الفهرس

 

 

الصفحة الرئيسية

 

هكذا يرحل الكبار.. ولكن!!

 

   

كتب: نبيل عبد الكريم

هكذا رحل الإمام الشيرازي رضوان الله تعالى عليه وترك الملايين من مريديه وأحبته والمتعلقين بخطه ونهجه في وجوم الفجيعة ودهماء الكارثة، كأنه بذلك يستعيد مشهد الفاجعة التي حلت بالأمة الإسلامية يوم رحل القائد النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن هذه الدنيا، وكذلك هم العظماء والكبار في التاريخ يرحلون عن الدنيا لكنهم يتركون فراغا كبيرا وثلمة في جدار الإسلام ومنظومة فكر رباني لا يسدها إلا الفقهاء الأفذاذ والقادة الكبار الذين يحملون قبسات النور المحمدي بأيديهم ويضيؤون بأفكارهم ومشاريعهم الكبيرة ليل الأمة البهيم وظلام الشعوب الإسلامية التي تعيش المحنة والكارثة بغياب هؤلاء الكبار.

هكذا رحل الإمام الشيرازي قدس سره والتحديات تحوط الأمة الإسلامية من كل جانب، وهي تحديات عاش الإمام عمره الشريف في أعماقها، يدافع عن حريم الأمة ويدفع عنها الأذى ويقف إلى جانبها ويلهمها القوة والمنعة في مواجهة الاخطار المحدقة بها وبمكانتها في الحياة والعالم وحركة التاريخ.

برحيله تفتقد الأمة الإسلامية واحدا من أفذاذ حركتها الإسلامية في فلسطين حيث يخوض هذا الشعب المجاهد آخر فصول معركة الاستقلال والكرامة والحرية في مواجهة مشروع الاحتلال، كأن ساحات نابلس ورام الله والقدس والجليل وغزة تشارك ملايين المشيعين في مراسم رحيل هذا الإمام المجاهد، تبكيه بدموع من دم وتحمل نعشه المبارك كما حملت نعوش شهدائها وأبرارها الذين رحلوا عن الدنيا وهم يدافعون عن الحق ويدفعون الأذى عن كيان الإسلام ووجوده ويرسمون بدمهم وتضحياتهم ابجدية الإسلام وخارطة دوره العالمي القادم.

فقبل اكثر من أربعين سنة كان الإمام الراحل رضوان الله تعالى عليه يحذر من المؤامرة الصهيونية على الشعب الفلسطيني ويميط اللثام عن مشروع الاغتصاب وضم القدس وتحويل أولى القبلتين وثالث الحرمين إلى كيان مغلق على الصهيونية، ولعل كتابه »هؤلاء اليهود« سيتحول إلى منشور سياسي وحضاري وديني سري يتداوله الملايين من أبناء الشعب الفلسطيني ومحيط من ملايين أبناء الأمة الإسلامية جمعاء، يكشف فيه الإمام الراحل جذور المشروع العدواني والإرهابي الصهيوني ويجدد للامة سبل مواجهتها لهذا الخطر الدولي ومرتكزات تطلعاتها وأهدافها الاستراتيجية في الحرية والاستقلال الحقيقي.

قبل أكثر من أربعين عاما طرح الإمام حلول الإسلام للداء الصهيوني في فلسطين ووضع القضية الفلسطينية في قلب اهتمامات الأمة ومؤسساتها المرجعية والسياسية وطالبها بمؤسساتها هذه ضرورة تشكيل المصدات الحقيقية القادرة على مواجهة أخطار العدوان وفي ذات الوقت أن لا تتنازل عن شبر واحد من تراثها وتاريخها وعلاقاتها الأبدية بفلسطين والقدس ومكانتهما القرآنية والإيمانية في حركة الإسلام ومشروعه الحضاري.

وهاهي الحركة الإسلامية والوطنية في فلسطين تدرك منابع الفكر الحضاري التحرري الذي اسهم الإمام قدس سره في صياغته وتأسيسه وبلورته، واليوم أدركت فقط ما كان يدعو له الإمام من ضرورة اتباع منهج »اللاعنف« في المقاومة، عندما أعلنت »الجهاد« و»حماس« وقفهما للعمليات الاستشهادية، ليس إلا لأن ضررها غدا أكبر من نفعها في الوقت الحاضر، إذ تؤمن غطاء دوليا لإسرائيل لاستباحة دماء الشعب الفلسطيني الأعزل. فالإمام في كل ما كتبه وحذر منه ومن مخاطره كان يهدف إلى المحافظة على دماء الشعب المسلم في فلسطين مع قيام خيار هذا الشعب ودولته الإسلامية الوطنية بعيداً عن شرور العدوان الصهيوني وإرهابه.

بوفاة الإمام الشيرازي قدس سره يكون فكر الحرية والاستقلال والزعامة الوطنية قد خسر واحدا من ابرز المحرضين على استعادته واستلهامه، ويكون قد خسر زعيماً وطنيا ارتبط بالقضية الفلسطينية مثلما يرتبط بها ابن فلسطين المقموع في نابلس والآخر القتيل في رام الله وأولئك الذين يبلورون خط الحرية بدمهم في مراكز ومؤسسات العدو الصهيوني.

إن وفاة الإمام الشيرازي قدس سره اعطت للقضية الإسلامية الفلسطينية بعداً استراتيجياً متميزاً وهي تخترق المؤامرة الدولية وتقاتل لوحدها من أجل كرامة مقدساتها وشعبها، ونعتقد ان الإمام الشيرازي برحيله المقدس هذا انما حقق ما اراد في كتاباته ودعواته السياسية وهو يرى القضية الفلسطينية وقد دولت بشكل سافر ويراد لها ان تعيش واقع السياسة الدولية اكثر مما تعيش واقع الإسلام وحركتها الوطنية، لقد حقق الإمام معنى أن تكون القضية في فلسطين اسلامية الهدف والنهج والخطاب والتوجه وان يكون دعاة الإسلام من الاحرار والمجاهدين والابرار هم الذين يتصدون لمشروع حركيتها. ولعل الانتفاضة الوطنية التي اندلعت قبل خمسة عشر شهرا واحدة من النتائج الحقيقية لاسهامات الإمام وتراث العمل على تحرير الارض والانسان. ولو أن الانتفاضة كان قد صحبها منذ البداية مزيد من التعقّل والإدراك لمقومات الانتصار البعيدة عن العنف لكانت قد حققت نتائج باهرة جدا على صعيد استجماع التأييد الدولي لدحر الكيان الصهيوني وإنهاء وجوده.

من جهة أخرى تحولت كتابات ودعوات الإمام لاقامة دولة المليار مسلم في العالم التي طرحها في مجمل مؤلفاته ومشاريعه إلى خيارات استراتيجية للشعوب الإسلامية، فالإمام رحل عن هذه الدنيا وفي عينيه حلم اقامة هذه الدولة الانسانية العريضة العادلة وكان إلى الايام الاخيرة من حياته الشريفة يحث على استباق الخطى من أجل اقامة هذا الخيار لعلمه انه الخيار المنقذ من سطوة الغرب ومشروعه الحضاري الاستلابي الذي احال الأمة إلى امم والكتلة الإسلامية الواحدة إلى كتل، ولعل الوعي الحضاري والسياسي الذي تبلور في حواضر الأمة ومنتدياتها ومراكزها وشعوبها وضرورة الرجوع إلى منابع الإسلام هو من نتائج النظرية السياسية الشوروية والثقافة الإسلامية العريضة التي افنى الإمام حياته الشريفة من أجلها، ان هذا الوعي لم يكن له ان يتبلور لولا كثافة الجهد الإسلامي الكبير الذي بذله الإمام منذ اكثر من اربعين عاماً، وهي فترة زمنية كافية لتحديد عناوين الصراع مع المشروع الصهيوني وقادرة على ترسيم استراتيجية الخيار السياسي الإسلامي الوطني بالتحرير واعداد الشخصية الإسلامية القوية بدينها واسلامها وشريعتها الإسلامية.

الإمام الشيرازي من القادة والمرجعيات الدينية التي كانت تعمل من موقع استنهاض المشروع النهضوي الإسلامي الكامن في وجدان الأمة وشعورها وكيانها ووجودها من اقصى طنجة إلى اقصى جاكرتا. وفي الوقت الذي كانت قلة من المرجعيات الدينية تشتغل في حقل الاهتمام والعناية بشؤون الأمة كان الإمام يمارس دوره الشرعي والتاريخي، ولم يكن الإمام ليمارس هذا الدور من موقع الفتوى والارشاد الديني وحسب بل كان يتطلع بجميع الوسائل المتاحة لانتاج او اعادة انتاج المجتمع الإسلامي القادر على تحمل مسؤوليات العمل بنظرية الإسلام، كان يكتب قصص الاطفال وكتابة النصوص المسرحية ويقيم الهيئات والمؤسسات والمشاريع الاجتماعية والثقافية لأجل هذا الهدف الكبير في ستينات القرن الماضي.

تلك الممارسة النبوية الرسولية المحمدية الحسينية لم ينطلق الإمام الشيرازي طيلة حياته الشريفة في بلورتها واعادة انتاجها بوحي من دافع أسري او مرجعي او ديني صرف، كان الإمام ابعد ما يكون عن هذه الاهداف رغم ان تاريخ الاسرة الشيرازية وتراثها الفقهي والثوري والسياسي تاريخ كبير وسجل حافل بالانجازات والمشاريع والمواقف الكبيرة. فالميرزا الشيرازي كان صاحب اشهر فتوى اسلامية على الاطلاق حين وقف ضد ناصر الدين شاه وقراره باعطاء ترخيص زراعة التنباك في ايران لصالح احدى الشركات البريطانية، ومارس هذا المرجع الإسلامي والتاريخي الكبير اقوى الادوار وامضاها في سبيل عزة الأمة وسؤددها وخيارها السياسي والديني في الحياة الإسلامية، ولم تزل تلك الفتوى الشرعية الشهيرة ناقوسا مهما يدق في اعماق حركة التاريخ يلهم الاجيال الإسلامية القوة والمنعة والحصانة من أية محاولة تستهدف وجودها وحياتها. ولعل جزء كبيرا من اسلامية الشعب الايرانية وقدرته على مواجهة أساليب القهر والاستعباد والاستبداد والاستغلال والخروج من ازمات الانظمة العدوانية وعلاقته بالمرجعية الدينية يعود إلى التربية الإسلامية والعقائدية والحضارية التي ارسى جذورها الميرزا الشيرازي وثورته اوائل القرن الماضي.

واذا كان هذا المرجع الإسلامي الكبير على هذه الدرجة الرفيعة والمنزلة الأرفع في تاريخ الاستقلال الإسلامي والتحرر من هيمنة الاستعمار والتبعية والخنوع للاجنبي فان الشيخ محمد تقي الشيرازي قائد ثورة العشرين وزعيم اول دولة وطنية هو واحد من الزعامات التاريخية التي خرّجتها العائلة الشيرازية في سياق حركة الأمة وهي تواجه اخطار الاستعمار والتغريب والهيمنة، وقد تحول هذان المرجعان العظيمان إلى قاعدة ارتكازية اسلامية لأية محاولة مرجعية تستهدف انتشال الأمة من وهدة السقوط والانهيار امام احلام الحركة الاستعمارية في المنطقة العربية والإسلامية.

ورغم وجود هذه الثروة الكبيرة وتركيبتها الرجالية والفقهية والحركية والسياسية التي انتجتها هذه الاسرة وما قامت به خلال قرن من الزمان وتأثيرات تلك المدرسة الإسلامية المميزة، لكن الإمام الشيرازي لم ينطلق بناء على نفوذ العائلة ودورها الحضاري والسياسي في الأمة بل اشتغل هذا الفقيه الإسلامي الكبير من مجاله الذاتي وثروته الفكرية وحسه الحركي والحضاري ودخل مجالات الحياة كلها بوحي من تصوره الخاص للحرية والشورى والأمة والمعارضة والدولة الإسلامية العالمية وكيفية انقاذ شعوبنا العربية والإسلامية من وهدة الهيمنة والاستلاب. والمتتبع لتاريخ الممارسة الفقهية والفكرية والسياسية للامام الشيرازي قدس سره يكتشف تلك الذاتية المتنورة والخصوصية الشخصية والتفرد في كل مزايا القيادة والتوجه والخطية ايمانا من الإمام ان التمايز هو المسؤول عن حضور النظرية الحركية وسيادتها واستمرارها وان الفعل الشخصي كفيل بوحدة مزايا الاسرة العلمية الشيرازية وهي تقود الصراع العام في مواجهة احابيل المؤامرات والفتن السياسية والعقائدية. كما ان الاعتماد على النفس سيؤسس حركية حضارية تتناسب وجوهر الحركة التاريخية وكفاح شعوبنا الإسلامية مثلما يؤسس جانبا مهما من جوانب قوة الشخصية الإسلامية الحقيقية لهذه الاسرة التي نذرت نفسها من اجل خدمة المشروع الحضاري الإسلامي والدفاع عن نشأة الأمة ومستقبلها وحريتها.

كان لابد ان يرحل الإمام وفق قوانين قضاء الله تعالى وقدره ولابد أن تأتي تلك الساعة التي ينهار فيها قلب المخلص لمشروع هذا الفقيه الكبير مثلما تنهار الدموع على فقده بعد جهاد طويل وكفاح مرير وجهد قلما وجد نظير له في عالم البحث عن الصياغة الجديدة للاسلام والحياة والعالم.

لقد قيل الكثير عن اسباب وفاة المرجع الاعلى للشيعة في العالم وقائد مشروع دولة المليار مسلم، لكن ما هي القصة الحقيقية لوفاة هذا المرجع؟

يقول أحد المقربين من العائلة المجاهدة ان الإمام الراحل دلف إلى بيته المتواضع بعد الانتهاء من محاضرة كان القاها ليلة عيد الفطر المبارك على مجموعة من النساء، وحين أراد ان يجلس ويستريح حدث تطور سيئ في صحته وبشكل مفاجئ ودون ظهور أي أعراض سابقة، وفي الحال حضر أبناؤه وكان إلى جانبه شقيقه آية الله العظمى السيد صادق الشيرازي الذي امسك بيد الإمام وضغط عليها علّه يستفهم من الإمام ما يعاني فيما الجميع مذهولون لهذا التطور المفاجئ في صحة الإمام.

نقل الإمام قدس سره مباشرة بسيارة إسعاف إلى مستشفى السيد الكلبايكاني في مدينة قم، هناك وبعد المباشرة بالفحوص الطبية السريرية السريعة تبين ان الإمام كان اصيب بجلطة دماغية وهو في الطريق إلى المستشفى، ادخل الإمام اثر ذلك في غرفة العناية المشددة وقد زاره في تلك الأثناء آية الله العظمى الشيخ حسين الوحيد الخراساني وجمع كبير من علماء الحوزة. ثم بدت بعض علامات التحسن على حالته الصحية، إلا أن أحد الأطباء حقنه بحقنة في وقت متأخر من الليل! بعد ذلك ساءت حالة الإمام وتدهورت إلى أن نتج عنها سكتة قلبية مفاجئة كانت الأولى، وقد استُخدِمت الصدمات الكهربائية لإعادة الحياة لقلبه الكبير، ولكن وبعد لحظات حدثت السكتة الثانية التي فارق الإمام جراءها الحياة.. وبعدها تمت تغطية رأسه الشريف بعلم أبي عبد الله الحسين عليه السلام ذي اللون الأحمر والذي كان مرفوعا فوق قبته المقدسة في كربلاء.

في خارج محيط المستشفى وحال سماع الخبر ضجت الجماهير المحتشدة بالبكاء والعويل، نقل الإمام إلى بيته وهناك تم تغسيل الجسد الطاهر وتكفينه من قبل شقيقه آية الله العظمى السيد الصادق الشيرازي، وقامت الوفود والمشيعيون الذين احتشدوا على دارة الإمام وهم بالآلاف بنقل جثمانه المقدس على الأكف وتشييعه حول حرم سليلة الهاشميين السيدة المعصومة صلوات الله عليها في مراسم جماهيرية ضخمة لم تشهد لها قم مثيلا منذ أكثر من أربعين عاما عندما توفي المرجع الراحل السيد البروجردي رحمه الله. ثم قام المشيعون بإرجاع الإمام لدفنه في بيته بناء على وصيته..

ولكن!!

ما الذي حدث بعد ذلك وغيّب وصية الإمام بدفنه في بيته؟

هذا ما ستكشفه (لكن) في حينه.

 

   

أعلى