الفهرس

 

 

الصفحة الرئيسية

 

 

اغتيال جنازة!

 

 

الحقد له أول.. لكن ليس له آخر!

وقد يتوقف البغض عند حد، لكن الحقد صعب أن يتوقف عند حد معين، بل هو يستمر بصاحبه الحقود إلى ما لا نهاية!

نعم.. لا يكفي الحقود أن يرى غريمه قد مات مثلا وانتهت حياته وذهبت أملاكه، بل ولا يكفيه أن يراه قتيلا وقد مُثِّل بجثته، بل ولا يكفيه أن يجده مقطع الأوصال مضرجا بالدماء.. كل ذلك لا يكفيه ولا يشفي غليله.

وعندما نأتي على ذكر الحقد، فإن أبرز مرادف ومثال له يتبادر إلى الذهن هو تلك المرأة الحميراء، حتى أن الحقود الممتلئ حقدا من رأسه حتى أخمص قدميه يُنسَب إليها، وفي اللغة الشعبية الدارجة لأهل مصر اليوم يقول الرجل منهم للحاقد عليه إذا ما وقعت بينهما مشادة: »أنا حَ أعمل فيك عيشه« بمعنى أنني سأجعلك تموت غيظا وحقدا دون أن تتمكن مني، كما حصل إذ حاربت المرأة أمير المؤمنين صلوات الله عليه في معركة الجمل تنفيسا لحقدها الدفين عليه ولكنها رجعت مهزومة ذليلة تجر أذيال الخزي.

وعندما عادت إلى المدينة كان صدرها يغلي على علي بن أبي طالب صلوات الله عليهما، وبقيت منطوية على غيظها عليه مدة خلافته القصيرة، حتى إذا جاء نعيه سجدت لله شكرا وأظهرت السرور وقالت:

»فألقت عصاها واستقر بها النوى

كما قر عينا بالإياب المسافرً«!

ثم سألت عن قاتله فقيل لها عبد الرحمن بن ملجم المرادي لعنه الله، فقالت:

»فإن يكُ نائيا فلقد نعاه

غلام ليس في فيه الترابُ«!

ورغم إحسان رسول الله وأهل بيته صلى الله عليهم لها، ورغم ما تحملوه منها، فإنها لم تقابل الإحسان إلا بالإساءة، فهي التي تظاهرت على رسول الله فأنزل الله فيها وفي صاحبتها ما أنزل، وهي التي آذت الزهراء سلام الله عليها بل وتمارضت في يوم استشهادها لئلا تعزي بني هاشم، ثم أظهرت شيئا من السرور كما نقله ابن أبي الحديد المعتزلي في شرح النهج ج9 ص192!!

ولكن هل يتوقف حقد المرأة عند بلوغها نبأ استشهاد علي بن أبي طالب عميد أهل البيت؟ كلا! بل بقت على حقدها لأهل بيت النبي صلى الله عليهم طوال حياتها، فهو حقد لم ينتهِ ولا يمكن أن ينتهي!

ففي يوم استشهاد الإمام الحسن المجتبى صلوات الله وسلامه عليه، سبط رسول الله وحبيبه وقرة عينه، لم يكفها سماعها النبأ وأبت إلا أن تغتال جنازته!!

كان الإمام عليه السلام قد أوصى أخاه أبا عبد الله الحسين عليه السلام بأن يدفنه إلى جوار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فجاء في وصيته سلام الله عليه: ».. وأن تدفنني مع رسول الله صلى الله عليه وآله فإني أحق به وببيته، فإن أبوا عليك فأنشدك الله بالقرابة التي قرب الله منك والرحم الماسة من رسول الله صلى الله عليه وآله أن لا يهراق من أمري محجمة دم حتى تلقى رسول الله فتخصمهم وتخبره بما كان من أمر الناس إلينا«.

وفي يوم التشييع المهيب، توجه المشيعون يتقدمهم أبو عبد الله الحسين صلوات الله عليه بجثمان الإمام أبي محمد الحسن صلوات الله عليه إلى مرقد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وبينما هم كذلك إذ شاهدهم الوزغ بن الوزغ مروان بن الحكم، فجاء إلى المرأة وقال لها: »يا أم المؤمنين! إن الحسين يريد أن يدفن أخاه مع رسول الله، والله لئن دفن الحسن بجوار جده ليذهبن فخر أبيك وصاحبه عمر إلى يوم القيامة«!

واشتعلت نار الحقد من جديد في نفس المرأة الحميراء، فركبت بغلة شهباء وأقبلت إلى موكب التشييع وهي تصيح وتصرخ: »لا تدخلوا بيتي من لا أحب! إنْ دُفِن الحسن في بيتي لتُجَز هذه - وأومأت إلى ناصيتها«!

ولما رأى محمد بن الحنفية موقفها المرير انبرى إليها وقد قدّ قلبه قائلا بنبرات تقطر غضبا: »يا هذه! يوما على جمل ويوما على بغل فما تملكين نفسك ولا تملكين الأرض عداوة لبني هاشم«!!

وردت المرأة عليه قائلة: »نحوا ابنكم واذهبوا فإنكم قوم خصمون«!!

وانعطف نحوها ابن أخيها القاسم بن محمد بن أبي بكر فزجرها وردعها عن موقفها قائلا: »يا عمة، ما غسلنا رؤوسنا من يوم الجمل الأحمر، أتريدين أن يُقال: يوم البغلة الشهباء«؟!

وأقبل إليها ابن عباس وهو لا يبصر طريقه من الغضب فسدد إليها سهما من منطقه الفياض قائلا لها: »يوما على بغل ويوما على جمل، تريدين أن تطفئي نور الله وتقاتلي أولياءه«!!

ثم قال لها:

»تجمّلتِ تبغَلتِ

ولو عشتِ تفيّلتِ

لك التسعُ من الثمنِ

وفي الكلّ تصرفتِ«!!

ومعنى كلام ابن عباس، أنك يا فلانة قد ركبت الجمل يوما فأهرقت دماء آلاف من المسلمين، والآن تركبين البغل عداوة لسبط رسول الله، ولو عشت لركبت الفيل في المستقبل! وأنت لك من ميراث رسول الله التسع من الثمن، أي أنه لا يحق لك التصرف في بيت رسول الله إلا بمقدار ضئيل، فعلى أي أساس تتصرفين بالبيت كله وتمنعين سبط رسول الله من الدفن إلى جوار جده؟!!

لكن المرأة تدرك أن في دفن الحسن صلوات الله عليه إلى جوار جده صلى الله عليه وآله وسلم ذهابا لفخر أبيها وصاحبه عمر إلى يوم القيامة كما أعلمها بذلك مروان بن الحكم، فهل يمكن أن تقبل بذلك وهي التي تشتعل غيظا وحسدا وبغضا وعداوة لأهل البيت؟! بالطبع لا! فما كان منها إلا أن أمرت جنود بني أمية بالتدخل لاغتيال الجنازة ورميها بالسهام والنبال ومنع المشيعين بالقوة من دفن الجثمان المقدس في المكان الموصى به!!

وهكذا كان؛ حيث قام جنود بني أمية برمي جنازة الإمام المظلوم الحسن المجتبى صلوات الله وسلامه عليه حتى استل منها سبعون سهما!! ووقعت المصادمات العنيفة بين الناس، وأشهر أبو الفضل العباس صلوات الله عليه سيفه وهو يريد تلقين الأوغاد درسا، ولكن الإمام الحسين صلوات الله عليه أمره بإرجاع سيفه إلى غمده امتثالا لوصية الإمام الحسن صلوات الله عليه بأن لا يهراق في أمره محجمة من دم حتى يلقى رسول الله فيشكو إليه.

وإثر ذلك تحول مسار الجنازة الشريفة إلى البقيع الغرقد، حيث دفن سيدنا ومولانا الإمام الحسن عليه السلام هناك مغصوبا، كما عاش مقهورا، واستشهد مسموما مظلوما!

وهذه هي سيرة الأئمة والأولياء والصالحين، وكل من هو في طريق الله عز وجل. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وإنا لله وإنا إليه راجعون، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.

 

   

أعلى