|
|
||
|
|
|
في ذكرى قائد صنع الرجال |
|
الخطيب الحسيني الحجة السيد مصطفى السيد مرتضى الموسوي القزويني
في غرة شهر رمضان المبارك لعام 14(صلى الله عليه و آله وسلم)3 هـ، في طريق عودتي من ولاية مشيغان إلى ولاية كاليفورنيا اختلجت في نفسي بعض الأفكار والذكريات عن فقيد العلم والتقى والعمل الإمام الراحل المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد الشيرازي (رحمه الله) فكانت هذه الكلمات. عرفته منذ نعومة أظفاري أباً ومعلماً ومرشداً وراعياً وقريباً ورائداً. تلمس فيه وأنت تجلس إليه أنك بحضرة إنسان يمتلئ شفقة ومحبة وحرصاً على مصلحتك، يقبل عليك ببشاشة، يستولي على مشاعرك، تجد فيه الصدق والإخلاص ينتابك إحساس بأنه يمتلئ حيوية ونشاطاً وانتباه.. ينتبه لصغائر الأمور فضلاً عن عظائمها.. يبعث فيك التشجيع ويزرع الثقة والاعتزاز بالنفس، ويخلق منك شخصية عظيمة ويحسسك بأهميتك في الحياة يقبل عليك بروحه وقلبه ويسرد لك تلكم المواعظ والقصص المعبرة التي تنعش القلوب، (وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ)، كانت خطبه (رحمه الله) في صلاة الجمعة في مسجد (بنيد القار) تهز المشاعر وتأسر القلوب وتنبت العزيمة، النخوة في النفوس ويخرج منها السامع وهو يشعر بالتقصير حيال ربه ودينه ومجتمعه، فيغدو هو على أتم الاستعداد للتغيير والعمل والمثابرة، أما دروس أخلاقه الأسبوعية مساء الأربعاء في داره في قم المقدسة، فكانت جرعات معنوية وأخلاقية لتقوية الروح، كنت انتظرها بشغف لم أعهد في متحدث غيره لذلك التأثير العميق الذي يتركه في النفوس والعقول، كان حديثه السهل الممتنع، بسيطاً، هادئاً، لطيفاً، لكنه يتميز بعمق ومصداقية وحيوية يقربك من الله تعالى ويرغبك بالآخرة ويزيدك علماً. لم يكتف بتشييد المؤسسات والحوزات، بل ركز على صناعة الإنسان، لأن الإنسان هو الجوهر وغيره عرض، والإنسان هو اللب وما دونه قشور وماذا ينفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟. كانت نفسه عملاقة كبيرة (وإذا كانت النفوس كباراً، تعبت في مرادها الأجسام)، لم يدبّ التعب واليأس والإحباط إلى عقله وروحه، كان كتلة من النشاط وشعلة ملتهبة من الحيوية، لا يضيع ثانية من وقته، يصر على تحقيق أهدافه إصرار المقاتل في ساحة الحرب، على تحقيق النصر، كان يواصل طريقه عبر عباب البحر لا يفتأ ولا يعبأ، ما استطاعت حادثة أو شخص أن تفت في عضده أو تثنيه عن سعيه وهدفه. كانت لي معه ذكريات تزخر بالعبر والمعاني، أذكر أنني دخلت عليه في حجرته في المدرسة الدينية (مدرسة الإمام الرضا (عليه السلام)) التي شيدها في مشهد الإمام الرضا عليه السلام، وكان قد سبقني إليه نجله الأكبر العالم السيد الرضا -حفظه الله- وأخبره برغبتي المسلوبة بالتردد في السفر إلى الخارج للتبليغ، فما كان من سماحته (رحمه الله) إلا أن بادرني حيث رآني قائلاً: أيها المصطفى، لقد كان أبوك السيد المرتضى منذ شبابه ينطلق إلى الخارج يشق الطريق لمئات العلماء والمبلغين فكانوا يسيرون على خطاه. فمم ترديدك؟ كلماته هذه هزتني من الأعماق وملأت قلبي ثقة ومنحتني الأمل والرجاء ولازال صداها يرن في أذني إلى اليوم. وبعد سنوات طويلة كنت أستعد للتكبير لصلاة عيد الفطر في المركز الإسلامي في كاليفورنيا، فجيء إلي بقصاصة مكتوب عليها: أدعو للإمام الشيرازي فهو يرقد في المستشفى في حالة خطرة. فرفعنا أيدي الذلة والضراعة مع مئات المصلين إلى خالق الموت والحياة إلى من لا يزول وجهه حين تزول الوجوه بالدعاء له لكن إرادة الله ومشيئته قضت أن تختاره إلى جواره ونسأله أن يسبغ علينا من عفوه ومغفرته ورحمته وقد أحدث رحيله هذا لوعة- لقد غادرنا سريعاً من دون سابق إنذار وهكذا رحلة الموت مفاجأة تقع على غير ميعاد.. رحمه الله وأنزل مغفرته ورضوانه على روحه الطاهرة وآجرنا جميعاً على مصابنا به. والسلام عليه وعلى جميع المؤمنين إلى يوم الدين..
|