|
|
|
|
الشيرازي رحل على خطى أهل البيت عليهم السلام |
|
راح يمشي على ذلك الدرب الصعب، الشوك لا يدمي قدميه، إلا ان قلبه ينزف من الجرح، ورأسه ينفجر من الحزن، انه نفس الدرب الذي قيل عنه صعب مستصعب وهو ذات الصراط الذي سار عليه الأولون.. وقد سقط على حافتيه رجال كبار ذكر التاريخ بعضهم ولم يذكر غيرهم، فهنا من يستقيم، عليه ان يستعد للشدائد وان يعرض قلبه للزلازل فالموت قد يأتي قبل حينه والجسم لا تسعفه قوة الروح هكذا رحل السابقون وهكذا يمضي المستقيمون. كانت إبتلاءآتهم أشد ما تكون وأيسرها السجن والتعذيب والقتل وأصعبها خذلان الأمة وتشتت الأصحاب وانفراط عقد الموالين، وكانت تلك السنين العجاف اكثر إيلاما وعذابا على قلب أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) وهو جليس الدار من كل تلك الجراحات التي أصيب بها خلال معاركه الطويلة مع قوى الكفر وان غدر الأصحاب للحسن عليه السلام أشد على قلبه من السم الذي شربه، وان خذلان الناصر في كربلاء كان أكثر قساوة على الحسين (عليه السلام) من وقع السيف. ألم يقل لهم أمير المؤمنين اسألوني قبل ان تفقدوني فأجابوه بالسخرية والضحك، وبدل ان يطلبوا طريق الحق ظلوا على الجهل عاكفين، وبدل ان يستضيئوا بنور الهداية تمسكوا بطريق الضلالة، فلا هم أبصروا الحق ولاهم مضوا على درب المسترشدين وحسبوا أنفسهم أنهم يحسنون صنعا. والأقسى على قلوب أئمة الهدى وأولياء الله إنهم يرون الناس وهم يسيرون نحو هاوية الجحيم فينبهونهم ويحذرونهم إلا انه لا متعض ولا منتبه.. ألم يذرف الحسين (عليه السلام) الدمع على قاتليه قائلا إنهم سيدخلون النار بسببي؟ ألم يبكي عليا (عليه السلام) زبيرا بعد معركة الجمل؟ ورغم بطش الأعداء وخيانة الأصحاب وغدر الأمة إلا ان ذكر أئمة الهدى (عليهم السلام) لم ينطمس بل زاد ذكرهم توهجا ولمعانا، ولما كانوا غباء في حياتهم أصبحوا أعزاء بعد وفاتهم وإذا أشاحت الأمم بوجهها عن علومهم فهذه العلوم أصبحت اليوم نبراسا للمؤمنين ودليلا للمهتدين ويوما بعد يوم تزداد ضياءا وتوهجا وتتكشف شيئا فشيئا مدى موافقتها للعمل الكوني. تلك كانت ابتلاءات السابقين، السابقين.. وهي أيضا ستكون لمن يسير على هديهم ولمن يضع قدمه اثر قدمهم وهكذا وضع الإمام الشيرازي رضوان الله عليه قدمه في هذا الطريق الصعب ودخل في عظيم البلاء من أول نهضته وحتى آخر حياته والآن بعد رحيله يعود ذكره في الخالدين وتمضي عليه سنة من مضى من أجداده الطاهرين. لقد عانى رضوان الله عليه الكثير الكثير لكنه وبفضل أخلاقه المحمدية لم يكن إلا رحيما بالمؤمنين شديدا على الكافرين وطريقه إلى ذلك العفو عن المسيئين وطلب الرحمة لهم والغفران، فهذه هي أخلاق الرسالة التي تعلمها من أجداده الطاهرين. فلم يكن يرى المرجع الراحل الجهاد صولة سياسية على مقاعد الحكم والسلطة، ولم يكن هدفه من تحركه الجهادي هو نعيم دنيا زائل بل كان غرضه تحقيق خير الأمة ورفع شأنها ومكانتها بين الأمم، وإعلاء كلمة الدين وإحقاق الحقوق وتثبيت لواء العدل في البلاد الإسلامية. وكان رحمة الله عليه مدرسة في الأخلاق إذ قلما تجد ان تجتمع كل الصفات الحسنة في رجل واحد، فقد كان دمث الأخلاق حسن المعاشرة، مثالا للكرم، نموذجا للتواضع، نبراسا للإحسان للمسيئين وما أكثر أولئك الذين تعرضوا لسماحته بالإساءة والتهمة والغيبة والنميمة.. وكان احدهم يأتي إليه خجلا يسترسل الدمع على خديه طالبا العفو والغفران لما نشر ضده من شائعات أو بهتان، فيستقبله رحمة الله عليه بوجهه البشوش استقبال الصديق ويهون عليه الأمر. فلم يكن رحمة الله عليه يحقد على من عاداه ولا يبغض من صده فكان يرتجي الرحمة والعفو للجميع، ويطلب العذر لكل من فعل بحقه سوءا إذ لم يكن يسمح ان يتحدث في حضرته عمن أساءوا له بشين أو بسوء. وأما بالنسبة إلى بحر علومه فمجموع مؤلفاته تشهد على ذلك فقد وصلت حسب بعض الأرقام إلى 1065 كتابا وهي تشمل موسوعته الفقهية والتي تميزت بالتجديد والحداثة لأنها تضمنت موضوعات معاصرة كفقه السياسة وفقه الاقتصاد والاجتماع والإدراة والقانون والحقوق فقد شملت موسوعته الفقهية 160 جزءا وأما وسائل الشيعة ومستدركاتها فقد حوت 40 مجلدا وقصص الحق في 50 جزءا والمئات من الكتب الأخرى التي تزخر بالمعارف الدنيوية والأخروية. وحول نشاطاته وأعماله الخيرية فقد كان الراحل مثالا للحيوية والنشاط فخلال تواجده في مدينة قم المقدسة قام بتشييد 14 مؤسسة ما بين حسينية ومسجد ومدرسة وذلك بأسماء المعصومين الأربعة عشرة (عليهم السلام) إضافة إلى العديد من المؤسسات الخيرية في طهران وغيرها مثل المستوصفات ومؤسسات قرض الحسنة، إضافة إلى المدارس الدينية والحوزات العلمية في إيران وسوريا وأفريقيا فانه رحمة الله قام أيضا بتشييد أكثر من 17 مؤسسة داخل الكويت. وإما نظراته وآرائه فهي كانت نابعة من صميم الفكر الإسلامي وكان مرهما لهذا الواقع ودواءا لدائه وكانت واحدة من تلك الآراء هي ان دعوة الإسلام لا تقوم على القتل والبطش بل هي دعوة حضارية محمدية تقوم على أساس حرية انتخاب المجتمعات للإسلام وحقها في الانتخاب الفطري للخيار السياسي أو رفضه. فدعوته للسلم هي دعوة للتمسك بالخيار الحضاري والثقافي الإسلامي وهي دعوة لسحب السيف من أيدي أولئك الذين يتخيلون بأن الإسلام لا يمكن تطبيقه إلا من خلال العنف والقوة وهو أسلوب العاجز الذي لا يملك بيانا مقنعا ولا رأيا نافذا، ولا صوتا مسموعا، بينما دين الإسلام هو دين المنطق والبيان ولا حاجة لنشره ورفع كلمته لاستخدام العنف والقوة. وبهدف الإطلاع على أهم نظريات المرجع الراحل نعود إلى كتبه لنجد انه رضوان الله عليه يؤكد على تحقيق الأمور التالية: 1ـ تشييد صرح الأمة الإسلامية الواحدة، واستنادا على الآية الكريمة (ان هذه أمتكم أمة واحدة) يتعين على كافة المسلمين ان يبذلوا مساعيهم لتحقيق هذه الأمنية التي سعى وناضل من اجلها الرسول الأكرم. 2ـ تحقيق الأخوة الإسلامية، واستنادا إلى الآية الكريمة (إنما المؤمنون أخوة) فإنه لا يجوز التمييز بين المسلمين على أساس اللون أو القومية ولا يجوز مخاطبة المؤمنين من البلدان الأخرى بالأجانب ولكل مسلم حق مساوي للمواطن في البلد المسلم الآخر. 3ـ التمتع بكافة الحريات الإسلامية: فلا يجوز لأحد سلب الحرية الصناعية والزراعية والاجتماعية والثقافية أو حرية إبداء الرأي من أي شخص إلا في المواضع التي لا يجوزها الشرع الإسلامي. 4ـ تحقيق مبدأ المشاورة على كافة الأصعدة والتي تشمل المشاورة بين العلماء والمراجع وبين عموم المسلمين وتتضمن البحث في أدق المسائل وأعظمها. 5ـ التعددية الحزبية، فقد ثبت على صعيد الواقع فشل حكومة الفرد وانهيار وتضع ضع حكومة الحزب الواحد وعلى العكس من ذلك نجد ان التعددية الحزبية تؤدي إلى توازن القوى والمنافسة بين الأحزاب على تقديم الأفضل للأمة في كافة المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية وإنها تؤدي إلى تطور واحترام البلد. 6ـ الاكتفاء الذاتي، وذلك لأن الأمة التي تكون بحاجة إلى الآخرين ستكون بنفس المقدار تابعة لهم. 7ـ السلم واللاعنف، وهي تعني عدم التطرف الديني كما اشرنا إلى ذلك من قبل. 8ـ التدبير والتنظيم، فإنها من العناصر الأساسية للتقدم الحضاري. (الله.. الله..في نظم أمركم) 9ـ تأسيس الدولة الإسلامية العالمية، وهي تتشكل من إتحاد البلدان الإسلامية. 10_ الارتقاء بالمستوى الثقافي للأمة، وذلك من خلال نشر الثقافة الإسلامية عبر وسائل الإعلام الحديثة. 11_ رعاية حقوق الإنسان كما وصى بها الإسلام قبل مئات السنين. 12_ رعاية وتنفيذ المسلمين لكافة القوانين السماوية التي أنزلها الباري على قلب نبيه. هذه نبذة بسيطة عن رؤى وأفكار المرجع الراحل، وإننا إذ نؤكد عجزنا وفي هذه العجالة الإحاطة بموسوعة علمية حجمها أكثر من 1065 كتابا فإننا نضع هذه المحاولة البسيطة بين يدي الباري عز وجل عسى ان تكون لنا ذخرا يوم لا تفر من الكتاب صغيرة ولا كبيرة، وان يكون الأجداد الطاهرين هذا السيد العظيم شفعاؤنا يوم الحساب. يونس الموسوي |