فهرس الكتاب

مكتبة السيدة زينب (ع)

مكتبة الموقع

 

الإسلام والمواساة

ان الإسلام، قد حث على المواساة ورغب فيها، وجعل لمن اتصف بها اجراً عظيماً، وثواباً جزيلاً إضافة الى العقل المحب للمواساة والداعي إليها، كيف لا وهي من اقوى العوامل الأخلاقية التي ترص صفوف المجتمع، وترفع نواقصهم، وتسد حاجاتهم، وتزيدهم اجتماعاً واتحاداً وتعاضداً وتكاتفاً، علماً بان التآلف والتكاتف هو من الأهداف الأصلية للدين والتدين، وكله نتيجة المواساة ومن بركاتها، ولذلك تواترت الروايات في التحريض عليها وعلى الاتصاف بها.

مثل ما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام) في بيان حقوق الاخوان حيث جاء فيه: (… والحق الخامس: ان لا تشبع ويجوع، وان لا تروى ويظمأ، وتلبس ويعرى)(35).

ومثل ما في اصول الكافي عن الإمام الصادق(عليه السلام) ايضاً قال: (المسلم اخ المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يخونه، ويحق على المسلمين الاجتهاد في التواصل، والتعاقد، والتعاون والتعاطف، والمواساة لأهل الحاجة، وتعاطف بعضهم على بعض، حتى تكونوا كما امركم الله عزوجل رحماء بينكم متراحمين، مغتنمين لما غاب عنكم من أمرهم، على ما مضى عليه معشر الأنصار على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)(36).

ومثل ما في الكافي ايضاً عن أبي إسماعيل قال: (قلت لابي جعفر(عليه السلام) جعلت فداك ان الشيعة عندنا كثير.

فقال: فهل يعطف الغني على الفقير؟ وهل يتجاوز المحسن عن المسيء، ويتواسون؟.

فقلت: لا.

فقال (عليه السلام): ليس هؤلاء شيعة، الشيعة من يفعل هذا)(37).

فكل واحد من هذه الأخبار اعتبر صفة المواساة علامة للمسلم والشيعي، ووساماً للإسلام والإيمان.

ثم ان أول شخص أبدى المواساة من نفسه في الإسلام هو الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) حيث واسى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بنفسه ليلة المبيت، ويوم أحد حيث نالته تسعون جراحة نافذة وعميقة، حتى قال جبرئيل لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في ذلك: (ان هذه لهي المواساة) وواسى باولاده محمد بن الحنفية وغيره، أولاد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الإمامين الحسن والحسين (عليهما السلام) في الجمل وصفين والنهروان حتى قال لولده محمد في توجيه أوامر الهجوم على الأعداء اليه دون اخويه الإمامين: بني انك ابني، وهؤلاء أبناء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

وواسي بأمواله كلها الفقراء والمساكين حتى انفق أقراص إفطاره، مما نزلت فيه (عليه السلام) قوله تعالى: (ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً)(38).

ثم تجلت صفة المواساة هذه من الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في أبنائه، فكان اول من اظهر من نفسه المواساة بعد الإمام أميرالمؤمنين (عليه السلام) وذلك في يوم عاشوراء، ابنه الوفي، قمر بني هاشم ابو الفضل العباس بن أمير المؤمنين(عليه السلام) حيث انه كان أول من واسى أخاه الإمام الحسين (عليه السلام) في يوم عاشوراء، وذلك عندما ملك الشريعة واغترف من الماء غرفة، فلما ان أدناه من فمه وأحس ببرده تذكر عطش اخاه الإمام الحسين(عليه السلام)، فصب الماء على الماء، وخرج عطشاناً بعد ان ملأ القربة ماءاً، مواساة لأخيه، وهو يحاول إيصال الماء الى الخيام والى أخيه الإمام الحسين(عليه السلام).

وهذا الموقف الكريم من العباس(عليه السلام) تلقى منه القبول، وشكره عليه الله ورسوله والأئمة الطاهرون (عليهم السلام)حيث جاء عنهم في زيارته: (فنعم الأخ المواسي لاخيه)(39).

وكان ثاني من اظهر من نفسه المواساة بعد الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) ابنته الوفية عقيلة بني هاشم السيدة زينب (عليها السلام) فانها واست أخاها الإمام الحسين (عليه السلام) على كل حال، وفي كل زمان ومكان، وفي كل مصيبة ورزية، من النفي والتبعيد، والمطاردة والتشريد، والجوع والعطش، وفقد الاخوة والاولاد، وقاسمته باختيار الاسر بعد ان اختار هو(عليه السلام) الشهادة، وواسته حتى في سوق الكوفة حين وقع نظرها الى رأس أخيها (عليه السلام) يقطر دماً، فنطحت هي(عليها السلام) جبينها بمقدم المحمل حتى سال الدم من طرف قناعها وتقاطر على الأرض(40).

فما اكبر هذه المواساة وأعظمها، وما أجملها وأكرمها، فنعمت الأخت المواسية.

 

35 - الخصال ص350 باب المؤمن على المؤمن سبعة حقوق.

36 - راجع بحار الانوار ج75 ص39ب16 ح17.

37 - الكافي ج2 ص173 ح11.

38 - الإنسان: 8.

39 - المزار ص124 باب زيارة العباس بن علي (عليه السلام).

40 - بحار الانوار ج45 ص112 ب39 ح1.