|
|
||
|
|
|
هيهات أن تنسى أيها المرجع البطل |
|
الخطيب العلامة السيد محمد إبراهيم الموسوي القزويني الموحد
الحمد لله الذي جعل مداد العلماء أفضل من دماء الشهداء، والصلاة والسلام على سيد الأنبياء وآله سادات الأولياء، ولعنة الله على أعدائهم ما دامت الأرض والسماء. هذه سطور متواضعة عن شخصية عملاقة تأسست في سماء العلم والفضيلة وتلألأت على أبراج الإيمان والتقوى، وسطعت على مثل الأخلاق والمثل العليا. شخصية فريدة من نوعها. شخصية اعترف بفضلها العدو والصديق، والمخالف والموافق والقريب والبعيد. إنها شخصية العالم الفقيه الجليل، المجاهد الصابر المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد الشيرازي (قدس الله نفس الزكية). إن الكلمات تموت على قلمي، والألفاظ تتباعد عن القرطاس اعترافاً بالتصاغر أمام هذه النادرة العلمية الدينية المرجعية. لقد عرفت الإمام الشيرازي (أعلى الله مقامه) قبل أن اعرف نفسي، وأعتقد انه أول شخصية -بعد المعصومين الأربعة عشر (صلوات الله عليهم أجمعين) استطاعت أن تحتل مساحة كبيرة في قلبي. كنت أرى فيه النموذج الكامل والمثال الصادق للمؤمن. كنت أرى فيه سيماء الأنبياء وملامح الأولياء وسماحة العظماء. لقد كان في القمة من حيث الأخلاق الرفيعة والسيرة الصالحة والسلوك الطيب. كنت أرى فيه المواصفات التي ذكرها الإمام علي أمير المؤمنين(عليه السلام) في الخطبة التي يصف فيها المتقين. فالمتقون فيها هم أهل الفضائل منطقهم الصواب وملبسهم الاقتصاد ومشيهم التواضع غضوا أبصارهم عما حرم الله عليهم، ووقفوا أبصارهم عما حرم الله عليهم، نزلت أنفسهم منهم في البلاء كالتي نزلت في الرخاء. إلى أن يقول: اتعب نفسه لآخرته، وأراح الناس من شرّه،نفسه منه في عناء،والناس منه في راحة،والى آخر الصفات الحسنة العالية.. هكذا كنت أرى الإمام الشيرازي (رضوان الله عليه) وطالما دفعت إليه كأس الماء ليباركه بالشرب لكي أشرب سؤره الطاهر ومعتقداً أن ذاك شفاء ودواء وبركة وعافية، وطالما رجوت منه - بكل تواضع - أن يدعو لي، ومرة واجهت مشكلة اقلقتني كثيراً فسألته - بإلحاح - أن يدعو لي فقال - بعد ذلك -قد دعوت لك، وبالفعل انحلت المشكلة بعد ساعات. وعندما بلغت البلوغ الشرعي سألت أهل العلم والمعرفة عن المرجع الديني الذي اتخذه قدوة لي في الأحكام الشرعية فأرشدوني إلى الإمام الشيرازي (طاب ثراه). وسألت والدي -العلامة الحجة المرحوم السيد محمد كاظم القزويني- عن المرجع الديني الذي أقلده في أموري الشرعية؟. فقال: هذا السيد الشيرازي عالم مجتهد وأهل للتقليد. لقد كان (رضوان الله عليه) كما جاء في الحديث الشريف: (من يذكركم الله رؤيته ويزيد في علمكم منطقه ويرغبكم في الآخرة عمله). إن النظر إلى الملوك والسلاطين يذكر الإنسان بالفراعنة الذين لم يكن لهم همٌّ سوى الدنيا وزخارفها ومباهجها، ولكن النظر إلى علماء الدين الصالحين هو الذي يذكر بالله والأنبياء والأولياء. وهكذا كان الإمام الشيرازي (نور الله ضريحه) فإذا نظرت إليه انشغل بك إلى عالم الأنوار والمعنويات، فكدت أن لا تصرف النظر عنه. وإذا تحدث إليك دخل حديثه في قلبك بسرعة، لأن الكلام إذا كان من القلب دخل في القلب وإذا كان من اللسان لا يتجاوز الآذان. كان الشباب يتوافدن إلى داره المتواضعة في مدينة قم المقدسة فكان يشملهم برعايته وعنايته ويستقبلهم بالابتسامة الأبوية الهادئة التي ما كانت تفارق شفتيه، وأول سؤال يطرحه عليهم: هل أنتم متزوجون؟ فإذا قالوا: نعم، قال: جيد جداً، وإن قالوا: كلا، قال: لماذا؟ ألستم تعلمون أن النكاح سنة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)؟!. ألستم تعلمون أن العزوبة مكروهة في الإسلام، بالإضافة إلى أنها تمهد الأرضية للأمراض الجنسية والنفسية؟!. فكانوا يتذرعون ذلك بوجود المشاكل التي تحول دون الزواج فكان (رضوان الله عليه) يوصيهم باستصغار المشاكل واستسهال الأمور وانتهاج البساطة في الزواج حتى لا يعوقه عائق أو مانع، ثم كان يوصيهم بوصاياه الخمسة، ويعدها بأصابع يده الكريمة فيقول لهم: أوصيكم بخمسة أمور احفظوها عني تأملوها جيداً. الأول: التقوى، يقول الله تعالى: (فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ). الثاني: الأخلاق، يقول الله تعالى لرسوله المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم): (وإنك لعلى خلق عظيم). وقال النبي الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم): ( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق). الثالث: تأسيس المؤسسات الاجتماعية من دينية - كالمكتبات العامة والمساجد والحسينيات والمراكز الإسلامية - وصحية كالمستوصفات الخيرية، وغيرها. الرابع: قضاء حوائج الناس وبذل الخدمة لحل مشاكلهم وإصلاح أمورهم وشؤونهم. الخامس: التأليف والكتابة في مختلف القضايا الإسلامية. ثم يقول لهم: هل حفظتم هذه الأمور الخمسة؟ هل ترسخت في أذهانكم؟ ماذا قلنا؟ ويبدأ فيكرر هذه الأمور الخمسة ويشجعهم عليها ويرغبهم فيها. وذات يوم جاءه أحد الشبان فسأله الإمام الشيرازي: هل أنت متزوج؟ قال: نعم تزوجت بأمركم، لقد زرتكم في المرة السابقة فأمرتموني بالزواج، والآن زرتكم وأنا متزوج. وعندما كان يزوره العلماء والخطباء كان يشجعهم على الكتابة والتأليف ويقول لهم: لا بد أن ينتهي عمر الإنسان وإن ذكر الإنسان يبقى بما يتركه من بعده، فيا حبذا أن تكون ورقة العلم هي الباقية بعد الإنسان. وأنا شخصياً طالما شجعني على التأليف والكتابة، وأتذكر أن أول كتاب فرغت من تأليفه كان اسمه: النظام القضائي في الإسلام، فقدمته إليه وطلبت منه أن يبارك كتابي بكتابة مقدمة له، فلبى الطلب بكل لطف وتواضع، وصدرت الكتاب بتلك الكلمة الطيبة. وكان كلما صدر لي كتاب قدمته له، فاستقبله بالترحيب والتشجيع وطالبني بالمزيد من الكتابة والتأليف. وكان (أعلى الله مقامه) قليل النوم، كثير العمل.. لقد زرته ذات يوم قبيل الظهر فرأيته منهكاً وقد بدا عليه الجهد والتعب فقلت له: سيدنا قد بدا عليكم التعب. قال: أنا منذ الساعة الثالثة والنصف صباحاً مشغول بواجباتي وأعمالي حتى الآن، فمن الطبيعي أن يبدو علي التعب.. قلت له: ألا تشربون العسل؟ إنه يقوي الفكر والأعصاب وينشط الجسم. فتبسم وقال: إن أعمال ومسؤولياتي كثيرة وهي التي تجهدني، والعسل لا يحل المشكلة. قلت: قد يساعد بعض الشيء. قال: إن شاء الله تعالى. ومرة قال لبعض زواره: نحن لا نريد المرجعية الدينية للدنيا والرئاسة بل نريدها لتكون وسيلة لخدمة الإسلام ونشر الدين في مختلف بقاع العالم. وكان (رضوان الله عليه) يستصغر أعماله وإنجازاته، بالرغم من عظمتها.. وطالما سمعت العلماء يمدحونه ويبدون إعجابهم بشخصيته وتأليفاته وإنجازاته.. فيجيبهم بقوله: هذا لطفكم وحسن ظنكم. ومرة قال له أحد العلماء - وأنا موجود عنده -: لقد عاصرت العلماء وشاهدت مراجع التقليد فلم أر نظيراً لكم في سعة المعلومات واستحضار الأدلة والقواعد الشرعية وحسن الخلق وحسن الاستقبال وغير ذلك. فابتسم قائلاً: هذا لطفكم. ومرة جاء إلي أحد الشبان وقد رسم صورة الإمام الشيرازي وإلى جانبه بعض القيود والسلاسل المتقطعة وبعض الناس المتحررين من هذه القيود والسلاسل، وكانت الصورة تعبر عن دور الإمام الشيرازي في تحرير الناس من قيود الجهل والضلال والباطل، فذكرت ذلك له (رضوان الله عليه) فرد علي قائلاً: ذاك هو الإمام المهدي(عليه السلام) الذي تعقد به الآمال لخلاص العالم وتحرير الناس. وأما عن عفوه وسماحته ورحابة صدره فحدث ولا حرج، واذكر لكم قضية واحدة مما حدث لي معه.. لقد جاءني أحد الشبان في الكويت - ذات يوم - وقال لي: أريد أن أحملك رسالة شفوية إلى الإمام الشيرازي. قلت له: وما هي؟ تفضل. قال: قل له يعفو عني، ويبرأ ذمتي ويجعلني في حل مما قد صدر مني تجاهه من الغيبة والتهمة. قلت: كيف؟ قال: لقد خدعوني، لقد كنت مغفلاً، كنت في خطأ كبير، لقد قالوا لي: إن السيد الشيرازي عميل وعلى علاقة بالمخابرات الأجنبية وصدقت هذا الخبر، وخلال عشر سنوات كنت أبث هذه الأكذوبة وأنشرها بين الناس. والآن.. انتبهت من الغفلة، وعلمت مدى المعصية الكبيرة التي ارتكبتها بحق هذا السيد المظلوم، وأن القائلين كانوا من عناصر بعض الأحزاب المتلبسة باسم الدين والذين يعملون بقاعدة: (الغاية تبرر الوسيلة) وأنهم كانوا يحاربون هذا السيد الجليل بسبب مواقفه الدينية البطولية وخاصة في حقل الشعائر الحسينية. قلت له: إن شاء الله تعالى، ولكن إعلم مسبقاً أن سماحة السيد معروف بالعفو والتسامح ورحابة الصدر. قال: ومع ذلك أريد أن يعفو عني بالذات. قلت: حسناً. ولما سافرت إلى إيران - وزرت الإمام الشيرازي (أعلى الله مقامه) في داره المتواضعة في قم - تذكرت رسالة هذا الشاب، فقلت له: سيدنا إن شاباً في الكويت يسألكم العفو والمغفرة لأنه قد اغتابكم.. فلم يمهلني هذا المرجع العظيم أن أواصل حديثي، بل قاطعني وقال: مشيراً بيده اليمنى الكريمة: لا بأس، لقد عفوت عنه. سبحان الله! ما هذا الخلق العظيم؟! ما هذه النفسية الشفافة؟! ما هذه الروح الطاهرة؟! ما هذا الصدر الرحب؟!. نعم.. إن أخلاق هذا المجتهد المجاهد تذكرنا بأخلاق جده النبي المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم) عندما عفى عن أهل مكة وقال لهم: اذهبوا فأنتم الطلقاء. وتذكرنا بأخلاق جده المرتضى الإمام علي أمير المؤمنين (عليه السلام) عندما عفى عن أهل البصرة الذين حاربوه وقاتلوه، فمن عليهم كما من رسول الله على أهل مكة. وقديماً قال الشاعر: ملكنا فكان العفو منا سجية ولما ملكتم سال بالدم ابطح فحسبكم هذا التفاوت بيننا وكــــل إناء بالذي فيه ينضح وفي الختام.. أيها القارئ الكريم: هذه سطور متواضعة وكلمات متصاغرة عن شخصية الإمام الشيرازي (طاب ثراه) كتبتها على وجه السرعة استجابة لطلب ابن عمنا العزيز شاعر أهل البيت G الأديب الفاضل الكامل السيد محمد رضا القزويني (حفظه الله تعالى) وأداءً لبعض ما للإمام الراحل العظيم علي من الحقوق التي أنا عاجز عن أدائها، فهو أستاذي الأكبر بالإضافة إلى أنه خالي الأعز الذي أفتخر به والذي رباني بعلمه وعمله وأخلاقه وإيمانه وفضله ولطفه وعنايته ورعايته. فسلام الله عليك يا أبا الرضا... فلقد عشت سعيداً ومضيت حميداً، وبكاك أهل السماء والأرض فقيداً. سلام الله عليك يا أبا المرتضى.. فلقد كنت مصباحاً للهدى ومناراً للتقى وقدوة لأولي النهى. سلام الله عليك يا أبا جعفر .. فلقد أمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر. سلام الله عليك يا أبا علي فلقد كنت علياً، وعشت علياً، وسوف تبقى علياً. سلام الله عليك يا أبا الحسين.. يا شبل الحسين، يا نور الحسين، يا مجدد عزاء الحسين (عليه السلام). سلام الله عليك ما بقي الليل والنهار. وهيهات أن تنسى.
26- شعبان-1423
|