|
|
|
|
كلمة ممثلية الإمام الشيرازي في لبنان |
|
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا وشفيعنا وحبيب قلوبنا أبي القاسم محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين . عن الامام الصادق (ع) : علماء شيعتنا مرابطون في الثغر الذي يلي إبليس وعفاريته ، يمنعونهم عن الخروج على ضعفاء شيعتنا ، وعن أن يتسلط عليهم ابليس وشيعته النواصب ، ألا فمن انتصب لذلك من شيعتنا كان أفضل ممن جاهد الروم والترك والخزر ألف ألف مرة ، لأنه يدفع عن أد يان محبينا ، وذلك يدفع عن أبدانهم .هذا الحديث صريح في ذكر صنفين من الحروب والمعارك ، حرب الأبدان ، وحرب الأديان ، الحرب الأولى للحفاظ على الأجساد ، والحرب الثانية للحفاظ على الأديان والمعتقدات ، ولكل منهما سلاحه الخاص ، فمن سلاح الحرب الأولى الطائرة والدبابة والمدفع والرصاصة ... وأما سلاح الحرب الثانية فلا حصر له ، ولكن من أبرز سلاحه نشر الرذيلة .. ولقد استخدم اليهود والصهاينة حرب الأديان ضد السيحيين والمسلمين على حد سواء منذ القدم ومازالوا ، وإن كانت حرب الأبدان قد وضعت أوزارها في الجنوب اللبناني فإن حرب الأديان لا تزال في أوجها ، فلقد غزوا بيوت المسلمين بالرذيلة والدعارة عبر وسائل إعلامهم المنافي ة للفضيلة ، والداعية إلى الرذيلة والتحلل من الأخلاق الكريمة ، والعقائد الحقة .وهذا نموذج من مخططاتهم التي رسموها منذ غابر الأزمنة : رسالة من شامور حاخام مدينة أرل الفرنسية الى المجمع اليهودي المنعقد في الاستانة ورد فيها ( ... إن الفرنسيين يجبروننا على اعتناق الدين المسيحي ، والتجرد من أملاكنا ، ويعتدون على حياتنا ، ويهددون معابدنا ويسومونننا بعض التعديات الأخرى فماذا نفعل ؟ ) . وقد رد المؤتمرون برسالة جوابية : أيها الأخوة الأعزاء ، بأسى تلقينا كتابكم وفيه تطلعوننا على ما تقاسونه من الهموم والبلايا ، وكان وقع الخبر شديد الوطأة علينا ، وإليكم رأينا : بمقتضى قولكم : إن ملك فرنسا يجبركم على أن تعتنقوا الدين المسيحي فاعتنقوه ، لأنه لا يسعكم أن تقاوموا ، غير أنه يجب عليكم الحفاظ على شريعة موسى في قلوبكم . وبمقتضى قولكم إنهم يأمرونكم بالتجرد من أملاككم ، فاجعلوا أولادكم تجاراً ليتمكنوا رويداً رويداً من تجريد المسيحيين من أملاكهم . وبمقتضى قولكم إنهم يعتدون على حياتكم فاجعلوا أولادكم أطباء وصيادلة ليعدموا المسيحيين حياتهم. وبمقتضى قولكم إنهم يهدمون معابدكم فاجعلوا أولادكم كهنة وأكليروس ليهدموا كنائسهم . وبمقتضى قولكم إنهم يسومونكم تعديات أخرى فاجعلوا أولادكم وكلاء دعاوى وكتبة عدل ليتدخلوا في مسائل الحكومة حتى يخضع المسيحيون لنيركم وتستولوا على زمام السلطة العالمية وبذلك يتسنى لكم الانتقام . سيروا بموجب أمرنا هذا فتتعلموا بالاختبار أنكم بهذا الذل والضعة التي أنتم فيها ستصلون الى ذروة القوة والسلطة الحقيقية . / 13 ت2 1489 التوقيع أمير يهود القسطنطينية . / سيف داوود حداع وأضاليل . وبنفس روحية هذا المخطط سعى اليهود ومن انقاد لمؤمراتهم لكي يحطموا الإسلام وتعاليمه ، واعدوا خطة كاملة لتفتيت المسلمين ، ومن بعض نقاطها :
1- تزكية الخلافات بتكثير سوء الظن بين الفئات المتنازعة ونشر الكتب التي تطعن في هذه الفئة وتلك الفئة و بذل المال الكافي في سبيل التخريب والتفرقة .2- تمييع شباب المسلمين بنات وأولاداً وتشكيكهم في دينهم وتفسيد أخلاقهم عن طريق المدارس والكتب والنوادي والنشرات والأصدقاء ووسائل الاعلام . 3 - نشر الفساد بين المسلمين بالزنا والخمر والقمار ، وأفضل وسيلة لذلك هي وسائل الاعلام . 4- فصل الأبناء عن آبائهم حتى يخرجوا من تحت تربيتهم . 5- ضرورة إغراء المرأة بالخروج عن العباءة بحجة أن الحجاب عادة عباسية ، ثم إغراء الشباب بهن ليقع الفساد فيما بينهم ، واللازم أن نخرج النساء غير المسلمات من الحجاب لتقتدي بهن المرأة المسلمة. 6- ضرورة تحطيم صلاة الجماعة بحجة فسق الامام وإظهار مساوئه ، وبإثارة البغضاء بين الامام وبين الذين يصلون معه بكل الوسائل والسبل . 7- هدم أضرحة الأئمة عند الشيعة . 8 - ضرورة هدم الحسينيات ومنع بنائها واتهامها بأنها بدعة وضلالة . 9 - نشر الحرية في الأعمال وأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو تعدي على حريات الآخرين ، وتفشية قاعدة ( عيسى على دينه وموسى على دينه ) وأنه ( لا ينام أحد في قبر أحد ) .
وبعد هذه اللمحة عن الحرب التي كالها ويكيلها اليهود لأمتنا ، نجد ثلة قليلة من أصحاب الوعي ممن خاض حرب الأديان ليدافع عن العقائد والمبادئ ، وينطلق من روح الإسلام ، ويحمل هموم الأمة ، وعلى رأس هؤلاء وفي طليعتهم الإمام الراحل الشيرازي الذي احتضن الأمة بين ذرا عيه وضمها إلى قلبه فغدت أبوته بحجم الأمة .خاطب أصناف الناس بقدر عقولهم ، فجاء خطابه سلساً عذباً يتسلل إلى القلوب دون استئذان ، وسرعان ما تذعن العقول لوضوح حجته . طرق أبواب العلوم فانقادت بين يديه ، فحل رموزها ، وفك طلاسمها ، وقدمها سائغة للطالبين .أثنى عليه الباحثون عن الحقيقة ، و انتقده هواة التعقيد ، فأغضى معرضاً ، إذ كان يدرك أن البلاغة من شؤون المعنى لا من شؤون اللفظ ، فليست البلاغة في تعقيد العبارات أو تنميقها ، بل هي في إيصال المعنى المراد إلى أذهان السامعين . خاطب الأطفال بلغتهم ، والطلاب بلغتهم ، والعلماء بلغتهم ، والخبراء وأصحاب الإختصاص كلاً بلغته ، كما تشهد بذلك دروسه ومحاضراته ، بل و كتبه ومؤلفاته التي تجاوز عددها الألف كتاب والتي بلغت أفاق الدنيا ، وقرأها الملايين . غاص في أبحر الفقه واستخرج شوارده ، وكان السبَّاق إلى العديد من الأبواب التي لم تطرق من قبل ، فغدا مجدداً مشهوداً له بكل ما للكلمة من معنى . دافع عن مذهب أهل البيت حتى آخر رمق من حياته ، فكان كتلة ولاء مجبولة بالفخر والاعتزاز بكلمة ( أشهد أن علياً ولي الله ) . أدرك أن شرايين الأمة لا ينعشها إلا دم الحسين الشهيد (ع) فأنفذ المئات من فوارس المنبر الحسني إلى شرق الأرض وغربها ، فملؤوا الدنيا بذكر الحسين (ع) وفتحت شريعة سيد المرسلين ذراعيها لتستقبل مئات الآلاف من الوافدين إليها عبر بوابة الحسين (ع) . رفض كل ألوان المساومة على العقيدة ، فحاربته بعض الفئات لمجرد كونه كحجر عثرة في طريق تنازلاتها عن بعض ثوابت العقيدة ورموزها كالشهادة الثالثة والشعائر الحسينية . نادى بضرورة التنظيم ورص الصفوف لأجل صيانة الحقوق الموفورة ، وتحصيل الحقوق المهدورة ، فالتنظيم عنده سنة كونية وليس مجرد حاجة بشرية ، كما أنه وسيلة وليس هدفاً ، وكان يتمثل بكلمة بعض العلماء ( قام الإسلام على كلمتين : كلمة التوحيد وتوحيد الكلمة ) ولقد تنبأ ( قده ) بمأساة الجنوبيين في لبنان قبل الأحداث اللبنانية والإجتياح الإسرائيلي ، عندما رأى المسلمين في الجنوب يقعون بين فكين الفك الصليبي والفك الصهيوني ، ووقع ما تنبأ به .رمى ببصره أقاصي بلاد المسلمين ، فأحاط بمكامن ضعفهم ، ومواطن القوة عندهم ، فصان مواطن القوة ، وأسعف مكامن الضعف ، ووقف طوداً شامخاً في وجه المتآمرين على تحطيم الإسلام وروحيته ، فبنى المساجد والحسينيات ، وأسس الجمعيات ، ومدارس حفاظ القرآن ، والمكتبات العامة ، والأندية الإسلامية ، و المؤسسات الاجتماعية والصحية ، واهتم بنشر الوعي والثقافة الإسلامية المكتوبة والمسموعة ، وأرسل المبلغين في كل اتجاه ، وبالجملة إن الإمام الشيرازي لم يكن مجرد رجل في أمة ، بل كان أمة في رجل . وهو بعد ذلك في غاية التواضع ، إذ غدا في غاية الرفعة ، ففي الحديث الشريف ( من تواضع لله رفعه الله ) . وقال الشاعر : مليئ السنابل ينحني بتواضع والفارغات رؤوسهن شوامخ . نعم كان يعمل بصمت ، فيما الآخرون ملؤوا الدنيا صراخاً وضجيجاً . ولم يرق عزمه هذا لأصحاب الغايات والمصالح ، ومن اتخذ من الحكم هدفاً لا وسيلة ، فأغلقوا العديد من مؤسساته ، ومنعوا القراءة بكتبه ، بل وأحرقوها ، وأخيراً أصدروا بحقه حكماً غيابياً بالإعدام بعد انتقاله مكرهاً من العراق إلى الكويت ليحتضن الموالين طيلة ثمان سنو ات مليئة بالعطاء حتى قال قائلهم : ( إن السيد الشيرازي نعمة معنوية تفضل الله بها على شعب الكويت ) .ورغم كل تلك المضايقات لم ينثن عن عزمه فلقد كان يستمد عزمه من عزم سيد أولي العزم محمد (ص) ويقتدي في ثباته بثبات المطهرين من أهل بيت العصمة (ع) . كما كان يستمد مواقفه وآراءه من صميم روح الإسلام ، فكان يرى أن المحكم في الأمور المصيرية للإسلام خلال غيبة صاحب الأمر (عج) هو شورى الفقهاء فكان يقول : ( إن روح الاسلام أقرب الى شورى الفقهاء من حكومة الفقيه الواحد ، حيث أن نظام الاسلام استشاري كما في قوله ت عالى : { وأمرهم شورى بينهم } وقوله تعالى { وشاورهم في الأمر } .ونحن إذ نقف بتجرد مع هذا المسلك نجده فعلاً أقرب إلى روح الإسلام وروح الإسلام أقرب إليه فهو مؤيد بمئات الروايات وليس العشرات فحسب ، فمن ذلك ، ما ورد عن : - النبي (ص) : ما تشاور قوم إلا هدوا لأرشد أمرهم .- علي (ع) : من استقبل وجوه الآراء عرف مواقع الخطأ . - علي (ع) : الاستشارة عين الهداية وقد خاطر من استغنى برأيه . - علي (ع) : من استبد برأيه هلك ، ومن شاور الرجال شاركها في عقولها . - علي (ع) : من أعجب برأيه ضل ، ومن استغنى بعقله زل . - علي (ع) : لا رأي لمن انفرد برأيه . - علي (ع) : من استعان بذوي الألباب ملك سبيل الرشاد . - علي (ع) : ما استنبط الصواب بمثل المشاورة . - ونحن نرى إن ولاية أمور المسلمين بمجرد أن تخرج عن إطار القيادة الفردية المعصومة ، تصبح معرضة لأن ينتزعها الأقوى والأدهى ، وبالتالي فإنها تصبح غرضاً للطامعين والمغيرين ، وضحية الإعلام المغرض ، كما يشهد بذلك تاريخ الخلافة الاسلامية ، بعد انتزاعها من أمير المؤمنين (ع) حيث انحدرت لتصل إلى أناس من مستوى يزيد بن معاوية . - وفي الختام نقول لقد كان الإمام الشيرازي طيلة ثلاثين يوماً في ضيافة الله في شهره الكريم ، ولما انقضت أيام الضيافة بانقضاء الشهر الشريف دعاه الله إلى جواره ليبقى ضيفاً مع الأنبياء والصديقين ، وليكن هدية للجنان يوم العيد . والحمد لله الذي لا يُحمد على مكروه سواه ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته . |