الفهرس

 

 

الصفحة الرئيسية

 

تمتمات وآهات.. أسرار ومشاهدات.. يسجلها الشاهد الوحيد الذي كان حاضراً أثناء مراسم دفن الامام المظلوم

 

صرخة تبقى: وا أبتاه

 

كتب: ياسر الحبيب

أكاد لا أصدق نفسي وأنا أخط هذه الكلمات على هذه الوريقات.. هل أكذّب عيناي اللتان جفّتا من الدموع أم أفتش حولي لعلي أكون في حال منامٍ لا يقظة؟ هل أن ما شاهدته وما عشته في ليلة وضحاها كان حقيقة أم أنه كان ضربا من طيف أو خيال؟

لم يخطر ببالي يوما أنني سأمسك بهذا القلم لأكتب مثل هذه العبارات، أو أنني سأعيش إلى زمان أترحم فيه على أبتي - الذي منحني الحياة الإيمانية الحقيقية - بقولي: »سماحة السيد المرجع.. رحمه الله« بعدما اعتاد لساني على أن أعبّر عنه بقولي: »سماحة السيد المرجع حفظه الله.. دام ظله.. روحي فداه«، وبعدما كنت لا أدع صلاة إلا وأسجد بعدها لأدعو ربي قائلا: »ربّ بحق أمير المؤمنين عليه السلام احفظ واحمِ سيدنا المرجع وأطِل في عمره الشريف المبارك كي يبقى ملاذا للمؤمنين.. برحمتك يا أرحم الراحمين«.

ليتني لم أحيَ إلى هذا الزمان ولا كنت بعده، ليت ربي اخذ من عمري وأعطاه. ألا ليته رزقني الشهادة - كما توسلت إليه مرارا - قبل أن ترى عيناي ذلك البدن المقدس وهو ممد على الأرض بجانب لحده.

ويلاي في كل شارق.. ويلاي في كل غارب. كلما أتذكر هول المنظر أكاد أغيب عن وعيي، ولست أعرف حتى ساعتي هذه كيف استطعت أن أصمد في تلك المصيبة، حيث كنت آخر من ألقى النظرة على الجثمان المقدس والوحيد الحاضر أثناء مراسم الدفن والتلقين من بين مئات الألوف الذين منعوهم من الحضور والمشاهدة.

وأني لواثق تمام الوثوق أن حضوري لم يكن محض صدفة، إذ أشعر بأن سيدتي المعصومة - صلوات الله عليها - قد استجابت لتوسلاتي، وأن مولاي وأبتي - أعلى الله درجاته - هو من اختارني لهذه المهمة، لأكون آخر المودعين له، وليكون لهذا الوداع المؤلم الحزين دور الشاهد على ما حصل مما لا أستطيع البوح به إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا.

ولربما كان لذلك الوداع مغزى غيبيا خاصا يرتبط بي، وأدعو الله أن يكون كذلك، فإني حينما وًلِدت وجاءت بي أمي إلى الحياة؛ أخذني والدي وأنا رضيع وذهب بي إلى مولاي ملتمسا البركة، فما كان منه - أعلى الله درجاته - إلا أن تلقاني بيديه برأفة وحنان، ثم أذّن بصوت خافت في أذني اليمنى وأقام في اليسرى وقرأ عليّ شيئا من الذكر، ثم دعا لي بأن أوفق في طاعة الله عز وجل وفي مراضيه.

فكأن صدى تلك الهمسات ظل في أذناي طوال حياتي التي شهدت - كغيري من بني البشر الضعاف - مدا وجزرا وقربا وابتعادا، فكانت تلك الهمسات وكان ذلك الدعاء عاصما لي من الوقوع في محاذير الدنيا، وجاذبا إياي نحو الخير والصلاح.

وحيث كان هو لي أوّل من استقبلني وظهر في حياتي بعد ولادتي مباشرة، كنت أنا له آخر من ودّعه بعد ارتحاله مباشرة.

فيا أبتاه أينما أجدك.. أتوسل إليك أن تتذكرني يوم الحشر فتشفع لي عند جدك وتأخذ بيدي إليه ليسقيني من كوثره العذب وليحميني من عذاب عقابي على ما جاء في صحيفة أعمالي..

...

واحسرتاه!

كيف لي أن أحتمل وجودي بلاه؟! كان لي - وللألوف غيري - شمسا تنير درب الوصول إلى الله تعالى، وكلما كان فكري يشخص نحو الناحية المقدسة حيث مولانا ولي العصر أرواحنا وأرواح العالمين لتراب مقدمه الفداء؛ كنت أراه يتمثل أمامي وسيطا يصلني به. وعندما كنت أحاول أن أتصور شخصيات وصفات الأئمة المعصومين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين؛ فإن عقلي يرشدني إليه لأجده أقرب نموذج - مصغّر - لهم صلوات الله وسلامه عليهم.

بل إنهم - سلام الله عليهم - تمثلوا بصورته وكفاه بذلك فخرا وعزا. فهذا بيان أحد كبار وجهاء الكويت الذي كان دائم المواظبة على خدمته - أعلى الله درجاته - وهو المرحوم الحاج محمد قبازرد الذي كان ليده البيضاء الفضل في إخراج السفر العظيم »الإمام الصادق عليه السلام كما عرفه علماء الغرب« إلى النور.. كان المرحوم قبازرد قد أزاح الستار عن حادثة شهدها بنفسه ونقلها بلسانه، فقال كما هو شائع عنه: »في يوم من الأيام تشوقت لأن أدعو سماحة السيد المرجع إلى منزلي لتناول وجبة الغداء، فعرضت عليه الأمر فقبل الدعوة واتفقنا على الموعد.

وفي تلك الأيام كان أحد أصدقائي من التجار الإيرانيين ضيفا عليّ يزورني لإنجاز بعض الأعمال والمشاريع، فرأيت أن أدعوه أيضا للغداء فوافق، وهكذا تقرر أن نجتمع ثلاثتنا على مائدة واحدة، أنا وصديقي وسماحة السيد.

وحينما جاء الموعد المقرر، فوجئت بصديقي التاجر وهو يهم باستقبال سماحته بشكل عجيب، إذ كان يقبل يديه ووجنتيه وهامة رأسه وعمامته ويكاد أن يقبّل رجليه أيضا! ثم هو يخاطبه بأسلوب ملؤه التعظيم والتفخيم والتوقير مما لم ألمسه من أحد إلا نادرا، فاندهشت لذلك ولم أعلم له سببا إلا بعد لحظات.

فعندما جلسنا وجّه صديقي لسماحته سؤالا قائلا: »سيدي ومولاي.. هل عرفتم من أنا«؟ فأجاب سماحته بأدبه المعهود: »قلة توفيقي« - وهو يقصد: لا - فقال الصديق: »أنا ذلك الشخص الذي (انقض) عليكم في كربلاء قائلا: يا أبا عبد الله الحسين.. يا أبا عبد الله الحسين! ولم تستطيعوا الفكاك مني إلا بعد تدخل الناس! فهل تذكرونني«؟

وظهر على السيد وكأنه تذكره فقال: »نعم نعم.. أهلا وسهلا ومرحبا بكم يا أخانا العزيز. أين أنتم وما هي أخباركم...«.

وبقيت أنا (والحديث للمرحوم محمد قبازرد) متحيرا مما قاله صديقي التاجر الإيراني الذي لم أكن أظن أنه على معرفة وثيقة بسماحة السيد، فاستخبرته في ما بعد عن الأمر وسألته عن تفاصيل ما وصفه بـ »انقضاضه« عليه!

فقال لي: »إنني في بداية حياتي لم أكن أملك شيئا يذكر، كنت فقيرا وحالتي كانت سيئة من كل الجهات، فأوصلت نفسي ذات مرة إلى حرم أبي عبد الله الحسين سلام الله عليه وطلبت منه أن يوفقني لأن أصبح تاجرا كبيرا، وعاهدته إنْ هو استجاب لطلبي على أمرين: الأول؛ هو أنني سأقتسم مالي الذي سأحصل عليه معه، فأتبرع بالقسم الخاص به في سبيل الخير، والثاني؛ أنني لن أدع أسبوعا واحدا يمر دون أن أزوره حضوريا في روضته الشريفة.

وبالفعل فإنني ولله الحمد تمكنت من أن أصبح تاجرا كما ترى بفترة زمنية قياسية، رغم أنني بدأت عملي بشكل متواضع جدا وبقرض زهيد ولكن بركة أبي عبد الله عليه السلام جعلت الأموال تنمو وتكثر، إلى أن أصبحت تجارتي دولية وسفراتي متعددة ولي مكاتب وشركات في داخل إيران وخارجها.

منذ ذلك الحين وأنا أواظب على زيارة الإمام عليه السلام في كل أسبوع مرة، فكنت أوصل نفسي بشكل أو بآخر، بالطائرة أو بالسيارة أو بأية وسيلة إلى كربلاء للزيارة، وإن كانت زيارة مختصرة لدقائق معدودة كنت فيها أزور وأصلي ركعتي الزيارة وأقبل الضريح وأستأذن منصرفا. وواظبت على ذلك لسنوات وفاء لعهدي الذي قطعته على نفسي، والحمد لله فإنه لم يفتني أسبوع واحد دون أن أوصل نفسي إلى كربلاء للزيارة، حيث كنت في بداية كل أسبوع أُوَقِّتُ أعمالي بحيث يكون لي متسع من الوقت للسفر إلى كربلاء والقيام بالواجب.

وفي إحدى السنين كثرت أعمالي وتضاعفت بحجم كبير، وصرت لا أجد الوقت الكافي لمتابعتها كلها، ولكن مع ذلك كنت أوقف كل شيء وأضحي بكل المواعيد وكل الارتباطات للوفاء بعهدي للإمام سلام الله عليه. ولكن جرت الرياح بما لا تشتهي السفن.. فذات أسبوع وحيث كان مقررا أن أتوجه إلى كربلاء، كنت في أوروبا ولم أستطع الحصول على تذكرة طائرة لبغداد إلا بصعوبة، لأن تلك الأيام كانت أيام محرم وعاشوراء. وكان موعد الرحلة يصادف ليلة العاشر، وكانت ليلة جمعة أيضا، وكانت هذه آخر فرصة لي لزيارة الإمام عليه السلام في ذلك الأسبوع لأنني زرته في ليلة الجمعة الماضية. فكنت قلقا جدا من أن لا يسمح لي الوقت للزيارة قبل طلوع الفجر، وبذلك سينقضي عني ذلك الأسبوع دون أن أقوم بالزيارة.

وصلت إلى بغداد في منتصف الليل تقريبا، وركبت إحدى سيارات الأجرة وانطلقت إلى كربلاء طالبا من السائق الإسراع، ولكن الطرق المؤدية إليها كانت مزدحمة جدا بالناس وبالسيارات وبالحافلات، فالليلة كانت ليلة عاشوراء ومراسم العزاء على قدم وساق، والملايين من مختلف أنحاء العالم كانوا في طريقهم للحائر الحسيني الشريف.

وصلت إلى كربلاء فوجدت الشوارع مقفلة وكانت الساعة بحدود الثانية والنصف بعد منتصف الليل، ولم يتبقّ أمامي إلا ساعتان تقريبا قبل طلوع الفجر. كان الحرم غاصا بالناس والشوارع المحيطة به لم يكن فيها موطئ قدم، الكل كان يلطم وينوح ويبكي، فيما الناس كانوا في تدافع عجيب للوصول إلى الحرم المكتظ بأهله. ومع أنني كنت مرهقا جدا من السفر إلا أنني حاولت الوصول إلى الروضة والضريح المقدس بكل جهدي، ولكن كل محاولاتي باءت بالفشل، إذ لم أستطع التقدم نحو الحرم حتى لخطوات، واستمررت في جهودي قرابة الساعة إلى أن خارت قواي تماما، ولم أكن أستطع التحمل، فعدت أدراجي خائبا منكسرا ودموعي تجري على خدي. كنت محتاجا إلى شيء من الراحة، فقلت في نفسي: لأذهب إلى فندق من الفنادق المحيطة بالحرم لأستريح لدقائق ولأغتسل غسل الزيارة، ثم بعدها أنطلق إلى الحرم قبيل الفجر لعل الازدحام يقل عندها.

عندما وصلت إلى الفندق واستأجرت إحدى الغرف، استرخيت قليلا على السرير على أساس أن أنهض بعد قليل للاغتسال والزيارة، ولكنني مع الأسف غططت في نوم عميق دون أن أدري، ولم أستيقظ إلا على صوت أذان الفجر المنبعث من مئذنة الحرم، وبهذا يكون الأسبوع قد انقضى دون أن أتمكن من الزيارة، وكانت تلك المرة الأولى في حياتي التي لم أستطع فيها الوفاء بعهدي، فحزنت لذلك كثيرا.

قمت واغتسلت وتوضأت وصليت الصلاة، ثم نظرت عبر الشرفة فوجدت الناس قد تكاثروا وازداد عددهم عن الوقت الذي تركتهم فيه، فمع الفجر بدأت مراسم التطبير ولبس الأكفان وغيرها. لذا كنت متيقنا من أنني لن أتمكن من الوصول إلى الروضة، ثم إن الأسبوع قد انقضى بالنتيجة، فنظرت إلى قبة الحسين عليه السلام وبكيت بكاء شديدا لأنني لم أوفق للزيارة هذا الأسبوع، وأحسست بأنني كنت غير جدير بزيارته سلام الله عليه في هذه الليلة العظيمة، فساءت حالتي النفسية كثيرا وبدأت الأفكار تراودني، كنت أقول في نفسي: إنني لو كنت جديرا بالزيارة لما ردّني الإمام هذه الليلة! وما يدريني لعل كل زياراتي السابقة كانت بنية غير خالصة؟!

كنت في منتهى اليأس والخيبة، وحيث كنت على هذه الحال انتابني النوم، فنمت. غير أنني رأيت في منامي رؤيا عجيبة..

رأيت وكأنني قد وصلت إلى الحرم المطهر وقد شُقَّ لي طريق خاص بين الناس إلى الضريح المقدس، فأسرعت ووصلت إليه وأنا أقبل أطرافه وأعتذر وأبدي ندما لمولاي أبا عبد الله على تقصيري وأطلب منه السماح والمغفرة. في تلك الأثناء رأيت شعاعا عُلويا آتيا من فوق الضريح جهة القبة الذهبية، وكأن السماء قد انبثق منها ذلك الشعاع لينير الضريح بأنوار عظيمة. نظرت إلى الأعلى فوجدت شخصا نورانيا ينزل مع الشعاع إلى الأسفل إلى أن استقر فوق الضريح، وكان وجهه يشع نورا وبهاء وجمالا، فعلمت أنه سيدي ومولاي أبا عبد الله عليه السلام، فوجه حديثه لي قائلا: »إنك حيث كنت قاصدا زيارتنا ومنعتك الظروف، فإننا قد قبلنا زيارتك. وزياراتك كلها مقبولة، وعهدنا معك باق، فاطمئن«.

أفقت من النوم منتفضا لأجد الوقت قبيل الظهر. سجدت سجدة أطلت فيها البكاء وحمدت الله على هذه النعمة، أن أراني سيدي ومولاي أبا عبد الله عليه السلام ليطمئن قلبي، وليعفو عن تقصيري.

اغتسلت من جديد وتطهرت، ثم توجهت إلى الحرم المطهر، ورغم الازدحام إلا أنني تمكنت من الوصول إلى الضريح المقدس. هناك استذكرت رؤياي فشكرت مولاي صلوات الله عليه كثيرا وعاهدته على أن أبقى وفيا له في عهدي ما حييت. وكنت ساعتها في حالة روحية عالية.

أذن أذان الظهر، فرأيت الناس يتجمعون في الصحن الشريف لأداء الصلاة جماعة. ولم أكن قد شاركت قط في صلاة الجماعة بالحرم، فأحببت هذه المرة أن أشارك فيها التماسا للثواب وللفضل، فاصطففت مع الناس وجلست قاعدا أنتظر وصول الإمام الذي لم أكن أعرفه، واشتغلت في تلك اللحظات بالذكر والدعاء والتسبيح.

وبينما أنا كذلك إذ علت الأصوات بالصلوات على محمد وآل محمد حيث كان إمام الجماعة قد أقبل، فالتفت إليه ونظرت إلى وجهه.. فإذا بي أرى ذات الوجه الذي رأيته في رؤياي! إنه الإمام الحسين نفسه! الملامح نفسها والشكل ذاته! هاهو يتقدم للصلاة في حرمه!!

فركت عيني قليلا لأتأكد.. فإذا بي أجد الأمر حقيقة لا خيالا، فلم اشعر بنفسي إلا وأنا ناهض من مكاني ومتوجه إلى الإمام الحسين!

أسرعت إليه و»انقضضت« عليه مقبلا يديه ورجليه وأنا أصيح وأقول: »سيدي يا أبا عبد الله الحسين.. سيدي يا أبا عبد الله الحسين«!!

تفاجأ الناس بتصرفاتي العجيبة، وحاولي إبعادي عن الإمام دون جدوى! لقد كنت أرى أمامي أبا عبد الله عليه السلام نفسه وكنت أقول لهم: »اتركوني مع إمامي.. هذا إمامي.. إنه أبو عبد الله الحسين«!!

مهما حاولوا معي لم أكن أستجب لهم، وحاولي إبعادي بالقوة ولكنني كنت متشبثا بالإمام بكل قوتي! كان الإمام مذهولا مني وردّد علي قائلا: »أنا لست الإمام الحسين.. أنا محمد الشيرازي«!!

ولكنني كنت شبه غائب عن الوعي، ولم أستطع التركيز في كلامه إلا بعد تكراره لي أكثر من مرة! »أنا لست الإمام الحسين.. أنا محمد الشيرازي«!

هنا انتبهت فقلت له: »سيدي ومولاي.. ألست أنت الإمام الحسين«؟! فقال لي: »لا أبدا، وهل معقول أن يكون مثلي الإمام الحسين عليه الصلاة والسلام؟! أنا محمد بن مهدي الحسيني الشيرازي وهذا هو اسمي وهؤلاء جميعا يعرفونني«!

صُعِقت من إجابته وقلت له: »يا مولاي.. ألست أنت الذي أتيتني في المنام؟! لا لست أصدق.. أنت الإمام الحسين نفسه، هذا وجهك وهذه ملامحك«!!

خلال تلك اللحظات كنت لا أزال في حالة عدم الوعي الكامل، لأنني كنت منبهرا بما رأيته، إلا أنني بالنتيجة فهمت واستوعبت الأمر. لقد جاءني الإمام الحسين عليه السلام في تلك الرؤيا بهيئة هذا الرجل الصالح، وتمثّل به لقربه منه.

بعد ذلك عرفت أن هذا الرجل الصالح والسيد الجليل هو السيد محمد الشيرازي، مرجع التقليد في كربلاء وإمام الحرم الحسيني المطهر، وأنه حفيد المجدد الشيرازي الكبير الذي نسمع عن ارتباطه الوثيق بإمام العصر عجل الله فرجه.

ومنذ ذلك الوقت وأنا أقلد السيد الشيرازي وأحبه وأجلّه، وأتمنى أن أصبح خادما له. فالذي يشرفه الإمام أبو عبد الله الحسين عليه السلام بهذا الشرف ويتمثل بصورته، ليس إنسانا عاديا مثلنا«.

...

حقا.. إنه ليس مثلنا!

وهل يكون مثلنا مَن رهن نفسه وحياته وأسرته وكل ما يملكه في سبيل الله؟ وهل يكون مثلنا من جعل جل اهتمامه وفكره منصبا على الدعوة إلى الله وهداية عباده؟ وهل يكون مثلنا من لم تكن الدنيا وأمورها تشغل ولو حيزا بسيطا من عقله؟ وهل يكون مثلنا من لم يدع وقتا يفوته دون أن يعمل فيه ما يقربه إلى الله أو ما يقربنا نحن إلى فهم دين الله؟!

كان كل ما يريده في هذه الدنيا أن يرى الناس قد تمسكوا بعقيدتهم وأئمتهم ليعيشوا بسعادة ويضمنوا نعيم الآخرة. كان كل ما يريده منهم أن يرتفعوا عن مستوى التفكير بدنياهم وشهواتهم إلى مستوى التفكير بعواقب أمورهم، أن يخرجوا من سجن الجسد إلى آفاق الروح، أن يولدوا من جديد في عالم التقوى والذوبان في أهل بيت الرحمة سلام الله عليهم.

مازلت أراه ماثلا أمام عيني وهو يذكرني ويؤكد عليّ قائلا: »انقل لمن هم معك على لساني أن عليكم جميعا (وهو يقصد العاملين في الحقل الإسلامي) أن لا تغفلوا في غمرة أعمالكم من التوجه قلبيا وروحيا وعمليا نحو الرسول الأعظم وفاطمة الزهراء والأئمة الطاهرين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، عليكم أن تتوجهوا إليهم أولا وقبل كل شيء وأن تتمسكوا بهم، لأننا إنْ تمسكنا بهم تقدمنا بالحياة كما تقدم الأولون، وهؤلاء المعصومون ليست لهم حياة ولا موت، فهم أحياء عند ربهم يرزقون، وكما ورد في الرواية: (أشهد أنك تسمع كلامي وتشهد مقامي وترد سلامي وأنك حي لا تموت). والإنسان بروحه لا ببدنه، لأن البدن عاريةٌ موقتة.

وقد كان أحد الشعراء قد نظم قصيدة في الرسول صلى الله عليه وآله فرآه في المنام وقد أعطاه هدية هي عبارة عن ردائه المبارك، ولما قام الشاعر من المنام رأى عباءة الرسول على كتفه! وتسمى قصيدته بالبردة، لاعتبار هذا البرد، وكان هذا البرد موجودا عند الشاعر حتى اشتراه العثمانيون وأودعوه في متحف في تركية. والبردة موجودة إلى اليوم في المتحف العثماني.

وقبل مئتي سنة كان السيد عبد الله شبر وهو أحد علمائنا وصاحب مؤلفات كثيرة ومهمة بالكاظمية، وهو جد آل شبر المتواجدين في إيران والكويت والعراق وغيرها إلى اليوم، كان هذا السيد قد رأى الإمام موسى بن جعفر عليهما الصلاة والسلام في منامه وقد أعطاه قلما وقال له: »أكتب به«. فلما قام من المنام رأى أن القلم بيده وكان يكتب به إلى يوم وفاته!

وكان أحد العلماء في مشهد الإمام الرضا واسمه الشيخ حبيب الله الكلبيكاني توفي قبل أربعين سنة، ورآه بعض أصدقائنا ونقلوا لي قصصه، وله قصة عجيبة، إذ كان يصلي في مسجد (كوهر شاد) وكان يذهب إلى الحرم الشريف كل ليلة في السحر، فيصلي صلاة الليل هناك حتى يصبح، فيصلي جماعة في مسجد (كوهر شاد). وذات ليلة لم يتمكن من الذهاب للحرم لما أصابه من مرض شديد في رجليه، فقام وقت السحر وأراد أن يصلي في داره جالسا فخاطب الإمام الرضا عليه الصلاة والسلام قائلا للإمام: »يابن رسول الله قد كنت أنا آتي إلى حرمك أربعين سنة، وهذه الليلة لا أتمكن من المجيء إلى حرمك«! فبكى، وفي هذه الأثناء رأى في زاوية من الغرفة نورا، فنظر إلى ذلك النور فإذا به يرى الإمام الرضا عليه الصلاة والسلام واقفا ينظر إليه ويتبسم، وكان في يد الإمام الرضا وردة فأعطاها له وأخذها الشيخ بيده اليمنى، وبعد لحظة لم ير شيئا لا الإمام ولا النور ولا الوردة، وفي ذلك اليوم نفسه صارت يده شفاءً للناس، فإذا مسح بها مريضا به سرطان أو برص أو نحو ذلك شوفي بإذن الله في اللحظة نفسها، وقد رأيت أنا حينما كنت في مشهد، بعض المرضى الذين شوفوا ببركته في قصص طويلة.

وهكذا حال كل المعصومين، صلوات الله عليهم اجمعين، ولذا فاللازم عليكم أن تتوسلوا بهم وتطلبوا الحوائج منهم، كما قال تعالى: »وابتغوا إليه الوسيلة«، ويجب أن يكون اعتقادكم بهم قويا كما كان اعتقاد هؤلاء العلماء بهم، الذين حصلوا على هذه الكرامات منهم، فإذا كنتم كذلك وجدتموهم دوما إلى جانبكم في السراء والضراء، هم يؤيدونكم في أعمالكم هذه ويسددونكم ويحمونكم من أعدائكم، كونوا معهم يكونوا معكم«.

أجل.. مازلت أتذكره وهو يغمرني بأبويته ويوصيني قائلا: »لا تترك قراءة دعاء مكارم الأخلاق للإمام السجاد عليه الصلاة والسلام، إنك إذا قرأته بإخلاص ودققت في معانيه العظيمة؛ حزت على مكارم الأخلاق التي لم يبعث نبينا صلى الله عليه وآله وسلم إلا لإتمامها. لا ينفع أن تكون فاعلا في نشاطك الديني ولا أن تكون كاتبا مقتدرا أو خطيبا مفوها، ولا أن تؤسس مئات المؤسسات، ولا حتى أن تصنع دولة إسلامية عظمى.. ما لم تكن خلوقا ويحبك الناس لأجل أخلاقك، الأخلاق الحسنة أساس من أسس العمل، بدونها يفسد العمل حتى ولو نجح في البداية«.

وصرت بعدها كلما قرأت هذا الدعاء أتذكر كلماته تلك، بل كلما أقرأ شيئا من القرآن أو من نهج البلاغة أجد روحي تجنح نحوه، فمازلت أسمع صوته الحنون وهو يرشدني قائلا: »من أهم ما يجب أن تسعى به أنت ومن معك من زملائك، ترجمة القرآن الحكيم ونهج البلاغة والصحيفة السجادية إلى عشرات اللغات، ثم طباعتها بمليارات النسخ وتوزيعها على كل الشعوب حتى يتعرفوا على ديننا العظيم. نحن مقصرون جدا، فهذه كنوز بأيدينا وبسبب تقصيرنا لا يعرف عنها العالم شيئا. أليس مخجلا لنا أن يطبع شيوعيو الصين (الكتاب الأحمر) الذي يحوي مبادئهم بمليارات النسخ ويترجمونه إلى أكثر من 800 لغة بينما (كتاب الله) الذي بأيدينا لم يترجم ربما إلا إلى أربعمئة لغة كحد أقصى؟! هذا أمر مخجل لنا وسنحاسب عليه أمام الله تبارك وتعالى. في يوم القيامة سيأتي الله بمؤلف الكتاب الأحمر (ماوتسه تونغ) والشيوعيين ليجعلهم علينا حجة نحن المسلمين، ويقول لنا: انظروا كيف اهتم هؤلاء بكتابهم ونشروه بين كل الأمم، وانظروا كيف أهملتم كتابي الذي جعلته بين أيديكم!

إن مؤلفة واحدة في بريطانيا وتدعى (جاثا كريستي) ألفت 114 كتابا، وطبعت من كتبها مليار (ألف مليون) نسخة، وتُرجِمت كتبها إلى 103 لغات عالمية.. هذه مؤلفة واحدة قد طبعت مليارا من الكتب؛ أما نحن المسلمين الذين نبلغ المليارين فلم نستطع كلنا القيام بمثل هذا الجهد الذي قامت به امرأة واحدة!

المنصّرون والتبشيريون المسيحيون ترجموا إنجيلهم إلى ألف لغة، وطبعوا منه مليارين ووزعوه في مختلف أنحاء العالم، أما قرآننا الحكيم فلم يحظ بأقل من هذا بسببنا نحن!

في مكتبة الكونجرس الأميركي هناك أكثر من تسعين مليون كتاب، بينما في دولنا الإسلامية لا توجد مكتبة واحدة فيها مليون كتاب على الأقل! أنا شخصيا سعيت حينما كنت في العراق لأن أؤسس مكتبة فيها على الأقل مليون كتاب، ولكن النظام وضع عراقيل دون الأقل الأقل من ذلك، فكيف بمثله؟ّ!

نحن لا نهتم بالثقافة والكتب كما ينبغي، مع أن الإمام الصادق عليه الصلاة والسلام يقول: »اكتب وبث علمك في إخوانك فإن مت فأورث كتبك بنيك فإنه يأتي على الناس زمان هرج لا يأنسون فيه إلا بكتبهم«. نحن مقصرون جدا جدا.. ونتحمل المسؤولية إزاء عدم تعريف الآخرين بالإسلام.

ماذا ننتظر؟! هل نتوقع أن يقبل الآخرون على الإسلام ونحن مقصرون عن تعريفهم به؟! أم هل ننتظر منهم أن يعتنقوا دينا تعرفوا عليه من خلال سيرة الخلفاء والحكّام؟!

إنني لمست من كثير من الغربيين أنهم ليسوا أهل تعصب، بل طلاب حقيقة، ولو أننا صححنا فكرتهم السلبية عن الإسلام وعرّفناهم بإسلام أهل البيت عليهم الصلاة والسلام لاعتنقوه وما تركوه، ولكن المشكلة فينا نحن المسلمين ليس إلا«.

صدقت يا مولاي.. فالمشكلة فينا نحن!

قلت له بعدها: »فما السبيل يا مولاي«؟! فأجابني قائلا: »أن نؤسس في الدول الغربية منظمة إسلامية عالمية ذات مرونة في العمل لحمل الثقافة الإسلامية وإيصالها إلى مختلف الشعوب والأمم.

إن هناك قسطا من الحرية في الغرب بحيث نستطيع أن نتحرك بحرية أكثر من دولنا القمعية هنا. اذهبوا إلى هناك وانطلقوا في أعمالكم.

إن الأوروبيين تبلغ نفوسهم حوالي 600 مليون، والأميركيون 280 مليونا، وهؤلاء متحدون وثقافاتهم متمازجة، فلو أثرنا في أوروبا سنجد أميركا تتأثر، وإذا تأثرت أميركا فستتأثر اليابان التي نفوسها حوالي 100 مليون لأنها شديدة التأثر بأميركا وهي تبع لها، وإذا تأثرت اليابان فستتأثر دول الشرق الأدنى، بل إن العالم كله يتأثر بما في الغرب، فإذا كانت ثقافة الغرب إسلامية، فسينتشر الإسلام في العالم. وأنا لا أستبعد أن يحدث ذلك عما قريب إن شاء الله بهمة العاملين وحمَلة الدين، خاصة وأن الإسلام يعد الديانة الأكثر نموا في أميركا والغرب بشكل عام. فاستثمروا هذه الفرصة وانطلقوا من هناك«.

هكذا كان عملاقا في تفكيره، يقودك الحديث معه إلى عالم آخر، هو عالم الروح وعالم الولاء، ويعطيك النشاط والحافز في سبيل العمل. ولكنه لم يجد مع الأسف الذين يطبقون وصاياه ويعملون بحذافيرها ويكونون بحجم المسؤولية!

مازلت أتذكره في آخر لقاء لي معه، كان ذلك قبل نحو سنتين لم أوفق بعدها للتشرف بخدمته.. ويا لحسرتي وندمي..

تحدثت معه بحديث لا أستطيع نشر تفاصيله ولا البوح بها لأحد، كان حديثا غير اعتيادي، ومازالت كل كلمة خرجت على لسانه الفيّاض ترن في مسامعي، مازلت أحفظ كل حرف منها، لأنه كان حديثا نابعا من قلبه الكبير المثقل بالجراح والمتخم بالسهام.

في ذلك الحديث أحسست كم تحمّل هذا الأب العطوف من المآسي والمحن والآلام، وكم تجرّع من المرارات طوال مسيرته التي قادته من كربلاء إلى الكويت ثم إلى قم، من اليوم الذي فقد فيه أباه الجليل ثم أمه الرؤوم، ثم فاجعته باستشهاد أخيه، ثم محنته باعتقال أبنائه ومريديه.

كان حديثا حزينا، ومازلت أرى عينيه الرقيقتين ترمقان السماء وهو يتنهّد تنهدا طويلا ثم يقول: »لله شكواي.. لقد اشتقت إلى كربلاء.. وأدعو ربي أن يريني ذلك اليوم الذي أعود فيه للصلاة من جديد في حرم جدي أبا عبد الله الحسين«..

طأطأت رأسي وقبّلت يديه المقدستين وقلت له بحرقة قلب وحسرة: »أنا فداك سيدي ومولاي.. فداك أبي وأمي«..

وارتحل وفي قلبه تلك الأمنية. وهو الآن يشكو لجده الذين حرموه وظلموه وآذوه.

...

بأي حال أقبلت يا عيد؟!

في كل ليلة عيد، خاصة إذا كان عيد الفطر، يشعر المرء بفرحة تغمره، ويتملّكه إحساس بالسعادة، فلا يبات تلك الليلة إلا هانئا منتظرا شروق شمس يوم العيد، حيث يتوجه إلى الصلاة ويبدأ بعدها بتجهيز نفسه للتبريكات والتهاني ومعايدة الأهل والأصحاب.

إلا أني - وخلافا للعادة - انتابني في ليلة عيد هذه السنة شعور كئيب ولم أكن أعلم سرّه. كان الوقت ليلا فإذا بي أجد قلبي ينقبض، فظننت أن الأمر مترتب على بعض الإرهاق أو التعب كما هو شأن بدني الضعيف، ولكني لمست أنني وإن كنت مرهقا إلا أنه ليس لذاك أية علاقة بما أشعر به من انقباض. كنت أتساءل في قرارة نفسي: إنها ليلة العيد.. فما بي؟!

استرخيت قليلا لعلي ألاقي الهدوء والطمأنينة، ولكن قلقي كان يتزايد، واستمر بي الحال على هذا النحو إلى ما قبيل الفجر، فحسبت أن الشعور الذي انتابني يعود إلى جملة من الأثقال الشخصية والأحمال الإدارية التي تراكمت عليّ في الآونة الأخيرة. وحاولت إقناع نفسي بذلك.

من عادتي.. أن أتوجه - حينما أتعرَّض لشعور من هذا النوع - إلى سيدتي ومولاتي الزهراء صلوات الله وسلامه عليها، فأكتب لها رسالة أبث فيها همومي وأدونها في دفتر خاص بمذكراتي. فشرعت في الكتابة وخاطبتها صلوات الله عليها وكلّي حزن وأسى، وبينما أنا كذلك؛ استذكرت ما جرى عليها، عندما عصروها - بأبي وأمي وروحي - بين الحائط والباب فانكسر ضلعها وألقت بجنينها وصاحت: »وا محمداه.. وأ أبتاه«!

وانهمرت مني الدموع، وكتبت لها: »سيدتي أم الحسن.. أي عيد تكتمل فيه الفرحة بعدما جرى عليك يا سيدتي يا كعبة الأحزان؟! الليلة ليلة عيد ولكن فرحتنا لم تكتمل ولن تكتمل إلا بعد ظهور ابنك المنتظر - صلوات الله عليه - ليخرج الجيفتين ويحرقنّهما ويذرينّهما، حينها يتحقق الانتقام والقصاص - ولا قصاص - فتكتمل الفرحة. حينها فقط.

ومع ذا فإننا نتجرأ بأن نفرح في هذا العيد، كما أمرتمونا سيدتي، امتثالا للأمر وطاعة، فقد أردتم يا أهل بيت الرحمة أن لا تحرمونا من الفرحة والأعياد رغم أن ما جرى عليكم من المصائب والرزايا كفيل بأن يديم الحزن على الأمة ويجعله سرمدا.

ولكنني يا مولاتي يا قطب الأكوان، أشعر وكأن هما شديدا قد اعتراني في هذا العيد، ففرجي عني سيدتي وأغيثيني، ولا ترديني، واجعليه لنا عيدا مباركا سعيدا، فإنما أنا عُبَيْدُكِ الذليل المفتقر إلى نظرة واحدة منكِ.. نظرة واحدة كفيلة بإزاحة الهموم عن صدري، فهل تردينني يا سيدتي؟! حاشاكِ«.

لقد أحسست بأنه عيد حزين، ولم أكن أعلم بالسبب، فحتى تلك الساعة لم أكن أعلم بالخبر المفجع، ولم يكن أحدٌ في الكويت يدري أيضا، بما فيهم أنجال الأسرة المرجعية الشريفة المتواجدين هنا.

صليت الفجر وبدأت ببعض التسبيحات، ثم وجدتني لم أقوَ على الخروج والتوجه إلى المسجد لأداء صلاة العيد، فقد كانت ليلة مرهقة وصعبة على نفسي. فخلدت للراحة.

واستيقظت بعد ساعات وطفقت أتجهز لمعايدة الأهل. كان الضيق لا يزال محيطا بي، ولكنني حاولت إخفاءه، فزرت وعيّدت وباركت. إلى أن جاءني ذلك الاتصال وليته لم يجئ..

كان الوقت عصرا وأنا أقضيه بين الأهل، فإذا بذلك الهاتف يرن ويردون عليه، وطُلِبت فأعطوني السماعة، وأجبت، فقيل لي: »أتعلم شيئا عن حال السيد؟

قلت: أي سيد؟

- سماحة السيد.

> السيد المرجع؟

- نعم.

> ما به؟

- ألا تعلم؟

> لا.. أخبرني! ماذا جرى له؟!

- سمعت بأنه في العناية المركزة لإصابته بغيبوبة.

> ماذا تقول؟! غيبوبة! منذ متى؟! من أخبرك بذلك؟!

- اتصل بي فلان وأخبرني للتو.

> هل هو متأكد؟! من قال ذلك؟! منذ متى هذا الخبر؟!

- الآن الآن.. ويقولون أنه في حالة خطرة جدا وربما يكون قد فارق الحياة!

> لماذا.. كيف ذلك؟! متى؟! من قال؟! أين السادة.. أين الجميع؟!

- إنهم الآن مجتمعون في المسجد والديوانية«.

ألقيت السماعة من يدي وهرعت خارجا والكل يسألني: »ماذا بك؟! ماذا جرى؟! إلى أين أنت ذاهب؟! على رسلك؟!« ولم أستطع النطق، كان قلبي يخفق بقوة وأنفاسي تتقطع. ركبت السيارة وانطلقت بأقصى سرعة إلى المسجد، وفي الطريق كنت أتصل بهذا وذاك ولكن الخطوط كلها كانت مشغولة ولم أفلح في الحديث مع أحد.

كنت مضطربا إلى ابعد حد، وكانت أطرافي ترتجف من شدة الخوف. بكيت بكاء شديدا وتوسلت بالزهراء صلوات الله عليها أن يكون الخبر مكذوبا، وأن تحفظ لنا سيدنا وحبيب قلوبنا.

وجاءني اتصال ثانٍ، أُخبِرتُ فيه بأن هناك اشتباها في النقل، فزوجة سماحة السيد المرجع هي التي في العناية المركزة وليس هو. هدأت أنفاسي قليلا لكن قلقي زاد.

دقائق ووصلت إلى بنيد القار، فوجدت جمعا من الأخوة متجمعين أمام بابي المسجد والديوانية، وقد بدا عليهم الأسى والقلق. جئتهم وسألتهم: ما الخبر؟! فقالوا: »السيد في العناية المركزة وفي حال خطيرة!!

قلت: أهو السيد أم زوجته؟

- بل هو السيد.

> ولكن بلغني أنها زوجته!

- هكذا قيل لنا بداية ولكن تبين أنه هو.

> كيف؟!

- أرادوا (من قم) في البداية أن يموهوا الخبر إشفاقا على أنجال السيد. الخبر صباحا كان حول تعرّض حرم السيد لغيبوبة، ولكن قبل قليل أكدت (قم) أنه السيد نفسه«.

وأحسست وكأن صاعقة قد أصابتني على أم رأسي، وكدت أقع أرضا، فاستندت إلى الجدار ووضعت يدي الأخرى على قلبي. كانت لحظة عصيبة عليّ، وبدأت أرتجف بشكل متواصل.

أوصلت نفسي بخطوات متأنية إلى المسجد، وجلست وأنا لا أقوى على النهوض ثانية. سجدت سجدة طويلة دعوت الله فيها وبكيت بكاء مرا، لم أكن أنا وحدي على تلك الحال، كان حال معظم من كان في المسجد. همسات هنا وهناك وأصوات كلها تدور بين »ما الخبر«؟ و»هل صحيح«؟ وبين »لا حول ولا قوة إلا بالله« و»إنا لله وإنا إليه راجعون«.

ومضت لحظات حتى أذن أذان المغرب، فجاء سماحة آية الله السيد حسين الشيرازي ليؤم المصلين، كانت عيناه محمرتان، والجميع التفوا حوله مستفسرين، كان يكتفي بقول: »الأمل بالله«. ومضى نحو المحراب وتأهب لإقامة الصلاة. ثم جاء سماحة آية الله السيد مرتضى الشيرازي، وتجمع الحاضرون حوله وكلهم يقولون: »سيدنا طمأنونا«! فكان يكتفي بالقول: »نحتاج للدعاء.. الحالة خطرة ونحتاج للدعاء«.

ما كدت أتمكن من النهوض لأداء الصلاة، كنت أحس بحمل ثقيل على ظهري، ورجلاي كانتا ترتجفان. استجمعت قواي واستعنت بالله وقمت، وحاولت أن لا اشغل فكري وأن أحصره في الصلاة ولكنني فشلت في التركيز. فصليّت بحال تقاذفتني فيها الأفكار والهواجس. لقد كان الأمر فوق طاقتي، وأسأل الله أن يتجاوز عني.

بعد الصلاة ارتقى أحد السادة الخطباء المنبر، وأعلن عن تعرّض سماحة الإمام المرجع لوعكة صحية خطيرة، وأنه الآن بين الحياة والموت! فضججنا بالبكاء، ثم قرأ شيئا من مصيبة الزهراء سلام الله عليها بصوت حزين مفجوع، فعلا بكاؤنا وارتفعت أصواتنا، وفي تلك الحالة رفعنا أيادينا إلى السماء ودعونا الله بصوت جماعي واحد »أم من يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء«. دقائق معدودة وكانت الكويت كلها قد أتت إلى ديوانية المسجد، العلماء والخطباء والشخصيات والفاعليات الدينية والاجتماعية والسياسية، الوزراء والنواب، الصحافيون وممثلو وكالات الأنباء، المؤمنون رجالهم ونساؤهم، كبيرهم وصغيرهم. رأيت شيوخا طأطأت عجيزتهم يبكون بحسرة، وشبابا ينوحون ويضرب بعضهم كفه على هامة رأسه ألما، وفتيانا صغارا دمعت أعينهم.

صوتا عاليا خرج من هناك: »لا.. لن يموت«!! وآخر خرج من هنا: »يا الله.. يا زهراء.. يا مهدي أدركنا«!!

السماء تلبدت بالغيوم ولم تنقشع، وازداد التلبّد مع جريان الوقت، ومع كل اتصال بقم المقدسة. سماحة السيد محسن الخاتمي كان يجري اتصالاته بمستشفى السيد الكلبيكاني حيث يرقد الإمام في العناية المركزة، وتكلم مع الأطباء.. أجابوه بصوت واحد: »لا شيء بيدنا إلا أن تحدث معجزة«!

وجاء أطباء كويتيون متخصصون إلى الديوانية وطلبوا التحدث مع الأطباء الإيرانيين. واستمرت الاتصالات إلى أن استطاعوا ربط الخط، تكلموا مطولا بلغتهم الطبية، كانوا هنا يقولون: »حاولوا كذا..« فيردون عليهم هناك: »حاولنا.. ما من جدوى«.

سألوهم عن بعض المؤشرات.. وبعد حديث طويل أغلقوا السماعة. ونكّس كلٌ منهم رأسه. صحنا بهم: »أخبرونا ما حالة السيد«؟! أجابونا بصوت متقطع: »طبيا: إنه ميّت إكلنيكيا«..

ولا أستطيع وصف ما جرى لنا بعد هذه الكلمة، فكأن السماء انطبقت على الأرض. كما لا أستطيع أن أصف حالي عندما قمت بنفسي بالاتصال للتأكد، وسمعت ما سمعت.

وطوال الليل كانت مجالس الدعاء منعقدة في غير مكان من العالم حتى الساعات الأولى من الفجر، وربما كانت هذه الليلة - بالنسبة لي - من أطول الليالي وأحلكها سوادا في حياتي، فقد عدت إلى المنزل والصدمة تعقد لساني وتشل أعضائي. لم أكن أتمكن من فعل أي شيء سوى الصمت.. الصمت فقط.

وبعد منتصف الليل جاءني ذلك الاتصال الذي كان كبارقة الأمل، إذ أُخبِرت بأن ثمة تطورا إيجابيا قد طرأ على حالة سيدي الصحية، وتمثّلت بتحريكه عينيه ويده، وأن الأطباء استبشروا خيرا بهذا التطور. وساعدني ذلك الخبر على النهوض وإجراء بعض الاتصالات لإتمام بعض الترتيبات، ثم طفقت أتوسل بالحوراء زينب صلوات الله عليها، لأنها كانت قد أنقذت سيدي في أزمة صحية مماثلة من حيث الخطورة. كان ذلك قبل ثلاث سنوات عندما سقط الإمام في غيبوبة أيضا، وجاء الأطباء فأبدوا عدم مقدرتهم على فعل أي شيء، بل قالوا لذويه: »ترحموا عليه.. عظم الله أجركم«! إلا أن السيد الصادق أشار على الجميع بالتوسل بالعقيلة زينب سلام الله عليها، فكان أن قام الإمام من غيبوبته! وعندما سألوه: »مولانا.. ماذا جرى لك«؟! حكى قائلا: »لا أعلم.. كنت نائما ثم رأيت عمتي زينب وقالت لي: قُم يا محمد«!!

هذه الحادثة المعروفة التي أدهشت الأطباء وشاع خبرها قبل ثلاث سنوات؛ استذكرتها عندما جاءني ذلك الاتصال، فتوجهت بكل كياني إليها - سلام الله عليها - راجيا أن تحفظ لنا سيدنا وذخرنا. كنت أقول لها: »سيدتي.. أعلم أننا لا نستحقه، وأعلم أنه متشوّق للقياكم، ولكن.. إنْ هوَ رحل عنّا، ضعنا«.

وجاء موعد صلاة الفجر، فصليت ودعوت وتوسلت. ومع أن آخر خبر وصلني كان مبشرا، إلا أنني كنت مازلت أشعر بنوع من الانقباض. أجل.. فلا راد لقضاء الله عز وجل. وإن كنت مازلت حتى يومي هذا لا أهضم ما رُوِيَ إلينا من أن يدا لم تتدخل في ذلك »القضاء«. وحسبنا الله ونعم الوكيل.

استيقظت صباحا على ذلك الاتصال.. اتصال الفاجعة، كذّبت الخبر وقلت: »لقد تحسنت حالته بالأمس«! فقيل لي: »قبل نصف ساعة وصلنا النبأ بالفاكس«. اتصلت ببيت المرجعية للتأكد فكان الجواب: »عظم الله أجوركم«..

ولا أذكر بعدها سوى أنني ضربت رأسي بسطح المكتب.. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

...

وا مصيبتاه!

حطّت الطائرة في مطار طهران ومن هناك سرنا إلى قم بالحافلات، ووصلنا إلى قم المقدسة في وقت متأخر من الليل، ولم تكن أمامنا سوى ساعات معدودة نتوجه بعدها إلى منزل الإمام المظلوم الراحل للمشاركة في التشييع.

خلال هذه الساعات كان لزاما عليّ أن أتوجه إلى حرم المعصومة صلوات الله وسلامه عليها لأداء واجب الزيارة والاستئذان بالمُقام في المدينة، فاصطحبت معي أحد الأصدقاء. عندما وصلنا إلى بوابة الحرم، رأينا - للمرة الأولى - تلك الصورة المؤلمة التي خنقتنا عبرتها، صورةٌ في زاويتها العلوية اليسرى ذلك الخط الأسود العريض المدلِّل على غياب صاحبها، وأسفلها عبارة بالفارسية تقول: »مرجع عالم التشيع عالي القدر حضرة آية الله العظمى الحاج السيد محمد الحسيني الشيرازي.. قدس سره«.

لطالما زرنا ذلك الحرم الشريف، لكن الذي لم يخطر على البال أن نرى على بوابته مثل هذا الإعلان المفجِع، الذي ينبئ عن ارتحال مهجة قلوبنا.. إمامنا العطوف الرؤوف..

كان المنظر مؤلما حقا عند تلك البوابة، وفي ذلك الوقت المتأخر من الليل، حيث سكون الحزن وظلام الفاجعة، فتوقفنا لحظات عند ذلك المنظر الذي لم نألفه ودمعت عيوننا حسرة وعبرة.

تقدّمنا إلى الرواق ثم إلى الحضرة والضريح. زرنا الزيارة وصلّينا ركعات وقدّمنا عزاءنا للسيدة سلام الله عليها. أذن الصبح فأدينا الفريضة واشتغلنا بالدعاء. وفي طريق العودة كانت الشمس على وشك الشروق فأنارت الطرقات، ساعتها لاحظنا يافطات التعزية السوداء تلك، والصور التي انتشرت في أروقة المدينة للمرجع المظلوم.

كان علينا أن نسارع الخطى ولكننا لم نلتفت إلى ذلك، فقد كان لا يزال هناك متسع من الوقت إلى أن يبدأ التشييع حسب الموعد المعلن عنه رسميا، وكنا نظن أننا سنكون من أوائل الواصلين. غير أن الذي فوجئنا به، أننا ورغم توجهنا إلى بيت الإمام قبل الموعد المقرر بفترة لا بأس بها؛ إلا أن الطرقات الداخلية المتفرعة من الشوارع الرئيسية والمؤدية إلى البيت كانت كلها مكتظة بالناس الذين جاءوا من مختلف أنحاء العالم. وكان الإيرانيون هم السواد الأعظم منهم بطبيعة الحال، يليهم العراقيون والأفغان والآذر، ثم الخليجيون وفئات ووفود أخرى.

كان الوجوم يخيّم على وجوه الجميع، والحزن يلف المكان، ولا تمر دقيقة إلا ويحتشد المزيد من الناس القادمين. حاولنا التقدّم نحو البيت بصعوبة، إلى أن أوصلنا أنفسنا بمشقة إلى قبالة الباب، ولم يكن بمقدورنا التقدّم أكثر.

في الداخل؛ كان الخطيب السيد محمد باقر الفالي يقرأ وينوح، وأمامه الجثمان الشريف الذي كان كالحجر الأسود يتدافع عليه الناس لتقبيله والتبرك به. في الخارج؛ كان المتوافدون يصيحون ويندبون والصوت يصلهم من الداخل عبر المكبرات.

أصوات النساء المحتشدات كانت الأكثر إيلاما، عندما سمعتهن استذكرت مشهد نساء الحسين عليه السلام يوم الطف وهن يصحن »وا حسيناه«.. والحق أن النساء في يوم الشيرازي العظيم كنّ يصحن أيضا »وا حسيناه«، ذلك لأنه - رضوان الله عليه - كان قد أوصى في وصيته بأن لا يهتف مشيعوه بأي هتاف سوى »وا حسيناه«.. وهذا ما ذكّر به السيد الفالي وأعلنه على جموع المحتشدين.

حقا.. في ذلك اليوم العصيب تجددت علينا مصائب أهل البيت صلوات الله عليهم، ولم أجد نفسي إلا وأنا أصرخ وسط الزحام: »اليوم مات جدي.. اليوم ماتت أمي.. اليوم مات أبي.. اليوم مات أخي« وهي الكلمات التي قالتها العقيلة زينب صلوات الله عليها يوم الطف. لا أعلم لمَ صحت بها سوى أنني شعرت بأن مصائب أهل البيت قد تجددت في هذا اليوم، بل لقد شعرت بشعور هو الأوّل في حياتي من نوعه، كان شعورا غريبا ولا أتمكن من توصيفه، غايته أنني أحسست بأنني أعيش في هذه الساعات في زمان تلك المصائب، وأني أحضرها الآن وأراها بعيني هاتين. فكانت مشاهد استشهاد رسول الله، وضربة أمير المؤمنين، وكسر ضلع الزهراء، وسم الحسن، ومقتل الحسين، ومظلومية سائر الأئمة.. كانت تلك المشاهد تتراءى أمامي، فأصيح: »وا سيداه.. وا مظلوماه«.. وكان صوتي يضيع وسط الأصوات، فكلٌ كان ينادي ويصيح.

ثم رأيت وكأن أمواجا من البشر تتدافع نحو نقطة معينة، فعلا كان الأمر يشبه التموّج المتواصل، دققت النظر فرأيت أن السيد الرضا ظهر وسط الجموع خارجا من المنزل، فتدافع الناس حوله قاصدين الوصول إليه، وكان التدافع شديدا جدا، ولولا لطف الله تعالى ووجود إحاطة من عدد من المؤمنين حول السيد لحمايته لوقعت عواقب وخيمة. والواقع أن هذا التدافع استمر طوال مسيرة التشييع وحتى الحرم، الأمر الذي اضطر السيد الرضا للتوقف أكثر من مرة لالتقاط الأنفاس، ولنا أن نتصور حالته أثناءها وهو المفجوع برحيل والده المقدس. وكنت أقول: ساعد الله قلبه إذ يتحمّل كل هذا.

بعد خروج السيد الرضا من المنزل؛ تعالت أصوات من هم في الداخل، وسمعنا نحن الذين كنا في الخارج دويّ اللطم على الرؤوس والصدور، وازدادت الحرارة وعلا الهتاف. كان السبب في ذلك بدء حمل الجنازة المهيبة والاستعداد لإخراجها من المنزل نحو الحرم الشريف لتتم مراسم الصلاة بإمامة آية الله العظمى السيد الصادق.

كان المحتشدون في الخارج يتأهبون - بتأثر شديد - لاستقبال الجنازة، فحتى تلك اللحظة لم يكن أحد منا قد رآها. ولا أنسى تلك اللحظة التي لاح فيها النعش المقدس من الباب، فما إن ظهر أمام الجموع حتى ضج الناس وبدت قم ترتج بأكملها من الوقع.

وفي تلك اللحظة القاسية على القلوب، كدت أنهار تماما، إذ كنت أصرخ وأصيح حتى تجمدت عروقي من هول المنظر الذي رأيته، فإنها المرة الأولى التي أرى فيها نعش سيدي ومولاي وأبي محمولا على الرؤوس والأكتاف وتتناقله الأيادي.

طوفان من البشر سعوا نحو النعش وقد انهمرت مآقيهم بالدموع وهم يصيحون »وا حسيناه.. وا حسيناه«. وعندما رأيتُ عمامة الإمام السوداء فوق نعشه الأسود، كدت أسقط أرضا، فوربّي كان صعبا على قلبي أن أرى هذه العمامة الشريفة التي كانت رمز عزتنا وكرامتنا على نعشٍ بدلا من رأس!

وسارت الجنازة وسط الموكب المهيب، وأُقفِلت الشوارع واحتشد الناس على جوانب الطرقات وعلى أسطح المباني حتى امتلأت الشوارع المؤدية إلى الحرم المطهر. وكان اثنان من الرواديد ينعيان بذكر مصيبة الحسين عليه الصلاة والسلام، أحدهما كان في مقدمة الجنازة وكان يقرأ بالفارسية، والآخر في مؤخرتها وكان يقرأ بالدارجة العربية. ورغم أن الأشعار والمرثيات التي ذُكِرت كانت معروفة لنا جميعا، إلا أننا كنا نشعر وكأننا نسمع بها للمرة الأولى لما صاحبها من إحساس بالحرقة والألم والحسرة. والإمام الفقيد لم يسمح في وصيته بأن تُقال مرثيات منظومة فيه أثناء تشييعه، وأراد أن يقتصر الرثاء على أهل البيت صلوات الله عليهم، فمصيبتهم أعظم وأولى.

الرؤوس منكسة إلى الأسفل، والحزن يلف أنحاء المدينة، والسواد في كل مكان، وهتافات العزاء تزلزل الأرض. مئات الألوف كانت تندب وتبكي وترثي، والمراجع والمجتهدون والعلماء خرجوا من الحوزات للمشاركة في تشييع المرجع الأعلى.

وصل الموكب إلى الحرم المقدس، وبدا الحرم وكأنه يفتح ذراعيه لاستقبال السيد المظلوم. الصحن كان يغص بالمحتشدين حتى ظل قسم منهم خارج الحرم إذ لم يستوعبهم الصحن على مساحته الواسعة.

وطيف بالجثمان المقدس في الصحن الشريف، فيما كانت مكبرات الصوت المنصوبة على مآذن الحرم تعلن الحداد على مرجع الأمة وتنعاه. والناس في كل مكان يبكون ويلطمون وينوحون.

ثم أوصِل الجثمان إلى ضريح السيدة المعصومة صلوات الله وسلامه عليها، ذلك الضريح الذي كان مهوى فؤاد الإمام الذي حُرِم منه لسنوات طوال قضاها في منزله مقهورا. فكأنه أتى في هذه اللحظات الأخيرة ليجدد عهدا، وليناجي السيدة الطاهرة ولتناجيه، وليشكو إليها ممن حرمه من زيارتها طوال هذه السنوات..

أُعيدَ الجثمان الشريف إلى الصحن وسط غزارة الدموع وحالة الفجيعة المسيطرة على المجموع، وما إنْ وُضِع على الأرض استعدادا لإقامة الصلاة حتى ألقى كلٌ بنفسه عليه، هذا يقبّله وذاك يقلّب خدّيه عليه، وثالث يحاول أن يحتضنه ورابع يلصق قلبه به وخامس يتأوّه عنده وسادس يتبرّك به.. وهكذا.

كنا جميعا نحاول أن نلجأ إليه في وفاته كما اعتدنا أن نلجأ إليه في حياته. وأظن - بل أكاد أجزم - أن كلا منا كان يشعر وكأنه لا يزال حيا، وأنه مستعد لاستقبالنا واحتضاننا كما كان يفعل دائما بأبويته وحنانه وعطفه. هكذا كنا نراه أمامنا.

حاولتُ أن أصل إليه مرارا ولكن الذين التصقوا به كانوا كثيرين، إلى أن استطعت أخيرا أن أنفذ بينهم وأوصل نفسي - لثوان معدودة - إليه، فأومأت برأسي للأسفل وقبّلت نعشه المقدس، وكانت آخر قبلة مني إليه. لحظتها.. توقف بي الزمان وما شعرت بمن حولي، بكيت بكاء مرا وما كدت أستطيع أن أتنفس، إذ خنقتني العبرة وشهقت شهقات.

ثم أُعلِن عن حضور السيد الصادق فهرع الناس إليه وتراصّوا حوله من كل جانب، ومهما جَهِد المنظمون لأن يبعدوهم عنه لم يفلحوا. كان سماحته محمرّ العينين، مطأطئ الرأس، منهار القوى.. لم يستطع التحمّل - وهو المريض بالقلب - فساءت حالته وبان عليه التدهور. صاح المنظمون بالناس: »ابتعدوا.. ابتعدوا.. السيد يختنق.. اتركوه يتنفس«. إلا أن الناس ما انفكوا حوله، ولا ألومهم، فقد كانوا في غير وعيهم، وكلنا لم نكن في وعينا لهول ما نراه.

أحضر المنظمون كرسيا وطلبوا من سماحته الجلوس ريثما يرتاح قليلا. وكنت أنظر إليه وقلبي يكاد ينفطر، فقد كان شاحب الوجه، مكسور الجناح، وكأن لسان حاله: »الآن انكسر ظهري«.. تلك الكلمة التي قالها مولانا سيد الشهداء يوم عاشوراء عند فقده أخاه العباس، صلوات الله عليهما.

لحظات مرّت كقرون، لا تسمع فيها إلا البكاء والنحيب وأصوات الأسى واللوعة. بعدها نهض السيد الصادق متكئا على نجله السيد الحسين، ومشى بخطوات متثاقلة نحو الجثمان المقدس حتى وقف أمامه باتجاه القبلة. وصمت سماحته صمتا حزينا لبرهة، بعدها لم يشرع بالصلاة فورا، فقد أمر بإزالة صور ضخمة كانت منصوبة في المكان لغرض سياسي معلوم. وعندما رُضِخ لأمره وتم تغطية الصور، رفع سماحته يديه المقدستين وكبّر التكبيرة الأولى إيذانا ببدء الصلاة على روح الفقيد العظيم.

وما أصعبها من لحظات على قلوب المحتشدين، داخل وخارج الحرم، المعممون منهم وغير المعممين، الرجال والنساء والأطفال، فقد انهمرت فيها الدموع وتعالت فيها الأصوات، وكانت كل كلمة يتفوّه بها السيد الصادق مدرّة لمزيد من الدموع والآهات.. ولن أتحدث عن صوته الحزين الرخيم الذي أبكى قم كلها، فإن ذلك مما يصعب وصفه حقا.

وبعد الصلاة رُفِع الجثمان الشريف وأُخِذ مجددا إلى الضريح المقدس للسيدة المعصومة صلوات الله عليها، لتوديعها الوداع الأخير. ثم توجه الموكب إلى منزل الإمام الفقيد حيث كان القبر الشرعي قد حُفِر هناك تنفيذا لوصية الإمام بدفنه في منزله.

وهنا أجد نفسي مضطرا - على مضض - لأوقف القلم عن الاسترسال في بيان ما جرى، منتظرا انتقام الرب الجبّار، وما ذلك على الله بعزيز. وإلى أن يشاء الله تبارك وتعالى ذلك، فسيظل ما حدث راسخا بذهني ما حييت.

و»نعم الحكم الله، والزّعيم محمدّ، والموعد القيامة، وعند الساعة ما تخسرون، ولا ينفعكم إذ تندمون، ولكل نبأٍ مستقرّ وسوف تعلمون، من يأتيه عذاب يخزيه، ويحلّ عليه عذاب مقيم«.

...

وا مظلوماه!

كانت هذه صرخة من هم وراء السياج، من رجال ونساء هالهم ما حدث في الطريق، فأتوا مذعورين إلى الروضة لعلهم يدركون دفن جثمان الإمام المظلوم، لكنهم بقوا وراء السياج مرغمين، فيما تمكنت أنا من أن أدخل إلى الداخل ومشاهدة ما يجري بفضل الله ورعاية أهل البيت عليهم السلام.

وإني والله أشعر الآن - وأنا أكتب هذه الكلمات - أني مغلول اليدين ومنعقد اللسان، لا أستطيع كشف الحقيقة. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

كل ما أستطيع أن أقوله في هذا المقام، أنني وددت لو انشقت الأرض وابتلعتني آنئذ، بل ليتهم دفنوني معه في لحده..

لقد كنت آخر من ألقى النظرة عليه قبل دفنه، حينما كُشِف عن رأسه المقدس وكان يشع نورا وبهاء..

وقد كان مبتسما! أجل كان مبتسما.. بل أشهد أن ابتسامته كانت على نحو عجيب أذهلني وأذهلهم، عليهم من الله ما يستحقون.

وكان معصّب الرأس بعصبة مكتوب عليها: »يا علي أدركني«. فوالله لقد استقبله المولى أمير المؤمنين صلوات الله عليه.. وهذا هو سر ابتسامته.

فهنيئا لك يا أبتاه.. هنيئا لك لقيا أبيك حيدر، هنيئا لك لقيا أمك الزهراء، هنيئا لك لقيا جدك المصطفى، وكيف لا تبتسم يا سيدي وهم يمدون سواعدهم إليك ليحتضنونك وقد كنت إليهم مشتاقا؟! كيف لا تبتسم وقد ارتحت من عناء دنيا لم يتركك ظَلَمتها؟! كيف لا تبتسم وقد كنت توّاقا لتلك الدار وذلك المقام وتلك الصحبة مع أجدادك الطاهرين؟!

نعم يا مولاي.. لقد آن لك أن ترتاح بعدما حرموك في الدنيا من الراحة، وآن لك أن تبتسم حقا بعدما كانت ابتساماتك لنا في الدنيا مشوبة بالحزن الذي كنت تخفيه في قلبك الدامي!

لقد قضى الله على أوليائه أن يعيشوا مظلومين، وأن يستشهدوا مظلومين، فهنيئا لك يا ابتاه.. نَمْ قرير العين فقد فزت فوزا عظيما.

...

كان نعمة من الله في حياته، وسيظل نعمة من الله حتى بعد استشهاده، كما هو شأن كل الأولياء الصالحين، والبررة الأتقياء المؤمنين.

كنا نتوسل به إلى الله وإلى أهل البيت لقضاء حوائجنا وهو حي بيننا، والأمر على منواله، فلقد ظهرت كراماته منذ اليوم الأول لدفنه في مرقده الذي غدا مقصد طلاب الحوائج إلى جوار محجة الموالين.. ضريح مولاتنا المعصومة سلام الله عليها.

قبل أيام قليلة تناهى إلى المسامع الكرامة التي حظي بها الحاج (متين بور الأصفهاني) وهو من أتقياء مدينة أصفهان الإيرانية. كان هذا الحاج قد التزم منذ أكثر من ثلاثين عاما زيارة مسجد جمكران المقدس كل ليلة أربعاء من كل أسبوع، رغم أن الطريق من أصفهان إلى قم يتطلب حوالي ست ساعات، وكذلك العودة. وفي السنوات الأخيرة، التزم الحاج (متين بور) أيضا زيارة الإمام المظلوم الراحل في بيته، قبل أو بعد انتهائه من زيارة المسجد المقدس لصاحب الأمر صلوات الله وسلامه عليه.

ولدى الحاج الأصفهاني مشكلة عويصة، حيث قام أحد المحتالين من مدينة كاشان بالنصب والاحتيال على ابنه في عمليات تجارية وهمية أدت إلى خسارته مبلغ عشرة ملايين تومان إيراني، وهو مبلغ كبير جدا على أسرة الحاج الأصفهاني، الكاسب المستضعف.

والعشرة ملايين استولى عليها هذا المحتال الكاشاني بطريقة لا يعاقب عليها القانون، فهو يتقن وسائل النصب والاحتيال - قانونيا - وقد استولى أيضا على مبالغ أخرى من عدة أشخاص، منها مبلغ ثلاثمئة ألف تومان لم يستطع صاحبها استرجاعها منه بأية طريقة، فكيف بذلك المبلغ الكبير؟!

يقول الحاج متين بور الأصفهاني: »كنت في أسوأ أنواع الضيق والحسرة على ما تعرّض له ابني من نصب من قبل هذا المحتال، وقد ذهبنا إليه أكثر من عشرة مرات على أمل أن يعيد إلينا مالنا لكنه كان يرفض ويطردنا ويكاد يبطش بنا بما لديه من نفوذ وقوة. ونحن أسرة مستضعفة ولا نتمكن من مقارعته.

وفي ليلة الأربعاء الأخيرة (وهي الليلة التالية لدفن الإمام المظلوم الراحل) سافرت من أصفهان متوجها كعادتي إلى مسجد جمكران، وبعد انتهائي من أعمال الزيارة أتيت إلى مرقد الإمام رحمة الله عليه الذي أفجعتني وفاته، فزرته وبكيت عنده بكاء شديدا وبقيت عنده إلى الصباح.

وخاطبته قائلا: سيدي ومولاي.. لقد كنتُ ملتزما منذ سنين طويلة بأن أزورك كل ليلة أربعاء في حياتك، كنت أزور مولانا إمام الزمان ثم آتيك لأزورك يا نائب إمام الزمان، وكنتَ دائما تستقبلني برحابة صدرك ولا تردني رغم مشاغلك وأعبائك الكثيرة. والآن أنا أطلب منك يا سيدي هذه الحاجة بعد وفاتك، وهي أن تشفع لي عند الله في أن أسترجع أموالنا من ذلك المحتال.

إنك تعلم أننا مثقلون بالديون وحالتنا المادية صعبة للغاية، ولقد كنت أنت تواسيني في حياتك، والآن لم يعد هناك من يواسيني، فأرجو منك يا سيدي أن لا تردني وتطلب لي هذه الحاجة من الله تعالى«.

يضيف الحاج الأصفهاني قائلا: »وعندما خرجت من الحرم الشريف أوقع الله في قلبي أن أدع ابني يذهب للمرة الأخيرة إلى ذلك المحتال، فعدت إلى أصفهان وقلت لابني: اذهب إليه. فقال لي: إنه كاد أن يبطش بنا، وقد ذهبنا إليه أكثر من عشر مرات دون جدوى، فما الفائدة من الذهاب إليه مرة أخرى؟! فقلت له: لقد توسلت إلى الله بحق سيدنا الشيرازي وعند مرقده ولا أظن أنه سيردنا خائبين، فاذهب إليه هذه المرة وإن شاء الله يكون الخير.

ذهب ابني إليه كما أمرته، والمفاجأة أنه عندما عاد إليّ كانت بيده الأموال كاملة! فقلت له: ماذا حدث؟! فقال لي: لقد ذهبت إليه فاستقبلني بشكل عجيب ولم يوبخني ولم يطردني، وكان مرعوبا، وأعطاني المبلغ كاملا طالبا إبراء الذمة، بل وأبدى ندمه على ما فعله بحقنا«!

نعم.. ليس ذلك بغريب على السيد المظلوم الطاهر، ذا المقام العظيم عند الله تعالى، وعند أوليائه صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

فثمة كرامة أخرى انتشرت في أوساط قم أيضا، وهي تتعلق بطفلة يبلغ عمرها حوالي العام، وهي مريضة بمرض خطير استعصى على الأطباء أن يعالجوه.

دار في خلد والدة الطفلة أن تتبرك بإحدى آثار الإمام ومتعلّقاته رضوان الله تعالى عليه، فقامت باستعارة المسبحة التي كان الإمام الراحل يذكر الله بها، حيث كان من عادته أن يقول كل ليلة (لا إله إلا الله) ألف مرة طوال هذه السنوات. وعندما علّقت والدة الطفلة المسبحة الشريفة على رقبة ابنتها، لم تمض إلا سويعات حتى شُفِيت الطفلة بإذن الله شفاء تاما أذهل الأطباء!!

ولا أنسى أيضا أن أذكر الكرامة التي حصلت لأحد شبابنا الكويتيين الذين كانوا معنا في التشييع، فزوجة هذا الأخ كانت تعاني من العقم، ولم ينفع معها العلاج الطبي طوال أربعة أعوام، ومهما راجعت من الأطباء والمختصين لم تؤتِ مراجعاتها بأية نتيجة.

وكان صاحبنا - ككل الناس - يأمل بأن يكون له عقب وولد صالح يحمل اسمه، فناجى الإمام المظلوم عند مرقده الشريف وطلب منه هذه الحاجة، ونذر عنده إنْ رزقه الله بولد أن يتكفل من ماله الخاص بطباعة أحد كتبه - سواء المطبوع منها أو المخطوط - بواقع ألف نسخة على الأقل.

وبعد أيام من عودته إلى الكويت، طلب صاحبنا من زوجته بأن تراجع المختبرات الطبية مجددا، فذهبت إلى إحداها وأجرت التحاليل الطبية، فإذا بالممرضات يبشرنها بالنبأ السعيد: »أنت حبلى«!! ولم تصدق الأخت ذلك، فراجعت مختبرا آخر وأجرت التحاليل والفحوصات مرة أخرى حتى يطمئن قلبها، فإذا بالنتيجة ذاتها تظهر لتكشف المقام العظيم لإمامنا العظيم. وهاهو صاحبنا يستعد الآن لتبني طباعة أحد كتبه وفاء لنذره.

وهناك كرامات أخرى لم يسمح أصحابها بنقلها ونشرها، ولعل حينا آخر يُسمح فيه بإذن الله.

تبقى عظيم الشأن وجيها عند ربك يا أبتاه.. رحمة الله وبركاته ورضوانه عليك.

...

فيا سيدي.. أيها الإمام المظلوم..

يا مَن ظلمتك الدنيا رغم أنك لم تأخذ منها شيئا، فقد غبت عنها وأنت لا تملك إلا الثياب المرقّعة التي كنت ترتديها، بل غبت عنها وأنت مدين بالملايين التي اقترضتها في سبيل نشر دين الله، على سنة أجدادك الطاهرين المعصومين عليهم الصلاة والسلام الذين استشهدوا جميعا وهم مدينين..

يا من علّمتنا كيف نكون شجعانا صابرين على المكاره والبلاء، عندما حاولوا اغتيالك مرات عديدة، وعندما قتلوا أخاك، وعندما اقتحموا عليك بيتك، وعندما زجوا بأبنائك وأتباعك في غياهب السجون، بل عندما وضع وحوش الاستعمار الغربي كل ثقلهم للتخلص منك كي يثأروا من أجدادك من آل الشيرازي الذين قلبوا الدنيا عليهم بثوراتهم.. كنت يا سيدي في كل هذه الرزايا والبلايا، جبلا شامخا في التحدي والصبر والشجاعة والثقة بالله عز وجل.

يا مولاي ونور عيني..

هذه تمتماتي وكلماتي المبعثرة أرسلتها بين يديك، فأرجو أن أكون قد أديت ولو جزءا يسيرا مما لك في عنقي..

يا مولاي.. أتوسل إليك بحق أمك الزهراء أن لا تنساني كما أعاهدك على أن لا أنساك، وعلى أن أبقى وفيا لمبادئك العظيمة وقيمك السامية، وعلى أن أسعى بكل ما أوتيت من قوة لأجل تحقيق طموحاتك في الحياة.. ومنك يا سيدي أستلهم الشجاعة والصبر والإقدام، وبك أقتدي في شدة إخلاصك لله وذوبانك في أهل بيت الرحمة صلوات الله عليهم..

سأبقى أردد اسمك ووصاياك، وستظل صورتك محفورة في قلبي، فكل شيء في هذه الدنيا يذكرني بك، صلاتي تذكرني بخشوعك، دعائي يذكرني بنجواك، عملي يذكرني بجهادك، آهاتي تذكرني بآلامك، وأما زياراتي لأئمتي وسادتي.. فتذكرني بحرمانك منهم على يد الجائرين.

إنْ ذهبتُ إلى المسجد فسأرى محرابك الذي طالما كنت تصليّ فيه بنا، سأراك هناك يا سيدي متهجدا كعادتك. وإن وصلتُ إلى كربلاء فسأذكر قيامك هناك إماما للناس في حرم جدك، وسأراك هناك يا سيدي دامع العينين وأنت تقول: »لقد اشتقت إلى كربلاء«..

آه آه يا سيدي لو تعلم كم هي الدنيا مظلمة في عيوننا بعدما أغمضت عينيك، فصرنا يتامى بعدك يا أبتاه..

سيبقى صدى صرخــــــة اليُتْم فـــي الآذان: وا أبتاه.. وا أبتاه..

 

   

أعلى