|
|
||
|
|
|
إنه معجزة دهره |
|
العلامة الخطيب السيد عبد الحسين الموسوي القزويني
يعجز القلم عن الكتابة عن السيد الفقيد الإمام الشيرازي رضوان الله عليه ويحير العارف به من أين يبدأ؟ وماذا يقول؟!. لم يكن رحمه الله اعلماً فحسب حتى يشاد بعلمه، ولم يكن مجاهداً فحسب حتى يذكر له جهاده فحسب، ولم يكن مثالاً للتقى والفضيلة فحسب حتى نتوقف معه عند هذه الحدود. إني أرى -بحق وصدق- أنه كان معجزة دهره وواحد زمانه، كان أمة في رجل.. وأشهد الله أنني لم أر ولم أسمع بمثله قط في علمه الغزير وسماحة نفسه، وتواضعه الجم، وأخلاقه الرفيعة، وسموّ نفسه، وعلوّ همته. لقد خسرت الأمة بفقده ركناً لا يعوض من أركان الإسلام، وعمداً لا يثمن من أعمدة التشيع. ولقد اختلفت الناس حوله اختلافاً لم يحصل مثله حول غيره، وهذا الاختلاف مؤشر كبير إلى عظمة الرجل وشموخه.. (العظيم من اختلف فيه الناس). فصار الناس بين محب يكن له المودة والإخلاص، ويتفانى في هذا الحب والإخلاص بحيث يلفت نظر الآخرين ويستدعي عجبهم فيتساءلون عن سر هذا التفاني والمودة. وبين معاد لا هم له إلا محاربة هذا الرجل والتصدي له والوقوف في طريقه وإعلان الحرب عليه، حتى كأنه يؤدي فريضة من الفرائض التي أوجبها الله عليه كان هؤلاء لا يطيقون حتى سماع اسم السيد.. فكنت أرى بنفسي بعضهم إذا مرَّ ذكر السيد يتقعر وجهه وتعلوه علامات الغضب والحقد!!. وإنني -وللحق أقول- لم أعرف لحد الآن ما الذي كان ينقمه هؤلاء من هذا الرجل وحينما كنت تسأل أحدهم عن السبب وراء هذه العداوة الشنيعة لهذا السيد العالم لم تكن تجد له جواباً مقنعاً سوى التخبط في الاتهامات والظنون والأوهام واجتراء ما كان يبثه حساده ومناوئوه.. ومن أعجب الأعاجيب عندي أن السيد المرحوم رضوان الله عليه لم تكن له أذن صاغية لما يقوله ويشيعه هؤلاء القصر ولم ينفعل -أبداً- بما كان يفعله هؤلاء الخائبين، لم يكن رد على أحد منهم إلا بابتسامته المعهودة وأخلاقه النبوية الشريفة. وبين من كان يقف موقف الحياد واللامبالاة، فالأمر لا يعنيه من قريب ولا بعيد وكان لم تبلغه النصوص والأخبار التي تأمر بالوقوف إلى جانب المظلوم، واستنكار فعلة الظالم، والدفاع عن المؤمن البريء.. وكأنه لا يعرف أن انهدام هذا البناء يعني المساس ببناء الإسلام والتشيع.. سامحهم الله فلقد ظلموا من حيث لا يشعرون، وأساءوا من حيث لا يعلمون. أما الذين أحبوه وعشقوا أبعاد تلك الحياة الطاهرة الكريمة، فلم يكن يستند ولاؤهم إلى مصالح مادية، أو عوامل عاطفية، أو تعصب أعمى، أو هدف دنيء بل عاصروا وعايشوا وشاهدوا عن قرب رجلاً جميع الصفات المعجزة والأخلاق العالية والخلال الكريمة التي لم يعهدوها في أحد غيره، إلا في بعض رجال من التاريخ، وشخصيات من الماضي وبصفتي واحداً من هؤلاء الذين كنت أرى في موالاته وحبه هدفاً أسمى وغاية تبتغى أكشف هنا بعضاً من حقيقته التي استوعبتها خلال أربعين عاماً من معرفتي به وصلتي معه وقربي منه.. ورغم أني كنت -خلال هذه السنوات الأربعين - أكن له اعمق الحب وأشد الولاء، وأرى فيه نموذجاً يتيماً من بقايا مدرسة آل البيت (عليهم السلام). وكنت أدافع عنه دفاعاً مستميتاً، وأذب عنه وعن أهدافه ومبادئه -رغم ذلك - أرى نفسي اليوم قد قصرت في حقه وتهاونت بعض الشيء في الوقوف معه، كما قصَّر غيري وتهاونوا واعتذر إلى الله من ذلك. لقد كان السيد الشيرازي رضوان الله تعالى عليه دؤوباً في عمله متواصلاً في جهاده لا ينفك عن العمل المثمر والخدمة للإسلام والمسلمين، فقد كتب ألف كتاب وصنع ألف رجل!! وأسس ألف مشروع ديني وخيري.... أما مؤسساته الخيرية الدينية فهي ملء الأرض سعة وكثرة ابتداءً من مدينته المقدسة كربلاء مروراً بالكويت وإيران وانتهاءً بالعواصم الغربية والأوروبية، ولازالت هذه المؤسسات العديدة من مكتبات ومدارس وحسينيات ومستوصفات ومستشفيات وغيرها ماثلة أمام أعين الجميع وتؤدي دورها في خدمة الناس. وأما مؤلفاته فقد ناهزت الألف كتاب في مختلف العلوم والمعارف والشؤون والفنون، ولقد مارس سماحته رحمه الله الكتابة حتى شلت بعض أنامله فصار يكتب بأنامل غيرها ولكنه لم ينقطع عن الكتابة والتأليف في يوم من أيام حياته. وأما المشاريع الخيرية والمؤسسات الدينية محدث عنها ولا حرج ففي كربلاء وحدها خلف السيد رضوان الله عليه خمسة وعشرين مؤسسة من مدارس ومكتبات ومراكز وغيرها.. وكانت كلها تمول بأموال أتباعه ومقلديه ومحبيه، إنما كانت بتوجيه منه وحث وإصرار وتشجيع ودعم. وواصل التأسيس والبناء أينما حلَّ واستقر وهذه من الكثرة بشكل يبهر العقول. وجدير بالذكر أنه رحمه الله لم يكن يملك لنفسه بيتاً في أية بقعة من الأرض.. حتى في مسقط رأسه (كربلاء الحسين) بل كان يسكن في دار ورثها عن أبيه المرحوم المقدس آية الله العظمى السيد ميرزا مهدي الشيرازي طاب ثراه ولم يكن وحده بهذه الصفة بل كان يشاركه في حالة الزهد والترفع عن حب الدنيا أخوته وأسرته جميعاً. وتميز الفقيد رضوان الله عليه بأنه صنع ألف رجل خلال أربعين عاماً فلقد ربى وعلم وهذب وأدب ما يربو على هذا العدد من تلامذة وطلاب كان منهم العلماء والأدباء، والخطباء والمؤلفون، ودكاترة وأساتذة جامعات... وها هم اليوم ملء الأرض آثاراً وأخباراً، يعرفهم المؤمنون في كل مكان بالتقى والصلاح وحب الخير، والنشاط الدؤوب في خدمة الإسلام والمسلمين. ولعلك تعجب لو علمت أن السيد الفقيد رغم كل هذه المسؤوليات التي تحملها والمشاريع التي تبناها كان يمارس نشاطات كثيرة أخرى قد يعجز عنها الفرد الخلو من المسؤوليات فقد كان رحمة الله يلقي دروسه الحوزوية في الفقه والأصول والأخلاق دون إنقطاع، وكان يؤم الناس في كل أوقات الصلاة، ويرد على كل سائل بسماحة وطلاقة لا نظير لها، وكان يستقبل الضيوف والراجعين وأرباب الحاجات في كل وقت دون كلل أو ملل. ولا غرابة أيضاً أن تنمو إلى جانب الزهور العبقة والأشجار المباركة بعض الأشواك والطفيليات، فقد واجه السيد الفقيد بعض الحساد والأعداء ولكنه رضوان الله عليه تميز عن غيره من أمثاله في واجهة هؤلاء بالسكوت والإغضاء ومقابلة إساءاتهم بالإحسان المتواصل حتى قال عنه البعض - على سبيل المبالغة - انه يحسن إلى أعدائه أكثر من أصدقائه ويشمل حساده بعطفه ولطفه أكثر ما يشمل بذلك أحباءه وأولياءه. كنت أشاهد فيما أشاهد أن الهدايا والأموال كانت تأتيه من مريديه ومحبيه ومقلديه ولكنني لم أشاهد حتى مرة واحدة يتمتع بها لنفسه أو لأهله وأسرته بل كان يفرقها يميناً وشمالاً لهذا وذاك من المعوزين والأصدقاء والمخالفين وطلاب العلوم وغيرهم. رحمك الله أيها السيد الفقيد، لقد رحَلَت بجسدك الطاهر وبقيت شامخاً بروحك الطاهرة وآثارك الخالدة وعلمك الغزير وذريتك الصالحة. وإن عزاءنا في أخيك ووريث علمك وفضلك آية الله السيد محمد صادق الشيرازي حفظه الله ذلك الرجل الفذ والعلم الشامخ الذي انعقدت عليه الآمال وتعلقت به المنى ليبقى ذخراً للأمة وراية خفاقة للإسلام. 7 - رمضان المبارك- 1423
|