|
|
|
خطابه المؤثر تمازج مع بكاء الحضور وعبراتهم |
|
الإمام السيد صادق الشيرازي: ...وفقدت اليوم أبويّ! |
||
|
قم المقدسة - وفد الهيئة:
واعتبر السيد الصادق أخاه الفقيد »بمنزلة الأب.. بل كان هو الأب« مشددا على ضرورة الاعتبار من حياته الشريفة والاستفادة منها انطلاقا من قول أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه: »أن يكونوا عبرة خير من أن يكونوا مفتخرا«. آتيا في هذا الصدد على ذكر خصلتين أساسيتين لمسهما من حياة الإمام الراحل، وهما: الإخلاص لله تعالى ولأهل البيت عليهم الصلاة والسلام، والنشاط المتواصل والعمل الدؤوب في خدمتهم بما يقرب المرء إلى الله عز وجل. وفي السياق نفسه وصف سماحته - مد ظله - آية الله المحقق الورع السيد محمد رضا الشيرازي بأنه »أخاه في العلم«، فيما بانت عليه آثار التعب والإجهاد أثناء إلقائه خطابه المؤثر الذي اختلط صوته فيه مع بكاء الحضور. وأدناه نص الخطاب: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين ولعنة الله على أعدائهم أجمعين. لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
إنني أراه واجبا شرعيا أخلاقيا عليّ أن أؤدي حقه في هذا المقام كما أديته من قبل. هذا الأخ الأكبر بمنزلة الأب، بل كان هو الأب.. بل كان هو الأبّ!
ورأيت أكثر من مرة أفرادا يؤكدون عليه وبعضهم أنفق من ماله الخاص كل ثمن المؤسسة، كان هؤلاء يطلبون منه ويلحون عليه بقولهم: »يا سماحة السيد نريدها أن تكون باسمك« ويرد عليهم بقوله: »إذا كانت تحمل اسم الله فأنا عبد الله، وإذا كانت باسم رسول الله فأنا ابن رسول الله، وإذا كانت باسم فاطمة الزهراء فإنها أمي«.. ولم يرض حتى في مورد واحد أن تكون حوزة علمية أو مؤسسة أو غيرها باسمه. الشيء الآخر الذي لمسته فيه بكل وجودي أنه كان بركانا من النشاط! وإنني في نفسي أعتبر تشبيهه بالبركان مجازا لا حقيقة، فالبركان تكون له فترات يتفجر فيها وفترات يخمد فيها، أما هو فكان لا يفوت فرصة صغيرة على نفسه إلا أن يقدم شيئا حسب ما يعتقده، من كتابة أو كلمة أو نصيحة أو عمل أو أي شيء يراه من القربات إلى الله، كان هذا يكفي لتحريك كل وجوده، لتحريك دماغه وفكره وأعصابه ويده ولسانه. هاتان الخصلتان من الخصال البارزة عنده والكثير منكم أنتم الجالسون هنا عشتم أيضا سنوات معه وأتصور أن لا أحد منكم ممن عاش معه ولو أياما قليلة ينكر هذين الأمرين.
ولعل من أوليات ما أذكره في هذا المقام ونعتبر به هو أن نصمم ونحن على هذا المكان وفي هذه اللحظة على السير على دربه، كل بمقدار ما يعلم منه أو سوف يتعلم منه، »فما مات من مات وخلف علما« وسوف نتعلم منه عبر القصص التي تتناقل عنه من الأصدقاء أو من كتبه، هذا التراث الضخم الذي تركه وراءه، نصمم هنا بقرارة أنفسنا ونعاهد الله سبحانه وتعالى على أن نسير في دربه في كل ما تعلمناه وما سنتعلمه من تراثه من بعده. وفي هذا الخصوص أذكر ما أكد عليه القرآن الكريم والرسول وأهل بيته عليهم أفضل الصلاة والسلام أجمعين وكان الفقيد الراحل يؤكد عليه من جمع شمل المؤمنين وأوصي بدوري إخواني وأعزائي العلماء والخطباء وطلاب العلوم الدينية بما سبق وأؤكد عليهم ذلك فطالما كان يؤكد على هذا: »المؤمنون نجمع شملهم تحت مظلة الله وأهل البيت عليهم السلام«. كل مسجد وحسينية ومكتبة ومنتدى ديني ودار نشر ومؤسسة خيرية وكل جهة تنتهي إلى الله يلزم أن تكون مجمعا لكل الفئات من المؤمنين رغم اختلاف أنظارهم وأعمارهم ومراتبهم العلمية والاجتماعية، ونعاهد الله على أن لا نفوت فرصة بدون تثبيت أجر وثواب في صحيفة أعمالنا، حتى الفرصة التي يعيشها الإنسان عيشة خاصة مع زوجته أو مع ابنه أو والديه أو في منتزه أو في أي مكان. وأتذكر جيدا منذ أكثر من خمسين عاما وحتى آخر يوم من شهر رمضان، أتذكر الفقيد الراحل كان يفضل الكتابة بأقلام ناعمة الخط وحين نجلب له عدة أقلام ينتخب أنعمها كتابة وقد سمعت فلسفته بهذا الخصوص حين قال: »أنا أكتب ألوف الحروف بهذا القلم وعندما أريد مثلا كتابة اسم الله أو الحسين أو الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف، إذا كانت كتابة القلم خشنة فستستغرق كتابة حرف الألف مثلا سنتيمترين، أما إذا كانت الكتابة ناعمة فستستغرق سنتيمترا واحدا عند خطِّ حرف الألف نفسه، لذلك أحب أن أوفر الوقت فأختار القلم ذا الكتابة الناعمة حتى أكتب أكثر في وقت أقل«! هكذا كان يغتنم الفرص حتى في هذه الأمور الدقيقة، ومن المؤكد أن أولاده الأجلاء المحروسون وفي طليعتهم أخي في العلم آية الله السيد محمد رضا، هؤلاء رؤوا منه مثلما رأيت. قلما يكتب معه لأسبوع واثنين وقبل أن ينفذ حبره يعطيه لي أو لأحد أولاده أو أصدقائه ولما تسأله: »سيدي هذا القلم يكتب!« يقول: »إن كتابة القلم صارت خشنة لكثرة استعماله« ويطلب غيره حتى يكتب أكبر مقدار من الكلمات والعبارات بأقصر وقت ممكن لكي يستثمر باقي الأوقات في سبيل الله تعالى. خمسة وسبعون عاما انقضت لكنه لم ينقض، وخلال هذا العمر الطويل القصير - في الوقت نفسه - استفاد أكثر من خمسة وسبعين عاما. هذه الكلمة الثانية بالنسبة لنا ولكم جميعا أيهما الإخوة الأعزاء. وفي الختام أكرر شكري لكم فردا فردا على كل ما أضمرتموه وأبديتموه وتضمرونه وتبدونه وأعلم الكثير منه. أكرر شكري لكم. وفي الحين الذي أضم صوتي إلى صوت أخي الأكبر رضوان الله عليه في الطلب منكم استفادة هاتين الخصلتين (الإخلاص والنشاط) في الوقت نفسه فإنني أؤكد لكم أنني أدعوا لكم بالتوفيق وأطلب من كل واحد منكم أن يدعو لي بحسن العاقبة. وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.
|
||