|
|
|
كتم السرّ من لوازم المروءة فإن في إفشائه أما فضيحة على من أذيع عنه إن كان ذلك المذاع من الرذائل غير متجاهر بها والله سبحانه يحبّ الستر على المؤمنين إبقاء لحيثياتهم في الجامعة وكلاءة لعضويتهم فيها فإن الحطّ من الكرامة يوجب سقوط محلّه بين الناس ويعود منبوذاً بينهم فلا يصغى لقوله ولا يحترم مقامه فيختلّ التكاتف والتعاون على حفظ النظام ويكون ذلك مبدءاً لتجري الغير كما هو مقتضى الجبلة البشرية، ومثالاً لنفرة أُناس ممّن يترفّعون عن أمثالها فتسود المنابذة وتحتدم البغضاء وإذا كان المولى سبحانه وهو القابض على أزّمة الخلق القادر على كشف ما انطوت عليه ضمائرهم يستر عليهم ويفيض ألطافه مع التناهي في الطغيان وينادي كتابه العزيز: (إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم). ولمّا سأل رسول الله (صلى الله عليه وآله) ربّه جلّ شأنه أن لا يحاسب أمتّه بحضرة الملائكة والأنبياء فيطّلعوا على عيوبهم قال تعالى يا حبيبي أنا أرأف بعبادي منك وإذا كرهت كشف عيوبهم عند غيرك فأنا أكره أن أكشفها عندك فأحاسبهم وحدي بحيث لا يطلع على عثراتهم غيري(1). فإفشاء السرّ وإذاعته ممنوع منه سواء كان فيه العيب والنقص على الشخص بخروجه عن قانون الشريعة أو لم يكن فيه العيب لأن في إذاعة السرّ إيذاء له وهتكاً لحرمته وخيانة لما استودع له فإن الحديث بين الناس أمانة(2) إذاً فهو محرم بجميع أقسامه سواء كان بالغيبة أو النميمة أو بالإفضاء لمن لا يرضى صاحب السرّ عليه غيره لكونه إيذاء له فلا يوصف به مؤمن فاضل ولا إنسان كامل إلا من ضربت الخسّة في عنصره ومدت الدناءة فيه عروقها. ومن هذا تعرف كيف بلغ اللؤم ورداءة المنبت بعمر بن سعد حين أفضى بالسرّ الذي أودعه عنده مسلم بن عقيل وذلك أن ابن عقيل طلب من ابن زياد أن يوصي إلى بعض قومه فأذن له فنظر إلى الجلساء فرأى فيهم ابن سعد فقال له أن بيني وبينك قرابة ولي إليك حاجة ويجب عليك نجح حاجتي وهي سرّ فأبى أن يمكنه من ذكرها فقال ابن زياد لا تمتنع من النظر في حاجة ابن عمّك فقام معه بحيث يراهما ابن زياد فأوصاه مسلم (عليه السلام) أن يقضي من ثمن سيفه ودرعه ديناً استدانه منذ دخل الكوفة يبلغ ستمائة درهم(3) وأن يستوهب جثته من ابن زياد ويدفنها وأن يكتب إلى الحسين بخبره. فأفشى ابن سعد جميع ذلك إلى ابن زياد فقال ابن زياد لا يخونك الأمين ولكن قد يؤتمن الخائن(4). لم يفت مسلماً ما عليه ابن سعد من لؤم العنصر وأنه سيفشي بسرّه بين الملأ لكنّه أراد تعريف الكوفيين بأن هذا الذي يعدّونه من كبرائهم ويتبجّح بأن أباه فاتح البلاد هذا حدّه من المروءة وموقفه من الحفاظ فلا يغترّ به أحد إذا تحيّز إلى فئة أو جنح إلى جانب فإنه لا يهوى إلا مثله وهناك دقيقة أخرى لاحظها مسلم في هذه الوصية وهي الإرشاد إلى أنّه ومن يعقبه من الرهط الهاشمي لم يقصد هذا المصر لاستنزاف أموالهم وإنّما جاؤوا منقذين وملبّين لدعوتهم ونشر الإِصلاح فيهم وأول شاهد على ذلك أنّه أيّام إقامته بالكوفة لم يمدّ يده إلى بيت المال على أنّه جاء والياً يتصرّف كيف شاء وتحت يده ما يجمع من المال إلاّ أنّه قضى أيّامه البالغة أربع وستّين يوماً بالاستدانة وهكذا ينبغي أن يسير أولياء الأمور فلا يتّخذون مال الفقراء مغنماً وأين من يفقه هذه الأسرار.
|
|
|
1 - جامع السعادات ص339 طبع إيران. 2 - المصدر السابق ص340. 3 - في الأخبار الطوال ص241 يبلغ ألف درهم وفي تاريخ الطبري ج6 ص212 يبلغ سبعمائة درهم. 4 - الإِرشاد. |