الفهرس

 

 

الصفحة الرئيسية

 

كان حتى اللحظة الأخيرة متشوقاً لرؤية أبنائه

 

آية الله السيد مرتضى: تركوه وحيداً فدمعت عيناه ونظر إلى السماء قائلاً: من كان مع الله فلليس بوحيد!

 

الكويت - جاسم صفر:

بنبرة حزينة وصوت منكسر؛ ألقى سماحة آية الله السيد مرتضى الشيرازي خطابا بجموع المصلين الذين احتشدوا في مسجد المرحوم عباس ميرزا حسين في منطقة بنيد القار أبّن فيه والده الإمام المظلوم الراحل رضوان الله تعالى عليه.

وإذ أكد سماحته أن الإمام لم يمت لأنه خلّف ثروة علمية كبرى تمثلت في شقيقه الإمام السيد الصادق، فإنه كشف عن بعض الأسرار الخاصة بعلاقة الفقيد برب الأرباب، تلك العلاقة التي اعتبرها السيد المرتضى السبب الرئيسي والمباشر في التوفيقات والنعم التي حظي بهما مرجع الأمة الأعلى.

كما أشار إلى أن الإمام الراحل عانى في حياته أشد المعاناة وتعرض لأصعب أنواع البلاء والامتحان، حتى تفرق عنه الناس وتركوه وحيدا فريدا، إلا أن ذلك لم يثنه عن مواصلة السير في دربه الوضّاء، مقدما نموذجا جديدا لأبي ذر الغفاري رضوان الله عليه.

وكان ذكر السيد المرتضى عن لسان والدته أن الإمام الراحل كان حتى اللحظات الأخيرة من حياته متشوقا لرؤية أبنائه الذين حُرم منهم.. كان ذكره لذلك قد ألهب عواطف الحضور وأدرّ دموعهم. وتاليه نص الخطاب:

بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله أجمعين واللعنة على أعدائهم إلى يوم الدين، إنا لله وإنا إليه راجعون. حسبنا الله ونعم الوكيل. يقول الإمام الكاظم عليه السلام: »إذا مات المؤمن الفقيه بكت عليه ملائكة السماء وبقاع الأرض التي كان يعبد الله عليها وأبواب السماء التي كان يصعد فيها بأعماله.

هذا المسجد وهذه البقعة المباركة كان يصلي فيها مرجعنا وإمامنا الراحل، كان بين ظهرانيكم حوالي تسع سنين يصلي هنا وهذه البقعة المباركة تبكي الفقيد السعيد، هذا المسجد يبكيه، ملائكة السماء تبكيه بألم وحرقة لأنها تعرف من كان هذا الإمام العظيم، كم من عمل صالح تركه لنا وكم من مؤسسة إنسانية ودينية، كم من كتاب وكم من فضيلة لأهل البيت الأطهار تركها، كم ترك هذا الفقيد من آثار وبركات وخيرات ومبرات وأعمال صالحة، الآن تبكي عليه أبواب السماء التي كان يصعد فيها بأعماله، وثلم من الاسلام ثلمة لا يسدها شيء لأن الفقهاء حصون الإسلام كحصن سور المدينة لها، عظّم الله أجوركم بهذه المأساة وبهذا الحصن الذي انهدّ وبهذا الركن الذي انهدم وبهذه الفاجعة العظمى والمأساة الكبرى التي أبكت ملائكة السماء.

من كان الفقيد الراحل؟ وكيف كان وكيف عاش وأي اتصال بينه وبين رب الأرباب؟! سأذكر لكم بعض اللقطات السريعة العابرة: كان يتحلى الفقيد السعيد أولا بالتوكل على الله سبحانه وتعالى، كان شديد الارتباط برب الأرباب. ذات مرة كنت أتمشى إلى جواره قرب منتصف الليل في ساحة الدار وقد تراكمت المشاكل وأنذر الجو بعواصف شديدة وطوقتنا الهموم والغموم والمآسي من كل حدب وصوب وتخلى عنه العديد، قلت له: »أبتاه، تركوك وحيدا« فنظر نظرة هزتني من الأعماق، نظر إلى السماء فدمعت عيناه وقال: »من كان مع الله فليس بوحيد« قلت له: »أقصد أنك أصبحت وأضحيت كأبي ذر الغفاري حيث ورد في الحديث »يا أبا ذر تعيش وحدك وتموت وحدك وتحشر وحدك وتدخل الجنة وحدك«. ولم يكن جوابه بغير الذي سبق.

كان عظيمنا الراحل وحيدا لأنه كان عظيما، وحيدا في أمته رغم كثرة الأتباع والمقلدين إلا أنه كان في مستواه السامي والرفيع والعظيم وحيدا. كان عزاؤه الوحيد التوكل على الله وتفويض الأمر إليه، كان يتميز أيضا بشدة الإخلاص لأهل البيت عليهم السلام كان يتميز بتلك الرابطة الروحية الوثيقة التي تشده إلى سيد الشهداء والتي تربطه بسبط الرسول الإمام الحسين عليه الصلاة والسلام وكان هذا أهم سر من أسرار توفيقاته اللامتناهية. قال لي ذات مرة: »إنني طلبت قبل حوالي خمسين سنة أو أكثر من الإمام الحسين عليه السلام أن يوفقني لكتابة ألف كتاب«. وقد أعطاه سيد الشهداء ما أراد وزاد له على ذلك أيضا حتى تجاوزت مؤلفاته الألف.

هكذا كان شديد الصلة بأهل البيت شديد الثقة بهم وكانوا هم المعول الذي يلجأ إليه والركن الذي يستند إليه ولم يخيبوا ظنه، أعطوه فوق ما يُعطى للكثير من العلماء على مر التاريخ. ذات مرة كنت أيضا أتمشى في خدمته في ساحة الدار فقلت له: »أحمد الله سبحانه وتعالى على أن وفقك لتقديم خدمات كثيرة لأهل البيت«. هذه الكتب والمؤلفات الموسوعية وعشرات بل مئات بل الألوف من المؤسسات التي تأسست بتشويقه وتحريضه أو مباشرته وتنفيذه شخصيا. قلت له: »لقد قدمت خدمات كثيرة فهنيئا لك هذا التوفيق«. أجابني بجواب عرفت منه سرا آخر من أسرار توفيقاته، كان يحمل في قلبه ذلك التواضع وذلك الخشوع الرهيب وتلك العبودية المطلقة لله ولأهل البيت. التفت إلي قائلا: »إنني لم أصنع شيئا«!

هكذا كان إحساسه: كلما قدم في سبيل أهل البيت عليهم السلام فهو لا شيء مقابل عظم حقهم علينا، أليسوا أولياء النعم؟ أليست حياتنا ووجودنا وأرزاقنا ببركتهم وبلطفهم وبإذن من الله سبحانه وتعالى؟ هكذا كان إحساسه الذي يعايشه لحظة بلحظة »إنني لم أصنع شيئا« لذلك كان شديد الجهد وكثير الحركة والتحرك بشكل لا يصدق.

ويتميز أيضا شهيدنا الراحل - نعم.. شهيدنا الراحل - بأنه يجسد مدرسة فكرية نظرية وعملية متكاملة. كان رائد المسيرة الإصلاحية طوال أكثر من نصف قرن يدعو للسلام والشورى وشورى الفقهاء والتعدديه وسعة الصدر والحرية، يتحدث ويكتب عن طريقة التعامل مع المعارضة وعن كل قضية تهم الإنسان شيخا كان أم شابا رجلا أم امرأة وقد خلف من التراث في هذا الحقل الشيء الكثير، كان رحمه الله - وما أصعب هذه الكلمة »رحمه الله« عليّ - تلك المدرسة الفكرية المتميزة ولكنه بعد عمر من المعاناة، كانت حياته سلسلة من المعاناة والمشاكل والضغوط وسلسلة مستمرة من الأزمات لكنه كان ذلك الصابر المحتسب. كانت حياته تجسيدا حيا للمعاناة وللألم ومات رضوان الله عليه وفي قلبه حسرات وآهات وقلبه معتصر من آلام كثيرة تواترت عليه طوال أكثر من نصف قرن، مات رضوان الله عليه وارتحل إلى جوار به وهو يعاني أشد المعاناة، وفي يوم وفاته خابرتني أمي وصارت تبكي وتقول: »حتى اللحظة الأخيرة كان يترقب أن يرى أبناءه، طوال سنين حرم من رؤيتكم وحتى اللحظة الأخيرة كان بانتظاركم، كان يأمل نظرة واحدة«!!

كانت حياته كلها معاناة لكنه مع ذلك لم يتغير ولم يتبدل وظل ذلك الصابر المحتسب المجاهد في سبيل الله الراضي بقضائه. وماذا أصنع وبإنني المأمور بالصبر ولا أستطيع أن أتكلم وقد أمرني السيد العم شخصيا بالصبر فصبرت وفي العين قذى وفي الحلق شجى كما قال أمير المؤمنين عليه صلوات المصلين.

لقد مات رضوان الله تعالى عليه لكنه مع ذلك لم يمت وكيف يموت من يعيش في قلوبكم جميعا، كلكم أبناؤه، لم أفقده وحدي وإخوتي فحسب، بل فقدتموه أنتم الذين عايشتموه طويلا وكان لكم أبا رحيما، كان يعطف على جميع أبنائه ويحب لهم كل خير ويتمنى لهم أن يرتقوا ويرتفعوا في سلم الكمال والخدمات من العلم والعمل، كان أبا لكم جميعا. إنه لم يمت ما دام حيا في قلوبكم. يقول أمير المؤمنين عليه السلام: »يا كميل هلك خزان الأموال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقى الدهر، أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة«.

لقد غيب التراب جثمان إمامنا الراحل وغاب عن ناظرينا ولكنه لايزال حيا وسيبقى حيا في قلوبنا جميعا. أنا أدرك أن منكم من أحبه أكثر من حبه لأبيه، كان الأب الروحي لكم الذي وهبكم الحياة الحقيقية الإيمانية الخالدة، لم يمت حيث خلف ثروة كبيرة لا تقدر بثمن، لم يمت حيث خلف عالما كبيرا ورجلا ورعا وعبدا صالحا من عباد الله، نعم لم يمت السيد الوالد قدس الله سره، ما أصعب هذه الكلمة عليّ! كنت أقول السيد الوالد »دام ظله« لسنين طويلة والآن أجدني في موقف صعب أضطر لكي أقول »قدس سره« وأنتم جميعا تجدون الحزازة في أعماق قلوبكم.

لم يمت حيث خلف أخا ورعا تقيا عالما فاضلا تركن إليه النفس ويطمئن إليه القلب، لم يمت حيث خلف آية الله العظمى المرجع الديني السيد صادق الشيرازي دام ظله الوارف، هذا الرجل العبد الصالح المؤمن الصابر الراضي بقضاء الله الذي كان أسمى نموذج للوفاء لأخيه الأكبر طوال خمسة عقود تقريبا، كان إلى جواره لحظة بلحظة يشد من أزره وكان ركنه الأيمن الذي يستند إليه بعد الشهيد آية الله السيد حسن الشيرازي رضواه الله عليه.

لم يمت حيث خلف هذا الإنسان الرباني، هذا الرجل الذي قال فيه أحد أكبر علماء إيران وهو آية الله المرحوم المقدس السيد »أحمد الإمامي« المعروف بتقواه وزهده وورعه وعلمه وتشهد له أصفهان وإيران كلها بالفضل والتقوى والخشوع؛ قال بحق السيد الصادق: »إنني أتمنى أن يهبني الله متسعا من الوقت، أن يعطيني سنة أو اثنتين أتفرغ فيها من كل أعمالي لأكون في خدمة السيد الصادق لكي أنهل من نمير علومه ولكي أتزود من تقواه وورعه«! ويقول أيضا: »إنني عندما أفكر في صادق أهل البيت الإمام الصادق عليه السلام، أفكر في هذه القمة الشامخة التي لا يرقى غليها عقل بشر وأبحث في هذا العالم عن نموذج مصغر لإمامنا الصادق عليه السلام فلا أرى من يجسده إلا السيد الصادق«!

لا يمكن لأي بشر أن يصل لمرتبة المعصومين إلا أن الله تعالى أودع بين ظهرانينا أشخاصا يرشدوننا إلى بعض عظمة المعصومين يعدون حسب التعبير الإمامي »النموذج المصغر« لذلك العملاق الإلهي. نعم لم يمت الإمام الشيرازي قدس سره وقد خلف رجلا تشهد له الحوزات العلمية بالعلم كما تشهد له بالورع وسعة المعلومات والإحاطة بشتى الفروع الفقهية، يمكنكم أن تسألوا مجموعة من كبار العلماء من الذين كانوا يعرفونه من كربلاء المقدسة أو الذين تعرفوا عليه من قم، آية الله العظمى »السيد الفاطمي الأبهري« وهو رجل مجتهد له رسالة عملية مطبوعة منذ زمن طويل ويعد من كبار العلماء ومن مراجع التقليد أيضا. هذا الرجل الجليل يعرف السيد الصادق معرفة تامة ويشيد بعلمه أكبر إشادة، كما يشيد بورعه وأخلاقه الكثير من العلماء من الذين عرفوه في كربلاء أو في قم المقدسة أو مشهد أو غيرها من سائر الدول، ومنهم آية الله »السيد مرتضى القزويني« الذي يعرف السيد الصادق منذ أيام كربلاء منذ حوالي خمسين أو أكثر من السنين، أمس تحدثت معه تلفونيا فسألته عن السيد الصادق وعن الرجوع إليه لمزيد من الاطمئنان في التقليد فكان رده: »أن السيد الصادق أهل ومحل من جميع الجهات علما وعملا وتقوى وورعا وإدارة«.

الحوزات العلمية تعرفه بجلالة الشأن، أذكر أيضا آية الله »النمروري« من كبا العلماء في تبريز يقول عنه: »إنني أعتبره أعدل من في الأرض على الإطلاق، أعتبره أكثر أهل الأرض عدالة على الإطلاق«! والعشرات من كبار العلماء مما لا يسمح المقام حاليا بسرد أسمائهم، كتبه العلمية تشهد بمقامه العلمي السامي، كتاب »لاضرر« و»الاجتهاد والتقليد« وكتبه الأخرى.

نعم لم يمت السيد المرجع حيث خلف هذه الثروة الكبيرة وهذا العبد الصالح الورع الخاشع الراضي بقضاء الله وقدره، الكثير منكم يعرف بأن السيد الصادق كان محطة لأشد أنواع الامتحان، امتحن في نفسه وفي أهله وعياله وأسرته إضافة لامتحانات أخرى ومع كل ذلك كان هو الذي يعطي للآخرين الروح والأمل، كانت البسمة - ولاتزال - لا تفارق شفتيه رضى بقضاء الله، صبرا على بلائه. المقدس المرحوم لم يمت فهذه الثروة العلمية باقية، تلامذة السيد الصادق مجموعة منهم يدرّسون الخارج وأخرى في مستوى تدريس الخارج، ربما أكثر من خمسة عشرة تلميذا من تلامذته بين مدرس للخارج فقها أو أصولا وبين من هو في مستوى التدريس ومنهم آية الله الأخ الأكبر محمد رضا الذي تعرفونه جميعا بالورع وشدة التقوى والخوف من الله إضافة لمعرفتكم بعلمه وسعة معلوماته وتواضعه الحجم وأدبه الكبير والحديث في هذا الحقل مطوّل.

نحن هنا جميعا نعيش ذكرى رحيل عظيم من العظماء، رجل عاش حياته كلها وقد جند طاقاته في سبيل أهل البيت عليهم السلام وحتى اللحظة الأخيرة قبل وفاته بساعة أو اثنتين كان يلقي محاضرته على جموع تحدث فيها بما لفت الأنظار وأثار الاستغراب عما وراء هذا الحديث، تحدث عن نقطتين أولاهما: التقوى والخوف من الله، ثم ثنّى الحديث عن الموت وقال: »أذكركم بالموت، الموت هذا هو دربي ودربكم جميعا، فكروا في ذلك العالم الآخر«، وتحدث عن الموت حديثا لم يسمعوه منه بهذه الطريقة كأنه كان قد أُلهم بأنه على وشك الرحيل. أحد العلماء السيد »جعفر الخونساري« ابن المرحوم المرجع الديني الكبير آية الله السيد الخونساري، وهو في مشهد المقدسة وهو من العلماء الأخيار، قال أنه في ليلة دفن الوالد رأى في المنام أن جنازة الإمام الكاظم عليه السلام تحمل على أكف المشيعين إلى حرم السيد المعصومة عليها السلام ثم يُطاف بنعش الإمام الكاظم حول الضريح وبعد ذلك يدفن خلف الشهيد السيد حسن الشيرازي. وقتها لم يكن يعرف عن الحدث شيئا وعندما استيقظ وسأل وإذا به يرى الحدث كما رأى في المنام تماما، السيد الوالد رضوان الله عليه يُحمل على أكف عشرات الألوف من المشيعين ثم ينقل إلى الحرم ليُطاف به حول الضريح ويُدفن خلف الشهيد السيد حسن الشيرازي.

نحن لا نملك في هذه المصيبة إلا أن نعزي سيدنا وإمامنا الإمام الحجة عجل الله فرجه الشريف والحوزات العلمية وجميع المؤمنين وجميع أبنائه الروحانيين، أنتم جميعا الذين احتضنتم السيد الوالد تسع سنين عاش بين ظهرانيكم، أياما ربما كانت من أحلى أيامه، كانت أياما طيبة عرفتموه جيدا بأدبه وأخلاقه وتواضعه وعلمه ورأفته عليكم جميعا، عرفتموه بما له من مقام ومكانة سامية، نعزيكم أيها المؤمنون جميعا، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. والحمد لله رب وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين.

 

   

أعلى