رجوع

صفحة الريئسية

 

 

يوم حزين على المسلمين وخسارة كبيرة للإسلام

 


بسم الله الرحمن الرحيم

في الذكرى الأولى لرحيل الإمام الشيرازي(قدس سره)

في الثاني من شهر شوال من هذه السنة تكون قد مرت سنة كاملة على رحيل المرجع الإسلامي الكبير آية الله العظمى الإمام السيد محمد الحسيني الشيرازي(قدس سره الشريف).

تمر علينا هذه الذكرى الأليمة والعالم الإسلامي بشكل عام والعراق بشكل خاص بأدق الظروف وأكثرها حساسية، ويعيشان مرحلة غاية في الخطورة، في واقع أجواء ومعطيات سياسية تشير إلى احتمال حدوث أحداث سيكون لها انعكاسات شديدة الأهمية على الشعب العراقي وعموم المنطقة الإسلامية.

في ظل هذا كله، يزداد إحساسنا بخسارتنا الكبيرة للراحل الجليل، ويزداد شعورنا بفقدانه عمقا واتساعا.

لقد تقاسمت كل من المهمة الأخطر، مهمة قيادة المرجعية الدينية، والهم الأكبر، وهو العمل على إنقاذ وتخليص الشعب العراقي من براثن اعتى طبقة مستبدة عرفها تأريخ البشرية، تقاسما حياته الحافلة الطويلة والصعبة.

لقد عمل الإمام الفقيد على إعادة الثقة بالمرجعية الدينية من جديد، رغم كل المصائب والمحن والكوارث التي جرت عليها، ورغم كل ما فعله الطغاة المستبدون من محاولات إجرامية لفصم عرى علاقتها الأبدية بالجماهير المؤمنة، وأعادها سماحته كما كانت من قبل؛ كونها الملجأ الذي يلوذ به الناس وقت الشدائد, والبوصلة الأمنية التي تدلهم على جادة الطريق المستقيم بعدما حاول المستبدون عبثاً محو معالمه، ورفع كل ما يشير إليه ويدل عليه، لم يكتف الإمام بذلك، بل انه وبرؤاه وأفكاره النيرة التي عبّر عنها بأحاديثه وأقواله وكتبه التي تجاوزت المئات وفي مختلف العلوم والاتجاهات صارت المرجعية تسير بخطوات موازية وثابتة ورصينة مع كل ما يحصل من تطور في العلوم، وما يحدث من تقدم في مجالات الحياة المختلفة، فأضحت تحت قيادته أكثر احتراماً وأعز مقاماً، وأقوى انسجاماً مع روح العصر و أكثر قرباً و إقناعا للعقل البشري، ليس من قبل مقلديها من المسلمين الشيعة فحسب، ولا من باقي أتباع المذاهب الإسلامية الأخرى ايضاً، ولكن ممن عرفوا بعدائهم للإسلام والمسلمين، شرقيين كانوا أم غربيين فأخذوا يحسبون لها حسابها، ويعطونها الأهمية التي تستحقها، لما صارت من قوة تأثير لا مثيل لها، في نفوس وعقول شبابها وشيوخها، نسائها و رجالها، وحتى الرضع من صغارها.

نعم لقد حمل الإمام الراحل العزيز تلك المهمة على كاهله بكل أمانة وإخلاص وتفان وكفاءة ومقدرة، ولم تكن تلك المكانة التي تبوأها وسيلة استعملها لأجل الحصول على امتيازات نفعية بها على حساب المسلمين، ولا لغرض الوصول إلى جاه يتمتع به دون سواه من العالمين. فما كان بحاجة إلى تلك أو ذلك فلم يكن من طلاب الدنيا الباحثين عن حقها أو الراكضين وراء أضوائها. فلقد كان (أعلى الله درجاته)، التلميذ الوفي الأمين، لمدرسة أجداده الطيبين الطاهرين، مدرسة أهل بيت النبوة والرحمة للناس أجمعين، والمقتفي لأثرهم والماشي على دربهم، والسالك لسبيلهم.

فكان العالم، العابد، الناسك، المحب للناس كل الناس من أي لون كانوا أو من أي جنس صاروا، وحتى لأي دين دانوا، فقلبه الكبير لم يكن يسع شيعته فقط ولا المسلمين فحسب، بل وكل إنسان في أي مكان كان وفي أي بلد من البلدان أيمانا وإقتداء أو سيراً على القاعدة الإسلامية العلوية في الإخوة الإنسانية التي تقول( الناس صنفان، إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق).

وعلى الرغم من ان قلبه الكبير قد حمل ومنذ ان كان فتى صغير، هم وطنه العراق وكرس له كل وقته وجهده على امتداد عمره الحافل الطويل، إلا أنه لم ينقطع عن التفكير ولو للحظة واحدة، في حال ومصير المسلمين في عموم البلاد الإسلامية من أقصى الأرض لأدناها، وظل يعمل لبناء وإقامة مشروعه النهضوي لهذه الأمة، من اجل قيام دولة المليار مسلم، وتأسيس الحكومة الإسلامية الواحدة.

واليوم ونحن نعيش أيام هذه الخسارة الكبيرة والفاجعة الأليمة وهذا المصاب الجلل لا نملك ما نقدمه إلى روح ذلك العالم المعلم والإنسان الكبير والأب الرحيم والقائد المجاهد والمرجع الأمين، نعم ليس لدينا من شيء يفي ولو جزء بسيط من دينه العظيم الذي له في أعناقنا، ووفاء للذاكرة العطرة، غير أن نعاهد الله سبحانه وتعالى وروحه الطاهرة، من اننا سنبقى التلاميذ الأوفياء في مدرسته العامرة، والجنود الأمناء على مسيرته الطاهرة، التي بدأها، مواصلين السير على الدرب الذي دلنا عليه رغم وعورته وقلة سالكيه، متزودين من أفكاره النيرة، ما يؤنس وحشتنا فيه.

وتأكيدا منا على ان لا يكون وفاؤنا لذكراه، ان نرثيه ونبكيه فقط، نعم سنبكيه بصمت الرجال الصابرين المؤمنين، ولكن وفاءنا له، هو ان نتمسك بافكاره ونسلك نهجه ونجسد القيم التي دعا اليها. وان نعمل لأجل تحقيق طموحاته الحضارية والنهضوية، إن شاء الله تعالى.

فسلام الله على روحه الطاهرة، ورحمة الله تعالى وبركاته وألهمنا وأهل بيته وتلاميذه وكل مقلديه ومحبيه والمسلمين كافة الصبر على فراقه الحزين.

وإنا لله وإنا إليه راجعون.

 

مركز الأمام الشيرازي للبحوث والدراسات

مؤسسة الامام الشيرازي العالمية