
|
دار التبليغ الإسلامي: اليوم نستعيد ذكرى رحيل عالم رباني، جليل القدر عظيم شأن، مجاهد كبير، بذل حياته من أجل الإسلام وإحياء مذهب أهل البيت (عليهم السلام) |
|
اصدر دار التبليغ الإسلامي بيانا بمناسبة الذكرى السنوية الأولى لرحيل المرجع الديني الكبير سماحة الإمام السيد محمد الحسيني طاب ثراه وتغمده الله بوافر رحمته. وفيما يلي نص البيان: فقد العالم خسارة كبيرة لا يسدها شيء، ونقص في الأمة لا يكمل إلا من يقوم مقامه، وفراغ كبير تحتاج إلى إملائه، لأن العالم عصارة جهود مضنية وسنوات طويلة يقضيها في طلب العلم واستنباط الأحكام الشرعية وما تحتاجها الأمة من المسائل المستحدثة واليومية فهو كالشمعة التي تحرق نفسها من أجل أن تنير الدرب للآخرين بل هو شمس مشرقة تبزغ صباح كل يوم لترفد الحياة بالدفء والخير والعطاء، والعالم هو صمام للأمة ينقذها من الموت والهلاك والدمار في الأزمات تمر بها فيضع لها الحلول المناسبة للمشاكل والأحداث الجسيمة التي تحل بها. وهكذا يقضي حياته كأب روحي يضمد جراح النفوس والأرواح التائهة ليهديها سبل السلام وهو الكهف الذي تلتجي إليه الأمة من عواتي الزمان وقهر الأيام والحرمان. ومن هذا المنطلق يقول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). (إذا مات العالم ثُلم في الإسلام ثلمة لا يسدها شيء) لأن في موته ورحيله من هذا العالم يوجد نقصاً لا يعوض بسهولة بل لا يسد هذا النقص والثلمة شيء كما في الحديث. ومن هنا فإن الأمم تحترم علماءها وأفذاذها وقادتها ونحن أولى الأمم بهذا الاحترام والتقدير وتؤكد الأحاديث النبوية على تقدير العلم والعالم واحترامه فتقول: النظر إلى وجه العالم عبادة: ذلك العالم الرباني الذي دعا إليه الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في كلامه لكميل بن زياد حينما يصف الناس إلى ثلاثة أصناف فيقول (عليه السلام): (فعالم رباني) العالم الذي ينتسب إلى الرب جل وعلا الفقيه الورع الزاهد المتقي وهذه الصفات هي صفات العالم الإلهي الذي يدعو إليه الإمام علي (عليه السلام) فجدير بهذا العالم انه يكون النظر إلى وجهه عبادة لأنه يذكر بالآخرة ويوعظ لها ويأخذ بيد الإنسان إلى جنان الله العريضة إلى ذلك العالم الرحب الذي ليس فيه قيود وأغلال الدنيا بل ليس فيه إثم وغول البشر وكما يعبر القرآن الكريم لا غول فيها ولا تأثيم. بل تذهب الأحاديث إلى أكثر من ذلك لتقول: النظر إلى باب دار العالم عبادة لأنها محط العلم والمعرفة والأخلاق لأنها بيت من بيوت العبادة والتقوى التي يحبها الله سبحانه وتعالى. ولأن العلماء هم حصون الإسلام وهم كسور المدينة لها. كانت لهم هذه المكانة السامية العالية لأنهم يحفظون الشريعة من السقوط والانهيار من أعداء الدين، وفرق الضلال، والانحراف لذا فهم بمثابة الحصون التي تحفظ المبادئ والأخلاق والقيم الإسلامية الكريمة. وهم امتداد الرسالات السماوية في تبليغها إلى الأمم وتحمل مسؤولية سلامتها وصيانتها فلقد قال في حقهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (علماء أمتي أفضل من أنبياء بني إسرائيل). فإذا كان الكثير من أنبياء بني إسرائيل بُعثوا إلى أنفسهم أو إلى أقوام قلائل أو إلى عشائر معدودة أو إلى ذويهم وأهلهم فإن علماءنا اليوم تمتد إليهم الملايين بصلة يؤدون دوراً كبيراً جداً وعملاً أوسع مما كان يؤديه أولئك الأنبياء (عليهم السلام). وهم حملة رسالة الإسلام في هداية الناس وإرشادهم إلى الخير والعمل الصالح والجهاد في سبيله وهم باب الأئمة (عليهم السلام) لقول الإمام المهدي (عليه السلام). وأما الحوادث الواقعة فارجعوا بها إلى رواة أحاديثنا فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله. وفي حديث آخر: الراد عليه كالراد علينا والراد علينا كالراد على الله وهو على حد الشرك. نستنبط من كل هذه الأحاديث والروايات شأن العالم ومكانته في الإسلام وعند النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأئمتنا (عليهم السلام). وهانحن اليوم نستعيد ذكرى رحيل عالم رباني، جليل القدر عظيم شأن، مجاهد كبير، بذل حياته من أجل الإسلام وإحياء مذهب أهل البيت (عليهم السلام). فلقد ناهز الخامسة والسبعين في خدمة الأمة من جميع أبعادها وشؤونها وخاصة مدرسته الفقهية والأصولية فلقد سطر لنا (الموسوعة الكبرى) في الفقه والتي تجاوزت (160 مجلداً) وهو عمل نادر من نوعه إذا لم تصدر من أية مؤسسة علمية لحد الآن هذا العدد من المجلدات في حقل واحد. وهكذا آثاره الأصولية التي أصبحت مصادر يعتمد عليها مدرسو الحوزات العلمية في ومختلف البلاد الإسلامية. وأما تأليفاته في المجالات الأخرى فهي كثيرة تحتاج إلى كتب للحديث عنها ففي مجال التفسير كتب (تقريب القرآن إلى الأذهان) وفي الحضارة كتب المجموعة الحضارية من فقه الاجتماع، والسياسة والدولة والقانون والإدارة والبيئة وحتى العولمة وغيرها من الموسوعات المدنية الحضارية والتي تعد مصادر للبحث والكتابة ولقد كتب الكثير الكثير للكبير والصغير، للرجل والمرأة، للشباب واليوافع للحوزات والجامعات ولجميع مجالات الحياة. كما دعى لتأسيس المؤسسات العامة للشباب فأهتم بتأسيس نوادي للشباب لقضاء وقت فارغهم للحديث والتواصل والمسامرة والمناقشة وأمثال ذلك. كما أهتم في الجانب الثقافي بتأسيس المكتبات للمطالعة والكتابة والبحث والتأليف ودعى إلى تأسيس دور لتعليم القرآن وحفظه وتلاوته والكتابة عنه. وفي المجال الصحي دعى إلى تأسيس مستوصفات ومشافي لخدمة المجتمع من ناحية إيجاد العلاج المجاني وتوفير الدواء ومستلزمات الإنسان المريض وفي مجال الخدمات الاجتماعية دعى إلى تأسيس صناديق قرض الحسنة لقضاء حاجة المحتاجين والمعوزين. وفي حقل التربية والأخلاق دعى إلى التوجيه التربوي عبر إذاعة خاصة باسم التوجيه الديني تلقى عبرها محاضرات تربوية أخلاقية في أوقات معينة من اليوم. ودعى إلى تربية الأولاد عبر مدارس خاصة باسم مدارس حفاظ القرآن وحافظات القرآن. وفي حقل القضاء على الفساد وحصانة الشباب دعا إلى التزويج المبكر وإعداد السبل الكفيلة إلى ذلك إيماناً منه بأن الزواج سبب من أسباب حفظ المجتمع من السقوط في رذيلة الجنس وما أشبه فأكد على تقليل المهور والسهولة في العقد لقولة (صلى الله عليه وآله وسلم): إذا جاءكم من ترضون خلقه ودينه فزوجوه وإلا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير. وأخيراً وليس آخراً دعا إلى المشروع السياسي في العالم الإسلامي ونظام الحكم فدعا إلى حكومة الألف مليون مسلم وإلى حكم الإسلام والحكومة الإسلامية ورفع شعار تحرير العراق من أنظمة الاستبداد والدكتاتورية على مختلف العهود التي حكمت العراق وعبر ذلك ببيانات عديدة صادرة في أوقات مختلفة من تسفير العراقيين إلى الخارج وتهجيرهم واعتقال أبنائهم وشبابهم إلى الاعتداء العراقي على إيران والكويت إلى مختلف الأساليب غير الإنسانية التي مارسها ويمارسها النظام الحاكم. ولقد تصدى الإمام الراحل السيد محمد الشيرازي (قدس سره) للأنظمة الحاكمة في العراق أيام إقامته في مدينة كربلاء المقدسة وحين هجرته منها إلى الكويت وإلى إيران. تصدى للحكومات العراقية في تغيير أنظمتها وأحكامها وفق النظام الإسلامي سيما وهي تعيش في بلاد المسلمين وشعبها مسلمين وكانت مواجهته للنظام من العهد الملكي وحكومة نوري السعيد إلى ثورة 14 تموز بقيادة عبد الكريم قاسم ومقابلته معه إلى حكومة عبد السلام عارف وأخيه عبد الرحمن وأخيراً الحكم الجائر في عراقنا الحبيب لقد كان للإمام الشيرازي مقابلات مع كل رؤوساء الحكومات المارة الذكر من أجل الإصلاح السياسي والاجتماعي والحكمي وكتابه تلك الأيام فيه كل أعماله الإصلاحية ودعواته الإنسانية لتلك الحكومات على مر أكثر من نصف قرن. وأخيراً كتابه: إذا قام الإسلام في العراق يشكل نظاماً دستورياً إنسانياً أخلاقياً لمستقبل العراق وهو دستور أولي يتبعه منهاج متكامل ونظام شامل من الدساتير في الحكم والإدارة والقانون. في الختام رحم الله إمامنا الراحل السيد الشيرازي والذي كانت عيناه ترنو إلى العراق إلى النجف الأشرف مسقط رأسه وإلى كربلاء المقدسة نشأته وهو يردد: لقد اشقتت إلى كربلاء وأدعو ربي أن يريني يوماً أعود فيه للصلاة من جديد في حرم جدي الحسين (عليه السلام). نقول لتقر عينك يا سيدي في مثواك الأخير إلى جوار حرم المعصومة (عليها السلام) في قم المشرفة وروحك ترفرف حول ضريح جدك الحسين (عليه السلام) في كربلاء. لتقر عينك سيدي بأن الأجيال التي ربيتها والأفذاذ الذين خرجتهم مدرستك المعطاء من العلماء والخطباء والمؤلفين والمجاهدين والعاملين كلهم يسيرون على دربك درب الإسلام الأصيل ويحملون الرسالة التي حملتها في الدفاع عن الحق والعدل والحرية في الدفاع عن المظلومين في العالم كل العالم خصوصاً أرض المقدسات العراق الجريح الذي لم تنساه حتى في اللحظات الأخيرة وأنت تفارق هذه الحياة. فسلام عليك يوم ولدت ويوم مت ويم تبعث حياً. وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.
|