الفهرس

 

 

الصفحة الرئيسية

 

كلماته الأخيرة

 

الإمام المظلوم الراحل في آخر خطاب ألقاه:

كلنا سنموت... والموت دربي ودربنا جميعاً!!

 

 

قم المقدسة: خاص:

ترجمة السيد محمد القزويني

حتى آخر لحظة من حياته الشريفة، كان الإمام المظلوم الراحل يوصي المؤمنين والمؤمنات بوصاياه الخيّرة العظيمة، ويدفعهم إلى الصحوة الإيمانية ويحثهم على التقوى وطاعة أوامر الله تعالى والإقدام على نشر تراث أهل بيت النبوة صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين لترفل رايتهم على أعلى قمم العالم.

وهذا نص الخطاب الذي ألقاه الإمام - أعلى الله مقامه - على الفاعليات النسوية الناشطة في مدينة قم المقدسة في آخر ليلة من حياته التي صادفت ليلة عيد الفطر، حيث ذكرهن بالموت وكان الحديث حوله آخر الكلمات التي قالها قبل أقل من نصف ساعة على إصابته بغيبوبة الرحيل وعروج روحه الطاهرة إلى الملكوت الأعلى:

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.

 

التقوى

أيتها الأخوات المؤمنات.. كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على عظمته يخاف الله، وكذلك كان أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام حيث كان يُغشى عليه من شدة خوفه من الله عز وجل. هل غشي على أحدكن من شدة الخوف في مرة من المرات؟ هكذا كان أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام في خوفه من الله تبارك وتعالى.

وكما نعلم فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان قد أُعرِج به في السنة الثالثة من البعثة، وذلك حسب ما جاء في قوله تعالى: »سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله«.. هذا المسجد الأقصى الذي يقتل اليهود الغاصبون فيه اليوم عشرات الأبرياء!

المهم في كلامنا أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عاش بعد حادثة المعراج عشرين عاما، والروايات تخبرنا بأنه لم يُرَ ضاحكا بعدها أبدا، كان يبتسم فقط عند الضرورة، وكان كمن فُجِع بابنه فلا يضحك بل يبتسم فقط وفي أحيان نادرة. أتعلمون لماذا؟ لأنه صلى الله عليه وآله وسلم رأى في معراجه نار جهنم وأهوالها، فانقبضت نفسه منذ ذلك الحين!

هذا وهو رسول الله الأعظم الذي ليس هناك في المخلوقات من هو أشرف منه وأتقى منه، والنار محرمة عليه وعلى أهل بيته الطاهرين والمؤمنين بهم.. إلا أنه مع كل ذلك كان يخاف الله تعالى. فماذا نقول عن أنفسنا نحن؟!

إن من معاني التقوى الخوف الدائم من الله عز وجل، أن تخاف العين والأذن ويخاف اللسان واليد والرجل وكل الحواس والأعضاء من رهبته جل وعلا، بشكل دائم ومستمر، هذا من معاني التقوى. والذي يستمع للغناء أو الذي نظر إلى ما حرّم الله أو الذي يكذب، أو المرأة المتبرجة أو السافرة.. هؤلاء لا يخافون الله وليس لهم من التقوى حظ أو نصيب.

والتقوى - أيتها الأخوات المؤمنات - لا تنفع الإنسان في الآخرة فقط، بل تنفعه في الدنيا أيضا، حتى في الموارد المادية. فمثلا نحن نجد أن أصحاب الشركات والمصانع ورجال الأعمال، حتى ولو كانوا غير متدينين، إلا أنهم يبحثون عن الرجل التقي والمرأة التقية للتوظيف. إنهم لا يريدون رجلا غير تقي، لأن غير التقي يكون غير أمينا ويمكن أن يسرقهم وعلى أقل التقادير فإنه يكون غير أمين وغير مخلص في عمله، وهم لا يريدون ذلك. لذا فالإنسان التقي يحصل على فرص وظيفية في الحياة الدنيا أكثر من غيره، هذا عدا عن البركات الإلهية التي يحوز عليها في سائر مجالات الحياة.

فعليكن أيتها الأخوات بالتقوى، وعلى الإنسان أن يراقب أعضاءه وحواسه ويخاف الله ويدرك أنه يراه دائما وأبدا.

لقد جاء أعرابي إلى النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم فسأله عن الإسلام، فقال له النبي صلى الله عليه وآله ما مضمونه: »أن تقول الشهادتين«. فنطق بهما الرجل، ثم سأله: ثم ماذا؟ فأجاب صلى الله عليه وآله: »أن تتعلم القرآن«. فقال الرجل: كيف؟ فالتفت النبي إلى أحد أصحابه وأمره بأن يعلمه القرآن، فبدأ ذلك الصاحب بتعليمه سورة الزلزلة، فلما وصل إلى الآية »فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره« نهض ذلك الأعرابي وهمّ بالرحيل، فقال له: إلى أين يا هذا؟ هذه سورة صغيرة من القرآن والقرآن فيه سور كثيرة ولم أعلمها إياك بعد؟! فقال الأعرابي: هذه الآية تكفيني وقد عرفت منها كل شيء.

نعم علينا أن ندقق في معنى هذه الآية الشريفة، فالذرة كما تعلمن هي ذلك الجسم الصغير الضئيل المتطاير الذي نراه عندما تدخل أشعة الشمس إلى الغرفة. تلك هي الذرة، والله جل وعلا يقول أنه إذا عملتم بهذا المقدار القليل - خيرا أم شرا - فإنكم سترونه وستجدونه مسجلا في صحائف أعمالكم يوم القيامة. وليس ذلك فحسب، فالله عز وجل من صفاته أنه السميع فيسمع كل شيء، والبصير فيبصر كل شيء، والعليم بذات الصدور، وهذه الصفة الأخيرة تعني أن الله تعالى مطلع على ذواتنا وما تضمره أنفسنا من خير أو شر، كل ذلك يطلع الله تعالى عليه. ولذلك نجد في الخبر أنه في يوم القيامة يؤتى بالعبد فيرى في صحيفة أعماله أنه قد عمل العمل الفلاني - سواء كان خيرا أم شرا - فيستغرب ويعترض لأنه لم يعمله ولم يقدم عليه، فيأتيه النداء انك قد نويت فعله وتمنيته ولكن حالت دون ذلك ظروف خارجية لم ترتبط بنيتك، ولذا فنحن كتبناه لك في سجلك.

فلنكن أيتها الأخوات ممن يخاف الله ويراقب أعماله، ولنقترب إليه أكثر بأعمالنا الصالحة وأفعالنا الحسنة، ونحن إذا قمنا بذلك حقا فإننا سنجد السعادة في الدنيا والآخرة، بل وسنجد أن الله تعالى يعطينا قوة إلهية خارقة تمكننا من كل شيء، فقد ورد في الحديث القدسي: »عبدي أطعني.. تقول للشيء كن فيكون«. وأنتم ربما سمعتم بقصة ذلك الرجل الحمّال المدفون الآن في تبريز حيث له ضريح كبير هناك ويقصده الناس لطلب الحوائج.. يا ترى من يكون هذا الرجل البسيط الذي كان مجرد حمّال يحمل الأغراض ويوصلها إلى أصحابها؟

قصته هي هذه: أنه في يوم من الأيام وبينما كان منهمكا في عمله حاملا للأمتعة والأغراض وإذا به يرى الناس مجتمعين في مكان معين، فسأل بعضهم: لماذا أنتم مجتمعون؟ فأشاروا إليه بالنظر إلى الأعلى، فرأى طفلا صغيرا يكاد أن يسقط من أعلى السطح والناس تحاول أن تنقذه دون جدوى لأنه قد انحشر في زاوية ضيقة لا يستطيع أحد الوصول إليها، وهو إذا سقط فسيموت لا محالة أو يصاب بعاهات مستديمة. وما هي إلا لحظات حتى سقط الطفل بالفعل، وأثناء ذلك رفع هذا الرجل الحمّال يده في السماء وأشار إلى الطفل قائلا: »قف مكانك«!! وفجأة توقف الطفل ما بين السماء والأرض، وبدأ ينزل إليها شيئا فشيئا حتى وصل بسلام دون أن يصيبه أي أذى!

واجتمع الناس حول هذا الرجل الحمّال وظنوه صاحب الأمر صلوات الله وسلامه عليه، أو النبي الخضر عليه الصلاة والسلام، ولكنه كان يستغرب منهم ويقول لهم: لست أنا بهذا ولا ذاك، وإنما أنا عبد فقير من عباد الله تعالى كنت قد عاهدته على أن أراقب نفسي وألتزم بالأوامر الإلهية وأنتهي عن النواهي، وهذا عهد بيني وبين ربي، أن أسمع منه ما يقول وأنفذه، ويسمع هو مني بالمقابل. وعندما رأيت الطفل يسقط استجمعت قوتي وقلت له: قف مكانك.. لأني كنت واثقا من أن الله تعالى سيستجيب لإرادتي لأن لم أعصه قط. هذا كل ما في الأمر.

نعم أيتها الأخوات.. التقوى توصلنا إلى هذه النتيجة العظيمة »أن نقول للشيء كن فيكون« بإذن الله تعالى وقدرته ولطفه.

نحن دائما نطلب من الله طلباتنا ونتوقع أن يلبي لنا حوائجنا ولكننا نفعل عكس ما يريده الله تعالى منا وما أمرنا به! فهل هذا أمر عادل؟! وهل هذا أمر صحيح؟!

ذات يوم جاء أحد طغاة ملوك إيران السابقين وهو (نادر شاه) إلى حرم الإمام الرضا عليه الصلاة والسلام للزيارة، فإذا به يشاهد رجلا أعمى يستعطي الناس عند باب الحرم، فسأله الملك: يا هذا.. منذ متى وأنت مصاب بالعمى؟ فقال الرجل: منذ أربعين عاما. ثم سأله: ومنذ متى تقف عند باب الرضا عليه السلام؟ قال: منذ عشرين عاما. فسأله أخيرا: وهل تعرفني؟ فقال الرجل: لا. فقال: أنا نادر شاه الملك! ثم التفت إلى حرسه وقال لهم: إنني سأدخل للزيارة، وسأعود بعد نصف ساعة، فإذا بقي هذا الرجل أعمى إلى ذلك الوقت فاقتلوه!!

ضجّ الرجل وخاف خوفا شديدا ثم سجد على الأرض وأقبل بنية خالصة ودعا الإمام الرضا عليه الصلاة والسلام بأن يعيد له بصره حتى يمتنع الملك عن قتله، وبينما هو كذلك إذ عاد له بصره فجأة! فلما خرج نادر شاه اندهش ثم قال له: ويحك! أنت منذ عشرين سنة هنا ولم تحصل على مرادك إلا الآن! ثم أكرمه الملك وأعطاه أموالا.

نعم أيتها الأخوات الفاضلات.. إن هذا الرجل أقبل إلى الله وإلى الإمام بصدق نية وقلب سليم في تلك اللحظة فقط، وقد كانت نيته غير صافية طوال العشرين سنة التي قضاها، حيث كان يستعطي الناس فقط. فلتكن نوايانا صادقة دائما مصداقا لقوله عز من قائل: »يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم«.

وتمعنَّ أيضا في هذه القصة التي أنقلها إليكم، فقد جاءني أحد الأخوة الكربلائيين هنا قبل سنوات، وقد كان للتو قد هاجر من كربلاء المقدسة ولم يكن له مأوى، قال لي: عندما خرجت من كربلاء وجئت إلى قم كان معي مقدار من المال وأردت به أن أشتري منزلا لي ولعائلتي، ولكنني كلما بحثت في قم لم أجد ما يناسبني، فتوسلت بالسيدة المعصومة عليها الصلاة والسلام مرارا دون جدوى، إلى أن ضاق صدري وذهبت وخاطبتها بلهجة قاسية وذلك لشدة انكساري وحرقة قلبي، وبعدما خرجت من الحرم الشريف إذا بي أجد صديقا يراني فيخبرني بأنه قد وجد لي بيتا بالمواصفات التي أردتها وبالسعر المناسب، فذهبت معه وكان كما وصف لي.

إن هذا الرجل ارتكب خطأ فادحا بلا شك إذ خاطب السيدة صلوات الله عليها بخطاب قاسٍ، ولكنه كان في تلك اللحظة سليم النية صافي القلب، والسيدة من أهل بيت يتجاوزون ويعفون عن المسيئين، ولذلك فقد استجابت له وأعطته مراده في تلك اللحظة حتى يعرف أنه كان فيها فقط صافي النية سليم القلب.

وأنا شخصيا جاءتني إحدى النساء وشكت لي أنها لا تجد زوجا لابنتها لأنها لم تكن مرغوبة، فأوصيتها بالاستغفار يوميا مئة مرة، وكذلك المواظبة على قراءة دعاء (يا من تُحل به ...) الوارد في مفاتيح الجنان عن الإمام السجاد عليه الصلاة والسلام، فتلك الأدعية أيتها الأخوات هي أسرار استجابة الدعاء وقضاء الحاجات، وقد شرطت عليها أن تدعو بها بحرقة قلب وإخلاص في النية، وأن لا تعمل ما يحبط دعاءها ويتسبب في امتناع الله عز وجل عن الاستجابة لها. وما هي إلا أيام قلائل حتى جاءتني وأخبرتني بأن زوجا صالحا ومقتدرا قد تزوج ابنتها وهي تعيش معه الآن بمودة وسلام وراحة يقل نظيرها في الأزواج.

فإذن.. »من كان مع الله كان الله معه«، فلنكن مع الله حتى يكون الله معنا، ولنتمسك بالتقوى. هذا أولا.

 

الأخلاق الحسنة

وأما ثانيا؛ فعليكن أيتها الأخوات الفاضلات أن تكنَّ على درجة عالية من الخلق الحسن، لأن رسولنا العظيم صلى الله عليه وآله وسلم يقول ما معناه: إن صاحب الخلق الحسن مصيره الجنة. والعكس بالعكس، أي أن سيئ الخلق مصيره النار، يوضع فيها مغلولا بسلسلة بطول سبعين ذراعا حتى لا يتمكن من الحركة. فهل نريد لأنفسنا أن نكون كذلك والعياذ بالله؟!

إن الله عز وجل قال لموسى عليه الصلاة والسلام قبل حوالي أربعة آلاف سنة: »كما تدين تدان«. أي كما تفعل بالناس وكما تعاملهم، فإنهم سيفعلون بك وسيعاملونك. فإذا كنت حسن الخلق معهم كانوا معك حسني الخلق، وإذا كنت سيئا كانوا معك سيئين.

تخلقن بالأخلاق الحسنة أيتها الأخوات، والتزمن بها. اعفن واصفحن وتجاوزن عن المسيئين حتى يتجاوز الله عنكن. وقد قال عيسى عليه الصلاة والسلام وهو كما تعلمن من أنبياء أولي العزم.. قال لأتباعه وحوارييه: »إذا لطمك أحد على خدك الأيمن، فأدر له خدك الأيسر« كناية عن الصفح والعفو والأخلاق الحسنة.

فلا تنسين أن تكونوا على درجة عالية من الأخلاق الحسنة. هذا ثانيا.

 

التأليف والخطابة

وأما ثالثا؛ فكلكن بحمد الله قد تعلمتن وفهمتن أمور الدين والحياة، وأنتن إن شاء الله على درجة من الفضل.. فلماذا لا تكتبن وتؤلفن وتنشرن ثقافة أهل البيت عليهم الصلاة والسلام في المجتمع؟ لماذا لا تقوين أقلامكن؟

إن نساء المسيحيين يكتبن وكذلك نساء اليهود، وهن متبحرات في هذا المجال، إلا أن نحن الشيعة فنساؤنا قليلا ما يكتبن ويهتممن بالتأليف مع أن أو امرأة كتبت في الإسلام هي سيدتنا ومولاتنا فاطمة الزهراء سلام الله عليها، التي تزوجت في التاسعة من عمرها الشريف وأنجبت الذرية الطاهرة المطهرة، وقد كانت تعمل في بيتها أكثر مما تعمل النساء في هذا العصر، فقد كانت تطحن الخبز وتكنس وتطبخ وتجلب الماء من البئر وغير ذلك مما أنتن الآن لا تعملنه بسبب طغيان الحياة المادية التي وفرت كل شيء عليكن.. مع ذلك فإنها سلام الله عليها كانت تكتب وتؤلف وتسجل ما يأتيها من وصايا وتعاليم وأخبار من ربها عبر جبرئيل عليه الصلاة والسلام، أو من أبيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أو من بعلها أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه. ولذا فعند الأئمة سفرها العظيم وهو »مصحف فاطمة« صلوات الله وسلامه عليها.

فلماذا لا تكتبن اقتداء بسيدتكن الزهراء سلام الله عليها، أليست الزهراء قدوتكن؟! وهل الغربيات أعلى قدرا وشأنا منكن حتى يتقدمن في التأليف وأنتن لا؟! هناك الآن في الغرب مؤلفة مسيحية اسمها (جاثا كريستي) ألّفت 114 كتابا، فلماذا لا تتفوقن عليها؟! ليس المهم كثرة التأليف، المهم المحتوى والقيمة التي يحتويها ذلك المؤلَّف. فعليكن أيتها الأخوات بتقوية القلم.

وكذلك عليكن بإعداد أنفسكن لتكن خطيبات داعيات للإسلام وللمذهب الحق، مذهب أهل البيت عليهم الصلاة والسلام.

إن كثيرا من النساء يأتين إليّ وأفاجأ بأنهن لا يعرفن شيئا من الدين إطلاقا! واللوم يقع في ذلك على رجالهن الذين لم يهتموا بأمرهن، وكذلك عليكن أنتن، الناشطات الإسلاميات، لأنكن يجب أن تتقن فنون الخطابة لتروجوا العقائد والأحكام في مجتمعكن النسوي. فقووا ألسنتكن لتفيض منها الحكمة والعلم. والذين يسعون لخدمة دين الله تبارك وتعالى فإنه يوفقهم ويسددهم كما يقول عز من قائل: »والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا«. فإذن عليكن بتقوية أقلامكن ومستوى خطابتكن، هذا ثالثا.

 

تشجيع الزواج

وأما رابعا؛ فعليكن بالعمل على تسهيل أمر الزواج بين الشباب والشابات، فإن ذلك من أفضل العبادات والقربات إلى الله عز وجل.

إن الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم زوّج ابنته الصديقة الطاهرة صلوات الله وسلامه عليها من أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام ولها من العمر تسع سنوات فقط، والآن إذا فعل أحد الآباء ذلك تقوم عليه القيامة!! لماذا؟! مع أن الإمام الصادق عليه الصلاة والسلام يقول: »من سعادة المرء أن لا تطمث ابنته في بيته« أي أن يزوجها سريعا قبل أن يأتيها ما يأتي النساء من الطمث والحيض.

فهل نحن نفهم أكثر من رسول الله ومن الإمام الصادق؟! وهل بناتنا أعلى قدرا من سيدة نساء العالمين؟! لماذا فعل النبي ذلك.. أليس ليعلمنا ويحثنا على تشجيع الزواج المبكر؟!

كذلك في قضية المهر.. لماذا لا نمهر فتياتنا بمهر السنة الذي مُهِرت به الصديقة الطاهرة صلوات الله وسلامه عليها، أليست هي لبناتنا أسوة؟! لماذا هذا الغلاء في المهور؟! ولماذا هذا التعسير في عملية الزواج؟! وهل أدركتن الآن لماذا كثرت العوانس في عصرنا هذا؟ هذا كله بسبب عدم اتباع نهج الأئمة عليهم الصلاة والسلام في الزواج المبكر وفي تقليل المهور وفي تبسيط إجراءات الزواج. وهذا ما سبب إعراض شبابنا عن الزواج وحدوث كل هذه المفاسد في مجتمعنا الإسلامي.

إن الزواج كان سابقا من أسهل الأمور في المجتمع الإسلامي، ولكن اليوم هو من أصعب الأمور مع الأسف، وهذا خلاف إرادة الله وإرادة الأئمة عليهم الصلاة والسلام.

أحد الشباب المؤمنين جاءني وأخبرني بأنه وبسبب تعسير مجتمعاتنا للزواج هنا وطلب الآباء منه مهورا غالية وعدم اقتناعهم بالقليل وتعقيدهم لإجراءات الزواج وإصرارهم على البذخ فيه، فإنه ذهب إلى مدينة حلب في سورية ليتزوج. يقول هذا الأخ الشاب: عندما ذهبت إلى هناك صرت أبحث عن عائلة متدينة، فطرقت باب إحدى العائلات واستقبلني صاحب الدار ورحب بي، فقلت له: إني أريد أن أتزوج وأنا شاب لا أملك شيئا من المال إلا الفتات، ولكن أملك الإيمان بإذن الله. فما هي إلا لحظات حتى جاءني ببناته الأربع وقال لي: اختر من شئت منهن. فاخترت واحدة وقلت له: هذه أريدها. ولم تمض إلا ساعات قليلة من تلك الليلة حتى عقدنا عقد الزواج وأخذت زوجتي وعدت بها إلى هنا، والآن أعيش معها بمنتهى السعادة والهناء.

أجل أيتها الأخوات.. هذا هو ما أمر به ديننا الحنيف. شبابنا لا نتركهم يضيعون ولا نصعّب عليهم أمر الزواج، وأنتن الأمهات عليكن بتسهيل زواج بناتكن من الشباب المؤمنين الأتقياء الذين هم نادرون في هذا الزمن مع الأسف، وإلا ذهبوا إلى الخارج ليتزوجوا من الأسر المؤمنة التي لا تعقّد الزواج وفي هذه الحال تبقى بناتكن من دون زواج ويصبحن عانسات. فهل تردن ذلك؟!ّ

إن الإمام أبو عبد الله الحسين عليه الصلاة والسلام الذي نبكي ونلطم من أجله يعلمنا أيضا تسهيل أمور الزواج، فقد اقترح صلوات الله عليه على ابن أخيه القاسم بن الحسن عليهما السلام ابنتيه سكينة وآمنة وقال له: »اختر من شئت منهما« وتم الزواج المبارك كما تعلمن في تلك اللحظات العصيبة فقط ليكون درسا لنا جميعا. نعم.. »يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر«.

وسليمان المحمدي رضوان الله تعالى عليه، ذلك الرجل الذي كان النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم يقول عنه: »سلمان منا أهل البيت«.. كان حاكما على المدائن وإيران، وفي يوم من الأيام راى فتاة في العقد الثاني من عمرها فسأل عنها فقيل له أنها غير متزوجة. فأمر أحد أصحابه أن يذهب لأبيها ويقول له: إن سلمان يقول لك: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول (مضمون الحديث): إن الفتاة إذا ارتكبت المحرمات - أية محرمات - وهي غير متزوجة يكون إثمها عليها وعلى أبيها، وهو مؤاخذ على ما تفعله طوال فترة مكوثها عنده.

بعد ذلك اقتنع ذلك الرجل بتزويج ابنته، وأصر على سلمان أن يتزوجها، فتم ذلك الزواج المبارك حيث أنجب منها سلمان ولدا يقال له عبد الله، ونحن في زيارتنا لسلمان رضوان الله تعالى عليه نقول: »السلام عليك يا ابا عبد الله«.. فعبد الله هو ذلك الولد.

أما بالنسبة للشباب؛ فقد جاء أحد الشباب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في أمر معين، فسأله النبي صلى الله عليه وآله وسلم: »أ متزوج أنت«؟ فقال له: لا. فسأله النبي: »هل بك ما يمنعك من الزواج«؟ فقال: لا. فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم له: »اذهب فأنت من إخوان الشياطين ورهبان النصارى«!!

لذا فعليكن أيتها الأخوات الفاضلات أن تشجعوا أولادكن على الزواج، وكذلك بناتكن، ولا تعسروا في الزواج، واعملوا على إفهام أزواجكن بضرورة أن يساعدكن في هذا الأمر المهم والمحبب إلى الله عز وجل. فهذا رابعا.

 

العمل

وأما خامسا؛ فعليكن وعلى جميع المؤمنين العمل، وأن يتقنوا في العمل، أي عمل حلال وشريف ومخلص. لا يجب أن يبقى الإنسان بلا عمل، فالعمل له فوائد كبيرة منها: نشاط الروح وسلامة الجسد. وكان النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم إذا جاءه أحد يسأله عن عمله، فإذا أخبره بأنه لا يعمل كان صلى الله عليه وآله وسلم يقول عنه: »سقط من عيني«!

وربنا تبارك وتعالى يقول: »وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون«. فعليكن بالعمل في طاعة الله، وواجب على الشيعة الموالين أن يكونوا في أعمالهم القمة، أن يتقنوا أعمالهم ويطوروها ليكونوا في طليعة الأمم. هذا خامسا.

 

إحياء ذكر أهل البيت (عليهم السلام)

وأما سادسا؛ فخير عمل تؤدونه أنتن النساء هو إحياء ذكر أهل البيت عليهم الصلاة والسلام. وهذه المجالس التي يتم فيها ذكرهم صلوات الله وسلامه عليهم هي مجالس مباركة لها فوائد عظيمة في الدنيا والآخرة. وفي ليلتنا هذه ربما هناك في الكويت وحدها أكثر من مئة مجلس فيه ذكر أهل البيت عليهم الصلاة والسلام، في المساجد والحسينيات وفي المنازل وفي كل مكان.

ومن الفوائد الدنيوية لهذه المجالس حصول البركة في البيت التي يقيمها أهله فيه، وقد جاءني رجل عندما كنت في الكويت وكان يسكن في منطقة يقال لها (صليبخات) وكانت بعيدة عن العاصمة، فقال لي: عندي أربعة بنات لم يأتِ إليهن النصيب وأخشى عليهن العنوسة فما أفعل؟ فقلت له: وهل تقبل مني وتنفذ ما أنصحك به؟ قال: بلى. فقلت له: أقم في بيتك مجلسا أسبوعيا لذكر أهل البيت ومصيبة أبي عبد الله الحسين عليه الصلاة والسلام. فتعجب الرجل وقال: ما الرابط بين المجلس وبين زواج بناتي؟! فقلت له: هذا المجلس يفتح لك أبواب السماء، هذا من جهة. وأما من جهة أخرى فإن النساء سيأتين إلى مجلسك هذا، وسيرن بناتك فيتعرفن عليهن، وهذا سيسهل أمر خطبتهن.

ذهب الرجل وفعل ما نصحته به، وبعد أقل من سنة جاءني وقال: لقد تزوجت بناتي الأربع كلهن بفضل الله.

نعم أيتها الأخوات.. من فوائد هذه المجالس المباركة جلب الرزق الحلال، ودفع البلاء، وحل المشاكل، والكثير الكثير غيرها من الفوائد والنعمات والبركات، فعليكن بها تسعدن أنتن وأسركن في الدنيا والآخرة. هذا سادسا.

 

الموت

وأما سابعا؛ فعليكن باستغلال الحياة في طاعة الله عز وجل وعدم تفويت أية فرصة للتقرب إليه وإلى أهل البيت عليهم الصلاة والسلام. لأن هذه الحياة هي فرصتنا الوحيدة، وبعدها لن يكون بمقدورنا فعل شيء.

لقد جاءني أحد المؤمنين الشيَبَة قبل سنوات وقال لي: إني أريد أن أوصي في وصيتي بأن يعمل أبنائي بعض الأعمال العبادية لأجلي بعد مماتي. فقلت له: لا تفعل ذلك، لأن الإمام الصادق عليه الصلاة والسلام يقول: »كن وصيّ نفسك«. والذي تريد أن توصي به أبناءك قم بنفسك به الآن قبل ضياع الأوان، فإنك لا تضمن أن يفعلوا شيئا لأجلك مما أوصيتهم به.

لم يحفظ هذا الرجل وصيتي مع الأسف، وتوفي أخيرا رحمه الله، فماذا حصل؟ لقد اقتسم أبناؤه أمواله ولم ينفذوا شيئا واحدا مما أوصاهم بالعمل به من صلاة وصيام وما إلى ذلك من أمور عبادية حتى تنفعه الآن بعد مماته! لقد كان رجلا طيبا ومؤمنا، ولكنه تكاسل عن العمل بتلك الأعمال لنفسه، فكيف يريد بأبنائه أن لا يتكاسلوا من العمل بها له؟!

أيتها الأخوات المؤمنات.. كلنا سنموت، والموت دربي ودربكن ودربنا جميعا، ولا راد لقضاء الله. فعلينا جميعا أن نستفيد من حياتنا أقصى استفادة وأن نعمل ما يقربنا من الله وأهل البيت عليهم الصلاة والسلام قبل فوات الأوان. وفي الخبر أن الإنسان إذا مات يبكي ويصرخ ويتأسف على حياته السابقة وعدم استغلالها على أكمل وجه في الخير فيقول: »رب أرجعوني لعلي أعمل صالحا«.

أسال الله تعالى أن يتقبل أعمالكم ويؤيدكم لما يحب ويرضى وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.

 

   

أعلى