رجوع

 

 

الصفحة الرئيسية

 

 

خطبة الجمعة : سماحة آية الله السيد مرتضى الشيرازي يكشف عن الدور الريادي للإمام الراحل قدس سره

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله أجمعين واللعنة على أعدائهم إلى يوم الدين.

في الحديث الشريف: (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته) ماذا يعني هذا الحديث الشريف.

وهل يعقل أن يكون كل واحد منكم مسؤولاً عن كل مسلمي العالم؟

أيعقل أن يكون كل واحد من هذا الجمع مسؤولاً عن ملياري مسلم انتشروا في ربوع الأرض.. هذا الحديث الشريف يؤكد ذلك ويؤكد.. ويؤكد مراراً عديدة.

كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، لو أن آهةً واحدة تتصاعد إلى عنان السماء من طفلٍ يتيم أو من شخص مهجر في أقصى نقاط الأرض أو سجين غريب أو من أي شخص، لو أن آهة واحدة تشب سكون الليل، أنا وأنت مسؤولون عن تلك الآهة.

هكذا يصرح الحديث الشريف: (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته). لو أن سجيناً في سجون العراق. أو أن شخصاً يعيش في أعماق غابات الأمازون أو أن مسلماً يعيش فوق قمم جبال الهملايا.. لو أنه تعرض لأدنى اضطهاد، فإن كل واحد منا مسؤول عنه وسيحاسب يوم القيامة حساباً عسيرا من سمع منادياً ينادي يا للمسلمين فلم يجبه فليس بمسلم وفي الحديث عن صادق أهل البيت (عليه السلام) يقول: إن حبراً من الأحبار، عالم من كبار العلماء ويبدو من الحديث أنه كان قمةً في التقوى وقمة في الورع ولم تصدر عنه طوال حياته إلا معصيتان فقط، معصية ترتبط في العلاقة بينه وبين الخلق. وأخرى ترتبط به وبالرب الجليل (سبحانه وتعالى)، ما هي المعصية التي صدرت عنه تجاه الخلق؟

الإمام الصادق (عليه السلام) يقول: إنه مرَّ على مظلومٍ فلم ينصره، فجلد من عذاب الله جلدةً في القبر اشتعل قبره ناراً هذه هي المسؤولية العظيمة التي حملناها الله (سبحانه وتعالى)، (إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها).

أنا وأنت مسؤولون عن كل مضطهد مظلوم ومستضعف في أي بقعة من بقاع الأرض. يجب أن نستشعر ذلك أولاً وأن نضمن بذلك بكل وجودنا إمامنا الراحل آية الله العظمى السيد محمد الشيرازي (رضوان الله تعالى عليه).

كان ذلك الرجل الذي يحسب آلام المسلمين حيث ما كانوا وأين ما كانوا وأنى كانوا. أنا شخصياً في خاطرةٍ شخصية شاهدته ذات ليلة أرقاً.. قلقاً. مضطرباً. لم أعهده من قبل بهذه الحالة إلى الصباح ظل قلقاً مضطرباً. سألته لماذا، أوائل الليل في تلك الليلة شاهد على التلفاز منظر طفلٍ مسلم يضرب في إحدى بلاد الإسلام والطفل يصرخ ويستنجد، ولا منجد طفل، واحد يضربه رجل استخبارات أو شرطي أو أي شيء آخر في إحدى البلاد الإسلامية ظل الوالد إلى الصباح قلقاً من هذا المنظر ومضطرباً ومتألماً أشد الألم. هكذا يجب أن يكون كل واحد منا... هذه هي المسؤولية التي حملت والتي تحملناها منذ الأزل، في مشهد آخر ينقل لي أحد الأخوة الأعزة يقول طوال السنتين الماضيتين تقريباً مئات الوفود توافدت عليه طوال هاتين السنتين وفود تضم أحياناً خمسمئة شخص وأحياناً مئتين وأحياناً عشرين شخصاً من العراقيين الكرام المهجرين من الأخوة الأفغانيين من الإيرانيين ومن الخليج ومن غيرهم. كان يلتقي بهم ويلقي عليهم محاضرة توجيهية تربوية بعد ذلك يجلس إليهم كما يجلس الأب مع أبنائه بكل حب وبكل تواضع وبكل طيبةٍ أيضاً ويسألهم عن همومهم، عند يسمع من هذا الرجل أنه في ضائقة مالية وأن ذاك يعاني من آلام الغربة وأكثركم تعانون آلام الغربة.. أو يسمع ان هذا مبتلى بهذه القضية. كان يتألم ويتألم، يقول صديقنا العزيز الذي كان معه طوال السنتين الماضيتين، وجدته يتألم لكل قضية ولكل مفردة ولكل آهه.. هكذا يجب أن يكون المسلم بنص الحديث الشريف (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته) ولكن كيف..؟ كيف يمكن أن أكون راعياً للأمة الإسلامية بأجمعها، كيف يمكن أن أتواصل مع ملياري مسلم في أنحاء الأرض؟ أنا قطرة ماالذي تستيطع هذه القطرة أن تصنع في هذه الأمواج المتصارعة من الفتن والمحن. كيف يمكن أن أتفاعل مع هذا الحديث الشريف: (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته).

كيف يمكن وأنا المستضعف.. وأنا المهجر.. وأنا الذي ربما لا أمتلك لقمة العيش.. وأنا الذي ربما لا أستطيع أن أؤمن الحاجات الأولية لأسرتي وعائلتي.. كيف أستطيع أن أتحمل هذه المسؤولية الكبرى وكيف أستطيع أن أدافع وأن أتحمل هموم وآلام وآمال عشرات الملايين بل مئات الملايين من المسلمين، إمامنا الراحل السيد (رضوان الله تعالى عليه) يعطينا إجابات كثيرة يرسم لنا المنهج إلا أنني أقتصر على ثلاث نقاط فقط:

أولاً: لابد من إرادة فولاذية، كان يستشهد كثيراً بالشعر المنسوب لمولى المتقين وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه صلوات المصلين).

أتزعَمُ أنكَ جرِمٌ صغير***وفيكَ إنطوى العالمُ الأكبرُ

إذا تحليت بإرادة فولاذية فإنك تستطيع أن تحطم المعاجز. أن تكسر المستحيل أيضاً أنت رجل وأنا رجل والرجل هو من يتحدى الصعاب وليس من يستسلم للقيود الرجل هو ذلك الفتى الأبي الذي يحطم السلاسل وينطلق ويتصل ببحر الأمة ويعطي ويأخذ ويتفاعل ويؤثر أيضاً لابد أولاً من قناعة مترسخة في أعماق النفس بأنني أستطيع أن أحقق شيئاً وبأن هذه المسؤولية قد حملت على كتفي وعلى عاتقي في الوقت نفسه لابد أن أؤمن أولاً وأن أتحلى بإرادة حديدية يقول أمير المؤمنين: (فلما عرف الله منا الصدق أنزل علينا النصر) هذا أولاً.

ثانياً: لابد من مؤسسات دستورية، القطرة تستطيع أن تؤثر في البحر لو تواصلت مع البحر، لكن كيف تتواصل،تتواصل عبر المؤسسات الدستورية عبر جمهرة هائلةٍ من المؤسسات عبر سيل من اللجان والاتحادات والنقابات والمنظمات والمؤسسات والهيئات الإنسانية التربوية الدينية والسياسية وغيرها.. وغيرها. أيضاً.

لابد أن ننخرط جميعاً في إطار مؤسسي أوسع ولابد أن يحاول كل واحد منا أن يؤسس ويؤسس ويؤسس، الإمام الراحل (رضوان الله تعالى عليه) أسس في العراق فترة وجوده هناك مئات المؤسسات ومنها أربعون مكتبة منتشرة في شتى المحافظات أسس في الكويت أيضاً مئات المؤسسات كان منها ربما(300) إلى (400) حسينية تسمى هناك بحسينيات البيوت وهي حسينيات تتمتع بقدر كبير من المقدرة على حفظ إيمان الناس، وأسس في إيران المئات من المؤسسات من مساجد وحسينيات ومدارس وصناديق الإقراض الخيري ولجان تزويج العزاب وغير ذلك.. أنت وأنا.. نستطيع أن نتفاعل مع الأمة بأجمعها عبر نظام المؤسسات. منظمات حقوق الإنسان. أنت قد تكون عراقياً مهاجراً في هذا البلد، وقد تكون أفغانياً وقد تكون فلسطينيا، وقد تكون من أي بلد إسلامي آخر يجب عليك أن تتواصل مع منظمات حقوق الإنسان لكي تدافع عن شعبك المضطهد المظلوم لو أنك كنت تعيش الآن في أعماق السجون والظلم في المطامير ألم تكن تتوقع بأن يغيثك أصدقائك وشعبك الذي انتشر في أرجاء العالم سواء ذلك الذي يعيش في الغرب أو ذلك الذي يعيش في الشرق يجب علينا أن نتصل ببحر الأمة عبر تأسيس المؤسسات بشتى ألوانها الفكرية منها، والثقافية، والاجتماعية، والسياسية، وغير ذلك أيضاً.

وهكذا كان إمامنا الراحل (رضوان الله تعالى عليه) كان ينقل وأنا سمعت منه مراراً هذه القضية، أنقلها لكم بإيجاز كان يقول إن شخصاً واحداً إبان حكم أتاتورك على تركيا حوالي بعد الحرب العالمية الأولى، أتاتورك كان مشهوراً بالظلم والاستبداد والجبروت والطغيان هذا الرجل صمم أن يبني المساجد بشكل منظم تحدياً لذلك القرار العلماني الجائر شكل منظمة سرية وأسس مسجداً في قريةٍ من القرى ثم مسجداً آخر وثالث.. واربع فاعتقل. هل انتهى الأمر كلا وألف كلا.. الرجل لا يستسلم الرجال لا يركعون وهو في السجن بدأ يواصل المسيرة التي ابتدأها من قبل بدأ يحرض ويشوق زواره،وفي فترة عشر سنين أسس عشرة آلاف مسجد رجل واحد يمتلك إرادة جبارة لابد أولاً من إرادة فولاذية ولابد ثانياً من مؤسسات دستورية ومن جمهرة هائلة من المؤسسات نقرأ لكم مقطعاً واحداً من حديث السيد الوالد عن عراق المستقبل وكيف يجب أن يكون العراق في المستقبل وهي فكرة عامة لكل مسلمي العالم يقول:

من الضروري استناد الدولة إلى المؤسسات الدستورية حيث يلزم منح الحرية لمختلف التجمعات والتكتلات والفئات والأحزاب غير المعادية للإسلام في إطار مصالح الأمة كما يلزم أن تكون الانتخابات حرةً بمعنى الكلمة وأن توفر الحرية للنقابات والجمعيات وغيرها.. كما يلزم أن تعطى الحرية للصحف وغيرها من وسائل الإعلام ويلزم أن تمنح الحرية لمختلف أصناف المجتمع من المثقفين والعمال والفلاحين وغيرهم. هكذا يجب أن نتحرك وهكذا يجب أن نثقف الأمة على ثقافة المؤسسات وعلى ثقافة التواصل مع شتى مسلمي العالم أينما حلوا وحيثما ارتحلوا، أين ما كانوا وأينما اضطهدوا هذه هي النقطة الثانية.

النقطة الثالثة: التقوى من الله، لو أنك وصلت حبلك بحبل الله لاكتسبت العظمة من عظيم العظماء ومن رب الأرباب ما قيمتي أنا.. أنا قطرة بل أقل من القطرة إلا إنني لو خفت الله حقاً لاستطعت أن أمتد.. وأمتد.. وأمتد، لكي يسع وجودي الكون كله نعم الله هو مصدر العطاء هو رب الأرباب وبيده المقدرات بأجمعها، لو أنك ولو أنني خفت الله حقاً لاستطعت أن أحقق الكثير وأن أنقذ أمتي وأن أنقفذ المسلمين حيثما كانوا في بلاد العالم من هو المتقي أذكر لكم خمس نماذج وخمس عينات وخمسة أمثلة للمتقي ذلك الذي يخاف الله حقاً على ضوء الأحاديث الشريفة: المتقي هو الذي لا يعذر ظالماً على ظلمه سواء كان اسمه صدام أو كان اسمه شارون أو كان غير ذلك المتقي هو الذي لا يعذر ظالماً على ظلمه يقول الإمام الصادق (عليه الصلاة وأزكى السلام) من عذر ظالماً بظلمه ربما تقول أو يقول ذلك البعيد: إسرائيل دولة ديمقراطية، أية ديمقراطية هذه.. ديمقراطية القتلة.. ديمقراطية السفاحين.. ديمقراطية وحوش الغاب.. ديمقراطية الذين لا يعرفون للرحمة ذرة يجب أن لا يعذر الإنسان الظالم على ظلمه في أي بلد وفي أي مكان يقول الإمام الصادق (عليه الصلاة وأزكى السلام): من عذر ظالماً لظلمه سلط الله عليه من يظلمه، واحدة بواحدة بمجرد أن تصنع تبريراً مهماً كان ذلك التبرير ومهما كان ذلك الشخص الذي تبرر له وفي أي ملبس كان سلط الله عليك من يظلمك.

لا سامح الله من عذر ظالماً لظلمه سلط الله عليه من يظلمه وإن دعا لم يستجب له هذه الدعوة من هذا الشخص الممالئ للظالم لا تستجاب له قطعاً وأبداً هذه هي المفردة الأولى المتقي هو الذي لا يعذر ظالماً على ظلمه.

المفردة الثانية: المتقي هو ذلك الذي لا يمدح ظالماً ولا يتضعضع له ولا يخف له أيضاً.. إياك.. إياك أن تمدح الظالم ولو بشق أو شطر كلمة يقول الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله): من مدح سلطاناً جائراً فلتكن في العراق أو فلتكن في إسرائيل فلتكن في أي بلد آخر إياك.. وإياك أن تتعاون مع الظالم ولو بشطرِ كلمة.. من مدح سلطان جائر وتخفف وتضعضع له طمعاً فيه كان قرينه إلى النار، أعاذنا الله وإياكم من ذلك، كان قرينه إلى النار يعني هذا الشخص يشاركه في كل آثامة وفي كل جرائمه وسيكون قرينه إلى النار، ألا ومن علق سوطاً بين سلطان جائر جعل الله ذلك السوط يوم القيامة ثعبان من نار طوله سبعون ذراعاً يسلط عليه في نار جهنم وبئس المصير.

هذا هو المتقي الذي تحجزه تقواه أن يمدح الظالم وعندئذٍ سيتصل حبله بحبل الله ويستطيع أن يحقق لأمته ما يفوق الخيال.

النموذج الآخر أو المفردة الأخرى: أيضا نستقيها من وصية للرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) من هو المتقي: الرسول الأعظم في وصيته للإمام علي (عليه السلام) يقول: يا علي أبرز للناس وقدم الوضيعة على الشريف، والضعيف على القوي.. يجب أن يكون القائد والمرجع والشخص القيادي من الناس وفي الناس وإلى الناس وهكذا كان الشهيد السعيد المرجع الديني الكبير السيد محمد محمد صادق الصدر (رضوان الله تعالى عليه) كان من الناس وفي الناس وإلى الناس ولذلك أحببتموه ولذلك أحببناه وأحبه كل ذي ضمير حي يجب أن يكون المرجع والقائد من الناس وفي الناس وإلى الناس.

السيد الوالد كان ينقل عن العلامة المجلسي (رضي الله عنه) وهو ذلك العملاق في الفكر وفي شتى الجهات كان في تلك الفترة، لفترة من الزمن، في الدولة الصفوية يحتل منصبا يفوق منصب ئيس الوزراء يعبر عنه بالصدري الأعظم رغم هذا المنصب الرفيع ورغم أن إيران ذلك الزمن كانت تمتد لتشمل أفغانستان والجمهوريات الست (بلقيزستان وازبكستان وطاجكستان) وغيرها،إلا أن هذا الرجل على عظمته وعلى سمو منزلته كان يخرج وعلى جسامة مسؤولياته كان يخرج من البيت إلى المسجد مشياً على الأقدام دون حراس لكي يلتقي به أي مظلوم وفد إليه من أنحاء البلاد هكذا يجب أن يكون المرجع الديني، هكذا يجب أن يكون القائد والذي يتصدى لقيادة المجتمع، وهكذا يجب أن يكون كل واحد، واحد منا في شعاع قيادته وإدارته مهما اتسع ذلك الشعاع أو ضاق، مهما ضاق أو وسع ذلك الشعاع، هذه مفردة أخرى من المفردات.

المفردة الأخرى للمتقي: المتقي هو ذلك الذي يعطي حقوق الناس ولا يفرط في أي حق، لا في حق ابنه ولا في حق زوجته ولا في حق أخيه ولا في حق شعبه ولا في حق مرجعه ولا في حق حزب أو منظمة أو غير ذلك، المتقي هو ذلك الذي يسعى لكي يشرك الجميع في القرار المتقي هو ذلك الذي لا يسعى إلى تهميش الآخرين، المتقي حقاً هو من يلتزم بهذا الحديث الشريف، يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): (جعل الله سبحانه وتعالى حقوق عباده مقدمةً لحقوقه) دققوا في هذه العبارة جعل الله سبحانه حقوق عباده.. سواء كان حقا مالياً أو سياسياً أو اجتماعياً أو عاطفياً أو غير ذلك، لفرد أو تيار أو أي شيء آخر جعل الله سبحانه وتعالى حقوق عباده مقدمةً لحقوقه فمن قام بحقوق عباد الله كان ذلك مؤدياً إلى القيام بحقوق الله، هذا هو المتقي حقاً.

والمتقي أيضاً: هو ذلك الشخص الذي لا يخاف أحدا إلا الله، إمامنا الراحل السيد الوالد (رضوان الله تعالى عليه) كان ذلك الرجل الذي لا يخاف أحداً إلا الله. لا من حكومة ظالمة ولا من عدوٍ مناوء ولا من حاسدٍ حاقد أتذكر وأنا طفل صغير ربما كان عمري في ذلك الوقت خمس سنين في كربلاء المقدسة والحكومة الجائرة قد استكلبت ذات يوم جاؤوا وطوقوا دارنا، حقيقة وحشة.. غريبة وأنا طفل ربما في الخامسة إلا أن الذي أثار استغرابي أشد استغراب أن الوالد كان جالس في ساحة الدار وهو على قاب قوسين من الاعتقال ثم إلى المجهول المطلق كان جالس بكل رباطة جأش في ساحة الدار أتذكر المنظر كاملاً ويكتب عن مآسي المسلمين.. هكذا الرجل الذي لا يخاف إلا الله سبحانه وتعالى. حقيقة أنا ما كنت أفهم ماذا يعني هذا التصرف إلا أنني بعد ذلك عندما كبرت قليلاً عرفت ان من خاف الخالق سبحانه وتعالى لم يخف شيئاً أبداً.. لا السجن والإعدام ولا أي شيء آخر هكذا يجب أن يكون كل مؤمن أن لا يخاف أحداً إلا الله وأن يمحص كل نفسه وكل طاقاته في سبيل الله سبحانه وتعالى.. والقصص في هذا الحقل كثيرة اقتصر على هذا المقدار.

ونحن في أيام أربعين الإمام الراحل (رضوان الله تعالى عليه) نحن نستذكر ذاك التاريخ ستون عاماً أو أكثر من الجهاد من النضال من العطاء الفكري والسياسي والاجتماعي وغير ذلك لكن بعد كل ذلك هذا الفارس البطل الذي عانى وعانى وعانى طوال حياته ترجل أخيراً فارسنا البطل وذهب إلى جوار ربه ذهب إلى جوار ربه وهو يحمل بين أضلعه وبين ثنايا صدره هموم الأمة ذهب وهو حزين على الأمة بأجمعها ترجل أخيراً هذا الفارس البطل ولكن من الذي استقبله هناك أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) الإمام الحسين بن علي (عليه السلام) بعد حياة حافلة بالجهاد والمعاناة والبطولات الرؤيا الصادقة في الحديث الشريف الرؤيا جزء من أربعين جزء من النبوة أحد السادة الأخيار في شهر رمضان المبارك قبل وفاة الوالد ربما بعشرين يوماً رأى في المنام أنه يمشي وفي ظل أمير المؤمنين ومولى الموحدين وإذا بجوار الحسين(عليه الصلاة وأزكى السلام) وانطلق الركب وهناك سلالم الأمير عليه الصلاة والسلام يرتقي هذه الدرجات والإمام الحسين وهذا السيد عندما صعدوا إلى مرتفع وإذا به يرى جنازة السيد الشيرازي (رضوان الله تعالى عليه) هنالك قبل وفاته بعشرين يوماً أمير المؤمنين يقول لنقرأ عليه الفاتحة هكذا هم قمة الوفاء، وقف نفسه لهم فعوضوه واستضافوه أفضل استضافة بدأ الأمير (عليه السلام) بقراءة الفاتحة ثم الإمام الحسين قرأ الفاتحة وهذا السيد أيضاً بعد ذلك رجع الأمير وهذا السيد بخدمته نزل الدرج وإذا به يلتفت بأن الإمام الحسين (عليه السلام) لا يزال باقياً عند الجثمان الطاهر تعلمون لماذا؟ السيد (رضوان الله تعالى عليه) ولد في النجف الأشرف فكان الذي استقبله أمير المؤمنين.. وترعرع في كربلاء وظل طوال الثلاثين سنة الأخيرة يحلم بكربلاء فمن الطبيعي أن يبقى الإمام الحسين (عليه السلام) عنده أكثر.. فأكثر.. فأكثر رؤيا مفصلة لا أدخل في تفاصيلها.

هذا المشوار وهذا الدرب هو مشوارنا جميعاً.. نفس المرء خطاه إلى أجله. كل شهيق وزفير يقربني ويقربك إلى القبر خطوة. ولكن ما الذي قدمت لحياتي ما الذي قدمت للحياة الخالدة يجب علينا في هذه المناسبة وأمثال هذه المناسبة هذه المناسبات التي تحمل إلينا بعض عطرهم رضوان الله تعالى عليهم جميعاً علمائنا الأبرار شهدائنا علمائنا في العراق وفي شتى بلاد الإسلام يجب علينا أن نحاول أن نتأسى بهم وأن نهتدي بهديهم وأن نحمل هموم الأمة الإسلامية بأجمعها والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.