|
|
|
كانت في قلبه أمنيات ثلاث لم يستطع تحقيقها |
|
آية الله السيد الرضا: قبل أيام من وفاته جرت دموعه على خديه وقال: (أشعر بأن ساعتي قد اقتربت)! |
||||||
|
قم المقدسة - خاص:
وأماط سماحته اللثام عن أن الإمام كان قد أجتمع قبل أيام من استشهاده بأحد علماء مدينة أصفهان قائلا له: »إنني أشعر بأن ساعتي قد اقتربت ولم أحقق أهدافي.. فاعملوا أنتم على تحقيقها«! مشيرا إلى أن من آخر مشاريع الإمام التي كان يعمل على تحقيقها، كان إنشاء قناة فضائية عالمية وعدد من المراكز الحسينية في أهم العواصم الأوروبية، إضافة إلى هداية أكثر من عشرين مليون علوي في تركيا. كما طلب سماحته في ختام كلمته من المؤمنين الدعاء له قائلا: »إنني أحتاج دعاءكم«. سائلا الله عز وجل أن يوفق سماحة آية الله العظمى السيد الصادق الشيرازي للنهوض بأعباء التركة الثقيلة التي حمّلها إياه شقيقه الفقيد الراحل. وهذا نص الكلمة: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين ولعنة الله على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين. قال الله تعالى في كتابه الحكيم: »الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون، أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون«. طلب بعض المؤمنين أن أتحدث بكلمات حول الفقيد الراحل رحمة الله تعالى عليه، والحقيقة إن الكلمات لا تستطيع أن تستوعب شخصية كشخصية الفقيد الراحل. فقد نقل لي أحد العلماء وهو الآن موجود في مدينة قم المقدسة، أن آية الله العظمى المرعشي النجفي جاء إلى هذه الغرفة لزيارة الفقيد، وعندما خرج عند الباب قال لنا ولمجموعة كانوا عند الباب: »إن الدنيا لم تعرف السيد الشيرازي« ثم أردف قائلا: »إن الدنيا سوف تعرف هذا الرجل بعد مئتي عام«! ولكنني أكتفي بكلمتين، الأولى حول شخصية الفقيد، والكلمة الثانية حول تطلعاته وطموحاته. أما الكلمة الأولى فإن في حياة الفقيد هنالك أبعاد، وأشير إلى بعضها. البعد الأول؛ بُعد العلاقة مع الله تعالى، وهذه قضية مهمة في حياة المؤمن، كيف تكون علاقته مع الله؟ لأن نوعية هذه العلاقة ودرجتها هي التي تحدد آخرته. ونحن بالنتيجة كلنا خلقنا لدار ثانية، وهذه الدار الثانية تعينها نوعية علاقتنا مع الله.
الفقيد رحمة الله عليه كان شديد العلاقة بالله تعالى، وكان رجلا »دعّاءا« أي كثير الدعاء، وفي كل قضية أول ما كان يلجأ فيها كان يلجأ إلى الله تعالى، وإلى أولياء الله الذين جعلهم أبوابا لرحمته. نقل لي أحد الأخوة وهو من أقربائنا أن الوالد عندما كان في العراق عاش في منزلهم حوالي الأربعة أشهر، وأنتم تعرفون بعض الظروف التي كانت ومازالت في العراق وكانت تجبر الوالد على ذلك، قال هذا القريب: »في كل يوم بعد أداء فريضة الفجر كان يكتب رقعة الحاجة للمهدي المنتظر عجل الله تعالى فرجه«. نحن معظمنا نغفل عن إمامنا وولي أمرنا وولي نعمتنا، ولربما لا يفكر أحدنا بكتابة رقعة الحاجة إلا مرة أو مرتين في العمر، ولكن الفقيد على ما نقله هذا الأخ كان في كل يوم يكتب رقعة الحاجة. كان رحمة الله عليه ذاكرا لله تعالى، وفي هذا الممر الذي رأيتموه وفي هذه الغرفة وفي تلك الغرفة كان كثيرا ما يمشي ويذكر الله تعالى. نقل لي أحد الأقرباء أنه كان في كل ليلة يقول: »لا إله إلا الله« ألف مرة، هذا برنامجه كل ليلة. وبالطبع فإن علاقة المؤمن مع الله تعالى مخفية عن الآخرين، ونحن لم نستطع الاطلاع على هذه الخفايا إلا بمحض الاتفاق، وغيرها كثير مما لم نطلع عليه. الفقيد رضوان الله عليه كان كثيرا ما يذكر الآخرة، وكان يوصيني ويوصي الخطباء والعلماء أن يذكروا الآخرة، وأن يتحدثوا حول الآخرة، وأن يكتبوا حول الآخرة، وكان إذا جاء ذكر الموت وذكر الآخرة وذكر الصراط وذكر الحشر والنشر؛ كانت دموعه تجري على لحيته. نقلت لي إحدى القريبات أنها قد دخلت قبل أيام معدودة من ارتحال الفقيد إلى غرفته فجأة، فوجدت دموعه جارية على خديه وهو يقرأ في كتاب. تقول: »عندما رأيت هذا المنظر خرجت من الغرفة حتى لا يحتشم مني، ثم بعد ذلك حاولت أن أظهر أنني أريد أن أدخل في هذه الغرفة، فمسح دموعه وأظهر أنه في وضع طبيعي، فدخلت الغرفة وسلمت عليه، ثم بعد ذلك كان عنده موعد في الديوانية فذهب، وانتهزت الفرصة لآخذ ذلك الكتاب لأنظر في الصفحة التي كان يقرأ فيها والتي كانت عليها علامة، فوجدت أن تلك الصفحة تتحدث حول قبض ملك الموت لأرواح المؤمنين«. والكتاب هو للسيد عبد الله شبر، هذا المرجع العالم الكبير، واسمه »تسلية الفؤاد في ذكر الموت والمعاد« وأنا أوصي نفسي وأوصي المؤمنين أن يطالعوا في هذا الكتاب الذي يتناول الآخرة وما يجري في الآخرة. هذا جانب من بعد علاقته بالله سبحانه وتعالى، وعلاقته بأولياء الله تعالى، عندما كان في أيام شبابه في العراق، كان يذهب إلى مسجد السهلة كل ليلة أربعاء، إلى أربعين ليلة أربعاء وهو يقول: »يا أبا صالح المهدي أدركني«. البعد الثاني من أبعاد حياته، بعد علاقته بالمجتمع، كان يتعامل مع الأفراد كالأب الرحيم، كالأب الحنون، كيف يتعامل أحدنا مع أولاده؟ هكذا كان يتعامل مع الجميع، وكان يحب الجميع ويهتم بأن يحل مشكلاتهم. وفي هذه الغرفة نفسها طالما رأيت أنا مرارا أن كل شاب كان يأتي إليه شاكيا وباثا همومه، وكل رجل وكل امرأة. وكان يستقبلهم جميعا برحابة صدره ويحاول حل مشاكلهم. الشباب كان يسألهم عما إذا كانوا متزوجين أم لا، فإذا أجابوا بالنفي، كان يحضهم على الزواج، وقد شكل رحمه الله كما تعلمون لجنة بهذا الخصوص مهمتها تسهيل زواج المؤمنين والمؤمنات. كان كل واحد يأتي عنده يحاول أن يثير فيه مشاعر الخدمة، خدمة أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. كل من كان يجلس عنده كان يخرج وهو يشعر أنه يجب أن يكون عظيما، أي خطيب أو عالم أو رجل دين كان يأتي عنده كان يشجعه على التأليف والتعمق في العلم، أي رجل كان يأتي عنده كان يشوقه على الخدمة، وآخر خطبة خطبها على هذا المنبر كان يشجع فيها بعض المؤمنات على أن يكنّ أئمة جماعة وأن يكنّ خطيبات ومؤلفات قديرات. كان يقول إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عيّن امرأة لإمامة الجماعة، فقد كان بنفسه يصلي جماعة وأم ورقة كانت تصلي بأمره - في الوقت نفسه - جماعة بالمؤمنات. كان يقول أن المرأة يجب أن تكون مؤلفة، يجب أن تكون خطيبة، يجب أن تكون إماما للجماعة، يجب أن تروج أمر أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. هذا بعد من أبعاد حياته وهو بعد علاقته بالمجتمع. وأكتفي بالبعد الثالث وهو بعد علاقته بهذه الحياة الدنيا وزخرفها وزبرجها، لقد عاش معكم حوالي عشرة أعوام، ولم يشتر شبرا من الأرض عندما كان عندكم، وعندما جاء إلى هذه المدينة الطيبة (قم المقدسة) ما اشترى شبرا واحدا من الأرض، وحتى هذه الدار التي كان يعيش فيها هي وقف، وليست ملكا شخصيا له ولا لأي واحد من وارثيه.
نقل أحد الأخوة أنه رضوان الله عليه طلب منه بأن يذهب للسوق ليشتري له أرخص عباءة يجدها. يقول: »فذهبت ووجدت عباءتين، إحداهما بثلاثة آلاف تومان (حوالي أربعة دولارات) والأخرى بخمسة آلاف تومان، ولكن الأولى لا يمكن أن يلبسها حتى الإنسان العادي، فاشتريت له الثانية التي بالخمسة آلاف تومان (حوالي ستة دولارات - ديناران كويتيان فقط) فرفض آخذها وأعادها وأمرني بشراء العباءة الأولى التي بثلاثة آلاف تومان«. على كل حال هذه كانت علاقته بالدنيا وبمتاع الدنيا وبزبرجها. ننتقل باختصار إلى فصل ثانٍ وهو فصل الطموحات والتطلعات، كان رحمه الله واسع الهمة كثير التطلع، له همم لا منتهى لكبارها، فقبل وفاته بحوالي أسبوعين، طلب أحد العلماء من مدينة أصفهان واجتمع به وقال له: »أن لي ثلاثة أهداف، وأنا أشعر بأن أجلي قد اقترب، ولم أحقق هذه الأهداف، الهدف الأول أن يتحول جميع الكفار مسلمين، والهدف الثاني أن يتعرف جميع المسلمين على مذهب أهل البيت عليهم الصلاة والسلام، الهدف الثالث أن يتحد الشيعة في ما بينهم، وإن عمري لم يسمح لي بأن أحقق هذه الأهداف، فاعمل أنت وجميع العلماء على أن تحققوا هذه الأهداف لأنني أشعر بأن ساعتي قد اقتربت«! هذه وصية الفقيد لذلك العالم ولنا جميعا. نقل لي قبل أيام أحد الدكاترة أن الفقيد رضوان الله تعالى عليه كان قد طلبه قبل أربعة أيام من وفاته، وقال له: »يجب أن يكون لنا بث تلفزيوني وإذاعي باللغة العبرية لهداية اليهود، فاذهب واسعَ في هذا المجال والله يوفقك ويحفظك«. يقول هذا الدكتور: »ذهبت بدوري لتهيئة هذه المقدمات، وبدأت ببعضها لكن الأجل لم يمهله ليرى أمنيته تتحقق«! وأنا (والحديث للسيد الرضا) عندما كنت هنا بخدمته قبل شهر رمضان، أذكر أنه كان يفكر بتحقيق عدد من الأمور، كان يفكر بإنشاء قناة فضائية عالمية، كان يفكر بإنشاء حسينية في موسكو، كان يفكر بإنشاء حسينية في فرنسا، كان يفكر في هداية العلويين الذين هم في تركيا الذين ربما يكونون حوالي عشرين مليون، وهكذا.. هذه الأهداف وهذه التطلعات، مجموعة منها تمكن من أن يحققها في حياته، ومجموعة منها التي بقيت ينبغي لنا جميعا أن نحققها بإذن الله سبحانه وتعالى. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيننا جميعا من علماء وخطباء ومؤمنين ومؤمنات للمحافظة على هذه التركة الكبيرة، ونخص بالذكر منهم آية الله العظمى السيد صادق الشيرازي حفظه الله. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعينه على حمل هذه المهام الثقيلة في مختلف أبعادها المرجعية والاجتماعية والثقافية والدينية. وأشكر لكم ما بذلتموه من الجهد والعناء وأسأل الله أن يحفظكم جميعا وأدعو لكم وأحتاج إلى دعائكم. وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.
|
||||||