روح الإسلام وروح الإسلام أقرب إليه فهو مؤيد بمئات الروايات وليس العشرات فحسب ، فمن ذلك ، ما ورد عن :

- النبي (ص) : ما تشاور قوم إلا هدوا لأرشد أمرهم .

- علي (ع) : من استقبل وجوه الآراء عرف مواقع الخطأ .

- علي (ع) : الاستشارة عين الهداية وقد خاطر من استغنى برأيه .

- علي (ع) : من استبد برأيه هلك ، ومن شاور الرجال شاركها في عقولها .

- علي (ع) : من أعجب برأيه ضل ، ومن استغنى بعقله زل .

- علي (ع) : لا رأي لمن انفرد برأيه .

- علي (ع) : من استعان بذوي الألباب ملك سبيل الرشاد .

- علي (ع) : ما استنبط الصواب بمثل المشاورة .

- ونحن نرى إن ولاية أمور المسلمين بمجرد أن تخرج عن إطار القيادة الفردية المعصومة ، تصبح معرضة لأن ينتزعها الأقوى والأدهى ، وبالتالي فإنها تصبح غرضاً للطامعين والمغيرين ، وضحية الإعلام المغرض ، كما يشهد بذلك تاريخ الخلافة الاسلامية ، بعد انتزاعها من أمير المؤمنين (ع) حيث انحدرت لتصل إلى أناس من مستوى يزيد بن معاوية .

- وفي الختام نقول لقد كان الإمام الشيرازي طيلة ثلاثين يوماً في ضيافة الله في شهره الكريم ، ولما انقضت أيام الضيافة بانقضاء الشهر الشريف دعاه الله إلى جواره ليبقى ضيفاً مع الأنبياء والصديقين ، وليكن هدية للجنان يوم العيد .

والحمد لله الذي لا يُحمد على مكروه سواه ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .