|
خطبة الجمعة لسماحة العلامة الشيخ حسن الصفار |
|
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على نبينا محمد وآله الطاهرين وصحبه الطيبين لم يكن الإمام السيد محمد الحسيني الشيرازي (1347هـ 1422هـ) الذي افتقدته الأمة الإسلامية مطلع هذا الشهر (2 شوال) مجرد مرجع ديني، وإن كان من أبرز مراجع الدين في هذا العصر. ولم يكن مجرد شخصية دينية سياسية. وإن كان في طليعة القيادات الدينية المعاصرة ذات الاهتمام والتأثير السياسي ، ولم يكن مجرد مفكر إسلامي ومؤلف موسوعي، وإن كان قد ضرب الرقم القياسي في عالم التأليف، حيث تجاوز إنتاجه الألف كتاب في مختلف مجالات المعرفة . بل إن ميزته الأهم تكمن فيما يطرحه ويشكله من مشروع متكامل لنهضة الأمة، وبناء قوتها الحضارية . وحتى نفهم حياة هذا الرجل لا بد وأن نتحدث شيئاً يسيراً عن الظروف التي عاش فيها وانطلق بحركته منها . لقد انحدر من عائلة كريمة كان أفرادها يتحملون مسؤولياتهم تجاه الدين والأمة ، وما كانوا مجرد علماء وفقهاء ـ وإن كانت هذه الصفة مهمة ومتوفرة فيهم ـ لكنهم إلى جانب ذلك كانوا يحملون راية الجهاد والدفاع عن الدين والأمة، كالميرزا محمد تقي الشيرازي والذي قاد ثورة العراق الكبرى عام 1920م ضد الاستعمار البريطاني، واستنقذ العراق من هيمنته واحتلاله . والمجدد الميرزا محمد حسن الشيرازي ( 1230ـ 1312هـ ) الذي واجه محاولات الإنجليز للسيطرة على اقتصاد إيران وصولاً إلى الهيمنة السياسية، عبر احتكار امتياز تسويق التبغ الإيراني ، فأصدر فتواه الشهيرة بتحريم التنباك ، مما عبأ الشعب الإيراني لتحدي الهيمنة الأجنبية، وأسقط تلك المحاولات، فيما عرف بثورة التنباك. والميرزا عبدالهادي الشيرازي و الميرزا مهدي الشيرازي واللذان كان لهما دور في مواجهة المد الشيوعي في العراق، وغيرهم من رجالات أسرته الذين حملوا راية الجهاد والدفاع عن الدين والأمة. هذا الرجل نشأ في أحضان هذه العائلة ولذلك كان يتحسس مسؤوليته تجاه واقع الأمة والدين. وتحدث الصفار عن حالة الركود الفكري التي خلفها الاستعمار في بلادنا ونهوض الإمام الشيرازي بدور التحدي والمواجهة قائلاً: كانت الأمة تعيش تخلفاً عاماً في مختلف المجالات .. التخلف السياسي .. الاقتصادي .. العلمي .. الصناعي .. هذا التخلف كان يدفع بجماهير الأمة وأبناء الأمة ومثقفيها إلى الانبهار بالحضارة الغربية، والارتماء في أحضانها وتياراتها، ومن ناحية ثالثة كانت الحالة الدينية راكدة جامدة في الغالب، لم يكن هناك وعي بهذا التحدي ، ولم يكن هناك نشاط على مستوى هذا التحدي، هذا السيد الجليل (الإمام الشيرازي) أدرك مسؤوليته و واجبه، كان وعيه يدفعه إلى تحمل المسؤولية، إضافة إلى الأجواء التي عاشها في عائلته، والتي كانت تحفزّه لتحمل مسؤوليته في الدفاع عن الدين والأمة، فقد كان يسمع من والده ووالدته وسائر أقربائه قصصاً ومشاهد وذكريات، عن نضالات وجهاد أعلام الأسرة، وتضحياتهم في سبيل الدفاع عن الدين وإنقاذ الأمة . ولذلك انطلق للعمل والجهاد، ولم يكن هو الوحيد في ساحة الإصلاح والجهاد والعمل الديني في هذا العصر، كان هناك في نفس الفترة ،وفي نفس المرحلة،علماء وفقهاء آخرون، في إيران والعراق، امتلكوا هذا الوعي الرسالي، وأحسوا بواجبهم ومسؤوليتهم، لكنهم بالطبع كانوا قلة قياساً إلى العدد الكبير من العلماء، ومن جموع الحالة الدينية بشكل عام . وعن العقبات التي واجهت الإمام الشيرازي في عمله الإصلاحي تحدث الصفار قائلاً: عندما انطلق للعمل واجه ـ كبقية المصلحين ـ عقبات ومشاكل ومشاق من ابرزها: مخططات الاستعمار وعملائه. حيث كانت الحكومة العراقية خاضعة للهيمنة والتوجيه الاستعماري، وكان الاستعمار يرصد حركة المجاهدين ويدرس شخصياتهم، فسفاراتهم تضم الأجهزة المتخصصة حيث كانوا يدرسون العلماء والمراجع والخطباء والفعاليات ، وكانت استخباراتهم نافذة في كل مكان، فإذا رأوا أن شخصاً يفهمهم، ويريد أن يعمل لمواجهتهم، ورأوا أن لديه قدرات وطاقات لا يتركونه يعمل في الساحة ، فالاستعمار عندما يرى مجاهداً لا يدعه وشأنه .. ومن طبيعة الاستعمار أنه يعمل في الظلام ـ كاللص ـ فإذا ما كشفه شخص وأثار الناس عليه، فإنه يقاومه و يحاول أن يقضي عليه. الاستعمار يحاول أن يسرق نفوسنا وأفكارنا وثرواتنا، ولكن ذلك يحدث في حالة استغفالنا وجهلنا وتخلفنا، فإذا كانت هناك حركة واعية،وأشخاص مدركون لمخططات الاستعمار، فإنهم يحبطون هذه المخططات ، من ناحيته يقوم الاستعمار بمحاولة تعويق حركتهم، وتحطيم شخصياتهم، وتشويه صورتهم، ومنعهم من أن يقوموا بدورهم في الساحة،وهذا ما واجهه كل المصلحين و المجاهدين، والسيد الراحل عاش مثل هذه الحالة وعانى الضغوط بأساليبها المختلفة من قبل الاستعمار وعملائه الحاكمين و النافذين. وفيما يتعلق بالحالة الدينية التي كانت تعيشها الأمة وكيف واجه الإمام الراحل هذه الحالة تحدث الشيخ الصفار مؤكداً: حين تقرأ حياة الشهيد السيد محمد باقر الصدر (رحمه الله) تجد المعاناة واضحة جلية، وكذلك هو الوضع بالنسبة للإمام الراحل السيد محمد الشيرازي، من ناحية أخرى كان التخلف العام الذي يعيشه المجتمع يصنع العقبات أمام طريقه، لكنه انطلق بهمة قعساء، وعزم عظيم،وتصميم ثابت، وشق طريقه وعمل وجاهد في مختلف البقاع والمناطق. البعض قد يناضل في منطقة معينة، وحينما ينتقل إلى أخرى يجد نفسه معفياً من مهمة النضال، أو قد يعمل في ظرف معين، فإذا ما تغير الظرف برر لنفسه عدم إمكانية العمل في الظرف الجديد، لكن الفقيد الراحل في أية منطقة حلَّ، وفي أي ظرف كان يعيش، ومنذ مقتبل عمره وحياته بدأ العمل الرسالي .. بدأ التحرك الجهادي، واستمر عليه إلى آخر لحظة من لحظات حياته. أما عن العطاء اللامحدود للسيد الإمام فقال الشيخ الصفار: في شهر رمضان المبارك المنصرم كما أخبرني القريبون منه كان من أكثر الأشهر حيوية ونشاطاً، وكأنه ينظر بعين الله، ففي العشر الأواخر من شهر رمضان طلب من جهازه أن يهيئوا له لقاءً مع المسؤولين الأفغان الموجودين في إيران، من علماء وقيادات وفعاليات، وأصرَّ على أن يتم هذا اللقاء بأسرع وقت، وبالفعل فقد تم اللقاء واجتمع بهم إلى وقت متأخر من الليل وتحدث لهم حول الوضع الجديد في أفغانستان، وقدّم لهم آراءه ونصائحه وتوجيهاته بهذا الخصوص، وفي ليلة أخرى طلب أن يجتمع بعدد من الشخصيات القيادية العراقية، وقدم آراءه لهم حول القضية العراقية،والتطورات التي تمر بها، والتوقعات المحتملة، وفي ليلة ثالثة طلب بعض رؤساء الهيئات واللجان الدينية والاجتماعية الموجودة في إيران ، واجتمع بهم اجتماعاً مفصلاً ، وفي ليلة أخرى طلب الاجتماع مع الفعاليات النسائية، والهيئات واللجان العاملة في الحقل النسوي، وجلس معهن ،وقدم لهن توصياته وكان ذلك في آخر ليلة من ليالي شهر رمضان وهي ليلة العيد، وبعد اجتماعه بهن بفترة وجيزة أصيب بنزيف في الدماغ، ونقل إلى المستشفى، ودخل في غيبوبة، ومنها انتقل إلى الرفيق الأعلى .. حياته كلها حركة .. كلها جهاد، واستطاع خلال هذه الفترة أن ينجز، وأن يعمل، وأن يقدم تجربة متميزة. وفي المجال العلمي حيث الإسهامة الكبرى للراحل العظيم أشار الصفار قائلاً: ففي المجال العلمي كان لسماحة السيد المرجع عطاء علمي فكري غزير، حتى أن الرقم الذي وصلت له مؤلفاته تعتبر رقماً قياسياً ، فليس هناك مؤلف وصل إلى هذا الرقم من عدد المؤلفات والكتابات. - وفي المجال التربوي ربى مجموعة من الكوادر والكفاءات، فقد تخرج من مدرسته مجموعة من العلماء الفقهاء، والخطباء والكتاب والمفكرين والعاملين في مختلف المجالات ، جيش من الكوادر والكفاءات تربوا على يديه ، وفي رحاب مدرسته ، وأصبح العديد منهم يقود نشاطات علمية واجتماعية كبيرة في ساحات مختلفة . - وعلى صعيد بناء المؤسسات فقد بنى ورعى إنشاء المئات من المؤسسات والمشاريع، من حوزات ومكتبات ومنظمات ولجان وهيئات ومستوصفات طبية، وأنشطة علمية، هذه المؤسسات والمشاريع الضخمة التي رعاها، و هذا التيار الجماهيري الضخم الذي أوجده ونماه ورباه .. يحتاج الإنسان إلى وقت طويل حتى يحصي الأنشطة والمشاريع والمؤلفات والمؤسسات والتلامذة الذين أنتجهم هذا الرجل في فترة عمره وجهاده . وعن السمات العامة التي ميزت فكر الإمام الراحل تحدث الصفار قائلاً: 1/ الأصالة نعني بها ارتباطه بالمصادر الإسلامية، فآراؤه .. وأفكاره .. ونظرياته لم تتأثر بهذا التيار أو ذاك من هنا أو هناك، وليست استحسانات أو استذواقات، وإنما لديه ارتباط عميق وثيق بالينابيع الإسلامية، ولعلي لا أبالغ إذا قلت : إن سعة اطلاعه على النصوص الإسلامية ومداومته على مراجعتها لا نظير لها في عالم الفقهاء والعلماء . ففي مجال القرآن الكريم عدا عن حفظه للقرآن، تجده يجتهد في مهمة التفسير حتى لقد فسر القرآن عدة مرات ، في كل مرة يفسر القرآن تفسيراً كاملاً ومختلفاً عن التفسير الآخر، وذلك انطلاقاً من أن القرآن الكريم ـ كما ورد في حديث الإمام علي الرضا (عليه السلام) : ( هو في كل زمان جديد، وعند كل قوم غض إلى يوم القيامة ) فقد كتب تفسيراً للقرآن تحت عنوان ( تقريب القرآن إلى الأذهان ) أيام كان في كربلاء، وقد طبع في ثلاثين جزءاً، كما كتب تفسيراً موضوعياً للقرآن الكريم في عشرة مجلدات، وكتب تفسيراً مختصراً ( توضيح القرآن أو تسهيل القرآن ) وكان لديه في الكويت درس ليلي في تفسير القرآن استمر طوال فترة وجوده في الكويت ، أي حوالي تسع سنوات . إضافة إلى مجموعة من الكتب والبحوث التي كتبها حول القرآن الكريم مثل : ( الفقه : حول القرآن الكريم ) و ( متى جمع القرآن ) و ( بيان التجويد ) وغيرها . وفي مجال الروايات تجد له اطلاعاً واسعاً جداً على الروايات والأحاديث الواردةعن النبي وأهل بيته (عليه السلام) وذلك واضح في كتاباته وخطاباته، واستدلالاته الفقهية . ـ وفي وقت مبكر من حياته جمع الوسائل والمستدركات في كتاب واحد يقع في أربعين جزءاً طبع منها خمسة مجلدات في القاهرة ـ كما باحث الكثير من كتب الحديث كبحار الأنوار مع بعض الفضلاء، وهو في منهجه يقترب من منهج المحدثين ، حيث يميل إلى القبول بكل ما ورد في الكتب الأربعة، ومن النادر جداً أن يرد رواية من الروايات ، بل تجده يوجه الروايات ويؤولها ويجتهد في التوفيق بينها، وتجد ذلك واضحاً في كتبه، ككتاب الآداب والسنن ، وفي مختلف أبواب كتاب الفقه . ـ وقد شرح نهج البلاغة في كتابين منفصلين ، أحدهما مطبوع وهو ( توضيح نهج البلاغة ) في أربعة مجلدات والآخر موسع لم يطبع. ـ كما شرح الصحيفة السجادية شرحاً مختصراً مطبوعاً ، وشرحاً آخر موسعاً يقع في ثلاثة مجلدات لم يطبع بعد، وألف كتاباً يقع في عشرة مجلدات شرح فيه كل الأدعية والزيارات الواردة . ولكثرة مراجعته ومتابعته للروايات والأحاديث تجد لديه حالة من الحضور الذهني لكل النصوص، وذلك واضح من كثرة استشهاداته في كتبه وخطاباته . إنه لا يكاد يتحدث في موضوع أو يطرح فكرة إلا ويستشهد لها بنص ديني من آية أو رواية، فهو ينطلق من النصوص الشرعية في آرائه وأطروحاته . وفي مجال السيرة والتاريخ لديه عدة كتب في السيرة النبوية، وكذلك سيرة الأنبياء و الأئمة عليهم السلام تصل إلى أكثر من ستين كتاباً بمختلف الأحجام ، وقد سمعت عدداً من الخطباء الكبار الذين أعرفهم أنهم يسمعون من سماحة السيد نوادر وقضايا ووقائع تاريخية، حول حياة الأئمة ، أو حول مصائب الأئمة فيتعجبون من أين يأتي بها ، وأتذكر حين كنت في الكويت كان السيد (رحمه الله) يخطب في مسجده في كل جمعة، وعندما تمر مناسبة من المناسبات كمناسبة عاشوراء .. كان الناس يستمعون إلى الخطباء ورواة المقتل ثم يأتون تحت منبره، فنتساءل : ما الذي سيأتي به السيد من جديد للمستمعين بعدما سمعوا رواية المقتل بتفاصيله ! وقد تعجبت من خطاب سماحته، حيث ذكر وقائع من مقتل الحسين جعلت الحضور ينهمكون في البكاء لفترة طويلة، ولأول مرة نحن نسمعها !! توجهت له مع مجموعة من الخطباء متسائلين عن مصدر هذه الروايات، فقال : راجعوها في كتاب كذا وكتاب كذا .. وذكر لنا عدة مصادر، وقد وجدنا تلك الروايات في مصادرها كما ذكر لنا سماحته . وفي هذا السياق كان له اطلاع واسع على آراء الفقهاء في مختلف مسائل الفقه، وقد طلب مني أحد الفقهاء المعاصرين أن أوفّر له موسوعة الفقه الضخمة، و قدمتها له، وبعد فترة من الزمن سألته عن وجهة نظره حول الكتاب ، فقال : ما أدهشني هو إحاطة السيد بالآراء، ففي كل مسألة يبحثها يذكر كل الآراء الواردة في الساحة الفقهية حول المسألة، ويناقشها رأياً رأياً حتى بعض الآراء النادرة الشاذة يذكرها . هذا الاطلاع الواسع على النصوص من آيات وروايات، وعلى آراء الفقهاء واستحضارها عند كل فكرة أو مسألة، هو مصدر وأرضية الأصالة في فكر سماحة الإمام الراحل . 2/ الانفتاح كان لديه انفتاح عجيب على العصر، وعلى مختلف الثقافات، كان مواظباً على استماع الأخبار ومن مختلف الإذاعات، كما كان مواظباً على قراءة الصحف والمجلات والكتب المختلفة، وإنك لتتعجب من هذا النهم العجيب للمطالعة، بل وسرعة المطالعة . كان يوصي كل من يسافر من تلامذته و أصدقائه القريبين أن يحضر له آخر ما صدر من كتب ومؤلفات، وكان يعتبر الكتاب أفضل هدية تقدم له، ولا أزال أتذكر أنه ذات مرة رأى عندي كتاب ( خريف الغضب ) وهو في أربع مئة صفحة تقريباً للكاتب المصري محمد حسنين هيكل فقال: هذا كتاب جديد. قلت: نعم ،قال: أحب أن أطلع عليه.،قلت : غداً أحضر لكم نسخة منه ،قال : أطلع عليه هذه الليلة وأرجعه لك غداً. في اليوم التالي أحضره معه ، وبعد نهاية درسه الفقهي بدأ يتحدث عن الكتاب، وأنه أحسن في هذه النقطة، واشتبه في تلك المسألة، وعرض مختلف جوانب الكتاب .. لخص الكتاب في حديثه معنا في ما يقرب من نصف الساعة . كما كان يجيد الاستفادة من أحاديث الناس، كان لديه في الكويت برنامج زيارات بعد صلاتي المغرب والعشاء، وكنا نصحبه في بعض زياراته، فكان حين يلتقي برجل قد عاد من اليابان مثلاً يسأله كيف وجدت تلك البلاد؟ .. كيف هو وضعهم الديني؟ .. وضعهم السياسي .. الأخلاقي .. ماذا لفت انتباهك لديهم؟ هل مررت على مكتباتهم؟ .. كنائسهم ...؟ فيأخذ معلومات بأكبر قدر ممكن، ثم يستفيد منها في خطاباته وأحاديثه ويستشهد بما سمع من معلومات عن تلك البلاد .. يجمع مختلف المعارف، ومختلف العلوم، ويوظِّفها، ويستنتج منها، ويستثمرها لصالح الأفكار والدعوة التي يريد طرحها . كان لديه انفتاح على مختلف جوانب الحياة .. ومتابعة للأحداث والمستجدات على الساحة الإسلامية والعالمية ذات مرة كنا متوجهين من طهران إلى قم لزيارة سماحته ولم نكن قد استمعنا الأخبار ، وعندما التقينا به وجدناه في وضع من التحفّز والتفاعل وأخذ يسألنا متعجباً : ألم تسمعوا الأخبار ؟ !! .. لقد سقط جدار برلين !! وهل تعلمون ماذا يعني سقوط جدار برلين ؟ .. إنه يعني انتهاء الحرب الباردة .. وانتهاء المعسكر الشرقي، وخضوع العالم لهيمنة واحدة، وبدأ يتحدث عن تاريخ جدار برلين وكيف أقيم؟ وماذا يعني سقوطه ؟ وأخذ يعطي تحليلاته حول الحدث، فاعتبره مفصلاً تاريخياً، ومنعطفاً وتحولاً في تاريخ العالم، كما حدث بالفعل، بينما لم نكن نشعر بأهمية الحدث بنفس المستوى الذي كان لديه . 3/ الاهتمام بالبرمجة نحن في حاجة إلى أفكار ونظريات ، وإلى جانب ذلك نحتاج إلى ترجمة تلك الأفكار والنظريات إلى برامج، والكثير من الناس يقبلون الأفكار ويستحسنونها ، فمثلاً : نقول بضرورة الوحدة وعدم التفرقة في المجتمع، والجميع يقبل هذه الفكرة، لكن ما هو البرنامج لتطبيق هذه الفكرة ؟ ونطرح مثلاً أن الشباب يعيش حالة من الضياع والفراغ ولا بد من استيعابهم وهي فكرة جميلة .. لكن ما هو البرنامج لتطبيق هذه الفكرة .. وما هي الآلية ؟ في بعض الأحيان تتوفر الفكرة، وتتوفر النظرية، ولكن المشكلة الأهم هي البرمجة والآليات .. لقد كان سماحة السيد رحمه الله متميزاً في وضع البرامج .. كان لا يأتي بفكرة إلا ويصحبها ببرنامج ومشروع عمل ، وترى ذلك واضحاً في كتبه وأحاديثه في مختلف المجالات ـ منذ الأيام الأولى لتصديه للمرجعية ألف كتاباً اسمه ( إلى وكلائنا في البلاد ) وهو مطبوع عدة طبعات، يحتوي الكتاب على ثمانين مادة يعتبرها سماحته برنامجاً عملياً لوكيل المرجع في مختلف جوانب حياة الناس . ـ في أيام الحرب الظالمة المفروضة على الجمهورية الإسلامية في إيران ومع القصف الذي أصاب مدينة قم انتقل سماحة السيد إلى مدينة مشهد وأخذ يتأمل أوضاعها وموقعها وما يحيط بها وأهميتها، حيث يقصدها الزائرون بالملايين فلا بد وأن يكون لمشهد دور كبير ، ونتيجة هذا التأمل وهذا التفكير ألف كتاباً حول مدينة مشهد بعنوان ( مشهد والحضارة الإسلامية ) وضع فيه مقترحات لتحويل مدينة مشهد إلى مبعث للحضارة الإسلامية . - وحينما ذهب إلى الحج قبل أكثر من أربعين عاماً، ورأى أوضاع مكة المكرمة، والمشاعر المقدسة في موسم الحج، و كان يستمع إلى انطباعات الحجيج حول الحج ومشاكله، فخرج ببرنامج حول تطوير أوضاع الديار المقدسةومعالجة أحكام مسائل الحج بعنوان ( لكي يستوعب الحج عشرة ملايين) - ودعى إلى تكوين الحركات والتنظيمات الإسلامية، وقدم برنامجاً عملياً في طريقة تكوين هذه التنظيمات وإدارتها . ـ و قدم برنامجاً للجاليات التي تعيش في البلاد الأجنبية وذلك في كتاب بعنوان ( نجاة الغرب ) ويرى فيه أن الغرب أفضل أرضية للعمل الديني والإسلامي ، كما تؤكد ذلك الكثير من الوقائع ، وفي أثناء لقاءاته مع الفعاليات التي تعيش في الغرب كان يؤكد على العمل بحيث يتحول الدين الإسلامي ـ بعد خمسين سنة ـ إلى الدين الأول في تلك البلاد ومن ضمن البرامج التي يضعها سماحته لتحقيق هذا الهدف ( برنامج الخدمات الإنسانية ) يدعو فيه الجاليات المسلمة إلى عدم الاكتفاء ببناء المساجد والحسينيات بل التوجه إلى المشاريع الخدماتية لغير المسلمين كإنشاء المستشفيات المجانية، وتكوين الجمعيات التي تهتم بتزويج العزاب، فإذا كنا نريد أن نؤثر على الغربيين فلابد من إنشاء مشاريع تقدم الخدمات لهم ، وقد كانت الإرساليات التبشيرية تستخدم هذا الأسلوب في التبشير بالمسيحية. فعن الجانب العلمي من حياة الإمام الراحل قال الشيخ الصفار: قد نقرأ الإمام السيد محمد الشيرازي (رحمه الله) في البعد العلمي من شخصيته،فنجد فيه ذلك العالم المتبحر، الواسع الإطلاع على علوم الشريعة، ومعارف الحضارة، والذي مارس الدرس والتدريس، والمطالعة والكتابة، والبحث والتفكير، منذ حداثة سنه حتى اليوم الأخير من حياته. ونجد فيما طرحه من آراء وأفكار، موارد كثيرة من الابتكار والإبداع، والتطوير والتجديد، في ميدان الفقه والفكر الإسلامي. كما نلحظ غزارة ووفرة هائلة في إنتاجه العلمي والمعرفي حيث حقق رقماً قياسياً لم يبلغه أي مؤلف في مجال الكتابة والتأليف. وعن الجانب الجهادي تحدث الصفار قائلاً: وقد ندرس البعد الجهادي في حياته ، فنراه ذلك العالم المجاهد، الذي يتدفق غيرة على الدين، وحماسة في الدفاع عنه، والذي حمل آلام الأمة وهمومها بين جنبيه منذ بواكير وعيه وإدراكه، وحتى الساعات الأخيرة من عمره، لم يتوان ولم يهدأ ولم يتراجع، رغم اختلاف الظروف التي مر بها، والأوضاع التي عايشها، ورغم اشتداد الضغوط عليه من هذه الجهة أو تلك. لقد بدأ نضاله السياسي وهو دون العشرين من عمره، حين كان العراق في العهد الملكي، ولما سقط الحكم الملكي سنة 1958م كان في الثلاثين من عمره،واستمر في العهد الجمهوري حكم الشيوعيين والقوميين والبعثيين في العراق وهو يحمل لواء الجهاد ضد الانحراف عن منهج الإسلام، ومصادرة الحقوق والحريات. ولم يكن جهاده السياسي منحصراً في القضية العراقية، بل كان له دور طليعي في تأييد الثورة الإسلامية في إيران منذ انطلاقتها سنة 1963م وحتى انتصارها عام 1979م حيث انتقل من الكويت إلى «قم» ليسهم بآرائه و أطروحاته ومواقفه في دعم مسيرة التجربة الإسلامية الوليدة وترشيدها، ولم يمنعه التيار العام والحماس العارم، من إبداء ملاحظاته الناقدة، وطرح آرائه الجريئة، حرصاً منه على مصلحة الإسلام، وإخلاصاً لمستقبل الأمة. كما أن مواقفه في نصرة القضية الفلسطينية، ومساندة جهاد الشعب الأفغاني، وسائر قضايا المسلمين والمستضعفين، واضحة ومشهودة، من خلال كتاباته وبياناته وخطاباته ولقاءاته وتحركاته. إنه دائم التَّحفز لإنهاض الأمة من أجل نيل استقلالها وحريتها، وتحقيق وحدتها وكرامتها، ولمواجهة محاولات الهيمنة الاستعمارية الاستكبارية، عبر نشر الوعي التحرري،وثقافة المسؤولية، وعبر تعبئة الطاقات، وشحذ الهمم، وتربية القيادات الرسالية، وتشجيع الحركات والمنظمات والمؤسسات العاملة، وإعلان الدعم والتأييد لكل القضايا العادلة. وتناول البعد الأخلاقي في الشخصية الإمام الراحل مشيراً إلى أن: هناك بعدٌ آخر له أهميته القصوى في شخصية الإمام الشيرازي وسيرته، وهو البعد الأخلاقي، ونقصد به السمات الشخصية التي اتصف بها، وانطلق منها في حركته الرسالية، والتي مكنته من تحقيق هذه الإنجازات الضخمة في الميادين المختلفة، وصنعت له مكانته المميزة المرموقة، وتأثيره الفعّال. ودراسة هذا البعد في شخصيته يقدّم للعاملين تجربة غنية ثرية، تنفعهم في بناء ذواتهم، وتكميل شخصياتهم، وتعينهم على تحمّل مسؤولياتهم الرسالية الاجتماعية. ونسلط الأضواء هنا على بعض تلك السمات الهامة في شخصية الإمام الشيرازي (رحمه الله) وإلى سمة الزهد التي غير بها الراحل العظيم أشار الصفار قائلاً: والإمام الشيرازي باقتفائه لسيرة أجداده من الأئمة الطاهرين (عليهم السلام) وبتتلمذه في مدرستهم الإلهية كان يلتزم بالزهد، التزاماً صادقاً، لا تكلّف فيه، إنه يؤمن بضرورة البساطة في العيش، ويدعو إلى ذلك في كتاباته ومحاضراته، ويرى أن التفنن في أساليب الرفاه، أدى إلى تعقيد شؤون الحياة. ويؤكد في توصياته لعلماء الدين والعاملين في الحركة الإسلامية على أهمية هذه الصفة. يقول (رحمه الله) : (الواجب على القائمين بالحركة أن يتزهدوا في الدنيا، فإن الزهد يوجب أولاً كثرة العمل، وثانياً التفاف الناس.. لنفرض أن قائداً كان دخله السنوي ألف دينار، فإذا كان زاهداً في ملبسه وسائر شؤونه، صرف من هذا الألف مئة، وأبقى التسعمائة لأجل الحركة، بينما إذا كان إنسان راغباً صرف كل الألف لنفسه) . فزهده نابع من رؤيته وقناعته، ولأنه منشغل بقضايا الدين والأمة، فهو يوفر وقته وإمكاناته لخدمة أهدافه الرسالية. عاش في الكويت ثمانية أعوام (1391-1399هـ) والتف حوله الأثرياء ورجال الأعمال إضافة إلى الشباب وعامة الناس، وواضح أن مستوى المعيشة هناك متقدم، ووسائل الرفاه متوفرة، لكنه رفض أن يمتلك في الكويت داراً أو عقاراً، وحينما قدمت له دار واسعة لتكون سكناً له ولعائلته، أوقفها مدرسة دينية، وسكن في شقة صغيرة بنيت ملحقاً للمسجد الذي يصلي فيه على أن تكون وقفاً يسكنها إمام الجماعة في المسجد. لكنه يبرهن على إمكانية تحقيق أطروحاته بالإمكان العقلي، وبالتوجيه الديني ـ الذي لا يأمر بالمحال ـ وبإنجازات الأمم والعظماء في غابر الزمان وحاضره، كما يقدم بسيرته العملية وإنجازاته الفعلية دليلاً على إمكانية تحقيق ما كان يُستبعد تحقيقه. وعن رفضه لحالة الكسل والعجز التي تصيب الإنسان قال الصفار: كان يرفض منطق: (ما يصير) و (ما يمكن) ويرى أنه منطق الكسالى والعاجزين والمنهزمين. - في كربلاء – العراق، وقبل أربعين سنة تقريباً، حيث تواضع الإمكانات، وصعوبة الظروف، كان يؤكد ويؤكد على ضرورة طبع الكتب الدينية بأرقام كبيرة «100 ألف نسخة» مثلاً، وكان البعض يستعظمون هذا الرقم ويرونه خيالياً، لكنه كان يؤكد حتى حقق ذلك بالفعل، فطبعت بعض الكراسات والكتيبات برقم 100 ألف نسخة وأكثر. - وحين بدأ الشيخ عبد الزهراء الكعبي يقرأ مقتل الإمام الحسين في يوم العاشر من محرم في صحن الإمام الحسين (عليه السلام) بكربلاء، فتحتشد الجماهير لاستماعه، لطريقته المتميزة المؤثرة، أصر الإمام الشيرازي على ضرورة السعي والتحرك لإذاعة تسجيل المقتل من إذاعة بغداد، ليستمع له العالم العربي كله، واستبعد الكثيرون إمكانية تحقيق ذلك، لكنه استمر في التأكيد والإلحاح والتحريض حتى تحقق ما كان مستبعداً، وأذيع تسجيل المقتل صبيحة العاشر من المحرم سنة 1379هـ وأعيد بثه مساءً استجابة لطلبات آلاف الراغبين، وأصبح برنامجاً ثابتاً للإذاعة العراقية في اليوم العاشر من المحرم كل عام إلى ما قبل التطورات الأخيرة في العراق. وعن أطروحته لإعادة توحيد الأمة قال الصفار: - إنه يتحدث عن إعادة توحيد الأمة الإسلامية الممزقة سياسياً إلى خمسين دولة، وأنها يجب أن تصبح في ظل دولة واحدة، ويؤكد على ضرورة ذلك، وإمكانية تحقيقه، وألف كتاباً تحت عنوان « إلى حكومة ألف مليون مسلم» وكتاباً آخر تحت عنوان « الوصول إلى حكومة واحدة إسلامية». كما طرح هذه الفكرة والبرنامج الذي يقترحه لتنفيذها في العديد من كتبه الأخرى .. ويستشهد لذلك بتوحيد القبائل العربية على يد رسول الله (صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم) بعد أن كانت متحاربة متصارعة، وبسعة الدولة الإسلامية واستيعابها للأمة إلى نهاية حكم العثمانيين، ويستشهد بدولة الهند الواحدة، مع تنوع الأديان واللغات والقبائل فيها، وكذلك الصين، وباتجاه أوربا نحو الوحدة، فما الذي يقعد بالمسلمين عن بناء كيانهم الموحد الواحد؟ أما عن شجاعة الرأي والموقف التي اتصف بها الإمام فقال الصفار: عانى الإمام الشيرازي كمصلح ومفكر من وطأة هذه الضغوط، من جهاتها المختلفة، وبأشكالها العديدة، لكنه واجهها بشجاعة وثبات، وأصر على التمسك بحقه في التعبير عن رأيه، واتخاذ الموقف الذي يراه مناسباً، مستعداً لدفع باهض الأثمان، وتحمّل أقصى المضاعفات. ونشير إلى بعض تلك المواقف الشجاعة: - طروحاته ومواقفه الداعية إلى الالتزام بالإسلام في ظل الحكم البعثي العراقي، ومعارضته لمصادرة الحريات الدينية والسياسية، وقيادته لعدد كبير واسع من الأنشطة الإسلامية مما يعتبره النظام العراقي تحد لسلطته وسياسته. وكان من نتائج ذلك اعتقال أخيه الشهيد السيد حسن الشيرازي،وتعديبه بقسوة ثم اعتقال مجموعة كبيرة من تلامذته وأتباعه، وتهديد حياته بالتصفية، بل وصدور حكم بإعدامه – كما ينقل -، مما اضطره إلى مغادرة العراق، وبعد خروجه من العراق كان يرعى النشاط الإسلامي، والعمل الحركي، وفي مرحلة لاحقة تبنى مواجهة النظام العراقي، وأصبحت حياته في خطر التصفية، كما اغتيل أخوه الشهيد السيد حسن في بيروت سنة 1980م. - حينما وجد في نفسه الأهلية والكفاءة للتصدي للمرجعية، ورأى أن ذلك يساعده على القيام بمهامه الرسالية، لم يتردد في طبع رسالته العملية وإعلان مرجعيته، مع أن ذلك كان يصطدم مع الأعراف السائدة في الحوزات الدينية، لأنه لا زال في مرحلة الشباب، سنة 1390هـ، ولوجود من هم أكبر منه سناً وأكثر شهرة علمية. وتوالت عليه الضغوط الهائلة بسبب ذلك، فلم يتأثر ولم يتراجع، بل استمر في ممارسة نشاطه ومسؤولياته، حتى اتسعت رقعة مرجعيته، وأصبح واحداً من أبرز المراجع المؤثرين في الساحة. واختتم الصفار خطبته بالترحم على روح الإمام الفقيد قائلاً: رحم الله الإمام الشيرازي، وأثابه خير الجزاء على ما بذل من جهود، وتحمّل من تضحيات وعناء في سبيل الله، ووفق الله العاملين للاستفادة من نهجه وفكره، وخلف على الإسلام والأمة أحسن الخلف والحمد لله رب العالمين. |