الصفحة الرئيسية

 

 

 

رحيل القائد

كان لنبأ رحيل الإمام الشيرازي (قدس سره) الوقع المفاجئ والمؤلم على القلوب التي عطف عليها وكان قلبه العزيز ينبض بحبها..

وكان لهول الصدمة بفقدان الزعيم الشيرازي على النفوس المؤمنة الأثر غير الطيب، والمهيج للوعة والشعور بالأسى.

إذ فقدنا برحيله العالم والمرجع والأب والمربي والزعيم والملجأ، خصوصاً بالنسبة إلى أولئك الذين شعروا بدفء حنانه الأبوي وتربوا في كنف ظله وتتلمذوا على يده وتخرجوا في مدرسته واستظلوا تحت سقف مؤسساته ومشاريعه المختلفة والتي امتدت إلى كل أرض وغطت أكثر المساحات الإقليمية والدولية وساهمت في كل المجالات العلمية والتثقيفية والاجتماعية والسياسية.

وبرحيل الإمام المؤسس والقائد الموجه والزعيم الروحي فإن المراكز والتجمعات وأن أقضها الألم والإحساس المفاجئ بالغياب، إلا أنها قادرة على ملأ الفراغ والتعويض عن غياب الشيرازي، بما غذاها الإمام (قدس سره) من عوامل التقدم والازدهار، وغذى أبناءه وعناصر حركته الخالدة بالتوجيه الكافي والدفع والتشجيع والمد بالروحية العالية والثقة بالنفس على مواصلة المسيرة التي رسم خطوطها وعبّد طريقها بجده المتواصل وجهاده المرير ومقارعته للصعاب بل مواجهته لأعنف العواصف التي ثبت لها الإمام الشيرازي في ظروف المحنة والمقاومة التي سجلها التاريخ ويحتفظ بها المؤرخون في أراشيفهم أو تختزن ذكرياتها حافظة أتباعه ومعاصريه.

حقاً كان الإمام الشيرازي مدرسة كبيرة واسعة متعددة الأطراف وشاملة المناهج، وإنه لم ولن يموت مثل الشيرازي، بما ترك من آثار طيبة وخلف من مشاريع ومؤسسات، وأعطى للحياة الإسلامية من عطاء ثر وإنتاجات قيمة وموسوعات ومؤلفات، والأكثر من ذلك بما ربَّى على يده من أولاد كرام علماء وأخوة بررة أتقياء، ودرَّس من تلاميذ وطلاب ورعى من أتباع ومقلدين لهم اليوم في شقيق الإمام الشيرازي وأخيه العالم الفقيه التقي الورع آية الله العظمى السيد صادق الشيرازي (دام ظله) خير خلف لسلفه الصالح وخير من يعوّل عليه في مواصلة المسيرة وأفضل من يشار إليه بالبنان في حمل راية المرجعية.

إن ما يهون الخطب الجلل علينا برحيل إمامنا الشيرازي أن نرى ونحظى بمن يسدّ فراغه ويواصل نهجه، ويديم طريقه الريادي، ولا يدع الأمة تشعر بغياب الشيرازي الفقيد وهذا من نعم الله على عباده، أن إذا غاب نجم في سماء العلم والمرجعية حل نجم آخر محله، وإذا أفل كوكب طلع في الأفق المبين كوكب آخر مشع ينير الدرب للسائرين فهل تتوقع لمسيرة أصلها الأنبياء وفرعها العلماء أن تتوقف وتنتهي؟

كما في الحديث: (العلماء ورثة الأنبياء والفقهاء أمناء الرسل).

بل بالعكس يرفع الله درجاتهم في الدنيا والآخرة، وينصر كلمتهم على أعدائهم:

فقال تعالى: (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات).

وقال عز من قائل:

(كتب الله لا غلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز) [سورة المجادلة: الآية 21].

كما إن الأمة الإسلامية - بقيادة علماء الدين - تترسم خطى القيادة المرجعية وتعقد العزم على الالتفاف - دائماً - حول راية العلماء الأعلام، فهي منتصرة حقاً ومؤيدة بالظفر، خصوصاً أتباع أهل البيت الأئمة الأطهار الذين ينهجون نهج الإمام الحجة المنتظر (عجل الله فرجه) حيث قال (عليه السلام):

(أما من كان من الفقهاء صائناً لدينه حافظ لنفسه مخالفاً لهواه متبعاً لأمر مولاه فللعوام أن يقلدوه).

(وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله).

وما خروج الجماهير الغفيرة في تشييع نعش الإمام الشيرازي وتوديعه إلى مثواه الأخير بدموع الحزن والأسى أو بقلوب ملؤها اللهفة والشوق، والمشاركة في عزائه وإقامة مجالس الحداد والفاتحة على روحه الطاهرة والازدحام على خطوط الأثير والإنترنت لبعث برقيات ورسائل التعزية إلى أسرة آل الشيرازي - بمناسبة فقد كبيرهم الإمام الشيرازي - إلا خير دليل على التفاف الأمة - شعوباً وقادة - حول راية العلماء والمرجعية الدينية، وتطلعها إلى مواصلة طريق الإمام الراحل.

ونحن إذ نرفع أحر آيات التعازي القلبية إلى المفجوعين بهذا المصاب الجلل.

نعزي صاحب العصر والزمان الحجة (عجل الله تعالى فرجه الشريف).

ونعزي مراجع الدين والحوزات العلمية.

نعزي خلفه المرجع آية الله السيد صادق الحسيني الشيرازي (حفظه الله).

ونعزي الأمة الإسلامية جمعاء بفقيدها الراحل.

ونسأل الله تعالى أن يلهمنا وذويه الصبر والسلوان، وأن يجعلنا الخلف الصالح الذي يقتدي بهداه ونرتسم خطاه في خدمة الإسلام والمسلمين وحمل راية المذهب الحق والجهاد في سبيل الله والمستضعفين وأن ينصر كلمته ودينه على الأعداء والمستكبرين إنه نعم المولى ونعم النصير.