|
|
|
■ مقدمة: قد لا يختلف المرجع الديني الراحل الإمام المجاهد آية الله العظمى السيد محمد الحسيني الشيرازي (قدس سره) عن باقي نظرائه من مراجع الدين العظام وعلماء الدين الكبار من جيل التاريخ الإسلامي المعاصر، من حيث التقوى والتفقه والعلم والعدل وسائر الشروط والمواصفات الملازمة لشخص المراجع والعلماء المجتهدين، والمتصدين لساحة العلم والجهاد المرجعي بأصعدته وميادينه المختلفة بما في ذلك الميدان السياسي، إلا أنه رضوان الله عليه يتميز عن الكثير من أولئك النظراء بصفة حبه وتعلقه وارتباطه الشديد بأهل البيت والمعصومين من آل الرسول الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، وبالذات والتحديد الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب لا لأنه من النسل الحسيني، وإنما بطبيعة تركيبة نفسيته واندكاكه الروحي الذي كان يفيض بمشاعر الحب والولاء المتأصل في أعماقه لهذا الإمام العظيم، وعرفانا منه بأنه الرمز الذي يستحق كل هذا الفيض من الإهتمام والتقديس والإكرام والتعظيم، وكيف لا، وهو سبط رسول الله وريحانته، وابن بطل الإسلام ورائد الحق والعدل أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام)، وأمه بضعة نبي الإسلام الأعظم الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء (عليها السلام)، وإلى جانب كل ذلك فهو الإمام المعصوم والسبط الشهيد... وهكذا يرى المرجع الشيرازي الراحل (قدس سره) بقية الأئمة المعصومين والعترة الطاهرة من أهل البيت المحمدي –العلوي- الحسيني الشريف. ووفق هذه الرؤية الإيمانية الثابتة والنظرة السديدة جاءت أفكار وطروحات ومواقف الإمام الشيرازي (قدس سره) من المعصومين وأهل البيت (عليهم السلام)، سواءاً على صعيد التنظير والتأليف والحديث العقائدي والسياسي أو على صعيد الأحكام الفقهية والإفتاء، أو على صعيد الممارسات العبادية والأنشطة العملية في الميادين المختلفة الفكرية والسياسية والجهادية والاجتماعية، وما يتصل بها من إحياء للشعائر والمراسم والزيارات الخاصة بأهل البيت (عليهم السلام)، ومنها بالذات الشعائر الحسينية في شهري محرم الحرام وصفر خصوصاً وسائر أيام السنة عموماً. أن من يقرأ حياة وتاريخ المرجع الإمام السيد محمد الشيرازي رحمه الله تعالى، يجده عبارة عن باكورة عظيمة تترجم الانتماء الأصيل والولاء الخالص والذوبان الروحي في حب ونصرة آل محمد (عليهم السلام)، وقد عبر (قدس سره) عن كل ذلك بشكل واضح مكشوف وصريح جريء في قلبه ووجدانه ولسانه وعمله، وفي يديه التي مسكت وحملت ذلك القلم الشريف الملتزم ليدون في صفحات مؤلفاته وكتبه وموسوعاته العملاقة، كل تفاصيل الصور المشرقة من حياة وسيرة وجهاد وقيادة الرسول الأعظم وكذا ذريته من أهل بيته، وليبين ويثبت الحقائق والوقائع التاريخية بما آلت إليه في صنع المحن والمصائب التي حلت بهم (عليهم السلام) وأسفرت عن تلك المظلومية الكبرى التي لحقت بهم، بفعل تآمر قوى البغي والانحراف والارتداد من رهط المخالفين والناكثين والمارقين أعداء الله ورسوله وأهل بيته. نعم لقد كان المجدد الإمام الشيرازي رضوان الله عليه، ذلك الرجل العالم والمتقي الورع، والإبن الموالي المناصر والمحب والمدافع الحقيقي عن آل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وليس من الخطأ أو المبالغة القول، بأنه المتميز والمتفوق الأول على نظرائه من مراجع وعلماء الدين من معاصريه، في الولاء والدفاع عن حق أهل البيت ومظلوميتهم، وأنه كان المدافع الأول المستميت وصاحب الموقف المبدئي الثابت في كل وقت ومكان ومناسبة إزاء أهل بيت العصمة والإمامة الأطهار، لا سيما ما يتصل بشأن قضية حق الصديقة فاطمة الزهراء (عليها السلام) ومظلوميتها، وقضية الإمام الحسين الشهيد (عليه السلام)، وحركته وثورته المشروعة العادلة في طف كربلاء المقدسة ضد طغمة الظلم والبغي الأموي اليزيدي. أن ساحة الوعي والتبليغ الإسلامي والنشر الثقافي تشهد للمرجع الراحل، بذلك الموقف العظيم والدور المشرف الذي جسده فكره وقلمه ولسانه، في رفد أوساط الأمة المسلمة وأبناءها بسبل المعرفة والعلم والثقافة الرسالية، عبر كتبه ونشرياته ومؤلفاته الواسعة، وعبر المؤسسات الحوزوية والمدارس التعليمية والقرآنية والمراكز الثقافية وما يرتبط بها من مكتبات وجمعيات وحسينيات، وقد قضى (قدس سره) معظم سني عمره الشريف ولأكثر من نصف قرن، عالماً مجاهداً ومرجعاً قائداً وفقيهاً ورعاً وكاتباً وباحثاً ومؤلفاً لم يكل لسانه وقلمه عن ذكر الله تعالى والخدمة في سبيل إعلاء رسالته، ونشر فكر ونهج آل محمد (عليهم السلام). ولعل مقولته الشهيرة التي قالها قبيل وفاته بأيام معدودة ((لقد اشتقت إلى كربلاء، وأدعو ربي أن يرني يوماً أعود فيه من جديد للصلاة في حرم جدي الحسين (عليه السلام)). هي خير مصداق لعمق الإرتباط الروحي والولاء المتجذر في نفسه لأهل البيت (عليهم السلام).
■ رؤية المرجع إلى أهل البيت (عليهم السلام) وسيرتهم: كانت السيرة النبوية والأئمة الطاهرين (عليهم السلام) تقوم على مبدأ وقاعدة السلام، وليست الحروب والمقاطعة وأساليب العنف إلا وسائل اضطرارية شاذة على خلاف الأصول الأولية الإسلامية، ذلك أنهم (عليهم السلام) كانوا يؤمنون إيماناً تاماً بأن الإسلام دين الإسلام، بدلالة قول الله سبحانه وتعالى: (وادخلوا في السلم كافة)، ومن هنا كان السلام شعاراً في كل شؤونهم وحتى في حروبهم والتي هي أساساً حروب دفاعية، والنجاح المنقطع النظير الذي أثبته الرسول الأكرم من أهل بيته الشريف، إنما هو لأسباب من جملتها السلام الذي كانوا يلازمونه عند كل حالة وإزاء كل موقف، وبهذه الروح المنفتحة والصدر الرحب والواسع تمكن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) من جمع تلك القبائل العربية المتناحرة والمتعصبة في تقاليدها وممارستها، وكذلك من جمع مختلف القوميات والشعوب المتباعدة، في إطار أمة ودولة الإسلام الواحدة، فقد كانت من سمات ومزايا رسول الله وكذلك أمير المؤمنين الإمام علي حينما تسمنا مسؤولية الحكم وقيادة أمة ودولة المسلمين، أنهما كانا دائمي الحركة والتنقل في أوساط وطبقات الأمة، يجتمع كل منهم بالناس ويرشدهم، ويصلي بهم في مساجدهم، وفي مسجده، ويعود مرضاهم، ويسير وراء جنائزهم، ويندب من أصحابه من يريد، لما يريد من مهام الدولة والأمة، بحيث شعر جميع الناس بأن زماناً جديداً أطل عليهم فتهافتت القلوب إلى الإسلام، وأخذ الناس يلتفون حول الرسول و الإمام علي من بعده، ويحفونهما بالرضا والطاعة، ومنحهما الولاء والبيعة بمعناها وبعدها الحقيقي.
■ محبة أهل البيت (عليهم السلام): في مسألة بهذا الخصوص يشير المرجع (قدس سره) إلى وجوب محبة أهل البيت (عليهم السلام) تحصيلاً لحب النبي (صلى الله عليه وآله) لقوله: (ومحب لمن أحبهم)، كما يلزم حبهم أيضاً لذواتهم، فإحدى المحبتين طريقية والأخرى موضوعية ذاتية، ويوضح ذلك ما قاله الرسول (صلى الله عليه وآله) بالنسبة إلى عقيل: (إني أحبه حبين، حباً له وحباً لحب أبي طالب له). ثم لا يخفى أنه لا يصح الاكتفاء بمحبتهم (عليهم السلام) عن الامتثال لأوامرهم والتي هي أوامر الله سبحانه وتعالى، فإن المحب الحقيقي هو الذي يتوخى رضى المحبوب، ويلتزم بمنهجه ويطيع سيده في كل أعمال. ولا ينفع حبهم بدون الإطاعة والعمل إلا نفعاً في الجملة، ففي الحديث: (إن ولي محمد من أطاع الله، وإن بعدت لحمته، وإن عدوّ محمد من عصى الله وإن قربت قرابته). والمحبة هي المحرك الأكبر نحو الفضائل، فمحبة الله سبحانه وتعالى هي التي تبعث على إطاعة أوامره (والذين آمنوا أشد حباً لله)، وكذلك محبة الرسول وأهل بيته وكذا الصالحين، ومحبة الدخول في الجنة، أو محبة الذكر الحسن (واجعل لي لسان صدق في الآخرين). ومن هنا تكون لمحبة أهل البيت ميزة خاصة ودرجة مثلى، لأنهم (عليهم السلام) أكمل خلق الله سبحانه،ولأن المخلوق محبوب للخالق، ولأنهم أكثر خلق الله له طاعة وحباً). ويضيف المرجع الشيرازي القول إن كون (الدين الحب) باعتبار أن محبة الله وأولياءه، هي النواة المركزية للدين حيث أن العلة الغاية للدين هي ذلك وحيث شرعت الأحكام كلها حول هذه النواة، قال سبحانه وتعالى: (والذين آمنوا أشد حباً لله) وقال تعالى: (إلا المودة في القربى) وهي العلة الأساسية للتمسك بالدين.
■ التوسل بأهل البيت (عليهم السلام): يستحب أن يقدم على الدعاء ما يوجب الاستجابة كذكر أسماء الأئمة المعصومين والتوسل بهم، كما قدم الرسول (صلى الله عليه وآله) ما قدم ثم قال: (فاجعل صلواتك..). فإن التوسل بأهل البيت(عليهم السلام) وجعلهم شفعاء بين يدي الدعاء يوجب استجابة الدعاء، كما دلّ على ذلك جملة من الأدلة، وفي بعض الأحاديث أن تقديم الصلاة عليهم على الدعاء وإلحاقها به أيضاً (أي الصلاة قبل الدعاء وبعده) يوجب الاستجابة، وفي رواية (الصلوات ثلاث مرات)، كما ذكر الإمام الراحل ذلك في كتاب (الفقه: الآداب والسنن). ويشير سماحته إلى أن ذكر المحبوب مع طلب الحاجة يوجب إقبال الغير على السائل، والله سبحانه وتعالى يقبل على العبد إذا افتتح دعاءه بالصلاة على محمد وآل محمد، وإقباله تعالى ليس بالمعنى العرفي الحسي وشبهه، بل من باب :(خذ الغايات واترك المبادئ)، وقد روي أن النبي (صلى الله عليه وآله) كان يفتتح دعاءه بالصلاة عليه وآله، إذ لا منافاة بين رفعة المقام وجريان سنن الله التشريعية على الرسول (صلى الله عليه وآله) كما تجري السنن التكوينية عليه. وفي مسألة أخرى يذكر السيد المرجع، إنه يستحب الصلاة على النبي وأهل بيته كما قال (صلى الله عليه وآله): (فاجعل صلواتك عليّ وعليهم)، والمراد بالصلوات العطف والحنان، ولذا يسمى أحد المتسابقين بالمصلي، فإن الإنسان يعطف إلى نحو الله سبحانه وتعالى في صلواته والله عزوجل وملائكته يعطفون على الإنسان في صلواتهما عليه. يؤكد الإمام الراحل في إحدى مسائله على أنه يجب الاعتقاد بأن أهل البيت (عليهم السلام) متصفون بجميع الفضائل والكمالات وأعلى مراتب الطهارة، ومن هنا تتأتى محبتهم وفق ما تتضمنه الآيات والروايات المتواترة، ولا يخفى أن حب أهل البيت (عليهم السلام) على نوعين: - حب ناقص: وهو مجرد المحبة القلبية. - حب كامل: وهو المحبة القلبية مع عمل الجوارح. فمن أحبهم (عليهم السلام) بلا عمل جوارحي كان فاسقاً، ومن لم يحبهم كان منحرفاً زائغاً، وقد قال سبحانه وتعالى في مُحكم كتابه المجيد: (قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى)، ومن المعلوم أن مودتنا للقربى تنفع أنفسنا وليست تنفعهم (عليهم السلام)، إذ هم في غنى عن ذلك. ثم يضيف إنه لا يخفى أن محبة ذويهم كأولادهم وإخوانهم والمتفرعين منهم مشتقة من محبتهم (عليهم السلام)، فلها فضل أيضاً، ولذا روي عن النبي (صلى الله عليه وآله) قوله: (أكرموا ذريتي الصالحين لله والطالحين لي)، وليس المراد بالطالحين هنا الكفرة منهم - إذ فرض أن فيهم كفرة -، فإن الله سبحانه وتعالى برئ منهم وهم براء منه، كما تبرء إبراهيم (عليه السلام) من عمه آزر، وكما تبرأ الرسول محمد (صلى الله عليه وآله) من أبي لهب، بل المراد بالطالحين من لهم بعض المعاصي والموبقات. ومن هنا تتأتى دعوة الناس إلى التمسك بمن ينفعهم في دينهم ودنياهم وقد يجب، كما وجه سبحانه الناس إلى الخمسة الأطياب (أصحاب الكساء الخمسة النبي محمد وابنته فاطمة وزوجها علي وابنيها الحسن والحسين عليهم السلام) كراراً عديدة ببيان أن الكون خلق لأجلهم، فهم أجل وأكبر وأعظم منه، وغير خاف كونهم أجل وأعظم من الكون، ولا يراد به البعد المادي، بل المقصود الجانب المعنوي، يروى أن النبي (صلى الله عليه وآله) رأى في المعراج قافلة من الإبل لا يعلم أولها ولا آخرها، وهي محملة بفضل الإمام علي (عليه السلام)، وقد يكون ذلك من باب تشبيه المعقول بالمحسوس، فإن معنوية الإمام علي أكبر من الكون وهو المصداق الأتم بعد الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله)، وهو كذلك بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) النافذة لتلك النفس الرفيعة الكبيرة،مثل نبع ماء تحته بحار من المياه، والمراد بالمعنوية سعة علمه وعمق حلمه وسمو خلقه وآدابه وقوة إمكانياته في التصرف في الكون، إلى ما أشبه ذلك. وذلك كقوله سبحانه وتعالى: (لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله). نعم يجب التمسك بمذهب شيعة آل البيت (عليهم السلام) فإنهم هم الفائزون، وإنما فازت الشيعة لأنهم التفوا حول القيادة الإلهية الصحيحة التي عينها الرسول (صلى الله عليه وآله)، بأمره تعالى والتي لها المكانة الرفيعة في الدنيا وفي الآخرة، حيث قوله تعالى: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا). إن رفعة الإمام المعصوم أمر جوهري كرفعة الذهب على التراب، والأئمة المعصومين (صلوات الله عليهم) يحيطون علماً وقدرة – بإذن الله تعالى - بالكائنات جميعاً.
■ المرجع الشيرازي... والرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) يرى المرجع الراحل إن تاريخ الرسول محمد (صلى الله عليه وآله) ليس تاريخاً مجرداً نقرأه لننال الثواب أو نفتخر بعظمته، ونجعله مجرد قصة تاريخية للاستعراض، بل إن هذا التاريخ العظيم هو تجربة حية تزخر بالمفاهيم والبصائر والحقائق التي يمكن لأي إنسان أن يستمد منها طاقة كبرى يدخرها في نفسه، تقوده نحو التقدم والرقي شريطة أن يفهم بعمق القوانين التي قامت عليها هذه الحركة الإيمانية العظيمة. ويضيف سماحته قائلاً: ما أحوج العالم الإسلامي اليوم إلى قراءة هذه التجربة من جديد، واستلهام العبر وفهم أسلوب الحياة واستنتاج قوانين التقدم منها لتطبيقها على حاضره، فالرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) قاد المسلمين في ظل تعاليم الإسلام من تلك الصحراء القاسية، الغارقة في مستنقع الجاهلية والفقر، والجوع والمرض، إلى واحة الخير والسعادة وقمة المجد والعظمة، مع أنه كان لوحده لا يملك ناصراً إلا القليل. المسلمون يحتاجون اليوم إلى روح الرسول الأعظم الكبيرة، وإلى بصيرته النافذة والعقل الجبار والصدر الواسع والأخلاق الرفيعة والحاكم العادل الذي يضعهم على الطريق الصحيح، إنهم يحتاجون إلى الرسول (صلى الله عليه وآله) بتاريخه وتجربته كقدوة وأسوة، حيث الآية القرآنية الكريمة: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة). ومما لا ريب فيه أن انطلاقة الفكر الإنساني الحديث بدأت على يد رسول الله (صلى الله عليه وآله) عندما حملت رسالته الخالدة إلى العالم تلك المفاهيم الراقية، التي غيرت وجه التاريخ الإنساني، ليبدأ انعطافة حضارية جديدة لا زالت تفيض على البشر بالعطاء والخير والعلم. فقد أرسى النبي الأعظم مبدأ الحرية بصورة عملية بعد أن أكد القرآن على ذلك في الكثير من آياته، فكانت الحرية السياسية والفكرية التي تعطي للإنسان الحق في التعبير عن رأيه (وأمرهم شورى بينهم) وكذلك الحرية الدينية التي تمنح للأديان الأخرى الفرصة لممارسة حقوقهم وقوانينهم. لقد كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) مبعوث السماء ويهدف بالدرجة الأولى إلى إصلاح الإنسان وإنقاذ المجتمع الإنساني وتحرير العقل من رواسب الجاهلية وقيود الاستعباد، لذا فإنه ارتكز على مخاطبة العقل وإقناع الإنسان بضرورة تغيير نفسه ودراسة أفكاره وسلوكه، وهذا يعتمد بالضرورة على الحوار الموضوعي والمنطق الفكري والاستدلال الهادئ. الإمام الشيرازي يرى ضرورة دراسة تاريخ الإسلام وتاريخ الرسول والأئمة المعصومين من أهل بيته (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين)، ذلك لأنه يرى أنه من غير الممكن أن ننفصل عن تاريخنا ونحافظ على كرامتنا وعزنا، ولذلك كتب الإمام الشيرازي (قدس سره) في الرسول (صلى الله عليه وآله) وتاريخه ليقدم نموذجاً مثالياً رائعاَ، تغترف منه الأمة دروساً حيوية للخروج من واقعها المأساوي. وكان الإمام الشيرازي يؤكد على أن الرسول الأكرم هو النموذج الأصيل الذي يجب أن يعتمد عليه في فكره وسلوكه وجهاده ولذلك فإن عمق تأثير الرسول (صلى الله عليه وآله) في حياة الإمام الشيرازي تبدو جلية وواضحة عبر استطلاع سلوكه ودراسة أفكاره وتقييم انطباعاته، حيث اكتسب (رضوان الله تعالى عليه) ما تحلى به من السلم واللاعنف من المدرسة المحمدية التاريخية، فأصبحت حياته سلاماً حتى مع أعدائه وحاسديه. ويكتشف المرء في سلوك المرجع الراحل ما يدل على أنه اتخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله) أسوة وقدوة له، في نهجه الأخلاقي، حيث اتسم بسعة الصدر والحلم والصفح والعفو عن الأعداء والكرم والعطاء والجهاد والتضحية ومداراة الناس وجمع الكلمة والمشورة في الأمور، حتى أصبح مثالاً رائعاً للأخلاق الإسلامية في عالم اليوم. ومن خلال الدراسة العميقة لتاريخ الرسول (صلى الله عليه وآله) انبعثت الأفكار الحيوية والواعية لدى الإمام الشيرازي، واعتقاداته أنه لا يمكن تغيير واقعنا نحو الأحسن ما لم نطبق منهاج رسول الله في حياتنا مثل الشورى، التي يجب أن تتخذ منهجاً أساسياً في كل مجالات الحياة، والحرية الإسلامية التي تعيد إلى الإنسان إنسانيته وتنقذه من شقاء العبودية وتخلصه من حياة الغاب، والأخوة الإسلامية الصادقة، والأمة الإسلامية الواحدة، والاكتفاء الذاتي، إلى الكثير من الأفكار النيرة التي ذكرها (قدس سره) في مكتبته الكبيرة، اقتباساً من حياة الرسول والأئمة المعصومين (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين) واستدلالاً بما وصلت إلى الأمة من كلماتهم وأحاديثهم الشريفة.
■ المرجع... والإمام علي (عليه السلام) كانت حكومة أمير المؤمنين أكبر دولة في عالم ذلك اليوم (من أواسط أفريقيا إلى أواسط آسيا)، وكانت تتسم بالعدل والإحسان والحكمة، فالإمام علي (عليه السلام) كان يعفو عن المسيء، ولا يأخذ المال من أحد ظلماً، ويقسم الفيء بين المسلمين. وكان عليه الصلاة والسلام من أشد الناس مراعاة لرضا الله ورضا الناس، وكان عادلاً عفيفاً زاهداً عن الحطام متخذاً مبدأ الشورى، وإن كان هو خليفة رسول الله حقاً، والمعين من قبل الله سبحانه وتعالى صدقا، لكن مع ذلك لما وصل الحكم إليه لم يقبله إلا بإلحاح من المسلمين وإصرار شديد. ويوضح المرجع الشيرازي في معرض حديثه عن أخلاقيات أمير المؤمنين علي (عليه السلام) فيقول: كان علي في حكومته يتبع آثار الرسول (صلى الله عليه وآله) كما كان في قيادته وحكومته وسياسته، وكان (عليه السلام) الرجل الحاكم العادل الفاضل الاستشاري الذي يحظى برضا الله ورسوله والأمة، وكان الشعب في زمانه - مسلمهم وكافرهم - في حرية تامة ورفاه شامل من أقصى بلاده إلى أقصاها. كان (عليه السلام) يسكن في بيت الإمارة بالكوفة، لكن بيت الإمارة في عهد الإمام لا حاجب له، ولا خدم ولا تشريفات، إنما كان محلاً لقضاء حوائج الناس، ورعاية المستضعفين والمظلومين والأيتام والأرامل. وحين تسلم مقاليد الحكم أوجز (عليه السلام) سياسته العامة في خطبة خطبها فقال: (إن الله نزل كتاباً هادياً يبين فيه الخير والشر، فخذوا الخير ودعوا الشر والفرائض أدوها، واتقوا الله في عباد الله وبلاده فإنكم مسؤولون حتى عن البقاع والبهائم). وحيث رأى الإمام (عليه السلام) بعد أن بويع له بالخلافة ليكون إمام المسلمين، أن هناك خطين: خط الله والإسلام والقرآن والنبي والأمة، وخط الانحراف الذي حاصله عصيان الله والانحراف عن سيرة الرسول وسحق الضعفاء وتقوية المحتكرين والمستغلين، اختار (عليه السلام) الخط الأول مما جرّ عليه من النوائب والمحن، ولذا بقي شعبياً، بالإضافة إلى كونه متبعاً لمرضات الله سبحانه وتعالى.
■ المرجع... والصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء (عليها السلام) إن مكانة وعظمة السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) لا يمكن أن يستوعبها أي واحد من البشر، إلا النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) والوصي أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، ولا شك أنهما أوسع من الناس وأولئك الضيقين بحدود المعرفة عنها، وقد سميت فاطمة لأن الخلق فطموا عن معرفتها، كما في الحديث المروي عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): (هي الصديقة الكبرى وعلى معرفتها دارت القرون). ويشير سماحة المرجع الراحل الإمام الشيرازي (قدس سره) إلى أن فاطمة حجة على كل أولادها الأئمة الطاهرين، مستنداً لقول الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) (فاطمة حجة علينا). والصديقة الطاهرة كسائر المعصومين (عليهم السلام) لها الولاية التكوينية والتشريعية، وقد جعلهم وجعلها سبحانه وتعالى الوسائط في خلق العالم والعلة الغائية له، وأنهم سبب لطفه وأفاضته على العالم. الزهراء هي بضعة رسول الله بنص قوله الشريف (صلى الله عليه وآله وسلم): (فاطمة بضعة مني)، لا البضعة المادية، بل المعنوية أيضاً، إذ لا يترتب على المادية تلك الآثار التي رتبها الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) عليها، وهو أفضل أنبياء الله، ومن هنا تتأتى طاعتها المفروضة على جميع الخلائق، ومن كونها سيدة نساء العالمين.
■ المرجع... والإمام الحسين (عليه السلام) يؤكد الإمام الشيرازي في أحاديثه ومؤلفاته أن الأئمة المعصومين (عليهم السلام) كلهم سفن نجاة ومصابيح هدى، ومنهم الإمام الحسين الشهيد (عليه السلام)، مستنداً إلى قول رسول الله (صلى الله عليه وآله): (أهل بيتي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم)، وأيضاً قوله (صلى الله عليه وآله): (مثل أهل بيت كسفينة نوح، من ركبها نجها، ومن تخلف عنها غرق وهوى). فالصفتان (المصباح والسفينة) لكل من المعصومين الأربعة عشر: ( النبي محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين والسجاد والباقر والصادق والكاظم والرضا والجواد والهادي والعسكري والحجة المهدي (عليهم السلام)، أما الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) بنفسه فهو المصباح الأعظم والسفينة الأشمل، وقد قال سبحانه وتعالى: (يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيرا). والبشرية إذ تعيش اليوم في ظلام دامس من الجهل وتغرق في لجج من الفوضى والاضطراب والقلق لا علاج لها إذا أرادت النجاح، إلا بالاستضاءة بأنوار هؤلاء الأطهار، وركوب سفينتهم فإنهم عدل الكتاب الحكيم، حيث قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (إني مخلف فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا من بعدي أبداً)، مما يدل على أنه لولا التمسك بالعترة إلى جانب التمسك بالكتاب، يكون الضلال الذي في دنياه عار وشنار وفي آخرته جحيم ونار وماذا بعد الحق إلا الضلال. لقد كان المرجع الإمام الشيرازي يولي الحديث في ذكر ومحبة الإمام الحسين (عليه السلام) وتبيان عدالة قضيته ومشروعية نهضته المقدسة وفداحة مصيبته التاريخية (فاجعة طف كربلاء) اهتماماً بالغا وواسعاً، بحيث لم يفته ذلك في كل مجلس أو يوم أو مناسبة، فهذا الموضوع هو مدار بحثه وحديثه في كل وقت وعند كل حلقة درس أو محاضرة أو جلسة حوار، وهذا ما يعكس عمق ارتباطه الروحي والمعنوي بأئمة آل بيت الرسول الأعظم محمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، والإمام الحسين الشهيد والنخبة الطاهرة منآله وصحبه الميامين الأبرار، الذين كانوا معه واستشهدوا بين يديه في يوم عاشوراء العظيم في واقعة الطف الخالدة على أرض كربلاء العقيدة والفداء والشهادة. وما أكثر الكتب والنشرات والإصدارات المقروءة والصوتية المسموعة التي جاءت بقلم وصوت الإمام السيد محمد الشيرازي، الذي ينتمي أصلاً نسبا إلى جده الإمام الحسين، وهي تتضمن أحاديث ومحاضرات وشروح وافية عن كل ما يتصل بالإمام الحسين (عليه السلام) وحركته النهضوية وثورته، ولعل كتبه (الحسين مصباح الهدى - جهاد الحسين - رؤى عن نهضة الحسين) ما هي إلا جزء أو بعض يسير من جملة تلك الكتب والموسوعات التي دونها قلمه الشريف في شأن أهل البيت (عليهم السلام).
■ أسئلة وأجوبة للمرجع عن ثورة الإمام الحسين(عليه السلام): لأجل الفائدة تم اختيار هذه المجموعة من الأسئلة وأجوبة سماحته عليها، والتي تدور حول ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) وأهداف حركته وثورته: ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) وأهدافها س: ماذا كان يهدف الإمام الحسين (عليه السلام) من وراء نهضته المباركة؟ ج: استهدف الامام الحسين (عليه السلام) من نهضته الإصلاحية المباركة إحياء الدين الإسلامي، ذلك لأن الدين الإسلامي تعرض للخطر وكاد أن يندرس ويعفى أثره نتيجة الخطط الشيطانية التي كان يخططها بنو أمية لإعادة الجاهلية ومحو الإسلام، وقد قام الإمام الحسين (عليه السلام) بإرواء شجر الدين بدمه المبارك وبتبديد أهداف بني أمية. س: ما هو المقصود من الدين؟ ج: الدين هو السبيل والطريق الذي يؤدي إلى سعادة الناس في دنياهم وآخرتهم وهو يشتمل على أمور ثلاثة: 1- العقيدة. 2- القول. 3- العمل. س: ماذا تعني (العقيدة)؟ ج: العقيدة يعني: الاقتناع وقبول أصول الدين الخمسة بالعقل والبرهان، وهي عبارة عن: 1- التوحيد. 2- العدل. 3- النبوة. 4- الإمامة. 5- المعاد. س: ما هو المقصود من القول؟ ج: المقصود من (القول) هنا: هو الإقرار والتلفظ بالشهادتين: الوحدانية لله سبحانه والرسالة النبوية لخاتم الأنبياء محمد (صلى الله عليه وآله) وأيضاً الإقرار بإمامة الأئمة الطاهرين والذين هم: 1- الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام). 2- الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام). 3- الإمام الحسين سيد الشهداء (عليه السلام). 4- الإمام علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام). 5- الإمام محمد بن علي الباقر (عليه السلام). 6- الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام). 7- الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام). 8- الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام). 9- الإمام محمد بن علي الجواد (عليه السلام). 10- الإمام علي بن محمد الهادي (عليه السلام). 11- الإمام الحسن بن علي العسكري (عليه السلام). 12- الإمام الحجة بن الحسن المهدي المنتظر (عجل الله تعالى فرجه الشريف). وكذلك الإقرار بالعصمة للسيدة الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله). س: ما هو المقصود بـ(العمل)؟ ج: العمل هو الالتزام العملي بالعقيدة والقول، وتطبيق القوانين والأحكام الإسلامية. س: هل كان الإمام الحسين (عليه السلام) يعلم حينما قام بنهضته ضد الظلم والطغيان باستشهاده يوم عاشوراء؟ ج: نعم كان الإمام الحسين (عليه السلام) يعلم علماً قطعياً باستشهاده، كما أشار إلى ذلك مراراً في خطبه وكلامه (عليه السلام) وذلك أثناء خروجه من مكة والمدينة، معلناً عن توطين نفسه على لقاء الله وعزمه على بذل مهجته في سبيل الله ونصرة الحق وإحياء الدين الإسلامي ونحن اليوم نلمس وبكل وضوح آثار استشهاده (عليه السلام) ومدى تأثيره في بقاء الدين الإسلامي وصيانته من كيد الأعداء بسبب موقفه التاريخي وتضحيته (عليه السلام) يوم الطف. س: هل أن الإمام الحسين (عليه السلام) وصل إلى هدفه المنشود والمقدس وهو إحياء الإسلام وتثبيت دعائمه؟ ج: نعم، إن نهضة عاشوراء أزاحت الستار عن فضائح الأمويين وجرائمهم وأدّت إلى انقطاع واضمحلال السلسلة الأموية وغيرهم من أعداء الدين، وأبانت حقيقة الدين الإسلامي وأوضحت معالمه للجميع. س: إذا كان الإمام الحسين (عليه السلام) قد وصل إلى أهدافه من نهضته فلماذا نجد المسلمين اليوم - وهم على بعض الإحصائيات: ملياران - يعيشون في أقسى ظروف الحياة وأتعس حالات الفقر والجهل، والمرض والفوضى وما أشبه ذلك، ولماذا ترى الاستبداد والحروب قائمة في البلاد الإسلامية وترى أعداء الإسلام يتحكمون برقاب المسلمين؟ ج: يمكن أن نوجز أهداف الإمام الحسين (عليه السلام) في أمور: أولاً: فضح الحكومة الأموية واجتثاث جذورها وذلك لأن الأمويين كانوا قد تمادوا في طغيانهم وجبروتهم نتيجة ما توفّر عندهم من المال والسلاح، والنفوذ والسلطان فراحوا يفكرون بإنهاء الدين الإسلامي والقضاء عليه، ولم يكن المجتمع القائم حينها يسمح لنفسه بالتفكير في القضاء على الأمويين لعظم سلطانهم وشدة استبدادهم، فجاءت نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) لتفتح طريق الفكر والعمل على الإطاحة بهم وبكل الظالمين، وكان كذلك، فلم يكن فضح الأمويين واجتثاث شجرتهم الخبيثة من فوق الأرض تجديداً لحياة الإسلام والمسلمين فحسب، بل كان فيه أعظم خدمة للبشرية جمعاء حيث تعلمت البشرية من الإمام الحسين (عليه السلام) عبر نهضته المباركة كيف تثور ضد الظلم والظالمين وتكشف زيفهم وتجتث أصولهم في كل عصر وزمان. ثانياً: تصحيح الاعتقادات الدينية للمسلمين، فإن من مفاسد الأمويين الذين كان مورداً لاهتمامهم هو قيامهم بعرض صورة مشوّهة من الإسلام والمعتقدات الدينية وذلك بغية إبعاد الناس من الخط الواقعي للإسلام والذي يمثله أهل البيت (عليهم السلام)، فكانوا يقومون من أجل توطيد حكمهم بجعل الأحاديث واختلاقها ونشر العقائد الباطلة، كالجبر والتفويض والتجسيم وما شابه ذلك مما يرسي قواعد حكومتهم غير الشرعية، فجاءت نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) واستشهاده حجة قاطعة تعلن عن بطلان ذلك التحريف الأموي، وتكشف زيف تلك الانحرافات العقائدية التي أشاعها بنو أمية في المسلمين، ودليلاً رصيناً على إبداء الصورة الناصعة للدين الإسلامي. وبذلك تجلّى الإسلام على واقعة الذي أنزله الله تعالى على رسوله (صلى الله عليه وآله) ولمع في مذهب أهل البيت (عليهم السلام) بعد أن غسل (عليه السلام) عنه غبار باطلهم. وبسبب هذه النهضة المباركة انتشرت العقائد الصحيحة ومعارف الدين الإسلامي لدى مئات الملايين من المسلمين الشيعة وذلك من خلال الكتب والمنابر الحسينية وأشرطة الكاسيت وغير ذلك في لغات مختلفة وفي كل العالم. وترك ذلك الأثر الكبير في تعديل السلوك الإنساني لدى كل المسلمين، بل العالم كله وساهم في خلاص البشرية من ظلم الاستبداد والطغيان. ثالثاً: تصحيح سلوك الناس وتقويمه، بعد أن تلوّن سلوك الناس وأخلاقهم في ظل النظام الأموي بطابع العنف والاستبداد والوحشية والاستهتار مما لا يتناسب مع الخلق الإسلامي والإنساني، فأعاد الإمام (عليه السلام) بنهضته الشريفة مكارم الأخلاق التي بناها جدّه الكريم (صلى الله عليه وآله) وقدمها إلى البشرية ودعى الناس للتخلق بها في كل مراحل الحياة. وإننا إذ نلاحظ اليوم المشاكل والمآسي تحيط بالمسلمين في البلاد الإسلامية من كل جانب فما ذلك إلا لابتعاد المسلمين أنفسهم عن التعاليم الإسلامية وعدم تطبيق أحكام الإسلام وقوانينه العادلة. س: إذا كان الإمام الحسين (عليه السلام) قد قلع جذور الاستبداد فلماذا إذا نلاحظ اليوم حكاماً مستبدين وطغاة جبارين يحكمون بعض البلاد الإسلامية وينهبون ثرواتها ويضيعون الحياة على أبناء الأمة الإسلامية؟ ج: إن نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) كانت نبراساً لسائر النهضات التحررية في العالم ضد الظالمين، وكانت هي الانفجار العظيم الذي هزّ عرش كل الطغاة المستبدين كما ومهّدت الطريق أمام الثورات الأخرى وهيّأت الأسباب لقلع جذور دول بني أمية وبني العباس وغيرهم ودفعت المجاهدين للدفاع عن المقدسات الإسلامية وعلمتهم النضال ضد الحكام حتى يعيشوا في ظل جهادهم الحياة الحرة الكريمة، ويمكن الوقوف على هذه الحقائق من خلال مراجعة التاريخ. نعم، إن السبب من وراء كل هذه المشاكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها والتي أحاطت بالمسلمين من كل جانب هم المسلمون أنفسهم حيث ابتعدوا من قوانين الإسلام، كما أن علاج هذه المشاكل كلها يكون بأيديهم أيضاً وفي ذلك يقول الشيخ البهائي (قدس سره) ما معناه: (لا عيب في الدين الحنيف بذاته العيب عند المسلمين يكون) س: هل يمكن الإتيان بمثال لذلك؟ ج: الأمثلة في هذا المجال كثيرة، فلو فرضنا أن طبيباً حاذقاً استطاع أن يشخّص المرض بدقّة كاملة ثم وصف الدواء اللازم لشفاء المريض، فهل بمجرد تشخيصه للمرض ووصفه للدواء يكفي العلاج وإن لم يعمل المريض بنسخة الطبيب أولا يكفي ذلك؟ وعلى فرض أن المريض أعرض عن تعاليم الطبيب فأيهما يكون المقصر، هل المقصر هو الطبيب أو المريض؟ إن الإمام الحسين (عليه السلام) عبر نهضته المباركة دلّ الأجيال على الطريق وأوضح عن السبيل لعلاج مشاكل المجتمع والحصول على سعادة الدنيا وكرامة الآخرة، وحينما كان المجتمع الإسلامي يلتزم شيئاً ما بتلك التعاليم الإسلامية كان يعيش العزّة والسعادة والرفاه والكرامة، ولم يكن يعرف شيئاً من هذه المشاكل الموجودة اليوم، كما يشهد التاريخ بذلك في أيام السيد المرتضى والشيخ المفيد والعلامة الحلي وفخر المحققين والمحقق الكركي والشيخ البهائي والعلامة المجلسي (قدس الله أسرارهم) حيث كان المجتمع يعيش العزة دون أن يبتلى بشيء من هذه المشاكل التي ابتلي بها المسلمون اليوم، بل كان العكس فالذي كان يعيش هذه الأزمات والمشاكل كأنهم أعداء الإسلام حيث غرقوا حينها في بحار من الجهل والتخلف وما إلى ذلك.
■ المرجع... والشعائر الحسينية: يرى الإمام الشيرازي الراحل (قدس سره) في إقامة الشعائر الدينية والحسينية الخاصة بشهري محرم الحرام (عاشوراء) وصفر بالذات، على أنها تأتي بعد واجب تأدية الفرائض العبادية كالصلاة وإيتاء الخمس والزكاة وغيرها من شؤون العبادات والأخلاقيات والآداب وتعمير الحسينيات والمساجد وتعمير أماكن الزيارات والمشاهد المشرفة، مشيراً إلى أن القرآن الكريم نبه إلى قدسية وحرمة تلك الشعائر باعتبارها تنمي الشعور الإيماني والعقائدي في نفس الإنسان المسلم، كما أنها بمثابة خط التواصل الذي يربط بين أفراد الأمة المسلمة وقيادتها المحمدية- العلوية المتمثلة بأهل البيت الأطهار (عليهم السلام)، وهي ذات الوقت إحياءاً وتعظيماً لشعائر الله عز وجل، بدليل الآية القرآنية: (ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب). والتبليغ الإسلامي هو صورة من صور إحياء شعائر الله ونشر مبادئ وقيم رسالة الإسلام ونهج آل بيت الرسول الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله)، والمنبر الحسيني أشار إليه سماحة المرجع باعتباره باباً أو وسيلة من وسائل بث الفكر الشيعي والثقافة الحسينية، إلى كافة أوساط الأمة المسلمة، بل وشعوب العالم كافة، ما يمكن أن يكون المحرم منطلقا مناسباً لإبلاغ أهداف نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) إلى البشرية المتعطشة، وذلك بجمع المال في المآتم والمراسم والحسينيات وتشكيل الهيئات الخاصة المعنية بمهمة إرسال وتوجيه المبلغين والخطباء من رجال الدين والمثقفين الرساليين إلى أنحاء العالم، للتبليغ للإسلام والرسالة المحمدية والنهج الإمامي - الحسيني الرائد، حيث إن الإسلام دين عالمي، لإنقاذ جميع الناس من الظلمات إلى النور، وعلى هذا يؤكد سماحته أنه إذا ما اتخذنا شهر المحرم منطلقاً لهذين البعدين الأخيرين، فقد قمنا بالواجب المطلوب منا بالقدر الممكن، مضافاً إلى أن ذلك يوجب إخراج المسلمين من العبودية إلى السيادة، وإخراج كثير من غير المسلمين من عالم الجهل والتخلف إلى عالم المعرفة والوعي.
■ المرجع... وسيدنا العباس بن علي (عليهما السلام): لم يكن حب وعشق الإمام السيد محمد الحسيني الشيرازي (رضوان الله عليه)، يقتصر على الأئمة المعصومين (عليهم السلام) أو الإمام الحسين تحديداً، وإنما كانت حدود ذلك تمتد في دائرة أوسع لتشمل سائر أبناء الذرية المحمدية وأبناء الإمام علي (عليهم صلوات الله وسلامه أجمعين)، ومنهم مولانا وسيدنا أبي الفضل العباس ابن أمير المؤمنين علي وأخو الحسين الشهيد (عليهما السلام)، وهنا يشير سماحته بالقول: لا شك أن العصمة خاصة بالأنبياء والأئمة ومريم بنت عمران والصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء (صلوات الله عليهم أجمعين)، فهؤلاء حصراً هم المعصومون المنزهون عن كل نقص، وليس عن الذنب وحسب، ويبقى هناك أشخاص هم دون هذه العصمة كالعباس بن علي وأخته العقيلة الحوراء زينب، وعلي الأكبر بن الإمام الحسين (عليهم السلام)، فهؤلاء ليسوا معصومين عصمة الأنبياء والأئمة، لكنهم يمثلون بعض خواص المعصومين، وهذه ما أسماها البعض منا بالعصمة الصغرى. وفي ضوء هذا المضمون ألف المرجع الراحل كتيباً خاصاً حمل عنوان (العباس والعصمة الصغرى) شرح فيه بشكلٍ وافٍ، أشار فيه إلى ما يستند إليه في عصمة العباس الصغرى، معززاً ذلك في أقوال صدرت عن الأئمة المعصومين (عليهم السلام). كقول الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) في زيارته للعباس: (ولعن الله أمة استحلت منك المحارم وانتهكت في قتلك حرمة الإسلام)، وأيضاً قول الإمام علي بن الحسين (زين العابدين)، حيث ورد عنه: (وإن للعباس عند الله تبارك وتعالى منزلة يغبطه عليها جميع الشهداء يوم القيامة. ويذكر المرجع كذلك في مؤلفه هذا إن بعض العلماء ذكر أن العباس حضر غسل أخيه الإمام الحسن المجتبى، وأراد أن يستفيد من تلك العصمة الكبرى، على اعتبار أن المعصوم لا يغسّله إلا المعصوم، ومن هنا يمكن التقرير بأن العباس (عليه السلام) على عظمته وعلو منزلته التي لا تنالها أفهامنا لضيق الظرف وما ورد فيه من نصوص من المعصومين، ليست له العصمة الكبرى كالمعصومين الأربعة عشر (عليهم السلام)، نعم له العصمة الصغرى بلا شك، وإن عمل العباس هو في القمة العالية، إلا أن جوهره كان أعلى شأناً لأنه الأساس في عمله أيضاً. ويفرد الإمام الشيرازي الراحل في كتابه هذا عناوين فرعية للمواضيع والأبحاث التي تضمنها منها: - العباس باب الحوائج. - القسم أي حلف اليمين بالعباس. - العباس باب إلى الإمام الحسين. وفي هذه المباحث يورد سماحته روايات وقصص أكيدة تبرز الكثير من الصفات التي لازمت شخصية أبي الفضل العباس ونفسه الكريمة، وهي بالطبع موروثة من صفات وأخلاق أبيه أمير المؤمنين وأخويه الحسن والحسين وسائر أهل البيت المحمدي - العلوي الشريف، ومن بين الجملة الكبيرة من هذه الصفات الظاهرة من الجمال والفصاحة والحساسية والصفات الباطنة كالشجاعة والسماحة والشهامة والحمية والكرم والإباء. ولكي يبرز المرجع الشيرازي الراحل مكانة وأهمية شخصية العباس (عليه السلام) وعظم شأنه وقدره، ألف سماحته كتيباً آخر عن أم العباس وهي فاطمة بنت حزام الكلابية (رضي الله عنها) تحت اسم (أم البنين)، وقد خصها (رضوان الله تعالى عليها) بشرح واف عن حياتها وجوانب من شخصيتها واقترانها بشخص أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام)، وزواجها منه وإنجابها منه الأبناء الذكور الأربعة (العباس - عبد الله - جعفر - عثمان)، وتلقبها بـ(أم البنين)، وحسبما سماها بذلك أمير المؤمنين (عليه السلام) بعدما طلبت هي منه، بعدم مناداته لها بـ(فاطمة) كي لا يتأثر الحسن والحسين وزينب عند ذكر اسم أمهم الشهيدة فاطمة الزهراء، وهذا ما يعكس قمة الشعور الإنساني والخلق الإسلامي الرفيع لدى هذه المرأة الرسالية التي أنجبت أولئك الشهداء الأبطال ومنهم أبي الفضل العباس.
■ المرجع... والسيدة الحوراء زينب (عليها السلام): يؤكد سماحة الإمام الشيرازي (قدس سره) في مجمل أحاديثه وخطبه ومؤلفاته، أن دائرة أهل البيت (عليهم السلام) لم تتحدد بـ(المعصومين الأربعة عشر) فقط، وإنما لها نطاق أشمل وأوسع من ذلك، يمتد إلى الحلقات الأولى من الأبناء وصلة الرحم من ذوي القربى للأسرة المحمدية- العلوية المطهرة، فمثلاً السيدة زينب بنت أمير المؤمنين علي (عليهما السلام) وكذلك أخيها أبي الفضل العباس (عليه السلام)، وعلي الأكبر بن الإمام الحسين (عليه السلام)، والسيد فاطمة المعصومة بنت الإمام موسى بن جعفر (عليهما السلام)، ومن أشبههم من آل محمد (عليهم السلام)، كل أولئك هم يأتون في مراتب لاحقة من بعد المعصومين، وهم كلهم من صلب واحد ونور واحد، وقد خصهم الله تعالى بالطهارة والمنزلة الرفيعة عنده. ويشير سماحته إلى أن الشيعة تعتقد اعتقاداً راسخاً بـأن العصمة ذو مرتبتين: الأولى العصمة الكبرى وهذه يختص بها الأنبياء وأئمة أهل البيت (عليهم الصلاة والسلام) من آل محمد، والثانية العصمة الصغرى وهذه تختص بالحلقات الأولى من أبناء الأئمة المعصومين (عليهم السلام)، ومنهم الحوراء السيدة زينب (عليها السلام)، والتي أفرد المرجع الإمام الشيرازي كتاب خاص بها حمل عنوان (السيدة زينب عالمة غير معلمة)، وفيه يقول (قدس سره): (أن أمير المؤمنين علي (عليه السلام) يقترن بسيدة النساء فاطمة الزهراء بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وبذا يعيطان للكون أئمة وسادة: حسناً وحسيناً ومحسناً، وزينب الكبرى (الحوراء) وزينب الصغرى (عليهم السلام)، أنها شجرة طيبة أطعت كلها كل حين بإذن ربها. ويضيف رضوان تعالى عليه القول: (من بيت الرسالة المحمدية الشريفة... خرجت إلى الدنيا فتاة ليس لها شبيه أو نظير.. عدا أمها العظيمة فاطمة الزهراء (عليها السلام)، أنها زينب الكبرى بطلة كربلاء ... أنها السيدة المثالية في التضحية والفداء والسيدة النموذجية في الصبر والإستقامة، إنها السيدة العظيمة في علو همتها، وسمو فكرها، وشموخ علمها، أنها المرأة المثالية في قوة منطقها ورزانةعقلها، تلك هي المرأة السامية زينب العالمة غير المعلمة. |