| الصفحة الرئيسية |
|
|
|
|
الوصايا الأخيرة(1) لسماحة المرجع الديني الأعلى آية الله العظمى الحاج السيد محمد بن المهدي الحسيني الشيرازي (قدس سره الشريف) بسم الله الرحمن الرحيم يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي صدق الله العلي العظيم [سورة الفجر : الآية 27-30]
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد وآله الطيبين الطاهرين، واللعن الدائم على أعدائهم إلى يوم الدين. كنت قد ختمت محاضراتي خلال شهر رمضان المبارك 1422هـ في الكويت، وعشت مع الأهل والأصدقاء ليلة العيد في أجواء من الفرح نتهيأ فيها لاستقبال عيد الفطر السعيد، وصباح يوم العيد صليت مع جموع غفيرة من المؤمنين صلاة العيد وألقيت خطبتي الصلاة، وعدت بعدها إلى المنزل لأستريح قليلا بعد أرق طويل.. وإذا بالهاتف يرنّ ليصدمني ببدأ وقوع الفاجعة: الإمام الشيرازي أصيب بسكتة في الدماغ ونقلوه إلى المستشفى وعجز الأطباء عن علاجه، ولكن هناك بصيص ضعيف من الأمل من الناحية الطبية، وكل الأمل برحمة الله تعالى ووقوع المعجزة من أثر دعوات أهل الإيمان، ريثما يعود سماحة السيد إلى الحياة مرة ثانية. فتوجّهت مسرعاً إلى مطار الكويت وسألت عن أقرب طائرة توصلني إلى طهران، فلم يكن لي سبيل سوى السفر إلى مطار دبي ومن هناك إلى طهران، وبالفعل حدث ذلك، فوصلت إلى مطار طهران في الساعة الثانية عشرة من الليل، ومنها قصدت مدينة قم... فوصلتها في الواحدة والنصف بعد منتصف الليل وتوجهت فور وصولي مع حرمي ـ كريمة الإمام المرجع ـ إلى المستشفى، ولقينا سماحته مغمى عليه في العناية المركّزة في حالة خطرة! وهناك اجتمعت مع كثير من المؤمنين الذين تجمهروا لمعرفة أخبار الإمام المرجع في مجلس دعاء.. ودعونا له جميعاً بالعافية والشفاء إلى الساعات الأخيرة من الليل، ثم رجعت برفقة الأهل إلى البيت قلقاً... لقد كانت الصدمة شديدة حينما أفقت فزعاً من أصوات العويل والبكاء.. فالمرجع الديني الأعلى للطائفة قد قضى نحبه في الساعة العاشرة والنصف من صباح يوم الاثنين 2 شوال 1422هـ وأصوات قراءة القرآن قد ارتفعت من كل مكان، والمدينة الدينية اهتزّت من هول الفاجعة.. لقد انتقل الإمام الشيرازي إلى الرفيق الأعلى في الخامسة والسبعين من عمره الذي قضاه في خدمة الإسلام والمسلمين والأيتام والأرامل والمساكين.. لقد ارتحل اكبر عباقرة القرن العشرين.. ذاك الزعيم الروحي الذي قسّموا عدد صفحات كتبه على أيام عمره، فنتج عن رقم ربما لا يصدّق، ولكنه الواقع العجيب، انه قد كتب وألّف بمعدّل أكثر من 25 صفحة في كل يوم من عمره المبارك، لأنه كان إذا مسك القلم وجلس على طاولة التأليف ينحدر منه العلم ويكتب مستثمراً فرص الحياة بأسرع ما يمكن، وفي هذا المجال فقد القوة في ثلاث أنامل من يده اليمنى من كثرة الكتابة، فكان يمسك قلمه بالإبهام والسبّابة فقط، وقد تجاوزت مؤلفاته المطبوعة الألف في مختلف العلوم والفنون من الفقه والأصول والتفسير والحديث والأدب والتاريخ والبلاغة والعقائد والفلسفة والأديان وغيرها... لقد كان من الأوائل الذين دقّوا أجراس خطر الماسونية والصهيونية وكتب (هؤلاء اليهود) قبل نصف قرن وكشف خططهم ثم فضحهم وكافحهم في كتب أخرى. وكان من الأوائل الذين خالفوا الأنظمة الكافرة في العراق، ووقف بوجه المدّ الشيوعي والقومي والبعث العفلقي.. حتى صدر فيه وفي إخوته الثلاثة حكم الإعدام غياباً في محاكم الكفرة العفالقة في العراق. وإلى جانب حياته الجهادية كان تقياً ورعاً زاهداً يعيش حياة أفقر الناس ـ وحياته الداخلية في بيته خير شاهد على ذلك ـ كان يحبّ ويعشق جدّه الحسين(عليه السلام) فقد أسس الحسينيات الكثيرة في أنحاء العالم، إلى جانب المساجد والمكتبات والمراكز الدينية والثقافية والاجتماعية الأخرى التي تجاوزت الخمسمائة، وكان يشجّع على إقامة مجالس الإمام الحسين(عليه السلام) حتى آخر لحظة، وآخر خطبة قبيل وفاته، وأوصى أن يدفن أمانة في أرض قم ثم ينقل جثمانه الطاهر إلى جوار جده الحسين(عليه السلام) في كربلاء المقدسة حيث سيكون مثواه الأخير، وأوصى أن يشيّعوه بشعار «يا حسين»... فشيعه جماهير المؤمنين الذين قدر عددهم بعشرين ألف بشعار «يا حسين» و«وا حسيناه». لقد عاش حرّاً سعيداً، ومضى صابراً محتسباً حميداً، وأبكى عيون من كان يعرفه، ومن تشرّف لرؤيته ولو لمرّة واحدة.. وأنا بالذات فقدت بفقده أبوين.. أباً زوّجني كريمته، وأباً علّمني الفقه والأصول والأخلاق، وكان لي شرف التلمّذ في مجالس دروسه طوال اثني عشر عاماً، فإنا لله وإنا إليه راجعون. بعد انقضاء شهر رمضان وصيام شهر كامل، حيث يخرج المؤمن من رمضان طاهراً مغفوراً له كيوم ولدته أمه ـ كما جاء في مضمون أحاديث متواترة ـ وتماماً في ليلة العيد انشغل (قدس الله نفسه الزكية) بالإجابة على مسائل المؤمنين، وقضايا الهلال والعيد حتى الساعات الأخيرة من الليل، ثم جدد وضوءه ـ حيث كان دائم الوضوء ـ ليستقبل جمعاً من المؤمنين في الساعة الثانية عشرة، وبعدها استقبل جمعاً غفيراً من المؤمنات من طالبات العلوم الدينية في الحوزة العلمية في قم المقدسة، حيث خطب فيهنّ خطبة مطوّلة بطلب منهن، فكانت هي الخطبة الوداعية والكلمات والوصايا الأخيرة في نهاية حياته، وفي آخر تلك الخطبة نعى نفسه فيها ولم يلتفت إلى كلامه أحد إلاّ بعد ما انتقل بعد دقائق إلى جوار رحمة ربه تعالى، ثم أجاب على أسئلة الطالبات بكل حنان وسعة صدر حتى الساعة الثانية من منتصف ليلة العيد وودّعهن. وبعد الساعة الثانية من منتصف الليل انتقل إلى غرفة نومه، وجلس على سريره ومسك القلم كعادته، ليبدأ بتأليف كتاب جديد عن حياة سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (عليها السلام)، فأكمل مقدمة الكتاب بأسرع ما يمكن، وحينما أراد كتابة ذي المقدمة سقط على ظهره مغشياً عليه والقلم بين أنامله والصفحتان الأخيرتان اللتان كتبهما عن الزهراء (عليها السلام) تحت يديه... وهكذا انتهت حياة نابغة العلماء وعملاق الفكر الإسلامي زعيم الحوزة العلمية ومرجع الطائفة الشيعية آية الله العظمى الإمام السيد محمد بن المهدي الحسيني الشيرازي، فسلام عليه يوم ولد ويوم مات ويوم يبعث حيا. وجدير بالذكر أن أحد المؤمنين الأتقياء رآه نفس الليلة ـ أي مساء يوم الاثنين ـ وقبل ما يوسّد في الثرى في صبيحة الثلاثاء، بأحلى صورة وهو يقول: لا تحزنوا عليّ فبمجرّد أن انتقلت من الدنيا رأيت رأسي في حجر أمّي الزهراء (عليها السلام)، نعم تلك كانت مقابلة السيدة الزهراء (عليها السلام) له بالمثل ربما على كتابه الذي بدأه في التأليف فيها ولم يمهله الأجل المحتوم ليشرع في كتابة ذي المقدمة. فوفاءً لبعض حقوق هذا الأب الذي ربّاني وعلّمني وشرّفني بالانتساب إليه، قمت بترجمة خطبته الأخيرة إلى العربية دون أي تصرّف مني، حتى أكمّل الأربعين.. فقد ترجمت من كتبه 36 كتاباً من العربية إلى الفارسية، وجمعت من خطبه 3 كتب وطبعتها ـ فيما مضى ـ وهذا هو الكتاب الأربعين الذي يسعدني أن أقدّمه للقراء ليسجل التاريخ فقيهاً قضى آخر سويعات حياته بالخطابة والموعظة والنصيحة والتأليف، فقضى نحبه والقلم بين يديه يكتب مقدمة كتاب عن فاطمة الزهراء(عليها السلام)، ثم تتبلور باقي كلماته في ذي المقدمة ساعة خروجه من هذه الدنيا إلى أن وضع رأسه في حجر أمه الصديقة الكبرى فاطمة الزهراء (عليها السلام)، وبدأ حياته في رياض الجنان (وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ * أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ * تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها وَيَضْرِبُ اللهُ الأَمْثالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ)(2).
قم / محمد باقر الموسوي الفالي 20 شوال 1422هـ |
|
|
1 - هذه نص المحاضرة التي ألقاها (قدس الله نفسه الزكية) لطالبات العلوم الدينية في الساعة الواحدة بعد منتصف ليلة عيد الفطر 1422هـ في آخر ساعة من عمره الشريف في قاعة بيته باللغة الفارسية، وعربناها دون أي تصرف. (الفالي). 2 - سورة إبراهيم: 23-25. |
|