|
كلمة العلامة بحر العلوم في أربعينة الإمام الشيرازي |
|
كلمة العلامة السيد محمد بحر العلوم التي القيت في الاحتفال التابيني بمناسبة اربعينية الامام الراحل (قدس سره) في لندن بسم الله الرحمن الرحيم قال الله تعالى: (الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون) صدق الله العلي العظيم
نلتقي في هذه الأمسية الحزينة في ذكرى تأبين آية الله العظمى المرجع الديني السيد محمد الحسيني الشيرازي بمناسبة أربعين يوماً على رحليه. ولقد خسر العالم الإسلامي بوفاته شخصية علمية فذة، وفقد مرجعاً عاملاً فعالاً في سبيل اعلاء كلمة الله، ومجاهداً جسوراً عرفت كلمته المجللة في ساحة العمل الرسالي، وترك في دنياه ما يحفظ له ذكرى طيبة. قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (ان مما يلحق المؤمن من عمله، وحسناته بعد موته: علماً علـَّمَهُ ونَشَرَهُ، وولداً صالحاً تركه..، وصدقة جارية اخرجها من ماله في صحته وحياته تلحقه من بعده موته). ونستطيع أن نستخلص من خلال هذا الحديث الشريف مقومات بقاء ذكر الإنسان حياً لن يطمره النسيان ولا تغمره أحداث الزمان، إذا ما توفرت له عناصر البقاء والديمومة، واهمها ثلاثة: 1 ـ علم ينفع به الآخرين في حياته وبعد مماته. 2 ـ ولد يُذكر الناس بسيرة والده الصالحة. 3 ـ صدقة جارية تدر بما فيه فائدة للمجتمع الإنساني. في ضوء هذه العناصر الثلاثة التي أشرنا إليها بشيء من الاختصار لنرى مدى انطباقها على حياة فقيدانا الكبير: أولاً: علم ينتفع به الناس لعل السيد الراحل من أثرياء الراحلين الرساليين بهذه الخصوصية، فقد عرف بصاحب (الألف كتاب) وهذا الرقم الصعب يحمل معنى كبيراً للغاية، فهو يدل على فكر وقاد، وقلم معطاء، وأسلوب يساعد على جلب القارئ لمتابعة إنتاجه. واعتقد أن أبرز هذه المؤلفات الألف هو كتاب (الفقه) وقد بلغت هذه الموسوعة الفقهية إلى مائة وخمسين مجلداً تناولت أكثر أبواب الحياة التي ترتبط بالجانب الفقهي، وعلاقتها بالفرد والمجتمع الإسلامي، وقد تكاثرت الحاجة إلى تناول أبواب فقهية ما كان لها وجود واسع في كتب الفقه السابقة، واستطاع المؤلف القدير أن يوفر ذلك إمام الباحثين والمحتاجين لها بما يسهل لهم القصد. وحين أشيد بهذه الموسوعة القيمة فليس معناه أن باقي مؤلفاته لم تكن بمثابة هذه الموسوعة من الناحية الفكرية، فكلما كتبه الراحل الكبير له أثره وقيمته الفكرية، وبمجموع مؤلفاته القيمة أصبحت لها قيمة كبيرة في المكتبة العلمية ذات العلاقة بفكر مدرسة أهل البيت (عليهم السلام). ثانياً: ولد يذكر الناس بسيرة واله الراحل ولاشك أن هذا العنصر الإبقائي للميت بفاعليته الحياتية في ديمومة ذكر السلف، ليكون انطباقاً للمثل المعروف (خير خلف لخير سلف) يحمل تراث أبيه المرحوم، ويؤكد على سلوكياته الإنسانية التي تجدد حيوية البقاء لصاحب الذكرى، والتي لها بالغ الأهمية في اشراقة السيرة. وحين نرجع إلى الأعلام من اشبال المرحوم، نرى أنهم مشاعل مضيئة في مسيرة حياة مرهقة بالتغرب والمنافي والآلام، ورغم هذه الأجواء غير المتسقة ـ حتى يمكن للفكر أن يستوعب وينتج عطاء قيماً ـ فان الكوكبة الفذة من أولاده الستة ـ حفظهم الله ـ لهم أثرهم الرائع في دنيا الأخلاق السامية، وأفاق المعرفة الإنسانية، وهاتان الوسيلتان هما دعامة التحضر الفكري والاجتماعي الذي لهما علاقة ماسة بجذور التربية الصحيحة التي يتطلع إليها الأب الصالح لأولاده في غده المرتقب حين يصل الدور لهم لحمل مواصفات الأب الراحل الإنسانية والفكرية، وتعتبر من أهم المسؤوليات الخلقية والأخلاقية المباشرة لربط الماضي بالحاضر. وأولاد فقيدنا الجليل نموذج واضح لتلك الشخصية الفذة التي أراد أن يكونوا مثالاً رائعاً له، ومصداقاً جيداً للمقولة المعروفة (في الولد مافي الأصل وزيادة) كل ما أرجوه من العلي القدير أن يكونوا نعم الأشبال لحفظ تراث والدهم المغفور له السيد الشيرازي ـ أعلا الله مقامه ـ وهم أهل لذلك. ثالثاً: صدقة جارية ينتفع بها المجتمع الإنساني لقد ذكرت بعض المصادر المطلعة أن مشاريع المرحوم آية الله العظمى السيد محمد الشيرازي قد تجاوزت المئات، من مؤسسات دينية وثقافية وتربوية واجتماعية وصحية، وقد اعادت الكثير من اتباع مدرسة أهل البيت في اغلب دول العالم ـ التي فيها من تلكم المؤسسات معلم ـ ونفعتهم بما تبذله من خدمات متنوعة لهم، كلها ترمي إلى رفعة الإنسان المسلم، من خلال تنمية مواهبهم وطاقاتهم، وتهيئتهم لتحمل مسؤولياتهم الدينية والاجتماعية في غدهم المرتقب. وان المرجع الذي يستطيع أن يتحرر من كثير من الاعتبارات التي تفرض نفسها على تحركه في خصوص ما يتعلق بخارج الإطار الذي يعيشه، ويتعرف على العالم، يتمكن من أن يعطي الكثير لمصلحة أمته، بعد الاطلاع على حاجات المسلمين خاصة الذين اضطرتهم الظروف القاسية، واللاارادية إلى قبول حياة المنافي والهجرة، ومدى ما تقتضي لهم من عوامل التنمية المتطورة التي يحتاجها الفرد، أو تتطلبها الأسرة لتستظل بها في حياتها الجدية التي ما كانت تحلم أن تضطر إليها في يوم من الأيام لولا الظروف القاسية التي دعتهم إلى الفرار من مواطنهم أو الاضطرار إلى معايشة هذا اللون من الحياة. والفقيد المغفور له السيد الشيرازي عاش هذه المرحلة الصعبة بكل أبعادها وأولاها اهتماماً كبيراً، وعناية فائقة، واستفاد من تجارب الذين سبقوه في هذا المضمار العام، فكان أوسع عطاء منهم، وأكثر تعميماً للاستفادة الجماهيرية رغم كل القيود والاجراءات التي تحف بمثل هذه الأعمال الإنسانية من سلبيات قد تعرقل العمل، وتحد من استمراريته، وتخفف من فاعليته. ان الحصيلة العملية في مضامير مثل هذه التوجهات الخيرية والتربوية والثقافية والتنموية قد لا تكون سهلة التناول لكل شخص، ولكنها تذلل لمن يصمم على تجاوز تلكم المعرقلات والمعثرات والاتهامات، والقيل والقال، فهي حين تلامس الوجود، وتتلاحم مع اليد الحضارية البناء تصبح القضية مسألة إرادة ووقت، والسيد الشيرازي ـ تغمده الله بلطفه ـ ملك ناصية هاتين المقومتين، واستطاع بفضل الله سبحانه من بلوغ حياة الشجعان الذين مارسوا الأشواط فكانوا قادتها ومدارها. ولهذا فالخسارة بمثل هذه الشخصية الفعالة خسارة لا تعوض وجسيمة، ولكن املنا بمن حمل الراية من بعده اخوه العلم الصادق، وحوله الإعلام الأشبال من أبناء أخيه الراحل سوف لا يخفق نبض منهم الا وفيه من حيوية الجري في الشوط ما يبهت الأغراب الذين يعيشون على فتات موائد العلم لا طعم لهم ولا عبق. وفي الختام يقول الإمام علي (عليه السلام): (لم يمت من ترك أفعالاً يقتدى بها من الخير، ومن نشر حكمة ذكر بها). أسال المولى القدير أن يجبر خواطر المثكولين بهذا المصاب الجلل بوجود الأعلام من هذه الأسرة الجليلة، وينفع بهم المسلمين، ويمنحهم العمر المديد، ويجعلهم أداء معطاءة لكل فعل خير وأكرر تعازي الحارة لهم ولعارفيه، وللعلماء والمسلمين بهذا المصاب الجلل. وانا لله وانا إليه راجعون
لندن محمد بحر العلوم 5 ذي القعدة 1422 |